قراءات نقدية

جنان الشعر في (فراديس إينانا) للشاعر يحيى السماوي

في المجموعة الشعرية (فراديس إينانا) للشاعر يحيى السماوي، سنطوف ونحلق عالياً في فضاءات شعرية الى فراديس الملحمة الخالدة (كلكامش)، تلك التي ثبتت في الأرض، ليستلهم منها الشعراء، عالمهم الرحب، ونكون مع إينانا إلهة المطر والخصب والحكمة والحب والجنس في ملحمة (كلكامش)، ومع أنكيدو، وأنليل وخمبابا، بل إننا سنكون مع حضارة اوروك، ومعالمها البهية، حيث يغوص الشاعر عميقاً، في هذه الفراديس، مع نفحات إيمانية من وحي القرآن الكريم، ومع الحياة بكل تقلباتها، على أرض الحب والجمال، بلدنا الحبيب وهو ينوء يثقل كاهله بحمل كبير، فقد تمكن الشاعر ومن خلال هذه المجموعة، أن يتفاعل مع هذه الرؤى الفنية، فيصنع لنا قصائده الشعرية، وهو يستمد من لغة القرآن الكريم، ولغة الملحمة الشعرية، ودورة الحياة في البلد وما يحدث، والحب الخالد، وسني العمر التي ترحل سريعاً، ليجعلها مفردة شعرية مركبة، ثم صورة استعارية تنتمي لهذه التفاعلات، لتكون قصيدة شعرية ملونة تدور وتتمحور مع حضارة البلد، وكأنه يسحبنا من عالمنا الى عوالم تلك الفراديس، ونطوف في اوروك، وشخصيات الملحمة، كل حسب دوره ومكانه وما قدم فيها، لكنه يستحضرهم ليؤازروه ويساندوه ويكونوا  معه، وهو ينوء بالكثير من الأحمال التي تدفعه لرسم ملامح قصيدة شعرية، ذات أكثر من بعد وأكثر من رؤية وأكثر من صورة، فلم يكن الطواف في مدينة أوروك  إلا صرخة احتجاج لواقع فقد الكثير من الجمال، والخير والأمان والحب والطمأنينة والسلام والأمن، وهو يذكرهم ويذكرنا بأن العمر عبر السبعين، وبات يرى كل شيء بشكل أنضج، وغدا الحس الشعري الذي يمتلكه يحلق في الفضاء الى أعمق ما يحتاجه الشاعر من معانٍ تلهب النفوس، وتثير المشاعر، وتشحن الذهن بقصائد ناضجة مشحونة بسحر الكلمة التي انطلقت من شاعر خبر الكثير من خباياها، ولم يعد يكتب  إلآ الشعر ولا يعيش  إلآ له، وهو يقدم لنا هذه التجربة الجديدة والحديثة، بكل ألوانها، وعملية بنائها المغاير والمختلف، وهو يستمد جمالها من كل شيء مكث في الأرض، وظل خالداً ولا تمحوه الازمنة، ويظهر التأثير واضحاً في تلك القصائد، في تكوينها وتشكيلها، كونها طوافاً  في هذه الفراديس، وهو يقدمها بروحها ولغتها وسر خلودها.3758 فرتيس اينانا

في قصيدة (هبوط إينانا من عالمها العلوي) يقدم لنا الشاعر هذا التفاعل الذي يضفي على جمال القصيدة سحرها الأخاذ، إذ أن إينانا تهبط لترى وجه الأرض المتناقض القبيح، وتبوح بسر جمال فردوسها الازلي، وانوثتها المبهرة:

هَبَطت من بُرجها العلويّ إينانا

احتجاجاً

ضد أنليل وما يكنز من تبرٍ

ومالٍ وقيانْ

*

ورياشٍ في رحابِ " المعبد الأخضر"

في وادي اليتامى..

والمُرائين المُصَلْينَ أمامَ الناسِ

جهراً

ووراءَ السورِ مانال امرؤ القيس من اللذاتِ

زادًا وكؤوسًا وقصورًا وغوانْ

وتستمر القصيدة في انثيالاتها الشعرية الحالمة الشفيفة لتأخذنا الى جمال اوروك وسحر النساء فيها، وفي نهاية القصيدة، تشير الى وجه الاختلاف:

فلماذا أصبحوا الآن كأسنان التماسيحِ

وقد كانوا كما أسنانُ مِشطٍ

ما الذي صَيَّرَ أوروكَ جحيماً

بعدما ما كانت جنانً؟

*

حانَ وقتُ الفصلِ بينَ الصدقِ والزيفِ

وبين اللهِ والاصنامِ

حانْ

وفي قصيدة (الماء أحرقني فأطفئيني بلظاك) يقدم لنا الشاعر طوافاً آخر في فراديس أوروك، وغاباتها ومتاهاتها، وسط الضياع الذي يكسوه، وهو يناجي معشوقته متلهفاً لرؤيتها، مشتاقاً لكل ما فيها:

مُتعثّراً بخطايَ جئتُكِ

هارباً مني إليكِ

دخلت ليلَ الغابة الحجريةِ الأشجار

أبحثُ عنكِ

لكنْ

ليس من أثر يقودُ إليكِ

فالليل البهيمُ

أضاع خطوي عن خُطاكْ

وتستمر القصيدة نحو هذا المحتوى حتى نهايتها، وفي قصيدة (الامتلاء فراغاً) نجد هذه التراكيب الفنية المستحدثة تتفاعل وتنصهر في بوتقة واحدة، لتعطينا صورة مغايرة لحياة اوروك، وتنقل لنا الحياة الجديدة وانقلابها:

لستُ أدري

أيًّ ربٍّ أتّقيهْ

كاهنُ المعبدِ لصِّ

ووليُّ  الأمرِ دجّالٌ..

وكلًّ يطلبُ البَيعةَ في أوروكَ..

كلكامش باعَ السور أصهاراً

وأضحى قارئُ الفنجانُ والكفِّ فقيهْ

//

فإذا السارقُ قاضٍ

وإذا النُّكْرُ وجيهْ

//

وإذا بالشمسِ تستجدي من الفانوس ضوءاً

ليس ما يملؤني إلآ فراغُ القلبِ

ممن يَسْتبيهْ

ونكون مع رحلة السبعين عاماً في قصيدة (جفاف بعد سبعة أنهار وسبع سواقٍ) ويكشف لنا الشاعر في هذه القصيدة تداعيات الرجل الذي تجاوز السبعين، وآثار السنين على رحلة عمره، ونقرأ في موطن من هذه القصيدة:

كل ما أعرفهُ

أني أخيذُ الغابةِ

الصَّبُّ الفراتيُّ الذي جاوز سبعينَ

ولا زال غريراً

عَقَدَ الألفة بين الظبيِ والذئبِ

وبينَ الماءِ والنارِ

المُصَلَّي الرافعُ الكفَّينِ يدعو

للعصافيرِ بقمحٍٍ

وبوردٍ للفراشاتِ وبالأطفالِ للعاقرِ

والجائعِ بالخبزِ وبالأمنِ لقومي

والصحارى بالمطرْ

أما قصيدة (كُنا... فصرنا) نكون برحلة مع العمر حين يمضي، تغدو الذكريات اطلالاً وماضيا، ولا شيء سوى المناجاة والتداعيات:

مضى ما كانَ يَجمَعُنا فأمسى

بمقبرةِ المُنى والعشقِ رمسا

*

فما عُدت المُطلَّ عليَّ بدراً

ولا عُدتُ المُطِلَّ عليكَ شمسا

*

وكنا في الوئام ندىً وورداً

وكنا في اللقاء فماً وكأسا

وفي قصيدة (عتمة) نكون مع هذه التفاعلات، وهو يقدم لنا مدينة اوروك بقصيدة قصيرة، اوروك الآن وكيف أضحت، وليس اوروك الحضارة:

أوروك لا شمسٌ ولا نجمٌ..

وكهفي دونَ نافذةٍ..

وبستاني بلا شجَرٍ..

ولا من سامرٍ فيشدُّ من أزري

//

أما لليلِ في أوروكَ

من فجرِ!

وهكذا نكون قد طفنا بعالم الشعر الحديث، للشاعر يحيى السماوي، ونحن نختار جزءًا  يسيرًا من مجموعته الشعرية (فراديس إينانا) التي ضمت العديد من القصائد بكل أنماطها، وأنا أشعر بغبطة إذ شعرت بأن الشعر لازال عراقياً.

***

يوسف عبود جويعد

....................

* من اصدارات دار الينابيع – طباعة ، نشر، توزيع لعام 2022

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5935 المصادف: 2022-12-05 01:22:40


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5990 المصادف: الاحد 29 - 01 - 2023م