قراءات نقدية

أليف فرانش: رحلة إلى ذات امرأة، رحلة ما بين المازوخيّة والبعث

"رحلة إلى ذات امرأة" رواية تطرح العديد من النقاط، سأتناول في هذه المقالة بعضها:

المازوخيّة في الأدب: المازوخيّة هي مصطلح يُستخدم لوصف الشخصيّة التي تَشعر بالمتعة أو الإثارة عند تعرّضها للألم أو الإذلال. وقد تمّ استخدام هذا المصطلح في الأدب لوصف بعض الشخصيّات.

علاقة المازوخيّة في الأدب:

تتعلّق علاقة المازوخيّة في الأدب بالاستخدام المتعمّد لهذا المفهوم كجزء من تصوير الشخصيّات أو الأحداث في القصص والنّصوص الأدبيّة. وعادة ما يتمّ استخدام المازوخيّة كجزء من النزعة العاطفيّة للشخصيّات في الأدب.

على سبيل المثال، قد يتمّ استخدام شخصيّة مازوخيّة في الأدب لتصوير شخص يشعر بالإثارة عند تعرّضه للألم أو الإذلال، وعادة ما يتمّ تصوير هذا الشخص كشخصيّة مضطربة عاطفيًّا أو مريضة نفسيًّا، وقد يتمّ استخدام هذا المفهوم كجزء من النزعة الخاصّة بالشخصيّة أو كوسيلة لتعزيز القصّة بشكل عامّ.

يمكن أيضا استخدام المازوخيّة في الأدب كجزء من دراسة الإنسان ونفسيّاته، إذ يمكن استخدامها لتصوير العلاقات العاطفيّة المعقّدة بين الأشخاص، أو لإبراز العواطف الخفيّة التي تتحكّم في سلوك الشخصيّات.

على الرّغم من أنّ المازوخيّة قد تكون مثيرة للجدل وقد تثير بعض الانتقادات، إلّا أنّ استخدامها في الأدب قد يكون ذا معنى وفعاليّة إذا تمّ استخدامها بشكل صحيح وبدقّة، وعادة ما يستخدم المفهوم كأداة دراميّة لإثارة الاهتمام بالشخصيّات والأحداث في القصّة، وقد يُساعد في إضافة العمق والتعقيد إلى النزعات العاطفيّة للشخصيّات.

حنان تمثّل المازوخيّة بتجلّياتها المؤلمة، لدرجة التساؤل المُستهجَنة: لماذا ترضى حنان بكلّ هذا الألم ما دام باستطاعتها منعه، بل وتجنّبه منذ البداية؟ مازوخيّة حنان تعكس ساديّة المجتمع. مازوخيّة الفرد هي انعكاس لساديّة المجموع الذي فرض عليها الخضوع لئلّا تخالف التقاليد، هي قيود كبّلتها لتُمسي المازوخيّة نهجًا.

الخطّان المتوازيان في الأدب:

يُشير مصطلح "الخطّان المتوازيان" في الأدب إلى تقنيّة أسلوبيّة تُستخدم في الكتابة الإبداعيّة، وتتمثّل في استخدام جملتين متوازيتين في الشكل والمعنى والايقاع والنغم، ويتمّ تقديمهما في نفس السياق أو بنفس الوزن. وتُستخدم هذه التقنيّة الأسلوبيّة في الأدب لإبراز المعنى وتعزيز الصورة الشعريّة أو الروائيّة، وتتيح للشاعر أو الكاتب إيصال رسالة معيّنة بطريقة جذّابة ومثيرة للاهتمام.

فيما يلي مثال لاستخدام الخطّين المتوازيين في الأدب: "كانت الشمس تشرق على الأفق الرقيق، تصير أشعة شمسها الذهبيّة بينما تمسح الليل الظلاميّ عن وجهه". في هذا المثال، تمّ استخدام الخطّين المتوازيين بين عمليّة شروق الشمس وتغيّر لونها، وعمليّة تمسح الليل الظلاميّ، واللتين تمثّلان تغيّرين متوازيين في الطبيعة. تُستخدم هذه التقنيّة الأسلوبيّة في الأدب بشكل واسع، ويمكن استخدامها في الشعر والرواية والقصّة القصيرة وغيرها من أشكال الكتابة، ويساعد استخدامها على إضافة قوّة وإثارة للنصّ، ويمكن أن يساعد في توصيل الفكرة بشكل فعّال وجذّاب للقارئ. وهنا تستخدم صباح بشير تقنيّة الخطّين المتوازيين: الخطّ الفرديّ والخطّ الجمعيّ، مسيرة أنثى ومسيرة شعب، يتماثل الخطّان تارة، ويتوازيان تارة أخرى.

زمنان في الرواية:

"زمنان في الرواية" يُشير إلى استخدام مزيج من الزمن الحاضر والماضي في السرد الروائيّ. ففي العادة يستخدم الكاتب الزمن الماضي في السرد الروائيّ لوصف الأحداث التي حدثت في الماضي، بينما يستخدم الزمن الحاضر لوصف الأحداث التي تحدث حاليًّا أو في المستقبل. من خلال استخدام الزمنين في الرواية يمكن للكاتب إضفاء بعد إضافيّ على النصّ، وجعله يتمتّع بحيويّة وواقعيّة أكثر.

ويعتمد استخدام الزمنين في الرواية على الغرض الذي يريد الكاتب تحقيقه، إذ يمكن استخدام هذه التقنيّة السرديّة لتسليط الضوء على أحداث الرواية وجعل القارئ يعيشها بشكل أكثر حيويّة، كما يمكن استخدامها لإبراز بعض الجوانب النفسيّة للشخصيّات.

في بعض الأحيان، يستخدم الكاتب الزمن الحاضر لوصف الأحداث الرئيسة في الرواية بينما يستخدم الزمن الماضي للتركيز على تفاصيل أكثر دقّة، وقد يتمّ استخدام الزمن الماضي في الرواية للعودة في الزمن والتركيز على أحداث تاريخيّة مهمّة أو لتصوير الذكريات والتجارب السابقة للشخصيّات.

ويمكن استخدام الزمنين في الرواية بشكل متناوب، إذ يتمّ تبادل استخدام الزمن الحاضر والماضي بين الفقرات أو حتّى الجمل، وقد يمنح هذا التنوّع في استخدام الزمنين النصّ جاذبيّة خاصّة، ويجعل الرواية أكثر تنوّعًا وإثارة للاهتمام.

لكنّ الكاتبة بشير تستخدم زمنين متوازيين هما زمن حنان وزمن شعبها، أو زمن حنان كما تودّ أن تكون وحنان التي تعيش القهر غصبًا عنها في كلّ ما يدور حولها وتدور هي فيه. إنّهما زمنان يعكسان ذاتين: الذات الفرديّة والذات الجمعيّة، والذات الفرديّة والذات الجمعيّة هما مصطلحان يستخدمان في العلوم الاجتماعيّة لوصف الطبيعة الاجتماعيّة للإنسان وسلوكه. الذات الفرديّة هي الشخصيّة الفرديّة للإنسان، وهي الصفات والمعتقدات والقيم التي تميّز الفرد عن الآخرين. وتتأثّر الذات الفرديّة بالخبرات الشخصيّة والتربيّة والتعليم والثقافة والتعالقات والعلاقات الاجتماعيّة الشخصيّة، بينما تعكس الذات الفرديّة تجارب مجموع من الناس: مجموعة أو شعبًا، فتميّز السلوك الجمعيّ والثقافة الجمعيّة لهذا المجموع.

قصًة البعث في الرواية:

" قصّة البعث" هي مصطلح يُستخدم في الأدب، ويُشير إلى الحياة بعد الموت والعودة إلى الحياة مرّة أخرى بعد القيامة، وقد تمّ تصوير هذه الفكرة في العديد من الروايات والأعمال الأدبيّة. وفي أدبنا الفلسطينيّ والعربيّ شهدنا، وما زلنا نشهد هذا البعد في الكتابة.

في هذه الروايات، يتمّ تصوير الحياة بعد الموت والعودة إلى الحياة مرّة أخرى بعد القيامة، ويتمّ وصف المشهد الذي يظهر فيه الجميع يوم الحساب، والميزان الذي توزَن به الأعمال، والتصوّرات المختلفة حول العذاب والجزاء في الآخرة.

يعتبر هذا الموضوع من الموضوعات الهامّة في الأدب، إذ يحرص الكتّاب على التركيز على الإيمان باليوم الآخر وعلى أهمّيّة العمل الصالح والابتعاد عن الذنوب والمعاصي، ويعتبر هذا الموضوع جزءًا من العقيدة الإسلاميّة والمسيحيّة التي تؤمن بوجود الآخرة ويوم الحساب والجزاء والثواب. الكاتبة بشير تأخذ الموضوع إلى منحى أبعد، فحنان تعيش حالة من الموت، يشبه الموت السريريّ بمعنيين كاسم الحالة المرضيَّة، وكحالة رفض زوج لا تربطها به أيّة علاقة أو مشاعر، لكنّ هذا الموت ينزاح إلى حالة من البعث، وكأنّها بطل ينهض من رماده وينتصر بعدما كانت مثالًا للّابطلة ذات الضّعف المزعج.

إذًا فالشخص الذي يواجه الصعاب والتحدّيات يمكنه النهوض والانتصار، حتّى لو كان قد خسر سابقًا أو فشل في إحراز تقدّم. ويعني "البطل" هنا الشخص الذي يكافح ويحارب من أجل تحقيق أهدافه وأحلامه، والذي قد يواجه عراقيل وصعوبات على طول الطريق.

وتعبّر "ينهض من رماده" على القدرة على الاستفادة من الأخطاء والتجارب السابقة، وتعلّم منها، وقدرته على تحويلها إلى قوّة ودافع للنجاح في المستقبل. وفي النهاية، يعبّر "ينتصر" عن تحقيق النجاح والتغلّب على التحدّيات والصعاب التي واجهها الشخص على طول الطريق. حنان تنهض من رمادها، وتشبه آلهات ورد اسمهنّ في الميثولوجيا.

إنّها الآلهة التي ترفض الموت، وهناك العديد من الآلهة في العديد من الثقافات والأديان التي يتمّ تصويرها على أنّها ترفض الموت أو تتمتّع بالخلود، ومن بين هذه الآلهة:

1. آنانكي: هي الآلهة القدر والحظّ في الأساطير الإغريقيّة، وتعتبر رمزًا للخلود والبقاء.

2. تشايو تشينغ: هي إلهة الخلود والحياة الأبديّة في الثقافة الصينيّة.

3. أماتيراسو: هي إلهة الشمس في الأساطير اليابانيّة، وتعتبر من بين الآلهة القادرة على الخلود.

4. أبولو: إله الشمس والفنون والآداب في الأساطير الإغريقيّة، ويتمّ تصويره على أنّه يتمتّع بالخلود.

5. أودين: إله الحرب والحكمة في الأساطير الإسكندنافيّة، ويعتبر من بين الآلهة القادرة على الخلود.

6. قوبيل: إلهة الخصوبة والزراعة في الأساطير الكنعانيّة والفينيقيّة، ويتمّ تصويرها على أنّها تتمتّع بالخلود.

7. كريشنا: إله في الأساطير الهندية، ويعتقد أنّه يتمتّع بالخلود والبقاء إلى الأبد.

يمكن القول إنّ هذه الآلهة تمثّل رموزًا للقوّة والخلود والبقاء، وتعكس تقاليد ومعتقدات الثقافات والأديان التي نشأت فيها.

حنان ببساطتها تحاول أن تكون مخلوقًا يرفض الموت، وتحاول أن تكون الأنثى البطلة، أنثى البطولة، أنثى لدى جميع الشعوب.

الأدب المرآة:

الأدب المرآة هو مصطلح يستخدم لوصف الأدب الذي يعكس ويعبّر عن المجتمع الذي ينشأ فيه، بمعنى آخر، فإنّ الأدب المرآة يعكس الأحداث والمواضيع والأفكار التي تشتغل الناس في الحياة اليوميّة، ويعرضها في شكل قصص وروايات وشعر ومسرحيّات، ويمكن التوسّع بدراسات لوكاتش.

ويمكن القول إنّ الأدب المرآة هو وسيلة لتصوير الواقع والتعبير عن مشاعر وآراء الكاتب تجاه العالم من حوله، ويساعد الأدب المرآة في فهم المجتمع والثقافة التي ينشأ فيها وفي إبراز القضايا الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة والنفسيّة التي تقع في المجتمع.

وبشكل عامّ يمكن القول إنّ الأدب المرآة يساعد على فهم المجتمع وتاريخه وثقافته، ويعكس الأفكار والمشاعر والتجارب الإنسانيّة التي تشغل الناس في المجتمعات المختلفة.

بشير ترفع الأدب مرآة تعكس قهر المرأة وقهر مجتمعها وشعبها لها، هي مرآة لا تكذب ولا تُجَمِّل، مرآة أصدق من البشر، فكلّ من حولها حاول خداعها، بل خدعها، إلّا مرآتها، لهذا تختار الأدب مرآة في بحثها عن الصدق والمثاليّة المفقودة.

مبارك للكاتبة صباح بشير في رحلتها إلى المرأة وإلى الذات، ومبارك للمرأة صدور رواية ترحل منها إليها.

***

د. أليف فرانش

في المثقف اليوم