تجديد وتنوير

مؤيد عبد صوينت: علْمنةُ المُقدّس

شهدتْ مساحةُ المُقدّس بعد 2003 امتداداً هائلاً، يكاد يوازي - إن لم يكنْ قد  تجاوزَ- مساحات التقديس طوال القرون السابقة، ليشكّل منظومة شُبه متكاملة لسبغِ مفاهيم ذاتِ حمولاتٍ دلالية بعينها وتوظيفها بعيداً عن الحقولِ الِبكرِ التي صيّرتها واستمدت حقلها المعرفي من ينابيعها التأسيسية الاولى . يستندُ -عادةً- الوصف بالمقدس إلى سردياتٍ رمزيةٍ سابقة تُبرر استعمال هذا التكثيف الدلالي بوصفه يمتلك طابعاً استبعادياً لما سواه، هذه السرديات بطبيعتها تستضمر بُعداً ايديولوجيا تحاول بثّه وتسويغه وحمايته بكتلة دلالية من الألفاظ المُنتزَعة من سياقها الاستعمالي، وبعبارة لسانية: ما تَسِميهُ اللسانيات ب(أثر المعنى)، فاللسانيون ما انفكّوا من الإلحاح على فكرة أن معنى الكلمة يجب أن يسْمحَ بفهم الآثار التي ينتجها توظيفه السياقي، والتتبع التاريخي لجذر (المقدس) المزواج بين اللغة والدلالة، يجد أن اللحظة القرآنية الحاسمة في طبيعة الارتباط الدلالي وأثره في بلورة اللغة العربية بصيغتها المعطاة يرصد أن لفظَ المقدّس قد اُستعمل لوصفِ أرضٍ مخصوصة (3) مرات جاءت في خطاب من الباري لموسى (ع) في خطاب سياقي ديني بحت، ما أحاول قوله هنا، أنّ ترحيل هذا المفهوم بكلّ حمولاته الدلالية خارج سياقه الاستعمالي للحظة القرآنية بلا ضابط معرفي أدى إلى إعادة صياغة بشريّة لهذا المفهوم حملت طابعاً نفعياً احتكارياً، وهذا الاستعمال هو أقرب إلى حقل العلمانية منه إلى الأصل الديني القائم على التعبّد والعلاقة بالمقدس بوصفه المتعالي والطاهر، فالشعور بالمقدس تعرّض للتوظيف في مجالات سياسية بمعطيات دينية وهو توظيف نفعي دنيوي يرتدي جلباب الدين بمطالب مُعلْمَنة، يتبلور هذا المُشْكل في سياق التدافع الحاص في الفضاء السياسي الذي تشهده المنطقة والعراق على وجه خاص، فالدولة لا يمكن أن تُعيدَ إنتاج نفسها تحت فضاء التنافس مع المُقدّس البشري، وفي قدرتها على تسويق معنى للحياة في ظلّ اتساع الشعور بالخواء عبر توظيف المُقدّس وتكاثره من قبل فاعليين عملوا على اختراع مقدّسات لا - مكانية بوصفها أدوات تُستعمل للحصول على مطالب ترتبط ومفهوم العلمنة على نحوٍ لا شكّ فيه، هذا الاستعمال يجعل من خضوعهم للمساءلة أمراً في غاية الصعوبة وإن كان على المستوى التساؤل الذي يهدفُ للفهمٍ لا غير، فضلاً عن شيوع نزوع احتكاري لإطلاق هذا التوصيف من قبل جماعات الإسلام السياسي ونُدرته في أدبياّت الاتجاهات الإسلامية الأخرى، ليغدو هذا المفهوم المرتبط بالُطهرانية وسيلة من وسائل التنافس السياسي في ضوء التداخل الشديد الحاصل بين ما هو ديني وما هو سياسي، إذ يجري استعمال الدلالات بقصدٍ معاكس لاستعمالها التداولي الذي يرتبط بإدخال المقام مرتكزاً أساسياً للتوظيف المعرفي الذي يحاولُ حصرَ المعاني وفق ضوابط مُحدِّدة بعيدا عن الذاتية والاستعمال المخاتل، هذا الاستعمال الذي لا يُصرّح بغايته الحقيقية في علْمنةِ مفهوم المقدّس ونقله من حقل إلى حقلٍ آخر مع الاحتفاظ بحمولاته الدلالية وتوظيفها في الفضاء الدنيوي العام والسياسي على نحوٍ خاص .

***

د. مؤيد عبد صوينت

 

في المثقف اليوم