قراءات نقدية

مريم لطفي: الشعر الملحمي بين الماضي والحاضر.. بانوراما برجُ بابل إنموذجا

بانوراما برجُ بابل للشاعر الكبير جمال مصطفى

استهلال: تختلف الملاحم الشعرية تبعا للعادات الثقافية والموروث، وتعتبرالقصيدة الملحمية ألاقرب الى الشعر وهي تتحدث عن نضال المحاربين أو إنجازات الملوك، أو أنها تتحدث عن مكان بعينه أو بطل بعينه أو عدة أبطال .

والقصيدة الملحمية هي قصة طويلة ومثيرة تحاكي شاعريتها حدث ما أو بطل أستهوت بطولاته كاتب الملحمة، وكانت الملاحم تحفظ من عصر لعصر أما عن طريق الرواة قبل عصر التدوين أو عن طريق الالواح المرقومة فيما بعد..

إن الاساس في الشعر الملحمي هو أن يكون قصصيا، بمعنى أنه يقوم على السرد لحادثة أو سلسلة حوادث لايصال جوهر الفكرة التي قد تقوم على الخوارق والعادات والطقوس والخلط بين الحقيقة والاسطورة، بلغة صافية واضحة، فهي توضح الجوانب القومية لما تحويه من من أرث حضاري وتراث عريق يتناول الجوانب الدينية، الاجتماعية، الفكرية، السياسية، الاقتصادية، والحربية بفلسفة تحاكي روح العصر لتظهر الجانب البطولي والمشرق الذي يتفرد بقيم عالية في الموروث الشعبي متمثلا بشخص أو عدة أشخاص قاموا بأمر يعتبر خارقا أو بطوليا ويرتبط هذا الحدث بمكان البطولة وزمنها.

ويعتبر السرد أو القصة الشعرية إن صح التعبير هو المحور الذي يقوم عليه الشعر الملحمي، ولابد أن تدور أحداثه حول حقبة معينة مع سرد القصص التي حدثت فيها، ومن الممكن أن تتعدد القصص في الملحمة الواحدة مثل (الالياذة) والتي تعتبر منظومة شعرية طويلة جدا.

وتتميز القصائد الملحمية بكثرة موضوعاتها وتشعبها نظرا لصعوبة الفصل بين الحقيقة والاسطورة مما يجعل تهويل الاحداث والمبالغة فيها عنصرا اساسيا في الشعر الملحمي، اضافة الى التوظيف الفلسفي في تفسير الاحداث، واهم الملاحم الشعرية التي تميزت بتعدد موضوعاتها وتشعبها ملحمة كلكامش التي تعبر عن الوعي الانساني الاول من حيث الهدف والمضمون.

كما وتعتبر الموضوعية من أهم الركائز للشعر الملحمي، والموضوعية لاتعني ذات الكاتب، إذ إن هوميروس لم يقحم ذاتيته في الالياذة، إنما ترك الباب مفتوحا للشخصيات التي تحكي الوقائع من خلال تصرفاتها بكل حرية.

وتمتاز الملحمة الشعرية بعدد كلماتها الكثيرة وعدد أبياتها، كما تمتاز بفخامة الاسلوب ولغته الرصينة الرفيعة التي لايشوبها ضغف وهذا ماوجدناه في ملحمة كلكامش التي عبرت عن أسفار طويلة بطابع جمالي يبرز مدى الجهد المبذول واسلوبها الفخم الذي أسهم في خلودها كأروع ملحمة حيّة حتى يومنا هذا.

وتتداخل الاسطورة مع الملحمة، فالملحمة قد تضم بعضا من الاساطير وليس العكس، لان الاسطورة تتحدث عن الالهة فيما تتحدث الملحمة عن الاشخاص والاماكن.

وبعد هذه المقدمة الموجزة جدا نود أن نستأذن للدخول إلى بابل (بوابة الاله) الملحمة البابلية التي تضاهي بجمالها وفخامتها وتنوع مواضيعها ملحمة كلكامش، إنها ملحمة بانورامية في سفر بابل بقلم الشاعر الكبير جمال مصطفى والتي أرسى لها عنوانا: بانوراما برج بابل

قد جاءَ في ديباجة اللوحِ

الكتاب بأنّهُ

من ألفِ باب، كلُّ بابٍ ألفُ لوحٍ

هل قرأتَ؟

تبدأ القصيدة باستهلالٍ للدخول الى هذا العالم الشاسع الذي يطوي بين أطواره فجر الحضارة وسلالة التأريخ وولادة الحرف الأول، فالشاعر يخبرنا بأن البرج يتكون من ألف باب ولكل باب الف لوح، وحقيقة فالملحمة تعتمد على الاخبار وهو أحد شروطها الذي يعتمد على السرد والسارد، إذا ما أخذنا بالحسبان حقيقة وجود البرج الذي وصلتنا عن طريق التوراة والعهد القديم والرواة والالواح المرقومة.، وقد اختلف المؤرخون على مر العصور على حقيقة وجوده الذي ارتبط بعدة روايات منها قصة النمرود المعروفة، حيث ادعى الربوبية وغضب الله عليه وعنده تبلبلت الالسن، في حين إن اللغة جاءت على لسان كل نبي بلغة قومه،  أومنها إنه شيد من قبل سلالة نوح بعد الطوفان، ومنها أن الاسكندر الاكبر قام بهدم البرج واستخدم حجارته لبناء المسرح البابلي، ومهما يكن من أمر ومهما تعددت الروايات فالرواية الاكثر تصديقا إن البرج كان موجودا وقد تناقلت وجوده الالسن والالواح وهذا ماذكره الشاعر في مطلع القصيدة فأجاد الوصف.

ثم يتابع الشاعر عروجه خلال البرج واصفا كل حجرة من حجراته بمنتهى الدقة معتمدا على مخياله الشعري البحت وخلفيته الثقافية الشعرية الواسعة وثقافته التاريخية واللغوية التي تحدى بها الغموض وشاكس الاحداث وتجاوزالغموض ليرسم بانوراما حقيقية حية تبحر بين العصور تختزل الازمان تتيح للقارئ أن يبحر معها في أجواء ترفل بالحضارة والتاريخ الذي حاكى حقبة تنوعت وازدحمت فيها الحضارات والديانات على اختلافها وتضاربت فيها الروايات مابين المعجزة والاسطورة تارة وبين الواقع المروي والمكتوب تارة أخرى.

وتعتبر بابل المحافظة العراقية الوحيدة التي ذكرت في التوراة والانجيل والقران لاهميتها التاريخية والانسانية والدينية، فقد شهدت المدينة ولادة التاريخ الانساني والحضاري والديني لشعب بلاد مابين التهرين، وقدكان لاهل بابل مكانة في الشرق والغرب والتي ازدهرت في عهد حمورابي المشرع الاول في التاريخ الانساني.

لم يتوانى الشاعر في ذكر تفاصيل بابل الكثيرة والمتشعبة بكل ماتحمله قلبا وقالبا وهو يعرج بين مداراتها راسما أحجارها حُجرا تستضيف نزلائها من شتى الاجناس والاصناف اناسا وكهنوتا ملوكا وعبيدا طوائف وشعوبا سكنت وعاشت وتبلورت أحداثها لترسم الخطوط العريضة لبرج بابل الذي هيكل وأثث وبنى القصيدة أو البانوراما الملحمية بهذه اللغة الشاعرية السردية التي تفصح عن عبقرية فذة ولغة متفردة ومخيالا شعريا هائلا أضفى وأضاف ورمم جوانبا واستحدث اخرى، فقد وصف البرج وكأنه مكتبة فيها رفوف وكل رف يمثل حقبة زمنية معينة بأشكالها ورسومها وطقوسها وطلاسمها التي سعى الى فك رموزها تباعا

ها أنت تصعدُ

هاهي الثيرانُ

جَنّحها على الجدرانِ ناحِتها

لتنفتح السقوف

نحن أمام موهبة شعرية قل نظيرها للاحتفاء بما وهب الله من فصاحة وبلاغة تتدفق كأسراب الطيور تطرز السماء ببديع أسرابها كيمام سميراميس

في البرج برجُ للطيور

معًأ تَطيرُ لكي تُطرز في الصباح

سماء بابل

إن الاقدام على كتابة عمل ملحمي بهذا الايغال في عمق الحضارة التاريخية العتيقة واستحضار تفاصيل عن طريق شحذ إلهامها شحذا والوقوف عند المحطات المترامية القدم والموغلة في بطون التاريخ الغويطة انما تعكس قوة العمل وبراعة القدرة وشجاعة الخطوة وماورائية المقصد وموسوعية الهدف بهذا التنوع الادبي التاريخي الهائل الذي يجعل القارئ سائحا بماشاء الله من التحف الرصينة التي أرشفت الحضارة بوجوهها المترامية راسمة وجها واحدا وإرثا خالدا ومنارة تتوسط التاريخ متبرجة ببرج أسطوري الخلود واقعي الاثر، وقد جسد جوهرته الثمينة بموشورها المشرق في الطابق العشرون الذي يعتبر جوهرة التاج للقصيدة

الطابق العشرون متحفُ(سوف كان) وفيهِ:أجنحةٌ

لجبرائيل، ألواح الزمردِ، نعل آدم، مشط حواء، البراق

وفلك نوحٍ، صور إسرافيل، والرخُّ الذي عبر البحار

محلقًا بالسندباد، فرائض الاسرار ترتعدُ ارتعادا

في ضمير الغيب قرب عمامة الخضرِ، الدفوف تزف بدرا

إن اكتناز هذه القصيدة بالصورالمبهرة الممرغة بقواريرٍ لازوردية الطيف بهذا التفخيم الجرئ الذي يدور فلكه سابحا بأجرام التاريخ متوسما بمواسم الخصب منتهلا من نواعير فراتها ظلا ظليلا يتبارى مع فصولها بأجنحة ترسم الشمس لها طريق العنفوان..

في البدءِ كان البرجُ محمولا

على رُخ الخرافة

حتى أناخ بأرضِ بابل

أخذته منهُ قصيدتي

كالهودج الحلزون تحملهُ زرافة

وبه تطوف على المدائن

لقد اجتمعت بهذه الملحمة الشعرية كل مقومات العمل البانورامي الذي يحاكي العصور متمثلا بشخوصها وانجازاتهم الحضارية التي تركت بصمة ومكانة سامية تدور أفلاكها في سماءٍ كل مجراتها تنطق بالحضارة وتتسربل التاريخ جلبابا يقلدها مسؤولية الوجود والحضور والتطور والازدهاروالاشراق لخير الانام الحبيب المصطفى

هي حجرةٌ للمصطفى

فيها على الجدرانِ آياتٌ لتسمع ماتراه

مهندس البرج ارتأى الكوفيَّ خطَّا

والكتابةَ لِ ابن مقله

ثم استعان بمقرئٍ من مصر يَصدحُ:

(إذا الشمس كُورت)

هي حجرةٌ للمصطفى

يأتي إلى إفريزها ديكٌ يؤذن كلّ فجرْ

هذا التناغم المتسلسل للاحداث الذي يجعل من التأريخ سفينة طوفانها نجاة تركب الموج باحرة تشاكس الموج تارة وتستكين أخرى تعبر الخلجان زادها العلم وزوادتها البلاغة الادبية الرفيعة التي استحضرت التاريخ ليركب معها من كل زوجين أثنين عابرة بأحداثها سحباطوفانية هائلة متخذة من الكلمة الرصينة مرساة لها في كل محطة وكل مرسى لها حرف عراقي الاصل بابلي الهوى

البرج من بعد الخراب

أثرٌ كما الختم اسطواني

طبعٌ عراقي المعاني

في الشعر في شجن الاغاني

في النوحِ مرّا

في معاتبة الزمان

الحقيقة تبدو جلية كعين الشمس فمن كتب كلكامش لابد أنه ترك الوصية والعهد لسلفٍ أحرص منه على الاحتفاظ بهذه الكنوز العظيمة المترامية الاطراف، ومن شرب من زلال الرافدين لابد أن يكون له مدادا يستقي منه القصيدة..

ومهما قلنا لنف حق هذه البانوراما فهو قليل أمام هذا الصرح الملحمي الذي يحاكي حضارة الرافدين.

طوبى للعراق بهذه الالواح التي احترفت طريق الحرف شرعة ومنهاجا وتدبرت نقشه وعزفه بأوتار ذهبية الصوت والصدى ..

طوبى لنا عرس القصيد وصولجان الحرف العتيد

ولعمري فنحن أمام تحفة أدبية معلقة كجوهرة تاج لارض بابل.

ولنا في كلكامش خير خلف..

الف مبارك والف تحية لجناب الشاعر الكبير أ.جمال مصطفى والله الموفق.

***

مريم لطفي الالوسي

في المثقف اليوم