قراءات نقدية

فيرجيني ديسبُنت: عزيزي النذل

فيرجيني ديسبُنت

إعداد: فراس ميهوب

***

في رواية عزيزي النذل، يتبادل الكاتب الأربعيني المعروف أوسكار جاياك الرسائلَ مع ريبيكا لاتي، الممثلة المشهورة التي تكبره بأعوام قليلة، تبدأ بالسخرية والشتائم وتنتهي بإعلان الصداقة.

تتمحور أحداثُ الرواية على مناصرة ريبيكا لفتاة اسمها زوي كاتانا التي تدَّعي تعرضها للتحرش والاغتصاب من الكاتب الذي كانت تعمل معه كمساعدة صحفية في دار نشر قبل عشر سنوات.

ينكر أوسكار أي سلوك شائن، لكنه يعترف جزئيا بعد ذلك.

تستعرضُ الرواية وجهات نظر متعددة عن العلاقات الجنسية، السياسة، السينما والأدب، وتعرج على انتشار وباء الكوفيد ١٩، وما صاحبه من تغيرات في سلوك الناس.

تدخل تحت النوع الواقعي المعاصر، وتدور أحداثها في السنوات الأربعة الأخيرة في فرنسا، مع تذكر لأحداث قديمة تعود إلى عشر سنوات سابقة، ومراحل من طفولة أبطالها.

تتجلى وجهة نظر الكاتبة بتبني شكل الرسائل المتبادلة بين البطلين الرئيسيين، ومقتطفات من مدونة زوي كاتانا ذات الثلاثين عاما، الناشطة النسوية.

باريس هي الإطار المكاني للرواية مع بعض مدن فرنسا المحيطية كنانسي، وتولوز، وكذلك مدينة برشلونة في إسبانيا.

أهمية الزمان والمكان محدودة في بناء الرواية. يتراجع كذلك دور الأحداث والمنعطفات، وتغلب أهمية وجهات النظر، وإن كان بعضها جديرا بالنقاش والاهتمام، فإنها لم تخلُ من لهجة تقريرية أحيانا. ورغم جدية الموضوع لكن السخرية تطبع الرواية من بدايتها إلى النهاية.

الرواية سلسة القراءة، ولكنها طويلة نسبيا قياسا على قلة الأحداث. يتجلى الحدثُ الرئيسي باعتداء الكاتب المشهور على الفتاة العشرينية الضعيفة، مع أحداث ثانوية كانتشار وباء الكوفيد، ومرض شقيقة البطل ودخولها للمستشفى.

من النقاط التي تحسب للرواية: دفاع الفتاة الضحية زوي كاتانا عن وجهة نظرها بما يتعلق بالدفاع عن المرأة ضد عدوانية بعض الرجال، وحقها في التعبير عن رغباتها الجنسية تماما كالرجل، ورفض الخضوع لنظام بطريركي ذكوري يدفعها للخجل من نفسها، يجعل من الاغتصاب أمرا عاديا، ويهدد المرأة بتفاصيل علاقتها الجنسية برجل اختارته.

تعرَّجُ الرواية على ظاهرة "أنا أيضا" أو

Me too

التي انتشرت في الغرب، وكشفت الاعتداءات الجنسية التي قام بها المنتج والمخرج الأمريكي هارفي وينشتاين، وألقت الضوء عن التحرش الجنسي في عالم السينما.

في مرور لافت للنظر في مقطع يعتبر الأجمل والأكثر جرأة في الرواية، توجه الكاتبة نقدا صريحا لصناعة السينما التي كرَّست غلبة الذكور البيض الأغنياء، والصورة النمطية عن الملونين، والنساء، والبدناء، وحظرت الأفكار التحررية، وأكدَّت على الابتذال ، فتلخصت رسائل السينما بالإغواء واستخدام لغة الدعاية الموجهة إلى اللا وعي ليحيا الأغنياء النافذون وتمجَّد الحروب.

تحلل الكاتبة شخصيات الرواية نفسيا، مع مقاربة دور الهوية الجنسية، وإشكالات الطفولة، وتعقيد العلاقات العاطفية والجنسية.

تشيرُ إلى بعض الظواهر السلبية في عالم الأدب والنشر، تداخل إدمان الكحول والجنس والسياسة.

تنوه فاليري ديسبُنت في روايتها إلى حاجة الفنان والكاتب لمحبة المتلقي، ولكن بنفس الوقت ضرورة حفظ استقلال المبدع وقدرته على قول ما يريد دون أن يصبح سلعة تباع.

تدلُّ الكاتبة بجرأة إلى محرمات المجتمع الغربي: اليهود، السود، الضرائب، اليمين المتطرف، تويتر، والحذر بالتعامل مع الفتيات.

تقاربُ الرواية أزمة تقبِّل التقدم بالسن، وتغير واقع الحياة وخصوصا للعاملين في مهنة التمثيل.

انتشار الإدمان على الكحول والمخدرات في المجتمع، ولكن بنفس الوقت الإشارة إلى دور بعض الجمعيات في الإقلاع عنه مثل "جمعية المدمنين المجهولين"،...

صعوبة التعامل مع الأبناء في سن المراهقة في ظل المؤثرات المختلفة وغير القابلة للمراقبة والسيطرة مع انتشار الإدمانات والانحرافات المتعددة.

تتحدثُ الرواية عن المعطيات الجديدة للمجتمع الفرنسي والغربي المعاصر: فنانيه كمغنيِّ الراب، وموسيقيين كبووبا، بيلي إيليش، لانا ديل روي، ليل ناس إكس. وأدبائه كلويس فيرديناند سيلين، مارغريت دوراس، هيمنغواي، بوكوفسكي، ويلّيام بيروغس، كالافير، وجاك كيرواك، ودور الحركة النسوية و رائداتها مثل فاليري سولاناس، مونيك ويتيغ، وبالمقابل عدم إغفال الأصوات النسائية المعارضة لها والتي دافعت عمّا اسمته بحرية الإزعاج مثل كاترين دونوف وبريجيت لاهاي.

تعرِّجُ الرواية إلى ذكر لغة العصر ومفرداتها السائدة بين الشباب، الكلمات السوقية والبذيئة، وبعض الألفاظ الجديدة القادمة من لغات أخرى انكليزية وعربية.

تدرسُ الكاتبة مفهوم الشهرة المستجد في عصر الانترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي، وتراجع دور المبدع "التقليدي" لصالح الناشطين الجدد متقني الوسائل المستحدثة.

تتعرَّضُ من جهة أخرى للمخاطر الحديثة المتعلقة بوسائل التواصل الاجتماعي، وتتطرق إلى مصطلحاتها الجديدة.

لا تخلُ الرواية من طرافة في مقاربتها للعلاقة المعقدة بين بطليها الرئيسيين، وحاجة كل منهما للبوح، وشخصية فرانسواز الثانوية  ذات الكراكتر الغريب الذي يلخص تناقضات المجتمع فهي عجوز، نسوية، يسارية، سكيرة، مدخنة، وتتقن مع ذلك التعامل مع وسائل الاتصال الرقمية الحديثة.

من سلبيات الرواية طولها المبالغ به قياسا على قلة الأحداث، وغياب المفاجآت والتحولات.

العنوان الأصلي للكتاب

Cher Connard

المؤلفة

Virginie DESPENTES

اللغة: الفرنسية.

تاريخ النشر: آب- ٢٠٢٢

دار النشر: غراسيه- فرنسا

عدد الصفحات: ٣٤٤

***

فراس ميهوب

2023/03/19

..................

الكاتبة: فيرجيني ديسبُنت: روائية فرنسية، ولدت عام ١٩٦٩م، صدر لها عدة روايات منها: الأشياء الجميلة، نظرية كينغ كونغ، حصلت على جوائز أدبية عديدة منها جائزة رينودو، وسان فالنتان.

تعبرُّ عن وجهة نظر نسوية، ومثيرة للجدل في كتاباتها.

اعتبرت روايتها آنفة الذكر "عزيزي النذل" من بين أفضل روايات العام الماضي ٢٠٢٢م في فرنسا.

في المثقف اليوم