دراسات وبحوث

مجدي إبراهيم: سِرُّ العلم

مجدي ابراهيملأهل الله من العارفين شذرات علويّة مباركة، فاضت عن قلوبهم لما اتصلت فرقَّتْ، فسبحت في آفاق الوصال تناجي الملأ الأعلى وكأنه واقع أمامهم مشهود. لهم تخريجات لسرّ العلم على اختلاف منازعهم ومذاهبهم وتوجهاتهم الروحية؛ من ذلك ما أشار إليه أبو المعالي صدر الدين القونوي حيث قال:" سر العلم هو معرفة وحدته في مرتبة الغيب، فيطلع المشاهد الموصوف بالعلم بعد المشاهدة بنور ربه على العلم، ومرتبة وحدته؛ فيدرك بهذا التجلي النوري العلمي من الحقائق المجرَّدة ما شاء الحق سبحانه أن يريه منها، ممّا هى في مرتبته أو تحت حيطته، ومنه البوارق التي تُدْرَك بها بعض مقاصد القرآن الكريم ووحدة هذه المقاصد في أم القرآن. وتوسَّعوا في العلم توسعاً شديداً وحثوا على طلبه ومذاكرته وبذل كل نفيس في سبيله، وقارنوا بينه وبين المعرفة : أيهما أخفى وأدق: العلم أو المعرفة؟

واختلفوا في مسألة العلم بالله : هل هى الأحق بالشرف أم المعرفة به؟ ففي حين يفضل بعضهم المعرفة على العلم، يفضل البعض الآخر وخاصّة ابن عربي وتلاميذه العلم على المعرفة. ومن هنا كان أصل العلم في الاصطلاح الفني لدى الصوفية هو: " ميراث العمل الشرعي بالتصفية والتزكية في السير بالظاهر"؛ ولهذا العلم صورة ودرجة. أمّا الصورة ففي البدايات والأبواب والمعاملات والأخلاق والأصول. وأما الدرجة؛ ففي الأحوال والولايات والحقائق والنهايات.

وعليه؛ فصورة العلم في البدايات هى : العلم الشرعي الحاصل بالاستفاضة والتواتر. وفي الأبواب: العلم العقلي الحاصل بالاستدلال. وفي المعاملات: علم الطريقة الحاصل بالرعاية والمراقبة من علوم التوكل والتفويض والتسليم ونظائرها. وفي الأخلاق: علم آفات النفس ورذائلها، وكمالاتها وفضائلها، يُضاف إلى ذلك علم التخلية والتحلية. وفي الأصول علم اليقين ومعرفة آداب الحضرة والسلوك.

أما درجته في الأحوال : علمٌ لدُنّي وهبي، يبصّر بدقائق الأحوال، وذنوب مفاسدها، وتصحيحها بتعريفه أحكامها وخواصها. وفي الولايات : الفناء عن علمه والاتصاف بعلم الحق. وفي الحقائق : دوام المعاينة وهو المسمى "عين اليقين"؛ على ما هى عليه. وفي النهايات:  شهود الحق ذاته بذاته وهو المسمى "حق اليقين"؛ فيكون كمال مقام الإحسان. وباجتماع هذه المفاهيم لأصل العلم في الاصطلاح الفني لدى المتصوفة يمكن أن يكون علم التصوف -  وهو هنا المقصود بكل هذه التوضيحات السابقة - من الأهمية بمكان بحيث يجيء ضرورة لطلابه الحريصين عليه والقادرين على تلقيه والذود عنه ضد سواه. ليس هذا فقط ولكن أيضاً في ضرورة تعلمه والصعود إلى مراقيه وبلوغ درجته في الأحوال والولايات والحقائق والنهايات ما من شأنه أن يعطي القارئ لأول وهلة أهمية اعتبار العلم أشرف في هذه الحالة من المعرفة. غير أن أوائل الصوفية المحققين جعلوا العلم الحقيقي بالإضافة إلى الله تعالى وحده؛ لأنه هو وحده الموجود وما سواه عَدَم؛ فالله موصوف بالعلم، أما الإنسان فإذا اتصف بالعلم فبالمجاز. ولن يكون الإنسان عارفاً على الحقيقة ما لم يقوده علمه إلى الإقرار بالعجز عن معرفة الله؛ والعجز يشير ضمناً إلى حالة موجودة ليست معدومة؛ فبالإمكان معرفة الله فيما لو تمَّ تأهيل المرء وتهيئته لها عن طريق العلم. ومن أجل ذلك قال الجنيد لما أن سئل عن المعرفة :" المعرفة وجود جهلك عند قيام علمه"؛ فلما قيل له : زدنا، قال هو العارف وهو المعروف، والإشارة في "هو" إلى الله الذي هو العارف وهو المعروف، والمعنى الذي يحتمله تأويلها هو أن وجود الجهل بالله في الإنسان صفة ذاتية موجودة على الأصالة؛ فما عرفه من هذه الحيثية ولكن عَرَفه، فكيف عَرَفه؟

عَرَفَه بالله ومن طريق الله، فإذا قال إنك جاهل به من حيث ذاتك؛ أي من حيث أنت فمعناه إنك عرفته من حيث هو، ولذلك قالت الملائكة :" سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا"؛ العلم أن تدرك قَدْرَك بذاته، وهو أن تعلم ألا قدر لك بغيره، وأن علمك من ذاتك إنْ هو إلا جهل ليس فيه حقيقة؛ فكل معرفة في سبيل الله تُرد إلى فضل الله ليس للإنسان فيها مدخل.

وفي إطار تفضيل المعرفة على العلم قال سهل بن عبد الله:" المعرفة هى المعرفة بالجهل"؛ أي إقرار الجهل كصفة ذاتية للإنسان، وإضافة المعرفة له من الله لا من حيث ذاتيته الخاصة، وقال أيضاً :" العلم يثبت بالمعرفة، والعقل يثبت بالعلم، وأما المعرفة فإنها تثبت بذاتها". وإنما ثبتت المعرفة بذاتها؛ لأنها من إفاضة الله على ذات العارف، بمعنى أن الله تعالى إذا عرَّف عبداً نفسه فعرف الله بتعرُّفه إليه؛ أحدث له بعد ذلك علماً، فأدرك العلم بالمعرفة وقام العقل فيه بالعلم الذي أحدثه فيه. فالمعرفة أشرف على هذا من العلم وسابقة عليه وأدق منه وأخفي، والعلم تابع لها ومنقاد. ولذلك قيل: " تبيُّنُ الأشياء على الظاهر علم وتبيُّنها على استكشاف بواطنها معرفة". وقال أحد الصوفية :" أباح العلم للعامة وخصَّ أولياءه بالمعرفة".

وفي المقابل لا نعْدَم من الصوفية الأوُّل من يفضل العلم على المعرفة ويعكس نظرة سهل بن عبد الله؛ لينضم إلى وجهة نظر الصوفية الفلاسفة؛ فها هو أبو سعيد الخراز يقول: "المعرفة بالله هى علم الطلب لله من قبل الوجود له، والعلم بالله هو بعد الوجود، فالعلم بالله أخفى وأدق من المعرفة بالله.

ومثله أبو بكر الوراق يقول:" المعرفة معرفة الأشياء بصورها وسماتها، والعلم علم الأشياء بحقائقها"؛ فالعلم هنا سابق على المعرفة، والمعرفة تأكيد له لاحقة عليه. والله موصوف بالعلم غير موصوف بالعرفان. ومن هنا يكون تفضيل العلم لدى فريق منهم على المعرفة. مع أن العلم في نظام الوعي الصوفي يعد هو الدرجة الأولى التي تلحقها درجات أعلى منها، فهو أول خطوة في الحياة من حيث لا قيمة لها من غيره، ولا بقاء فيها بدونه، ثم تصعد الدرجة الثانية في مراقي التطور الروحي؛ لتصل إلى المعرفة ولا تتوقف عند هذه الدرجة وكفى؛ بل تزال تصعد وتتصعد إلى حيث مراقي الشهود، وهكذا فالشهود يستند على العرفان، والعرفان يستند على العلم، ولا قيمة للحياة الروحية ولا اعتبار بغير العلم. الناس صنفان : عالم ومتعلم ولا ثالث بينهما لمن أراد التحقيق.

لكن العلم قد يتداخل مع المعرفة وتتداخل المعرفة مع العلم تذكيه وتنميه وتُقدره على التفوق والامتياز؛ ليصبح هو لب لباب الحياة ولا حياة بدونه. وهذا التداخل يشي بإمكان قيام المعرفة العلمية في سياقها الإلهي لا في سياقها الطبيعي؛ لأنه تداخل يبرز تفضيل العلم على المعرفة كما هو الحال لدى ابن عربي؛ لتكون المعرفة معرفة بالعلم الإلهي إذا أمكن قيامها بالتحقيق على مقام الشهود. وما دامت الحياة الروحية تعتمد المفردات الثلاث (العلم والمعرفة والشهود) فهذه المفردة الأخيرة تعطي "التجربة" التي يتداخل فيها العلم مع المعرفة في وعي العارف؛ فما سمى العارف عارفاً إلا لامتزاج العلم في تجربته مع المعرفة، وهذا الامتزاج يتحقق بالشهود، هنالك تصبح معرفة علمية بمجرى الشأن الإلهي، ولا تصبح معزولة الخبرة عن هذا الشأن؛ فهى معرفة بالعلم الإلهي، وإمكان تحقق هذه المعرفة مرهون بهذا الشهود. وكما تكون المعرفة العلمية في العلوم الطبيعة والرياضية فوق العلم وفوق النظرية لأنها تتخطى حدود التجربة وتتعامل مع التاريخ والقانون، فتنقد النظرية وفق تطورات هذه العلوم؛ كذلك تكون مكانة المعرفة في السياق الإلهي رمانة الميزان بين الشهود والعلم، قادرة بحكم توسطها على النقد غير أنه ليس نقداً عقلياً من أول وهلة، بل نقد ذوقي يسدد الخطى القاصرة، ويقوم المعوج فيها، ويرشد إلى الدلالة الغائبة، ويستخلص الحقائق البعيدة فيقربها إلى التصور المحدود.  

 

  بقلم : د. مجدي إبراهيم                             

 

 

في المثقف اليوم