علي المرهجرغبت بعد طول فراق بلقاء الحُسين الثائر، فطلبت من بعض أصدقائي الكربلائيين بعد أن دعوني للمشاركة في جلسة حوارية حول علاقة الفلسفة بالواقع في المُلتقى الفلسفي بكربلاء، وبعد استكمال الحوار تمكنت من زيارة الإمام الحُسين لا تبركاً وهو من يستحق أن يُتبرك به، ولكن لفضول عندي لمخاطبته بعد مرور الزمن ووجود من يدَعون وصلاً به على دكة الحُكم!، فأقول له هل ترتضي أن تُحيط بك الأسوار وكـأنك ملك، فصوّرك الباغون وصيروك وكأنك سُلطان جائر لا ثائر من أجل إنصاف المُستضعفين والفقراء؟!، وسأسألك عن "سدنة" و "وعاظ" يتخذنوك وسيلةً لتجهيل "عيال الله"!، وسأسألك هل أنت راض عما يفعله من يدّعون أنهم يتبنون قضيتك فيغتنون هم بها ويزدادون مالاً ويفتقر "عيال الله" فيزدادون فقراً؟.

إنهض سيدي وقض مضاجع المُنافقين الأفاقين والدجالين من الذين حرموا (أبناء الخايبة) لذة العيش بفقرهم، فزادوهم ألماً وقهراً وسفكاً لدمائهم.

إنهض واستعد قوى الرفض الكامنة في وجودهم الفطري ولكنهم خنعوا واستكانوا لا لضعف فيهم بل تقديراً لك وشغفاً بمحبتك لأن الأفاقين يُتقنون اللعب على عواطفهم واستثمارهم لقضيتك!.

كُنت أذهب للزيارة بأوقات مُتباعدة قبل 2003، فأنا لم أكن يوماً من الذين يهيمون بتقديس الأمكنة والأشخاص، بقدر ما أهيم بتقديس المواقف، والحُسين موقف رفض وفعل وكلمة حينما قال قولته الشهيرة "هيهات منَا الذلة"، و "مثلي لا يُبايع مثله" مُخاطباً الملك الأشر.

حينما زرت الحُسين من قبل وجدته مثلي ومثل ملايين الفقراء يتضور جوعاً فعشقته، فحينما تدخل لضريحه تدخله من دون تفتيش ولا حمايات تُحيط بالضريح ولك أن تُصوَر ما ترغب به من معالم الضريح، ولك أن تُجالسه وتُحاوره وتُسائله عن قيمة ما فعل من جهة قبولك لفعله أو رفضه، ولكنك اليوم تدخل على ملك، لم يكن الحُسين ليرتضي أن يكون كذلك.

دّع كل ما تحمله في خزانات وعليك أن تمر بسلسلة من سيطرات التفتيش، وحينما تدخل الضريح تجد أنك بعد جهد جهيد قد وصلت لكن وصولك بكد وتعب ومعاناة تمر بها ليتفحصك الشرطة والجندر قبل الدخول لتُفقدك حميمية التوق والشوق للقاء حبيب كل تاريخ تكوينك بمحبته تجذر

 

حسبت أنني أزور ملكاً أحاطوه سدنته بأسيجة لا يرتضيها، فهو ابن الخيمة والصحراء وإذا بيَ أجد أن الأواوين قد كثرت والسقوف قد زُركشت، وفي الحضرة أشخاص يحملون أجهزة النداء الصوتي وأكثر، مُدججون كأنهم يحمون سلطاناً حياً لا ثائراً يتخذ من ثورته إصلاحاً لمُجتمع أغبر يهيم بالرمز ويلطم على الصدر والخدين وينتشي ويتخدر، وتلك غاية حُكامنا ويعملون على تكريسها وأكثر.

تمعنت كثيراً في سقوف أواوينه الجديدة فوجدتها زخرفة لونية وخطوط لا مهارة لتشكيل حروفي فيها يُخبرنا عن قضية الحُسين بوصفه عبرة، بل هي زخارف يمل الناظر لها من فرط ما فيها من تداخل يُفقدك التركيز على المحتوى، وكأنني شعرت أن بعض من صُنَاعه قد وقعوا تحت تأثير رسومات (مايكل أنجلو) في تحويل السقوف إلى لوحة فما قدروا، بل فشلوا، لأن في رسومات (أنجلو) محتوى وتعبير عن قضية، وكننا همنا في الرسم والزخرفة فضيعنا المُشاهد وضاعت القضية!.

يذكر المستشرقون أن المُسلمين والعرب أصحاب رؤى صوفية، ولكنك حينما تدخل ضريح الإمام الحُسين إنما تُبهرك الصناعة والحرفية وغلبتها على الرؤية الصوفية بأبعادها الروحية والجمالية، فقد وجدت قامات من رخام بطراز روماني بلون (ماروني) وكل الزخارف والخطوط تغلب عليها الزرقة!. أظن أنه خرق للنسق اتساقاً مع نمط التشكيل المابعد حداثي!.

أما الإضاءة فقد غلب اللون الأحر (القاني) عليها، وأظن أن من وضعها يروم إخبارنا بأن رؤيته لتشكيله اللوني هذا إنما هي تعبير عن "انتصار الدم على السيف"، ولكنه لم يعي إيحاءات اللون الأحمر ودلالته التأويلية الأخرى!.

إنها لغة الفنان العاجز عن إيجاد صيغ للتعبير تخترق النُظم والأنساق المعهودة في التشسكيل اللوني ومحاولة الكشف عن تعبير لوني آخر يجعلنا خاشعين مُتبتلين نشعر بقيمة القضية وجلالها بتفريق ذكي بين "الجليل" و"الجميل" بعبارتي الفليلسوف الألماني (إيما نويل كانت)، ففي تحسسي للون شعرت بعض الشيء بجمالها وإن تعددت في مُشاهدتي لها إيحاءاتها، وكُنت أتمنى أن يوجد فنان قادر على صناعة إضاءة بتشكيل لوني "جليل" لا جميل، يبعث في نفوس الزائرين الخشوع.

لا أروم الإطالة وعندي الكثير ولكنني عجبت لمن زار الإمام ولم يلحظ أنه لم يزر إماماً ثائراً إنما يزور ملكاً!.

وكنت قبل الآن أجد الحُسين ملاذاً بعبارة عبدالرزاق عبدالواحد في أسواره يحتمي الفقراء، ولكن "السدنة" أحاطوا به فجعلوا بينه وبين أصحابه حُجاباً وجعلوا من أنفسهم أسياداً.

 

د. علي المرهجح

 

 

سارة طالب السهيلكانت المدراس قديما نوافذ مفتوحة للعلم والتربية معا دون انفصال لاحدهما عن الاخر باعتبارهما وجهان لعملة واحدة في تشكيل وعي الإنسان أخلاقيا ومعرفيا، كما هناك تكامل في الأدوار التربوية والاجتماعية لكل من المؤسسات الدينية والتربوية والتعليمية والاسرية في تنشئة الأجيال علي المفاهيم الحضارية والسلوكية القويمة.

وسرعان ما تبدلت الأحوال ونسيت المجتمعات العربية الحكمة في بناء الأمم وبقائها وسر خلودها كما قال الشاعر العظيم أحمد شوقي:

" وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا ....و إذا أصيب القوم في أخلاقهم *** فأقم عليهم مأتما وعويلا صلاح أمرك للأخلاق مرجعه *** فقوّم النفس بالأخلاق تستقم".

فباتت العناية بالأخلاق امرا ثانويا لا تهتم به المنظومة الاسرية ولا التعليمية وترك الحبل على الغارب للأبناء يتلقون المفاهيم المغلوطة للحرية ويفعلوا ما يشاءون داخل المدارس.

يقف المجتمع العربي موقف المتفرج من أطفال هذه المدراس وهم يتدنسون بأفكار الحرية المغلوطة من تدخين وتعاطي مسكرات او رقصات ماجنة، بينما الغرب قد وضع ضوابط أخلاقية وقانونية لحماية النشء من الضياع، ومنها ان الغرب لا يسمح للطفل بالشرب للمسكرات والتدخين والمخدرات قبل سن ٢١.

وتحفل سجلات الحوادث بالصحف العربية بكوارث أخلاقية تكشف عن حقيقة ان المدراس باتت مصدر للجريمة والانحراف السلوكي، فالطفل يذهب للمدرسة ويتشرب كل أنواع السلوك المنحرف، وان المخدرات تجتاح المدراس في مصر ولبنان والإمارات وغيرها من البلدان العربية.

اعتقد ان الاسرة تتحمل الجزء الأكبر من المسئولية وغياب الوعي لديها بأهمية ممارسة دور الرقيب على سلوك أبنائها، بل ان الام تعد عنصر رئيسي في تنشئة الصغارعلى القيم الأخلاقية ومقاومة أي سلوك منحرف لديهم مصداقا لقول الشاعر:

" الأم مدرسة ان اعددتها.. اعددت شعبا طيب الأعراق "

فقد انصرفت الام الى الانشغال عن متابعة أبنائها وغرس القيم الأخلاقية في نفوسهم أما بالعمل او متابعة خطوط الموضة، او محادثة صديقاتها بالموبايل  او النت، بينما انشغل الأب هو الاخر بعمله وبأصدقائه دوره الأهم في اعتباره راعي وكل راعي مسئول عن رعيته فغاب الاب الموجه والمرشد والحامي والمدقق لسلوك أبنائه وتقويمهم.

مصادر الخطورة

رغم الانفلات الأخلاقي قد انتشر في المدراس الوطنية والأجنبية على حد سواء، غير الخطورة تشتد فجائعها في المدراس الأجنبية لأن طلابها عادة وبلا تعميم من اصحاب الدخل المرتفع وابناء العائلات المتنفذة ،و في وقتنا الحاضر على عكس السابق ؛كلما زادت الأموال والسلطة في يد الاسرة زاد معها الإهمال والتسيب والتراخي في تربية الأولاد ويكون ذلك بزيادة تدليلهم وسهولة حصولهم على الأموال وكل احتياجاتهم سواء الأولية او الثانوية مما يشعر الطفل او المراهق بالسيطرة الكاملة على نفسه ومن حوله وكأنه محور الكون ويبدا بفرد عضلاته وإثبات ذاته بداية من خلال مشترياته ومقتنياته ومن ثم يتحول الى مجرب لكل ما هو جديد وكل ما يبث في الاعلام ووسائل التواصل من صرعات تجعل منه بطلا وتشعره بالثقة بنفسه وانه اصبح كبيرا ولم يعد طفلا من وجهة نظره فكلما اشعل سيجارة يشعر وكأنه كبر عام! هذه العقلية جاءت من فراغ عقله فلو ملأت أسرته عقله بما نفع لما وجد مساحة لهذه الترهات في عقله

و لو زرع اهله ثقته بنفسه لما اضطر للجوء الى هذه الموبقات لإثبات ذاته

و لو اشغل اهله وقته بنشاطات كركوب الخيل وتعلم الموسيقى والاشتراك بمكتبة او ناد رياضي او اللعب بحديقة في الهواء الطلق او اَي هواية نافعه لما وجد الوقت لممارسة التفاهات ومشاهدة ابطال الوهم من فناني ارصفة أوروبا وامريكا

أتمنى دوما التواصل الحضاري والفني بين الشعوب وحول القارات واشجع على هذا التواصل ولكن التواصل الثقافي والحضاري وبين قوسين (فني) وليس  فن هابط لاحد المتعاطين والمدمنين لينقل تجاربه التي هدمت حياته الى ابنائنا ونحن نتفرج

فيذهب هذا الطفل او المراهق الى المدرسة لينشر بين التلاميذ حبه ومتابعته لهذه الشخصيات ويبدا التقليد الأعمى بين الطلبة

وهو ما جعل الكثير من الاسر المحترمة وان كانت مقتدرة ماديا تخشى ارسال أبنائها الي هذه المدارس، فهل سيفهم حديثي النعمه ممن لم يتعب بالحصول على أمواله انه لا يدمر ابناءه فقط بل مجتمع بأسره فهل يستوعبون انهم يصنعون جيلا من الاتكاليين الأنانيين الماديين فكيف لاتكالي ويحب المال (مادي ) في ان واحد ان يحصل على المال وهو أناني ؟

فنحن لا نصنع الفشل بل نجرهم للفساد والانحراف والجريمة

المدارس الأجنبية

للأمانة هناك مدارس اجنبية رائعه بكل المعاني واكثر التزاما من بعض المدارس العربية من حيث التربية والتعليم والتثقيف والتركيز على بناء الشخصيه والثقة بالنفس والبحث عّن المعلومة ومعرفة الذات والاهتمام بالسلوك والاداء وخوض الحياة الواقعية والتاهيل للمرحلة اللاحقة من جامعة وما بعدها وتابعت بنفسي بعض المدارس الأجنبية بمناهج قديرة ترتقي لبناء انسان من الناحية النفسيه والثقافية والعلمية

حيث ان بعض المدارس الاخرى الأهلية ربما تركز على الجانب الأخلاقي الا انها تفتقر لباقي المميزات

الا انني وانا اقرا عّن تاريخ المدارس الأجنبية وقعت عيني على هذا النص

تقرير ل(روبرت ساتلوف) مدير قسم السياسة والتخطيط في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى  حيث قال:  " إن  المدارس الأمريكية في البلاد العربية والإسلامية ليست مجرد صروح تعليمية رفيعة المستوى، بل هي سلاحنا السري في معركة أمريكا الأيديولوجية لأمركة المجتمعات العربية والإسلامية " .

فهذه المدارس انها تنحي قيم الدين الإسلامي والمسيحي والقيم الثقافية العربية الاصيلة عن الطلاب الاجتماعية والفكرية والسياسية خلال  العملية التربوية والتعلمية.

فهل كان هذا سابقا أم انه مازال مستمرا يحتاج الأعتراف هذا وقفه للنقاش..

الاسرة ودورها

لاشك ان الاسرة هي الأساس في حماية النشء ولا يقتصر دورها في ممارسة الرقابة فقط بل يمتد كما يؤكد خبراء الاجتماع بل مشاركة ابناءها في الحوار وتبادل الثقة، لإشعارهم بضرورة إشراك ذويهم في معرفة كل ما يتعرضون له من دون خوف من رد الفعل.

فاستخدام أساليب الترهيب أو بث الخوف في نفوس الأبناء بصفة مستمرة، يدفعهم إلى احتراف الكذب واللجوء إلى سلوكيات سلبية، من بينها تعاطي المواد المخدرة وادمانها.

ووفقا لتأكيدات علماء الطب النفسي وعلاج الإدمان، فأكثر الحالات عرضة للإدمان تكون لأشخاص لديهم أمهات اما افرطن في تدليل صغارهن، أو انهن بالغن في استخدام القسوة ضدهم، مما احدثا بداخلهم خللا نفسيا.

إدارة الازمة

في تقديري ان الكوارث الأخلاقية التي يعيشها طلاب المدارس العامة والأجنبية المختلطة تتطلب رفع حالة الاستنفار الأمني الاجتماعي، وهو ما يعني ان كل مؤسسات الدولة تستنفر لكي تتعامل مع هذه القضية وفقا لعلم إدارة الأزمات في إدارة المشاريع والمخاطر، فالمجتمع في هذه الحالة مطالب بمعالجة المسبب والبحث عن حل مؤقت وحل آخر جذري في ذات الوقت.

وتنطلق إدارة هذه الازمة من الاسرة لكي تفعل دورها الرقابي وتعزز القيم الدينية والروحية في نفوس أبنائها، كما الاعلام كفاعل رئيسي في تشكيل الوعي، وذلك بوضع خطط ممنهجة للسلوكيات الأخلاقية فيما  تبثه من قيم واخلاقيات  بشكل فني رفيع المستوي وشيق للناشئة ونشر برامج توعوية للأبوين والابناء معا للتحذير من رفقاء السوء وللتحذير من مخاطر الإدمان.

دور الامهات

برأيي، ان الأمهات تقع عليهن العبء الأكبر في إدارة هذه الازمة الأخلاقية، لانها المنبع الذي يخرج للمجتمع مواطنا صالحا او طالحا، ومن ثم فان الأمهات مطالبات بالوعي في تربية صغارهن من خلال اشغال الأبناء بالتفكير في العابهم ومشاركة الأمهات فيها ثم مراقبة على تصرف غريب يصدر عنهم ومناقشتهم فيه. كما يجب علي الأمهات ان يوسعن صدورهن للصغار ليقولوا كل ما في نفوسهم من احاديث واسئلة لكي يتم تصحيح ما يقولونه أولا بأول. كما يجب على الأمهات استغلال كل فرصة لتنمية الوازع الاخلاقي والروحاني لدى الأبناء، وتربية الضمير اليقظ داخلهم. مع مساعدة الأبناء على ملء أوقات فراغهم في أنشطة اجتماعية في الجمعيات الخيرية وغيرها بجانب حفزهم على ممارسة الأنشطة الرياضية والنشاطات الاجتماعية واصدقاء القدوة الحسنة .

 

سارة السهيل

 

 

السياحة في معظم البلدان التي تتمتع بالإمكانات السياحية  تساهم بنسبة معينة في رفد الدخل القومي بالعملة الصعبة ورفع المستوى المعيشي للسكان الذين يعتاش الكثيرون منهم عليها، فالسياحة في العراق لا تقل شأناً  واهمية عن الكثير من الدول التي يعتمد اقتصادها شبه كلي على السياحة مثل مصر ولبنان وغيرها وفي هذه  الحالة تساهم السياحة في إبعاد شبح الريع عن طبيعة الاقتصاد الوطني لهذه الدول التي تشكل السياحة مصدرا رئيسيا للدخل القومي لها كما يشكل النفط  في العراق المصدر الاول للواردات التي ترفد الاقتصاد العراقي (النفطي) الريعي،وهنالك دول تعتمد على السياحة بنسبة (60%) من الموازنة السنوية علماً باَن العراق يتمتع ببيئة سياحية تؤهله بأن يكون جاذباً للسياحة طيلة ايام السنة وبنسبة تقارب لهذا  المقدار بل اكثر، اذ  يمتلك العراق مجموعة من العوامل تجعله في مقدمة البلدان الجاذبة للسياحة بما يملكه من مقومات سياحية.

والعراق ينفرد عن دول العالم بهذا المفصل الاقتصادي كونه يمتلك قطاعا سياحياً متكاملاً، حيث يمتلك جميع انواع السياحات من دون استثناء، والمنتشرة في جميع مناطق البلاد، منها السياحة الدينية والاثارية والطبية والترفيهية.."، فالعراق لديه مراقد مقدسة  تخص الكثير من  المذاهب والاديان،  فلو استغلت هذه المواقع استغلالا بتخطيط استراتيجي محكم ووفق امكانات حكومية رصينة لأصبح العراق قبلة العالم في جميع انواع السياحة اذ تشير الكثير من الدراسات الى ان الاستثمار الجيد لملف السياحة يمكن من جذب ١٠ ملايين سائح سنوياً، اي بما يكفي من تحقيق ١٠٪‏ من الموازنة العامة.

وقبل التغيير النيساني لم تولِ الحكومات المتعاقبة ادنى اهتمام لهذا القطاع الاستراتيجي ولم تلتفت الى امكانية ان يساهم في رفد الموازنات العامة في تحسين الواقع المعاشي للبلد وكسر احتكار الريع النفطي للاقتصاد الوطني، او على الاقل لتشكّل السياحة رافدا اخر موازيا للنفط ولو بنسبة قليلة ، واستمر هذا النسق من التفكير لحكومات ما بعد التغيير النيساني والمتابع للملف الاقتصادي والسياسي في العراق منذ عام ٢٠٠٣ ولغاية اليوم يمكن ان يؤشر الى ضعف البرامج الحكومية في دعم وتطوير القطاع السياحي بالرغم من أهميته الاقتصادية القصوى،، فبقيت اللامبالاة سمة التوجه الحكومي لهذا القطاع الذي واجه اضافة الى ذلك الاهمال  تحديين خطيرين تمثل الاول منهما بالهاجس الامني الذي القى بظلاله المقيتة على كل القطاعات الاقتصادية ومنها السياحة التي لاتنشط في ظل وضع امني متدهور وحتى المناطق الامنة "نسبيا" لاتشجع ايضا، والتحدي الثاني فقد تمثّل بمتلازمة الفساد الاداري والمالي والبيروقراطية ومعرقلات الاستثمار الداخلي والخارجي، يضاف اليها هشاشة البنى التحتية التي تعد مثبطّا حقيقيا لاي انتعاش للواقع السياحي الذي ظل يراوح مكانه دون ان يتقدم شبرا واحدا في حد ذاته ودون  ان يساهم مساهمة فعالة في رفد الدخل القومي مثل بقية البلدان  حتى التي لا تمتلك مثل مايمتلك العراق من امكانات سياحية هائلة وعلى كافة الصعد، بسبب ان هذا القطاع الاقتصادي الستراتيجي كان ومنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ولحد الان تحت هامش التفكير الحكومي في تفعيل القطاعات المساندة للنفط الذي بقي يتربع على قائمة الاولويات الاقتصادية، ولم تفكر اية حكومة عراقية في مصير الاقتصاد العراقي فيما لو نضب النفط ـ وهو متوقع في حدود  الستين سنة المقبلة وهو ماسيشكّل معضلة اقتصادية  للأجيال العراقية القادمة التي ستفاجأ بنضوب النفط  وانحسار موارده ـ او لم يعد يفي بمتطلبات الدخل القومي في ظل الانفجار السكاني الهائل مع تراجع بقية القطاعات  الانتاجية  والاستثمارية كالزراعة والصناعة او الصناعة التحويلية ومع بقاء ملايين الامتار المكعبة من الغاز الطبيعي تُهدر يوميا ومنذ عقود ودون ان تفكر اية حكومة في استثمارها اقتصاديا مع حاجة العراق المستمرة للعملة الصعبة تحت هامش التقلب المستمر في اسعار النفط في السوق العالمية، ولو تم تفعيل القطاع السياحي في العراق  بشكل مهني صحيح فان ذلك سيساهم بشكل تلقائي في امتصاص الكثير من مناسيب البطالة المقنعة وخاصة في صفوف الشباب الخريجين ولاسيما من ذوي المهن السياحية والفندقية والذين عانوا الكثير من الاجحاف والغبن  .

ودخل التقصير الاعلامي على خط  التجاهل لهذا القطاع فالإعلام يتحمل جزءا  كبيرا من وزر التغاضي عن اهمية توصيل صورة حقيقية وناصعة للراي العام الدولي والاقليمي عن الامكانات السياحية الهائلة للعراق، ولا يخفى  على احد إن التنمية السياحية تهدف إلى الإسهام في زيادة الدخل القومي الحقيقي وتوفير فرص العمل للعاطلين وتشغيل الأيدي العاملة فضلا عن توفير العملة الصعبة للبلد وإعادة تأهيل البنى التحتية للمناطق كافة ومن هنا تكون التنمية السياحية وسيلة للتنمية الاقتصادية وبهذه المتابعة تعتمد التنمية الاقتصادية على القطاع السياحي بدرجات متفاوتة في زيادة الدخل القومي والدخل الحقيقي للفرد من خلال دفع المتغيرات السياحية في المجتمع للنمو بأسرع من معدل النمو الطبيعي. أي إن التنمية السياحية تعد في هذه الحالة نمواً إرادياً مدفوعاً . ان السياحة من المفروض ان تكون الداعم الثاني للموازنة بعد النفط بسبب توفر المرافق السياحية والبنى التحتية لها من خلال التأسيس لمشاريع استثمارية سياحية يمكن ان ترفد الموازنات العامة بالبدائل المالية عن النفط وتحصّن الاقتصاد العراقي من اخطار تقلبات أسعاره، بالإضافة الى تطوير البنى التحتية للسياحة العراقية لاستيعاب اعداد كبيرة من السائحين من شأنه ان يخلق فرص عمل جديدة وينشّط عملية التبادل التجاري والذي يمكن ان ينعكس ايجاباً على باقي القطاعات الاقتصادية وان غدا لناظره قريب .

 

عباس الصباغ

 

محمد العباسيفجأة، ظهر علينا عبر القنوات الفضائية الاخبارية، العشرات من "الخبراء" في الشئون العسكرية والإقتصادية والشئون السياسية.. الكل يدلي بدلوه وتحليلاته وتوقعاته وفلسفاته فيما يدور بين رحى المعارك والحروب في الوطن العربي.. فمنهم الروس وكافة أحاديثهم تقع في خانة تبرير المجازر الروسية، أو نفيها والتشكيك في المعلومات ومصادرها.. ثم الأتراك، في إستماتة لتحليل كافة الأحداث وحصرها في إطار الدفاع عن التحركات التركية في المنطقة.. ومثلهم العشرات من السوريين والعراقيين والمصريين والليبيين واليمنيين والخليجيين.. كلهم يتصدرون المواقع الاخبارية العربية ويتحدثون بصفتهم خبراء وأكاديميين ومستشارين في الشئون القتالية والعسكرية والإقتصادية والإنسانية ومسميات أخرى.. كل هؤلاء "فقسوا" علينا بين ليلة وضحاها، لربما ليكونوا من أكبر المستفيدين من مآسي الآخرين!

من بين كل هؤلاء "العباقرة" نجد جنسيات عديدة يتحدثون العربية بمستويات مختلفة.. فمنهم الروس والأتراك والفرس وحتى الأوروبيين والأمريكيين.. كلهم يخاطبوننا بلساننا ويخوضون في شئوننا.. ومن منهم لا يجيدون لغتنا نجد في لقاءاتهم ترجمات فورية على الهواء مباشرة.. بعض معلوماتهم ربما تكون مفيدة بدرجة ما، غير أن تصوراتهم العامة تعكس توجهات الجهات التي يمثلونها.. جل همهم الدفاع عن سياسات بلدانهم و"الضرب تحت الحزام" لقلب موازين الأحداث.. وبشكل ما ربما نعلم بل ونقّدر أنهم لن تكون لديهم لا الشجاعة ولا الجرأة ولا المصداقية لمخالفة الرأي مع سياسات حكامهم.. فالروس لن يتجرأوا أبداً على مخالفة قيصر روسيا "فلاديمير بوتن".. فنجدهم يجاهدون في إيجاد الأعذار الواهية وقلب الحقائق ونفي المجازر التي يرتكبها سلاح الجو الروسي في سوريا.. بل وينكرونها.. ورغم ذلك نجدهم على جل قنواتنا الإخبارية يصدحون بآرائهم.

و شخصياً لا أرتاح أبداً للمحلل الروسي "تيمور دويدار"، ربما لأنه من أصل "عربي".. غير أنه لا يمت لنا بصلة لا من قريب ولا من بعيد.. بل كل أحاديثه فيها إستماتة للدفاع عن التحركات الروسية في المنطقة وتبرير كل مجازرها دون مواربة.. وفي الحقيقة هو يعتبر رجل أعمال وصِفته حسب موقع "البيان" الإلكتروني فهو "إعلامي ومحلل سياسي روسي متخصص فى قطاع التكنولوجيا والتجارة الدولية".. وربما هي لهجته العربية المصرية التي تجعلني أشمئز من الإنصات لعنصريته الروسية.. وكأنه يدس الملح ويدعكه في جراحنا بكل فخر وإعتزاز وولاء لجنسيته الروسية ومصالح روسيا.. وأعترف لكم هنا أن طبيعة التدخلات الروسية بالذات في قضايانا هذه الأيام تجعلني متحاملاً عليهم بشكل خاص.. وفي ذات السياق أجدني رافضاً لدور المعارضين السوريين ضمن المنصة الروسية.. فدورهم وتكوينهم مشبوه فيه جداً.. فهم مجرد أداة روسية ليكونو حجر عثرة أمام كل إجتماعات المعارضة السورية وأداة لإفساد كل مساعي المعارضة للإتفاق فيما بينهم!!

ومن الخبراء الغير العرب، نجد معارضيين إيرانيين، يعيشون خارج إيران.. جل تحليلاتهم تتعلق بالمواقف الإيرانية.. لذا نجدهم يتكلمون بحرية ودون مواربة ولا خوف من التعسف ضدهم.. لكن، يضل بعض المحللين الإيرانيين محل شك وإستفهام.. وربما يكون المدعو "أمير الموسوي" الذي تستضيفه بعض القنوات على أنه خبير إعلامي هو من أكثر هؤلاء إثارة للريبة.. وهو ضيف مفضل على قناة الجزيرة وإستضافته عدة مرات قناة الحدث أيضاً.. فحسب موقع "وكيبيديا"، يجيد الموسوي اللغة العربية فضلاً عن الفارسية (طبعاً)، ويشارك في مختلف البرامج والمناظرات واللقاءات التلفزيونية في القنوات الفضائية العربية کمحلل سياسي في شئون الشرق الأوسط.  لكن كونه سابقاً شغل عدة مناصب رسمية في الحكومة الإيرانية كممثل ثقافي في كثير من الدول، نجد أن دوره لا يزال مغلفاً بالكثير من الشك.. ففي إطار مشاركاته في هذه البرامج كثيراً ما يبدو کالمدافع والمؤيد لحزب الله اللبناني وما يسمى بمحور المقاومة وطبعاً النظام الإيراني.. ويشاع أنه وراء الكثير من الإشاعات، مثل خبر "إصابة قاسم سليماني" أو دعوته إلى الرئيس السوري "بشار الأسد" لنقل العاصمة من دمشق إلى اللاذقية وطرطوس مؤقتا بسبب الإعتداءات الصهيونية الأخيرة على الأراضي السورية، وأن تستلم المقاومة الإسلامية المنطقة الواقعة ما بين دمشق والجولان المحتل كمنطقة عسكرية مفتوحة مع العدو الصهيوني.. وقد أنكر الموسوي هذه الإشاعات، لكن بحكم دوره في النظام الإيراني وكرهه للعرب بعد طرد أسرته من "النجف" في بدايات الحرب العراقية-الإيرانية، تجعل منه "خبيراً" مدسوساً ومشكوك في كل أقواله!!

ومن المحللين الإيرانيين أيضاً يبرز إسم "علي رضا نوري زادة".. فحسب موقع "إيران بلا أقنعة"، هنالك شكوك كثيرة تحوم حول تاريخ هذه الشخصية بالذات.. فنظراً لأنه كان ولا يزال طيلة العقود الثلاثة الماضية من العملاء المعروفين لـ «اطلاعات» الإيرانية الرهيبة وخبرته الرئيسة كانت ولا تزال دوماً هي تطهير النظام الإيراني وتبرئته من جرائمه العديدة ضد الشعب الإيراني والشعوب الأخرى في المنطقة بما فيها الشعب الأحوازي والعراقي واللبناني والفلسطيني والآن الشعب السوري، وبسبب تقلباته وإزدواجية ولاءاته للشاه والسافاك في بداياته، ومن ثم للثورة الإيرانية والخميني وخامنئي ومن ثم رفسنجاني ومن بعده خاتمي، وهكذا دواليك، يصعب علينا الثقة في أقواله وأفعاله.. بل ويصرح موقع "إيران بلا أقنعة" بأن "نوري زادة" يُسمى لدى الإيرانيين بـ "العميل الاستئجاري"، بسبب خدماته المستمرة طيلة العقود الماضية لأجهزة الشاه ثم نظام خميني الإستخبارية.. ولا وزن له إطلاقًا لدى الصحف ووسائل الإعلام الناطقة باللغة الفارسية.. ولكن بسبب كونه يجيد اللغة العربية وبسبب عدم إطلاع وسائل الإعلام الناطقة باللغة العربية على سجل عمالته، تقوم وسائل الإعلام العربية هذه باستضافته ودعوته للمقابلة والحديث أو كتابة المقالات، وهو بدوره وفي إطار المهمة التي وضعها النظام الإيراني على عاتقه، يقدم معلومات خاطئة ملتبسة في محاولة لتسميم أجواء وسائل الإعلام لحساب نظام ولاية الفقيه.

ورغم أن المحللين والخبراء على القنوات العربية كثيرون، وتتفاوت الجنسيات والإنتماءات والخلفيات والتوجهات السياسية، الحديث عنهم كلهم سيطول جداً.. لكن يمكن لكل متتبع مجتهد ملاحظة خصوصية كل واحد منهم وزوايا رؤاهم وتنظيراتهم وإنتماءاتهم وكشف ما بين سطور أحاديثهم ونواياهم.. لذا سأترك موضوع الأجانب جانباً، وسأتطرق للمحللين العرب.. ولا أعتقد بأن أغلبهم يستحقون تلك الألقاب "المفخمة" كونهم من عتاة أصحاب العلم بالأمور والخبرة في التحليل وكأنهم "موسوعات تمشي على أقدام"!!

سأستسمحكم هنا لأنتقل إلى القلة القليلة منهم، ممن أستأنس بالإستماع لهم.. ومن بين هؤلاء الكرام يحضرني إسم الدكتور "فهد الشليمي" من الكويت.. وهو عقيد ركن متقاعد، محلل سياسي وعسكري، رئيس المنتدى الخليجي للأمن والسلام، منسق عام منظمات "كوغر" في الكويت، حاصل على شهادة الدكتوراة في العلاقات الدولية وماجستير في العلوم العسكرية.. أحبه وأستمع إليه وأشتاق للقاءاته لسبب بسيط.. صراحته المطلقة.. "الشليمي" بصراحة يمتاز بعاطفة جياشة وقد يفقد أعصابه أحياناً لأنه لا يوارب في طرح رؤاه وآرائه وتحليلاته، بالذات تجاه ما يجري في سوريا واليمن.. وله هذه الأيام مواقف صارمة وواضحة في القضية القطرية.. له مواقف صارمة وآراء "قاصمة" في فضح قناة "الجزيرة" القطرية، تلك القناة التي يراها مكرسة لنشر الفوضى والتحريض في الخليج، عبر موادها الإعلامية، وضيوفها ممن تعتبرهم مفكرين، مؤكداً أن هذه الفلسفة المتبعة لا تناسب دول مجلس التعاون.. وكتب على صفحته الشخصية بموقع تويتر عن الجزيرة: "أن المشروع الإعلامي الخبيث لنشر فوضى التحريض والخراب في الخليج تجعل من المحرضين مفكرين ومن الجواسيس وطنيين لايشرفني المشاركه بها" (موقع: إرم الاخباري).

وأيضاً أستأنس بمتابعة لقاءات الدكتور "رياض نعسان آغا".. وهو أديب وشاعر وله مؤلفات ومسرحيات ومسلسلات وبرامج تلفزيونية عديدة.. كان سفيراً ووزيراً للثقافة ومستشاراً سياسياً للرئيس "حافظ الأسد".. ثم منشقاً عن النظام السوري وأحد أبرز وجوه المعارضة وأحد أهم أعضاء "الإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" ضد نظام "بشار الأسد".. ويتسم الدكتور "آغا" بقمة الإتزان والهدوء والتركيز على حيثيات الأمور التي يطرحها.. جل كلامه يصيب الهدف وكل نقاشاته تتسم بعلم من كان في النظام والعالم بخوافي الأمور المبطنة.. لقاءاته غنية رغم أنها تبث الحزن والأسى على حال السوريين اليوم.. تساؤلاته عن مجريات الأمور والإنعكاسات السياسية الدولية تعكس مدى إلمامه بالسياسة الدولية ومصالحها في المنطقة.. تكاد الدمعة تفر من بين أجفانه وهو يلامس الواقع المر لما يجري في وطنه من مآسي تدمي القلوب.. قدرته اللغوية تعينه في سرد الوقائع كأنها مسرحية تراجيدية كلنا نعيشها معه بكل تفاصيلها القاسية.. أديب في حديثه رغم الألم في نبرته والحزن الجاثم على فؤاده.

ربما سأكتفي بهذه الأمثلة القليلة لمن أشك في مآربهم وممن أشتاق للإستماع إليهم من بين العشرات ممن تستقبلهم القنوات العربية هذه الأيام.. ولكن هذا لا يمنع أن يكون هنالك آخرون ممن يمتازون بحُسن الحديث ووافر العلم وقيّم المعلومات.. وبإختصار، حتى لا أبخس الآخرين حقوقهم، من المميزين جداً في نظري المتواضع في هذا الشأن، أحترم اللواء الركن الطيار المتقاعد "محمد القبيبان"، والدكتور "علي التواتي القرشي" والعقيد "إبراهيم آل مرعي" من بين الكثيرين من السعودية.. وكذلك في الشئون العراقية، الدكتور "يحيى الكبيسي" والمحلل العسكري "إحسان القيسون" والدكتور "مصطفى العاني" وكذلك المحلل السياسي "أحمد الأبيض".. وفي الشأن السوري، العميد "أحمد رحال" والعميد "أحمد الزعبي" وكل أعضاء الإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية.. والمحلل الليبي الصاخب دائماً "نعمان بن عثمان".. والمحللين اليمنيين "نجيب غلاب" و"عبدالناصر المودع".. والمحلل العسكري الأردني اللواء "فايز الدويري" والإعلامي الأردني المخضرم "صالح قلاب" والإعلامي الحر "يوسف علاونة".. واللبناني مقدم برنامج (DNA) الساخر "نديم قطيش".. كما كنت أعشق برنامج "البرنامج" الساخر للدكتور "باسم يوسف".. وأستمتع بتحليلات الدكتور "عبدالله النفيسي" المفكر الكويتي، رغم كثرة الإنتقادات الموجهة له، وأكن كثير الإحترام للصحفي والإعلامي الكويتي "مشعل النامي" لمواقفه الجريئة مع أحداث الأزمة البحرينية.. وكذلك أحترم آراء الإعلامي الإماراتي "ضرار الفلاسي" والإعلامية البحرينية "سوسن الشاعر".

أما الخبراء من جمهورية مصر العربية فهم والحمدلله كثيرون، ولن أجازف بذكر قليل من الأسماء حتى لا أبخس حقوق الآخرين.. فكلهم "عمالقة" في الشئون العسكرية والإعلامية والأكاديمية وفي كافة المجالات.. وأحب أن أختم اليوم بشخصية لا يمكن لأحد منا غير أن يعترف بعبقريته المتميزة في كل ما يتفوه فيه رغم أنه ليس من عالم الصحافة.. هذه الشخصية الكبيرة القامة والمميزة بكل ما للكلمة من معنى، والتي لن أفيها حقها في خضم كل الأزمات والتقلبات التي نعيشها في عالم اليوم، هو معالي وزير خارجية المملكة العربية السعودية، الأستاذ "عادل الجبير"!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

حسين سرمك حسنوكيف شوّه الأغريق منجزات الطب العراقي القديم

هذا اللوح الطيني العراقي البابلي العجيب (1/2)

تناول الباحثان البريطانيان : إدوارد رينولدز  Edward H. Reynolds وجيمس كينير ويلسون  James V. Kinnier Wilson لوحاً طينياً عراقياً قديماً محفوظاً في المتحف البريطاني يتحدث فيه الأطباء البابليون القدماء عن الأمرا ض النفسية والعصبية بدقة عجيبة وتفاصبل مثيرة للدهشة وكأننا نستمع لطبيب مختص من زمننا وهو يتحدث عن الصرع والسكتة الدماغية واضطراب الوسواس القسرسي والكآبة والشخصية السايكوباثية وغيرها.

يقول الباحثان:

(نستعرض هنا الأوصاف البابلية للاضطرابات العصبية والنفسية، بما في ذلك الصَرَع، والسكتة الدماغية، والذهان، والوسواس القهري، والرهاب، والسلوك السيكوباتي، والاكتئاب والقلق. يرجع تاريخ معظم هذه الأوصاف إلى السلالة البابلية الأولى في النصف الأول من الألفية الثانية قبل الميلاد. كان البابليون مراقبين حادّين وموضوعيين بشكل ملحوظ للاضطرابات الطبية والسلوك البشري. تتشابه أوصافهم المفصلة بشكل مدهش مع حسابات الكتب التعليمية الحديثة في القرنين التاسع عشر والعشرين، باستثناء الأفكار والمشاعر الذاتية التي هي مجالات بحث أكثر حداثة. لم يكن لديهم معرفة بالدماغ أو الوظيفة النفسية. بعض الاضطرابات العصبية النفسية، على سبيل المثال السكتة الدماغية أو شلل الوجه، كان لها أساس مادي يستدعي انتباه الطبيب أو الآسو asû، وتدخّله  باستخدام علم الصيدلة المعتمد على النباتات والمعادن. واعتُبرت بعض الاضطرابات مثل الصرع، والذهان، والاكتئاب والقلق خارقة للطبيعة بسبب الشياطين أو الأرواح الشريرة، أو غضب الآلهة الشخصية، وبالتالي تتطلب تدخل الكاهن أو الأسيبو ašipu ؛ اعتبرت اضطرابات أخرى مثل اضطراب الوسواس القهري والسلوك السيكوباتي لغزا. كان البابليون أول من وصف الأسس السريرية للأمراض العصبية والطب النفسي. نناقش هذه الكتابات فيما يتعلق بالأوصاف السريرية اللاحقة والأكثر حداثة.

* الاضطرابات العصبية Neurological disorders

* الصرع Epilepsy

درسنا في بادئ الأمر لوحًا بابليًا في المتحف البريطاني برقم (BM 47753)، العدد 26 من 40 لوحاً في سلسلة "التشخيص"، معنيًا بالصرع (الشكل أدناه). الكلمة البابلية للسقوط مريضاً أو الصرع هي كلمة miqtu. يصف اللوح بتفاصيل دقيقة معظم أنواع النوبات الشائعة التي نتعرف عليها اليوم، والتي نوضح بعضًا منها أدناه، وحتى الأنواع النادرة مثل النوبات التشوّهية (الضاحكة) gelastic seizure. كما تم وصف الأعراض البادرية prodromal symptoms، الهالات  auras، الظواهر اللاحقة للنوبة post-ictal phenomena، العوامل الاستفزازية والمثيرة (مثل النوم والعاطفة)، والاضطراب العاطفي ما بين النوبات. هناك أيضا قسم عن الجوانب الزمنية أو النذيرية للصرع. 

469 سرمك

(اللوح 26 عن الصرع من "السلسلة التشخيصية" البابلية. برقم BM47753 في المتحف البريطاني، لندن).

في جميع أنحاء النص، يظهر المفهوم البابلي للصرع كاضطراب خارق للطبيعة بسبب غزو الجسم من قبل الشياطين أو الأرواح الشريرة، وأحيانًا مع أسماء فردية للأرواح المرتبطة بأنواع نوبات معينة. ينص السطر الأول (الوجه) من النص:

"إذا وقع الصرع مرة واحدة على شخص [أو وقع عدة مرات]، فذلك نتيجة لاستحواذ روح شيطانية أو روح ميت عليه"

بالنسبة للبابليين، يبدو أنه لا يوجد شك فيما إذا كانت النوبة الواحدة هي الصرع. كل هجوم سواء انفرادي أو متعدد، كان نتيجة للحيازة.

يوضح الوصف التالي نوبة صرعية بؤرية أحادية الجانب unilateral focal motor seizure، والتي نسميها اليوم "جاكسون Jacksonian’"، لاحظ الانتباه الدقيق للتفاصيل الطبية من قبل العلماء البابليين:

"إذا كان في وقت الاستحواذ عليه، وفي أثناء جلوسه، تتحرك عينه (اليسرى) إلى الجانب، وتتجعد الشفة، ويتدفّق اللعاب من فمه، ويده، وساقه وجذعه على الجانب الأيسر (تنتفض أو ترتج) مثل الأغنام المذبوحة حديثًا، فهي "ميكتو" (أي صرع). إذا كان في وقت الاستحواذ يدرك بوعي، يمكن طرد الشيطان. إذا لم يكن واعياً في وقت الاستحواذ، لا يمكن طرد الشيطان). (الأسطر 1- 3)

كان الأطباء البابليون يدركون بشكل واضح أن الأعراض الحركية المبكرة للنوبة الصرعية يمكن أن توصل إلى فقدان للوعي، عندها يصبح من الصعب طرد الشيطان. نحن اليوم لا نطرد الشياطين، ولكن بعض الممارسين يستخدمون الارتجاع البيولوجي biofeedback خلال المرحلة الواعية في محاولة لمنع التقدم إلى فقدان الوعي.

كان البابليون يدركون أيضًا الحالة الصرعية status epilepticus (نوبات صرعية متتالية تصيب الشخص دون العودة إلى حالته الطبيعية بين النوبات- المترجم)، مع النتيجة الخطيرة المحتملة للوفاة:

"إذا وقع شيطان الصرع عليه عدة مرات وفي يوم معين تملكه سبع مرات بصورة متتابعة، ستنجو حياته. إذا وقع عليه ثمانية مرات قد لا يدخر حياته (السطر 6).

على الرغم من أننا اليوم لن نعتبر الرقم سبعة حاسمًا في تشخيص الحالة الصرعية، لكن بالنسبة للبابليين والثقافات القديمة الأخرى فإن الرقم السبعة كان عددًا مقدسًا له أهمية خارقة.

وأخيرًا مثال على عملية أوتوماتيكية متقنة elaborate automatism في سياق نوبة جزئية معقدة complex partial seizure  و / أو حالة ما بعد النوبة post-ictal state:

"إذا استمر في الدخول والخروج من منزله أو نزعه ملابسه و لبسه لها، أو كان يتحدث بشكل غير واضح ولكن بقدر كبير، ولم يعد يأكل خبزه أو يشرب البيرة الخاصة به ولا يذهب إلى الفراش – فهذه يد الإلهة عشتار) (السطران 19-20).

هذا مثال على تأثير خارق مُحدّد.

- السكتة الدماغية Stroke

إنّ الكلمة المقابلة لمفردة السكتة stroke هي misittu مأخوذة من الفعل الأكدي masadu والتي لها مكافآت سومرية تمتد من SU.UR وتعني (يسحج أو يكشط) إلى RA وتعني (يضرب) (وتُستخدم عادة للتعبير عن ضرب الرأس بسلاح).  وبهذا يكون اختيار هذا المصطلح من قبل الطبيب الرافديني القديم دقيقاً جدا ومقابلا للمصطلح الإنجليزي.

واللوحة 27 في سلسلة "التشخيص" موجودة في متحف اللوفر في باريس (A06680) وهي معنية بالجلطة الدماغية، وهي الكلمة البابلية التي تعني šipir misǐtti . ينص السطر الأول من النص:

"إذا كان الرجل يعاني من شلل في الوجه ونصف جسده مشلول فهي " سكتة دماغية ".

ادرك البابليون الطبيعة الأحادية للسكتة بما في ذلك الأطراف والوجه والكلام والوعي. وميزوا ضعف الوجه (شلل الفم) الناتج من السكتة الدماغية من شلل الوجه أحادي الجانب غير المعقد، والذي يُعرف في المصطلحات الحديثة باسم شلل بيل Bell’s palsy. النصوص الأربعة ذات الصلة محددة في دراسة سابقة وتبدأ:

"إذا كان لدى الرجل شلل رخو (مترهّل) flaccid paralysis في الوجه، فإن عينه المصابة تنحرف عن العين الأخرى وتظل مفتوحة طول النهار والليل ...".

كما يكشف اللوح عن الوعي بالمستقبل المرضي المتغيّر للسكتة الدماغية من الإعاقة المستمرة والوفاة إلى الانتعاش في غضون يومين أو ثلاثة أيام، وأحيانًا مع صداع دائم.

وقد أشار بعض الباحثين إلى أنّ من المشكوك فيه أن يكون البابليون قد شخّصوا الهجمات الإقفارية العابرة transient ischaemic attacks، على الأقل بسبب عدم وجود طريقة للتعبير عن وحدات صغيرة من الوقت، مثل الثواني أو الدقائق. ولكن النص الذي عثر عليه الباحثان سكورلوك وأندرسون يثبت خلاف ذلك. يقول الباحثان:

(عندما يتقلص شريان في الدماغ أو ينقبض فإنه يسبّب نقصاً وقتياً أو عابراً في الدم المجهز للدماغ ischemia، مع ظهور اعراض عصبية مرضية تقابل المنطقة المتأثرة من الدماغ. وبعد أن ينفتح الشريان ثانية فإن الوظيفة العصبية تعود إلى وضعها الطبيعي. هذه الحالة تُنذر بأن انسداداً نهائيا للوعاء سوف يحصل ولا رجعة فيه. النص التالي يتحدث عن هجمة إقفارية عابرة سببها تضيّق في الشريان الدماغي الأوسط middle cerebral artery :

(إذا أُصيب شخص بسكتة وكان جانبه الأيسر أو جانبه الأيمن قد تأثر، وكنفه غير طليق، ولكنه يستطيع مدّ أصابعه، ويستطيع رفع يده ومدّها، ويستطيع ثني قدمه ومدّها ثانية، وغير منقطع عن الطعام والشراب، فإنه سوف يشفى خلال ثلاثة أيام ... )

وعلى الرغم من أن علاج الصرع هو اختصاص الكاهن أو الأسيبو، فإن السكتة الدماغية تعود إلى كل من المعالجين الطبيعيين وفوق الطبيعيين (الروحانيين)، الذين يتعاونون أحيانًا في إدارة المريض. قد يرجع ذلك إلى أن البابليين أدركوا أن الشلل قد ينجم أحيانًا عن أسباب جسدية، مثل لدغة الثعابين أو لدغة العقرب. وشملت العلاجات الجسدية التدليك، والكمادات الساخنة وضمادات الأطراف، بالإضافة إلى الوصفات الطبية المختلفة عن طريق الفم، وربما إعادة التأهيل على شكل عكاز.

- الحبل الشوكي The spinal cord

قبل أن نغادر الاضطرابات العصبية، نلفت الانتباه إلى النقوش البارزة الجميلة في المتحف البريطاني للبؤة جريحة من قصر آشور بانيبال في نينوى (الشكل أدناه). على الرغم من عدم معرفتهم بالحبل الشوكي، فإن البابليين والآشوريين أدركوا بوضوح أن إصابة سهم في وسط الظهر تؤدّي إلى إصابة الرجلين الخلفيتين بالشلل، وهي ملاحظة سريرية مهمة أخرى. 

470 سرمك

(نقش بارز للبؤة جريحة من قصر آشوربانيبال في نينوى، حوالي عام 650 قبل الميلاد، في المتحف البريطاني، لندن).

.. وبعد هذه الأدلة المذهلة وفي مجال مُحدّد من الممارسة الطبّية البابلية هو أمراض الجهاز العصبي، كيف يقول هيرودوتس أنّ المرضى في بابل كانوا يُعرضون في الساحات العامة لأن البابليين لم يكن لديهم أطباء ؟!

(وإلى القسم الرابع)

 

الدكتور حسين سرمك حسن - بغداد المحروسة

 

جمال الدين بوزيانالمتابع للإعلام المرئي وما يبث عبره خاصة القصص الخفيفة والترفيهية أو البرامج الثقافية والفنية والمنوعات يلاحظ بدون بدل جهد كبير أنه أصبح يتم تداول كلمات ومصطلحات جديدة ودخيلة تم تحويرها وإعادة تشكيلها من كلمات أجنبية فرضتها العولمة والشكل الجديد للإعلام المرئي والإلكتروني والتطور الهائل والسريع للانترنيت في السنوات الأخيرة، مثل كلمة أنفلوسر – influencer ومعناها "المؤثر" كما هو واضح، وكلمة فاشينيستا – Fashionista التي تعني في الأصل الشخص الذي لا يتبع الموضة وينسق اللباس بطريقته الخاصة، لكن حاليا أصبحت تطلق على كل من تصور نفسها وتنشر صورها على مواقع التواصل الاجتماعي.

هناك تسارع كبير في تغير أشكال وأسباب النجاح والترويج، لم تعد الطرق التقليدية فقط هي السبيل الوحيد الذي يمكن من الوصول إلى نجاح الكاتب أو الممثل أو المغني أو عارضة الأزياء، بل أصبحت تبدو هذه الطرق التقليدية بمثابة عائق أو على الأقل طريقة بطئية لا تناسب متطلبات الشهرة السريعة جدا، حيث أن شركات الإنتاج الضخمة وإن كانت لا تزال تحتفظ بهيبتها ومكانتها إلا أن دورها أصبح في المرتبة الثانية لأغلب المبدعين وغير المبدعين ممن لا تتاح لهم دائما فرصة التواصل العادي مع تلك الشركات أو فرصة القبول ببساطة في المسابقات التي يتم عبرها اختيار المبدعين.

الأنترنيت أصبح وسيلة للفت انتباه شركات وإجبارها بطريقة غير مباشرة على مشاهدة العرض أو قراءة النص بدون تقديم طلب مشاركة أو دون الوقوف بباب تلك المؤسسات وانتظار الدور.

 حاليا الأنترنيت هو الخطوة الأولى للشهرة لدى كل الموهوبين في كل المجالات الحقيقية سواء في التكنولوجيا والرياضة أو الرقص والإغراء وحتى المجالات التافهة المستحدثة مؤخرا مثل الفاشينيستات، ويختلف طلاب الشهرة بين موهوب حقيقي وبين طالب للمال والربح فقط وبين من يجمع بينهما وبين أمور اخرى، لا يوجد نموذج واحد للشخص المؤثر على النت، ومنهم من لم يطلب الشهرة أو التأثير بتلك الطريقة أو الحجم، بل وجد نفسه أمام شكل جديد من الترويج والشهرة لم يكن يقصده بقدر ما كان يسعى للتعريف بقضية معينة أو مساعدة فئة من الناس او ممارسة هوايته وإشباع شغفه.

والاختيارات أمام طالب الشهرة كثيرة جدا، فايسبوك، تويتر، يوتوب، سناب شات، انستغرام .... إلخ

وفي الوسط الفني حاليا تبرز أسماء لنجوم جدد حققوا نجاحا كبيرا على أرض الواقع وكانت انطلاقتهم الأولى عبر اليوتوب أو مواقع التواصل الاجتماعي أو المدونات وغيرها من الوسائل التي يتيحها الأنترنيت بسهولة لكي يعرف كل شخص بنفسه بكل بساطة ويصل إلى أكبر عدد ممكن من الناس بدون صرف أي مال باستثناء الاشتراك في النت بسعر بسيط ربما.

في مصر مثلا باسم يوسف كانت بدايته عبر اليوتوب ليصبح اليوم أشهر إعلامي ساخر في الوطن العربي.

أما في الجزائر فلا شك أن أمير دي زاد هو أشهر أنفلوسر سياسي اجتماعي حاليا، وهو أفضل مثال، كذلك المغني ريفكا هو أحسن مثال لشاب غير معروف أبدا استطاع حشد الآلاف في عيد ميلاده من خلال تأثيره عبر اليوتوب، ليؤكد ودون أن يدري للكثيرين بمن فيهم أصحاب القرار السياسي أن زمن الترويج القديم قد ولى، وأن التحريض يمكن أن يكون عبر طرق أخرى أكثر سرعة وفعالية.

أما في العالم فلا يوجد مثال أحسن من جستين بيبر الذي بدأ هو الآخر من اليوتوب ليصل إلى كل الجماهير ويسيطر على سوق الغناء وأخبار الفن.

حتى في ميدان الأفلام الجنسية يعرف هذا الوسط حاليا نجوما جدد تعاقدوا مع شركات إنتاج ضخمة تم استقدامهم من فيديوهات الهواة وأحيانا حتى من بلدان فقيرة وغير معروفة في مجال الإنتاج الخليع ومن بينها دول عربية، السبب هو الانترنيت.

الشهرة عبر الانترنيت متاحة للجميع وفي كل المجالات وليست الفنية فقط، حتى في مجال حقوق الإنسان والأعمال الخيرية والإنسانية أصبحنا نرى جيلا من الناشطين الشباب والمراهقين ممن يحاولون منافسة أنجلينا جولي في التقاطهم للصور مع الفقراء والمحتاجين ويعملون على محاكاة الليدي ديانا ومشاهير اليونسيف في توثيق كل عمل خيري يقومون به ولو على حساب كرامة الفقير ودون مراعاة للتبعات المضرة بحياة العائلات الظاهرة في الصور، بينما الأولية يجب أن تكون هو لكيفية وصول الفائدة للمحتاج بغض النظر عن القيام بذلك في السر أو العلن، وعدم إعطاء الأولوية للصورة كغاية كبيرة في حد ذاتها، الأولى لكل هؤلاء هو استغلال الشهرة الصغيرة التي أعطتهم إياها مواقع التواصل الاجتماعي واستغلال المصداقية التي اكتسبوها من النت لجلب الدعم أكثر ومساعدة الناس.

وبصفة عامة التأثير الإيجابي هو ما نتمناه من كل هؤلاء المؤثرين ومشاهير مواقع التواصل الاجتماعي بغض النظر عن مجال النشاط أو الاهتمام.

وأختم مقالي بعبارة أعجبتني جدا قالتها الإعلامية الأردنية "عروب صبح" في مقال لها يتحدث عن نفس المضمون: "لا تجعلوا الأغبياء مشهورين".

 

جمال الدين بوزيان - ناشط اجتماعي جزائري

 

 

ابراهيم اوحسينقد يكون من غير المنطقي وصف موصوف بنعوت وبأوصاف لا تجد لها موضعا في الذهنية الواعية المشتركة، وقد لا تجوز في حق بعض الأشياء ما يجوز في أخرى من صفات وتوصيمات؛ ولولا تصديرنا هذا المقال بعنوان يبعث في النفس شيئا من الريبة والتساؤل ما كنا لنأتي بهذا الكلام الأقرب إلى ترانيم المتصوفة. فهل توصف الدول حقا بالجنون وبالعقل إذا جاز وصفها بالعدل وبالظلم؟

قالت المتحدثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي عن زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، في نقاشها حول إطلاق كوريا أربعة صواريخ باليستية: "نحن لا نتعامل مع شخص عاقل!"؛ وإذا تم نفي ملكة العقل والتمييز عن الزعيم الكوري بناء على قراراته المجازفة، فكأنما وُصف رأسا بشيء من الجنون . وحين يصل هذا الاضطراب إلى مراكز القرار وإلى البُنى النفسية للزعامات، فلابد أن تدخل الدول _ بحكم ما يسري عليها من قرارات - عهد العبث والفوضى، ولا مناص من وصمها، أي الدول، بالمجنونة؛ بالأخص إذا لقيت تلك القرارات قبولا شعبيا واسعا، وسَعَت مكونات المجتمع إلى إدخالها حيز التطبيق بدم بارد.

أُثِر عن التاريخين القديم والوسيط نماذج من القيادات السياسية التي ارتبط اسمها بالحمق وبالغرابة حدَّ الاندهاش، إذ لم تكن القرارات الصادرة من أولئكم إلا قرارات حمقى أو مغفلين أو مضطربين نفسيا؛ وهي أبعد ما تكون صادرة من حاكم أو مسؤول ذي حنكة سياسية وخبرة إدارية تخولانه بلوغ السُّدّة العالية من الحكم والسلطة. إن التاريخ لن ينسى بالتأكيد الإمبراطور الروماني جايوس، المعروف بكاليغولا، المشهور بوحشيته وجنونه وساديته، إذ استبدت به فكرة حلول الإله في ذاته، فأتاه اليقين بأنه يستطيع فعل أي شيء في مَن دونه من البشر، وكم بَرم الشعب بالعديد من حماقاته. بعده بعقود يسيرة بلغ رأسَ السلطة الرومانية الامبراطورُ نيرون، الذي راودت خياله فكرة بناء روما جديدة بعد إزالة كل آثار روما القديمة حرقا! وهي الفكرة التي نفذها للأسف سنة 64 م. التاريخ الإسلامي كذلك لم يخل من بلاهات وحماقات أصحاب السلطة والقرار، فقد ذكرت كتب السّير قصة عُيينة بن حصن، زعيم قبيلة غطفان، المعروف بالأحمق المُطاع، صاحب القرارات المتسرعة الآتية دوما بنتائج سلبية عكسية. ولم يخل تاريخنا كذلك ممن ملأ الدنيا وشغل الناس كطاغية بني أمية، الحجاج بن يوسف الثقفي، الملقب بالمبير وبالمبيد، لسِجِلِّه الطافح بدماء بشرية طوال مدة توليته على الحجاز والعراق. ومن كيس الجنون دائما، لا ينبغي إغفال الخليفة الحاكم بأمر الله الفاطمي، المعروف بالمجنون، الذي استصدر حزمة من المراسيم المنافية للعقل وللمنطق الباعثة أحيانا على السخرية. هي نماذج من بين أخرى ذكرها التاريخ في سيره السوداء والمُخجلة؛ ولم يكن العصر الحديث بِدعًا، ولم يخلُ من سواد كأسلافه، ففي كتابه "جنون من الطراز الرفيع"، عرض ناصر قائمي عددا من القادة والزعماء الغربيين، الذين _ وإن حاولوا التستر _ كشفوا، خلال مسيرتهم السياسية، عن أشكال من الانفعالات والسلوكات يبدو أنها كانت صادرة عن شخصيات تعاني اضطرابات نفسية حادة، تصل أحيانا درجة الجنون والفشل في الاحتفاظ بالبوصلة، مما يجعل، حسب الكاتب، الرابط قويا أحيانا بين المرض العقلي وبين الزعامة؛ ولنا في تشرتشل و لنكولن وموسوليني وهتلر وراسبوتين وفرانكو وتشاوتشيسكو وستالين و بوش الابن وغيرهم أمثلة لمن ترجموا "جنونهم" إما باضطهاد شعوبهم وفرض سيطرة قمعية واضحة، أو بإجبار هذه الشعوب في الانخراط في حروب اشتجرتها أهواء ونوازع نفسية تنتهي بمجرد إرضائها و إشباعها؛ وكم صدق الأديب جون شتاينبك قائلا:" كل الحروب هي عرَض من أعراض فشل الإنسان كحيوان مفكر".

إن الماضي طافح كما تقدَّم بخسائر بشرية لا تُتصور فداحتها وأكلافها؛ طافح بقرارات قاتلة أعادت ركب البشرية أحيانا إلى العصور البدائية الأولى، لا لشيء سوى لأن هذا الزعيم أو ذاك أراد تحقيق ذاته، وتسطير تاريخه الشخصي كيفما اتفق، استرضاء لجنون العظمة لديه؛ أما شأن الحاضر فلا نراه أكثر حظا من أمسه البعيد والقريب، فلازالت نفس السلوكات والذهنيات تعيد إنتاج نفسها مع تغيير طفيف في الأساليب والوسائل، أما القديم فلا زال حيا ماثلا أمامنا في صوره المتعددة؛ ولله در الجواهري قائلا:

وَقائلةٍ أما لكَ من جديد؟ // أقولُ لها القديمُ هو الجديدُ.

لعل الحديث عن الدولة "المجنونة" عبر تاريخها الطويل، يفضي بنا تلقائيا إلى الحديث عن مقابِلتها "العاقلة"، الملتزمة بعهودها وبالعقد الاجتماعي الذي يربطها بالشعب، ساعية إلى تنمية المجتمع في بُعده الشامل، في سيرورة غير منقطعة وغير مشروطة؛ متقبِّلة كل أشكال النقد وردود الأفعال إزاء كل تشنج أو عائق يُبطئ مسيرها، إن على شكل احتجاجات أو إضرابات أو بيانات نقابات وأحزاب أو توصيات المثقفين والمفكرين. إن ما يمنح الشرعية لأي دولة، اقترابها من" القاع" الاجتماعي، وتجسيرها الهوة بينها وبين الكتلة البشرية المتحركة ضمن نطاقها الجغرافي، ومراعاتها مصلحة المواطن الفضلى في كل قراراتها وفي كل برامجها التنموية، التي ينبغي أن تستهدف كل طبقات المجتمع، مع إيلاء الأهمية القصوى للشرائح الدنيا؛ وكل شعوب الأرض لا نظن إرادتها، بل أحلامها، تتجاوز بلوغ عتبة العيش الكريم، أو ما يضمن حياة عادية للفرد.إن المعادلة التي تضع الدولة على نفس الخط مع الإرادة المجتمعية، هي في الحقيقة المعادلة "السحرية" التي تضمن نجاح أو فشل الأنظمة الحاكمة إزاء شعوبها، إذ لا نتصور نجاحا بين إرادتين متعارضتين ومتنافرتين بين الأفراد بَلْهُ تصوّره بين جماعات، خاصة إذا استعصم كل طرف بمصلحته الذاتية.في ذات السياق تحدث عبد الله العروي في كتابه "مفهوم الدولة" قائلا:" يبدأ التفكير في الدولة عندما نفكر في مقتضيات الإرادة الجماعية "، كما أكد عبد الإله بلقزيز في كتابه "الدولة والمجتمع" هذا المعنى بقوله:" ربما كانت الدولة أعظم اختراع إنساني في التاريخ لأنها مكنت المجتمعات من أن تقوم، ومن أن تحسن تنظيم نفسها وتحصيل شروط حياتها وتأمين أمنها في الداخل والخارج".

في الجانب العربي، أبان الربيع العربي وكشف_ إلى حد كبير _عما كانت الشعوب ترزح تحته من سلوكات ظلامية وغير مسؤولة، إضافة إلى ما صار يشكل بنية الأنظمة العربية من استبداد وعدم اعتراف بصوت الشعب، وكسر أقلام النخبة المتنورة، بل، وتصفيتها إن لزم الأمر؛ فكان هذا الربيع فرصة ليعرف العالم فداحة ما صنعته الأمزجة الحاكمة في شعوبها التي أبت إلا أن تخرج من جحورها وتعلن أمام الكل "أنها على موعد مع الربيع!" بتعبير جورج سنتيانا، كما أعلنت أنها ليست تحت قبضة دول فاشلة فقط، بل، تحت دول مجنونة دون مبالغات. إن ما آلت إليه الأحداث في ليبيا وفي سوريا وفي اليمن وفي مصر وفي بلدان عدة، وما أبانت عنه الأنظمة الحاكمة من تشبث هيستيري بالسلطة، ولو كان الثمن إحراق ثلاثة أرباع الشعب، أو تهجيره، يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن أصحاب السلطة في الأقطار العربية لازالت تسكنهم هواجس الخلود والقوة المطلقة والاستعباد غير المشروط لمن دونهم، وكأنهم يعيدون سِيَر الفراعنة تجسيدا وتفعيلا ! إن جنون العظمة أحد أعراض البرانويا(الذهان النفسي) كما تحدث عنها الطبيب الألماني ريتشارد فون كرافت إيبنج منذ 1879، وقد كان يحملها الزعماء ممن ذكرنا وآخرون مازالوا في دوائر القرار، بالرغم من كونهم يبدون ظاهريا السلامة النفسية؛ولعل التاريخ لازال يتذكر الحاكم العسكري جون بيدل بوساكا، الذي لم يتوان في إنفاق ثلث ميزانية أفريقيا الوسطى سنة 1976، احتفالا بتنصيبه كإمبراطور، بالرغم مما كان يعانيه الشعب من سوء تغذية ومرض وفقر؛أما في عام 1979، فقد اعتقل المئات من تلاميذ المدارس بتهمة رفضهم اقتناء الزي المدرسي من شركة كانت في ملكية إحدى زوجاته!!

في الحقيقة لم تخل دولة تاريخيا من زعماء أفنوا شعوبهم ودمّروا بلدانهم بقرارات فيها ما فيها من الجنون ومن فقدان جادة الصواب، من أجل مجد شخصي و اسم يُنقش قسرا في ذهنية الشعوب وعلى صفحات التاريخ، سواء ارتبط بمعلمة عمرانية أو بمؤسسة اجتماعية ومدنية، مهما كلف ذلك من خزينة الدولة. وإن كان هذا الجنون قد انتفى بشكل شبه كلي في العالم الغربي المتحضر، فلازال الجنون يقبع في أنظمة العالم العربي الحاكمة؛إذ لا تبدو المفارقات والشذوذات والمتناقضات والغرائبيات والغوامض سوى في هذا الجزء من الكوكب، وكأن العقل الجمعي في هذه البلدان يتقبل بكل بساطة ما يسري عليه من سلطان تاريخي واجتماعي وديني، ظنا منه أن كل ما يقومُ به السائسون باسم التنمية الاقتصادية والدعم الاجتماعي وتقريب الدولة من الفقراء، وإن كان تفاهة من التفاهات، لابد أن يحمل في طيِّه ثمارا لا يدركها سواهم، ولو باعوا نصف البلاد من أجل مباراة في كرة قدم، أو من أجل حفل موسيقي.

 

إبراهيم أوحسين - المغرب

 

 

حامد الحمدانيأولاً ـ المشاكل السلوكية الفطرية: ونقصد بهذا النوع من المشاكل تلك التي تنشأ أو تظهر لدى أبنائنا وبناتنا نتيجة لدوافع فطرية يطلق عليها عادة [الغرائز]، ولابد لنا قبل البحث في هذا النوع من المشاكل أن نستعرض تلك الغرائز البشرية لكي نقف على ما يمكن أن يسببه التعامل معها لأبنائنا من مشاكل سلوكية ومعالجتها، ذلك أن الغرائز البشرية هذه لا يمكن كبتها أومحوها أو تجاهلها على الإطلاق، ولكن يمكننا السمو بها وجعلها مصدر خير لأبنائنا ومجتمعنا، وبذلك نكون قد حققنا هدفنا في تنشئة أبنائنا نشأةً صالحة وجنبناهم الكثير من الشرور، ذلك أن الغرائز يمكن أن تكون مصدر شر وأذى إذا ما تركت وشأنها، ويمكن أن تكون مصدر خير إذا ما سمونا بها وسيطرنا عليها بشكل علمي وعقلاني دون اللجوء إلى القسر والقمع الذّين يمثلان نقيضاً للطبيعة البشرية التي لا يمكن قهرها.

أنواع الغرائز [الدوافع] (6)

1 ـ غريزة الخلاص .

2 ـ غريزة المقاتلة .

3 ـ غريزة حب الاستطلاع .

4 ـ غريزة الأبوة والأمومة .

5 ـ غريزة البحث عن الطعام .

6 ـ غريزة النفور

7 ـ غريزة الاستغاثة .

8 ـ غريزة السيطرة .

9 ـ غريزة الخضوع .

10 ـ غريزة حب التملك .

11 ـ غريزة حب الاجتماع .

12 ـ غريزة الهدم والبناء

13 ـ غريزة الجنس .

14 ـ غريزة الضحك .

ولابد لنا أن نشير ولو بشكل موجز إلى كل واحدة من هذه الغرائز، وما يمكن أن تسببه للإنسان من سلوك إيجابي أو سلبي، وكيف يمكن السمو بها وتوجيهها لما فيه خير أبنائنا وبناتنا .

1ـ غريزة الخلاص:

وتستثار هذه الغريزة عادة عند شعور الأطفال بخطر ما  يجعلهم يلجئون إلى الهرب شعوراً منهم بالخوف، فلو فرضنا أن حريقاً شب في صف من الصفوف فإننا نجد الأطفال يتراكضون وقد تملكهم الرعب والفزع، لينجوا بأنفسهم من الحريق والموت، وهنا تظهر أيضاً انفعالات لغريزة أخرى هي غريزة [الاستغاثة ] فيعمد الأطفال إلى الصراخ وطلب النجدة، شعوراً منهم بالخطر، وقد يتحول الخوف إلى نوع من الهلع الحاد وينتاب الطفل مشاعر غريبة وفريدة إلى حد كبير.

ما هو موقفنا من هذه الغريزة ؟

إن من الطبيعي أن يكون موقفنا منها ذا شقين:

الشق الأول: تبيان مخاطر النار لأطفالنا، وما تسببه الحرائق من خسائر في الأرواح والممتلكات، كي نبعدهم عن اللعب والعبث بالنار، أو الاقتراب منها أو إشعالها، وأن نوضح لهم أن الحرائق تبدأ عادة بعود ثقاب، أو بشرارة نارية أو كهربائية، لكنها سرعان ما تشتد وتتسع بحيث يصعب السيطرة عليها بسهولة، وبدون خسائر مادية وبشرية كبيرة، وربما تكون كارثية.

الشق الثاني: ينبغي لنا أن لا ندع الخوف والهلع يسيطر على أبنائنا فيسبب ما سبق أن ذكرنا من مضار ومخاطر، ذلك أن الخوف والهلع في المواقف هذه يفقد القدرة على التفكير والتصرف الصائب وينبغي علينا أن نستثير فيهم روح الشجاعة والأقدام والاتزان، وعدم الارتباك والتصرف الهادئ في مثل هذه المواقف.

2 ـ غريزة المقاتلة:

إن موقفنا من هذه الغريزة يجب أن يتصف بالحكمة والدقة. فلو أن أحد الأبناء تخاصم مع أحد زملائه لأنه وقف حائلاً أمام رغبته في تحقيق أمر ما، فعلينا أولاً وقبل كل شيء أن نتفهم السبب الحقيقي للنزاع، لكي نتعرف على ما إذا كان الموقف يستحق المقاتلة والخصام أم لا،  وينبغي أن نفهمه أن اللجوء إلى المقاتلة قبل استنفاذ الوسائل السلمية  أمر غير مقبول، وأن الواجب يقتضي منه مراجعة إدارة المدرسة إن كان متواجداً فيها، ومراجعة ذويه إن كان خارج المدرسة، إذ أن التسرع واللجوء إلى العنف يعرض النظام العام للانهيار فلا تستطيع المدرسة أن تؤدي عملها، ولذلك فعليه الاستعانة بإدارة المدرسة قبل اللجوء إلى استعمال القوة، وعلى إدارة المدرسة أن تأخذ المسألة بشكل جدي وتجري التحقيق اللازم في الأمر بشكل دقيق، ومعالجة المشكلة بشكل يجعل التلميذ يؤمن بأن مراجعته إدارة المدرسة يؤمن له حقه، إن كان على حق طبعاً، فلا يلجأ للقتال.

ولا شك أن الأطفال والمراهقين ذوي الاضطرابات الأخلاقية يمارسون أحياناً سلوكيات تتسم بالعدوان والاندفاع والتدمير، على الرغم من الجهود المضنية التي تبذل من قبل المربين لتعديل سلوكهم، وهم يمارسون عملية انتهاك حقوق الآخرين باستمرار، ولا يلتزمون بالمعايير الاجتماعية بما يتناسب مع عمرهم الزمني، و يستمرون بممارسة هذا السلوك على الرغم من تعرضهم مراراً وتكراراً للعقاب، ويصرون على ممارسة [السلوك العدواني والمواجهة البدنية] مع الآخرين، كما يتسمون [بالعناد وعدم الخضوع] و[والإخفاق في الأداء] سواء في المنزل او المدرسة، و[تكرار الإهمال]، و[التهرب من البيت أو المدرسة ] و[تخريب الممتلكات العامة والخاصة] و[الانحراف الجنسي] و[السرقة] وغيرها من الآفات الاجتماعية الأخرى التي قد تتضمن مواجهة جسدية عدوانية [السرقة بالإكراه] أو[الاعتداء الجنسي العنيف والاغتصاب] وقد تمتد هذه السلوكيات إلى العراك مع الأقران، والاعتداء على الآخرين، والهجوم عليهم والاغتصاب والقتل. (7)

إن معالجة هذا النوع من السلوك المنحرف تتطلب جهوداً كبيرة، وأساليب معقدة، وصبراً وأناةً طويلين، ومتابعةً مستمرةً من قبل البيت والمدرسة معاً، وقد يتطلب ذلك علاجاً نفسياً وصحياً.

أن هناك البعض ممن يقف من المقاتلة موقفاً سلبياً بشكل مطلق فيسبب موقفهم هذا ببث روح المذلة والخنوع والانهزامية في نفوس الناشئة، فهناك مواقف ينبغي أن تتميز بالشجاعة والإقدام دفاعاً عن الحقوق المغتصبة، فالجندي الذي نطلب منه أن يدافع عن وطنه وشعبه ضد المعتدين لا يستطيع القيام بواجبه على الوجه الأكمل إذا قتلنا فيه صفات

الشجاعة والإقدام في المراحل الأولى من حياته.

ينبغي أن يكون موقفنا من هذه الغريزة موقفاً إيجابياً قائماً على أساس سيادة القانون والنظام أولاً، والدفاع عن الحقوق والكرامة ثانياً، فلا اعتداء على الأخوان والأصدقاء والزملاء والجيران، ولا خنوع وخضوع وجبن أمام المعتدين.

3 ـ غريزة الأبوة والأمومة:

تستثار هذه الغريزة في المراحل الأولى من حياة أبنائنا وبناتنا عند تعرض الآخرين لحادث ما، فيلجأؤن إلى مساعدتهم. وطبيعي أن هذه الغريزة تحمل جانباً خيراً بشكل عام، فعندما يسقط أحدهم ويصاب بجرح أو كسر في يده أو رجله نجد زملائه يسارعون إليه بحنو وعاطفة ليقدموا له المساعدة، وقد بدت عليهم علامات الحزن والأسى.

إن هذه الغريزة لها أهمية قصوى في تربية أبنائنا على روح المحبة والتعاون، حيث أن المحبة والتعاون ركنان أساسيان من الأركان التي يبنى على أساسها المجتمع، وهي السبيل لتقدمه ورقيه وتطوره، ورفاهه.

أما في مرحلة النضوج فمعروف أن هذه الغريزة هي الأساس في بقاء وتطور المجتمعات حيث يطمح الأبناء والبنات البالغون في تكوين الأسرة، وإنجاب الأطفال وتربيتم في جو من الحنان والحب يصل إلى درجة التضحية بالنفس في سبيلهم، فنراهم يكدون ويتعبون طوال النهار من أجل تأمين الحياة السعيدة والعيش الهانئ لأبنائهم. ولولا هذه الغريزة لما تحملت الأم ولا تحمل الأب تبعات  المصاعب والمشاق التي يصادفونها في تربيتهم ومساعدتهم في بناء مستقبل يليق بهم .

4 ـ غريزة حب الاستطلاع:

تستثار هذه الغريزة لدى أبنائنا عندما يكون الأبناء أمام أمرٍ يهمهم معرفته، وقد يكون لهم معرفة  بجزء منه، وهذه الغريزة ذات أهمية كبيرة بالنسبة للناشئة لأن استثارتها تدفعهم إلى اكتشاف الحقائق بأنفسهم، والحصول على الخبرات التي يحتاجونها في حياتهم ، كما تدفعهم إلى الدراسة والتتبع باستمرار، حتى في الكبر، بغية الوقوف على كل ما يجري من تطور وتغير في فيما يحيط بهم .

وهناك نقطة هامة ينبغي أن لا تغيب عن أذهاننا هي أن هذه الغريزة يمكن أن يكون لها تأثير سلبي ضار في بعض الحالات، وينبغي أن ننبه أبنائنا بأخطارها، وسأورد هنا مثالاً على ذلك:

في أحد دروس العلوم شرح المعلم لتلاميذه كيف يمكن ممغطنة قطعة من الحديد، وذلك عن طريق لفها بسلك وربطها بتيار كهربائي.

وعندما عاد التلاميذ من المدرسة حاول أحدهم أن يقوم بالتجربة بنفسه، فأخذ قطعة الحديد ولفها بسلك ووصلها بالتيار الكهربائي بشكل غير صحيح فكانت النتيجة أن صعقه التيار الكهربائي وسبب له الوفاة.

لقد كان الواجب على المعلم أن يجري التجربة أمام التلاميذ بشكل يؤمن السلامة، و يحذرهم من خطورة الكهرباء إذا ما تمت التجربة بشكل خاطئ.

5 ـ غريزة البحث عن الطعام:

وهي من الغرائز الهامة لبقاء الحياة واستمرارها، وتظهر بعد الولادة مباشرة، فلا يستطيع الإنسان أن يعيش بدون الطعام، وغالباً ما تستثار هذه الغريزة عند ما نشم رائحة الطعام الشهي أو تقع أبصارنا على الحلويات وغيرها، ويشعر الإنسان، عن طريق حاسة الذوق، بلذة كبيرة وهو يتناول ما يشتهيه من تلك الأطعمة والحلويات.

إن هذه الغريزة تفعل فعلها لدى الكبار والصغار على حد سواء، ورغم أن الإنسان لا يستطيع الاستغناء عن الطعام لكي يبقى على قيد الحياة، فأن تناول الطعام بغير اعتدال يعطي نتائج سلبية على صحة الإنسان، حيث يسبب السمنة والتي بدورها تسبب العديد من الأمراض الخطيرة كالسكري وأمراض القلب، وتسوس الأسنان، وغيرها من الأمراض الأخرى، مما يتطلب منا تعويد أبنائنا على العادات الغذائية الصحيحة .

كما أن هذه الغريزة تدفع بالكثير من الصبيان الذين لا يجدون لديهم النقود لشراء الحلويات إلى السرقة من المحلات لإشباع هذه الغريزة، ولذلك يجب على الآباء والأمهات إشباع هذه الرغبة لدى الأبناء، وعدم التقتير عليهم، لكي لا يتجهوا نحو السرقة التي يمكن أن تتأصل لديهم إذا ما استمروا عليها لفترة من الزمن .

6 ـ غريزة النفور:

هذه الغريزة نجدها لدى الصغار والكبار على حد سواء حيث أن الإنسان بطبيعته يتحسس الروائح أو المشاهد المختلفة، فنراهم ينفرون وتتقزز نفوسهم من الروائح الكريهة، أو من المشاهد المؤلمة، وعلى العكس نجدهم يتمتعون برؤية المشاهد الجميلة والمسرة، ويستمتعون بشم الروائح العطرة ولذلك نجد الأبناء، وخاصة المراهقين منهم يسعون إلى الاهتمام بمظهرهم ورائحتهم من أجل لفت انتباه الآخرين وخاصة من الجنس الآخر.

وهناك جانب آخر من النفور نجده لدى البعض تجاه البعض الآخر، وخاصة في صفوف المراهقين  بسبب لون البشرة، أو القومية أو الدين، أو غيرها من المبررات، وهو يمثل جانباً خطيراً يهدد سلامة المجتمع ويعمل على تمزيقه، وخلق استقطاب وتنافر وصراع يصعب معالجته إذا ما استمر وتوسع، دون أن يواجه على المستويين الرسمي والشعبي. ولاشك أننا نشهد اليوم تصاعد موجة معاداة الأجانب من قبل العديد مـن المراهقين في مختلف البلدان الأوربية، بسبب لون بشرتهم أو جنسهم، ووقوع الاعتداءات البدنية الشديدة التي وصلت في بعض الأحيان إلى القتل، مما يستدعي الواجب من الحكومات والمجتمع أن يعطيا هذه المشكلة أهمية كبيرة، حيث يقيم في المجتمعات الغربية أعداد كبيرة من المهاجرين، والعمل على استنفاذ كل الوسائل والسبل لخلق روح من الألفة والمحبة والتسامح والتعاون بين أبناء هذه المجتمعات والمهاجرين، ومحاولة ربط جسور من الروابط التي تجعل التعايش فيما بينهم أمرٌ طبيعي بكل ما تعنيه الكلمة، ولاشك أن المسألة تتوقف علينا جميعاً ،كباراً وصغار، سواء كنا مواطنين أو مهاجرين، مسؤولين وغير مسؤولين ،أن نبذل أقصى ما يمكن من الجهود لمعالجة الوضع، فإذا ما تكاتفت الجهود الصادقة أمكننا تحقيق الهدف المنشود في خلق مجتمع تسوده المحبة والمودة والسلام.

 

حامد الحمداني

 

مهند محمد البياتياستوطنت النخلة منطقة مابين النهرين منذ الاف السنين ثم امتدت زراعتها من باكستان شرقا وللمحيط الاطلسي غربا، وكانت بلدان هذه المنطقة هي الاكثر انتاجا للتمور المتنوعة وتستحوذ على 97 بالمائة من الانتاج العالمي للتمور، وكانت معضم التقارير السنوية لمنظمة الاغذية والزراعة الفاو في الخمسينات من القرن الماضي تذكر العراق بالتحديد عند الحديث عن التمور والفواكهة المجففة، وذكرت في تقريرها لعام 1958 ان انتاج العراق من التمور كان 220 الف طن في حين ان انتاج ايران كان 105 الف طن وذكرت فقط هاتين الدولتين، وكان العراق متصدرا للدول المنتجة والمصدرة للتمور عالميا، وتبين البيانات والاحصائيات الخاصة بمنظمة الفاو ان اكبر اربع دول منتجة للتمور عام 1961 كانت مصر بانتاج 479 الف طن  تليها العراق ب 350 الف طن، ثم ايران ب300 الف طن والسعودية  ب160 الف طن، وبقيت هذه الدول مستحوذة على المراتب الاربع العليا للانتاج مع تغيير في مواقعها، وتغير هذا المشهد عام 2004 حيث انخفض انتاج العراق بشدة الى 448 الف طن بعد ان كان 868 الف طن في السنة السابقة لتحل بالمركز السادس بعد باكستان والامارات، وكان انتاج الامارات 6 الاف طن من التمور فقط عام 1961، حيث كان يطلق عليها في ذلك الوقت الامارات المتصالحة، وفي عام 2016 بقيت مصر متسيدة للانتاج العالمي للتمور بمليون و695 الف طن تليها ايران بمليون و66 الف طن، ثم الجزائربمليون وثلاثين الف طن والسعودية بانتاجها 965 الف طن والعراق ب 615 الف طن وكان اجمالي الانتاج العالمي 8 مليون و460 الف طن وتبين هذه الارقام ان انتاج الدول اعلاه زاد بمقدار يتراوح ما بين اربعة اضعاف والى احد عشر ضعفا، والامارات زادت انتاجها باكثر من مائة ضعف، في حين ان انتاج العراق لم يتجاوز الضعف خلال هذه السنوات الخمسة والخمسون، حيث بلغ الانتاج العالمي 8 مليون و460  الف طن عام 2016 اي بانتاج يقارب الخمسة اضعاف ما تم انتاجه عام 1961، وسبب هذا البطء في انتاج العراق عائد لاسباب عديده اهمها ما سببته الحروب والمعارك في موت هذه الشجرة المباركة والحساسة جدا للبارود والمواد الكيمياوية الاخرى المنبعثة من العتاد الحربي  وخاصة في البصرة وعلى الحدود الشرقية للعراق، وكذلك ازدياد ملوحة مياه السقي وملوحة التربة واهمال المزارعين للنخلة لقلة مواردها في العراق نسبة الى الجهد الكبير والكلفة العالية نسبيا للايدي العاملة الخبيرة بصعود النخل لتلقيحها وتركيس عثوقها وجني الثمر لمرات عديدة اضافة الى تنظيف وتهيئة النخلة للسسنة القادمة مع مكافحة افاتها، اضافة الى قيام بعض اصحاب البساتين وخاصة تلك الواقعة داخل او في اطراف المدن الكبيرة باهمال النخيل والتسبب بموتها على امل ان يعاد فرزها كارض سكنية للاستفادة من الزيادة الهائلة باسعار الاراضي السكنية في بغداد والبصرة ومعظم مراكز المحافظات الوسطى والجنوبية، وعانت المغرب ايضا بقلة الزياده في الانتاج ولكن المسبب كان افة خنفساء النخلة الحمراء والتي دمرت الكثير من اشجار النخيل .

واستثمرت دول اخرى في زراعة النخيل واستطاعوا خلال سنوات قليلة من جني ارباح عالية من انتاج نخيلهم بسبب التخطيط الجيد وزراعة انواع معينة تنتج تمورا  لها اسواقها الرائجه وباسعار عالية جدا، والتمور المصدرة من امريكا وتونس هي خير دليل على ذلك. وعلى الرغم من الانواع الكثيرة للتمور والتي قد تصل لاكثر من الفي نوع، الا ان هنالك انواع معينة مرغوبة للتصدير وهي الاغلى سعرا مثل المدجول او المجهول والتي قامت امريكا بزراعتة بكثرة واصبحت الاولى في العالم في انتاج هذا النوع وجلبته من المغرب في بداية القرن الماضي، وتليها دقلة نور وتعتبر تونس والجزائر هي الاكثر انتاجا عالميا لهذا النوع وهي تغزو الاسواق الاوربية من دون منازع ولكن يبقى سعرها اقل من نصف سعر المدجول ، والانواع الاخرى والتي قد تكون مشهورة جدا في بلدانها ولكنها عالميا لا تنافس النوعين اعلاه، وقد يكون البرحي مشهورا في كثير من الاماكن ومطلوب كثيرا كخلال ورطب الا ان سوقه لايزال محدودا، وفي الطرف الثاني هنالك التمور الصناعية والتي تستخدم كثيرا في انتاج الدبس وكمحليات تدخل في صناعة الحلويات المختلفة والمعجنات، مثل الزهدي والساير وهي الادنى سعرا عالميا، وتتصدر ايران بتسويق تمور الساير  للاغراض الصناعية الى اوربا في حين يقوم العراق بتصدير الزهدي وبكميات كبيرة الى الهند ولكن باسعار متدنية جدا وكذلك للامارات العربية والتي تقوم باعادة تصديرها للهند ودول اخرى في اسيا بعد تحقيقها ارباح مجدية.

وقد خسر العراق لكثير من اسواقه العالميه التي كان يصدر لها التمور، ويشير جوزف ساسون في كتابه السياسة الاقتصادية في العراق 1932–1950 ان مجموع ما صدره العراق من تمور منذ العام 1937 ولغاية العام 1950 بلغ مليونان و240 الف طن، اي بمعدل 160 الف طن في السنة، علما بان تقارير منظمة الفاو تشير ان معدل تصدير التمور عالميا في خمسينات القرن الماضي كان بحدود 293 الف طن، اي ان حصة العراق في تصدير التمور كان يتجاوز 55 بالمائة من التصدير العالمي، وكان مدينة البصرة من اكبر المدن العالمية في تصدير التمور وتحتوي على المئات من المصانع المتخصصة في تنظيف وتعبئة وتسويق التمور،  ولكن الاهمال في تطوير اساليب التنظيف والتعقيم والتعبئة واختيار الانواع المناسبة من التمور للسوق الاجنبي ووضع مقاييس ومعاييرعلمية لتصنيف انواع التمور مما يساعد على تحديد اسعارها بالسوق العالمية دفع تمور امريكا وتونس لتتصدر قائمة الدول المنتجة للتمور العالية النوعية والاغلى سعرا، علما بان العراق كان رائدا في الدراسات  العلمية الخاصة بالتمور والنخلة وكتاب نخلة التمر للاستاذ عبد الجبار جاسم البكر والصادرة عام 1972 بصفحاتها التي تزيد عن الالف لايمكن للباحث ان يستغني عنها، اضافة لموسوعة أطلس أصناف نخيل التمر في دولة الإمارات العربية المتحدة باجزائها الستة والتي كتبها ابن العراق عام 2006 د حسام حسن علي والذي قضى معضم حياته بالتدريس في جامعة البصرة، ولكن احتضنته دولة الامارات لست سنوات ليقوم باصدار هذه الموسوعة، والتي كان يفترض ان تقوم جامعة البصرة او الدولة العراقية باسناده ليصدر مثل هذه الموسوعة عن نخيل وتمور العراق.

وتستحوذ الدول الممتدة من باكستان شرقا وللجزائر غربا تصدير مختلف انواع التمور للعالم لان انتاجها يزيد كثيرا عن حاجة اسواقها المحلية، ويمكن تقسيم اسواق استيراد التمورعالميا الى نوعين، فاوربا اضافة لكندا وامريكا والمكسيك واليابان وكوريا واستراليا ونيوزلندا هي الاغلى سعرا في العالم، وفي الخمس سنوات الممتدة من 2012 ولغاية 2016 ونطلق عليها الخمس سنوات الماضية، استوردت هذه الدول 944 الف طن وبقيمة بليونين و194 مليون دولار اي بمعدل دولارين و32 سنت للكيلوغرام، ونجد بان التمر المستوردة من امريكا كان الاعلى سعرا وبلغ بحدود 6 دولارت وستين سنتا للكيلو وتليها التمور من اسرائيل حيث كان معدل سعرها 3 دولارات وسبعين سنتا وكان مجموع ما صدرته اسرائيل بحدود 104 الف طن في هذه السنين الخمس، وثم تأتي التمور المصدرة من فرنسا وبسعر دولارين وثمانين سنت، ويعود الفرق الى نوعية التمور المصدرة، فغالبية تمور امريكا واسرائيل هي من نوع مدجول في حين ان تمور فرنسا من نوع دكلة نور والمستوردة اصلا من تونس والجزائر وتعيد تصديرها من جديد بعد اعادة تعبئتها، اما حصة العراق في السوق الاوربية فلا تذكر، اذ صدرت فقط 1327 طن اي اقل من 2 بالاف وبقيمة مليون ونصف المليون دولار، واستحوذت تونس والجزائر وايران لوحدها على 60 بالمائة من كمية التمور المصدرة لهذه الدول ولو ان معدل سعر الكيلو تراوح ما بين دولارين و 14 سنت للتمور التونسية ودولار و32 سنت للتمور الايرانية، وغالبية التمور الايرانية كانت اما من تمور الساير وهي الصناعية، او تم تصديرها لروسيا الاتحادية للاستحواذ على سوقها.

وتقف الهند كاكبر مستورد للتمور في العالم ولكنه اسعاره متدنية جدا مقارنه بالسوق العالمي، فلقد استوردت حوالي مليون و560 الف طن من التمور في الخمس سنوات الماضية وبمعدل 57 سنت للكيلوغرام وهي تمثل حوالي 40 بالمائة من كمية التمور المصدرة للدول الاخرى في العالم عدا الدول الاوربية والغنية والتي تمت الاشارة اليها وصدرت العراق لوحدها للهند خلال هذه الفترة حوالي 696 الف طن ولكن بسعر 39 سنت، في حين صدرت باكستان حوالي 576 الف طن للهند خلال نفس هذه الفترة ولكن بسعر 76 سنت اي تقريبا  ضعف سعر تمور العراق، وتمثل صادرات العراق وباكستان للهند حوالي 82 بالمائة من حاجتها ثم تليها ايران والتي صدرت 130 الف طن وبسعر 51 سنت ثم الامارات التي صدرت حوالي 86 الف طن وبسعر 69 سنت، وتبين هذه الارقام ان ارخص التمور المصدرة للهند هي العراقية وبفارق كبير عن ثاني ارخص الاسعار وهي لايران. وعند التمعن بكميات واسعار التمور المصدرة للعالم خلال السنوات الخمس الماضية، نجد ان العراق قد صدر حوالي مليون و323 الف طن وبسعر 36 سنت للكيلوغرام وتلتها باكستان بكمية 653 الف طن وبسعر 79 سنت ثم ايران بكمية 584 الف طن وبسعر 82 سنت، والملاحظ ان ايران التي صدرت 44 بالمائة مما صدرته العراق اي اقل من نصف تصدير العراق قد حصل على اكثر مما جناه العراق، وتوضح الارقام ان تونس قد فاقت الجميع بمجمل قيمة مبيعاتها من التمور عالميا خلال السنوات الخمس الماضية والتي وصلت الى مليار و142 مليون دولار، وبسعر دولارين و 16 سنت للكيلوغرام، ولو ان معدل سعر الكيلوغرام من التمر هو اقل من سعر التمر الامريكي او الاسرائيلي اوالفرنسي.

ويتبين من الارقام اعلاه وهي مأخوذة من بيانات منظمة الفاو والمعتمِدة على تقارير تجارة المحاصيل بين الدول، علما بان الفاو لم تعتمد  تقارير وزارة التجارة او التخطيط العراقية  في بيانتها،  لذلك تم اعتماد تقارير الدول التي استوردت من العراق، ان ارخص التمور المباعة عالميا هي التمور العراقية وبفارق كبير عن ثاني ارخص التمور وهي الباكستانية، علما ان التمور الباكستانية تعاني من تردي نوعيتها في السنين التي تحصل فيها الامطار الموسمية مبكرا مما يضطر المزارعين من جنيها قبل اكتمال نضجها، ولقد استغل تجار التمور الباكستانية فترة الثمانيات من القرن الماضي حيث قلت التمور العراقية والايرانية في السوق العالمية بسبب الحرب بين الجارتين والتي كانتا تتصدران تصدير التمور، واستطاعت الدخول في السوق الاوربية وخاصة البريطانية وكذلك الهندية، وقاموا بتحسين طرق معالجة وتعبئة التمور واختيار الانواع المناسبة للتصدير ويتصدرون السوق العالمية الان كاكبر ثاني مصدر للتمور بعد العراق.

ولا يكفي ان نقول بان لدينا اكثر انواع التمور واطيبها بالعالم وباننا كنا نتصدر الانتاج العالمي والتصدير وكان لدينا اول مركز اقليمي للتمور انشأ بمساعدة الفاو، بل يجب ان يتحول هذا الامر الى واقع لتحسين اسعار ووضع التمور العراقية عالميا، وليزداد دخل المزارعين واصحاب بساتين النخيل، ويكون دافعا قويا لهم ليتشجعوا بتحسين طرق العناية بالنخيل والتمور ويجعلونها قادرة على منافسة تمور الدول الاخرى بالسوق العالمية، وهذه المهمة وان كانت صعبة وتأخذ وقتا الا انها ليست مستحيلا، وتقع المسؤلية في ذلك على جهات عديدة، ابتداءً من وزارة الزراعة لمكافحة الافات التي تصيب النخيل وخاصة سوسة النخيل الحمراء والتي دمرت الانتاج المغربي وحولته من مصدر للتمر الى مستورد كبير له، وكذلك بالتعاون مع كليات الزراعة ومراكز البحوث المختصة بالنخيل وشركات انتاج التمور لارشاد المزارعين لتحسين طرق الري والتلقيح وجني التمور وفرزها وتنظيفها وتعفيرها وخزنها وتعبئتها بشكل يجعلها تنافس التمور الاخرى في السوق المحلية والعالمية، اضافة الى قيام جهاز المقاييس والسيطرة العراقية والتعاون مع مراكز البحوث وكليات الزراعة بوضع معايير ومواصفات خاصة لبعض انواع التمور العراقية مثل البرحي والزهدي وغيرها من انواع التمور ليعتمدها المزارعون وشركات انتاج التمور وتجار السوق المحلية والمصدرون كمقياس لتحديد نوعية التمرة ودرجتها، لكي يستطيعوا منافسة تمور المدجول ودقلة نور والتي تسيطر على سوق واسعار التمور عالميا، وهذا الامر مهم جدا واعتمدته امريكا وتونس وفرنسا للترويج لتمورها، اضافة الى تشجيع المزارعين والمستثمريين الزراعين بزراعة النخيل من نوع المدجول خاصة وهو ما قامت به اسرائيل والاردن والسلطة الفلسطينية في السنين الاخيرة واستطاعت تسويق تمورها في اوربا ودول الخليج وباسعار مرتفعه، علما بان هنالك تمورا عراقية قريبة جدا من هذا النوع ولكن باسماء اخرى وتزرع في ديالى وكربلاء، ولا ننسى اهمية الصناعات المعتمدة على التمور مثل الدبس والخل والخمائر المختلفة والكحول وغيرها من الصناعات وهنا يأتي دور شركات وزارة الصناعة وشركات الصناعات الغذائية، اضافة لتطوير المنتجات الحرفية والمعتمدة على اجزاء النخلة والتي تساهم في تشغيل ايدي عاملة كثيرة وخاصة في الريف والمدن الصغيرة.

وذكرت التقارير السنوية لوزارة التخطيط العراقية  للصادرات والاستيرادات لعام 2016 انه تم تصدير 22 طن من التمور الى تركيا و125 طن الى سنغافورة و40 طن الى روسيا فقط، ولم تستورد اية تمور في ذلك العام، في حين تبين بيانات الدول المختلفة والمدرجة لدى الفاو لعام 2016، ان العراق قام باستيراد1228 طنا من التمور وبقيمة تقرب من مليوني دولار منها اكثر من الف طن من الامارات وبسعر دولار ونصف للكيلوغرام، وكذلك 86 طن من تركيا وبسعر دولارين و86 سنت للكيلوغرام، والاغرب انه استورد طنين من التمور من لبنان ودفع مقابلها 9 الاف دولار اي بسعر اربعة دولارات ونصف للكيلوغرام، اما بالنسبة للتصدير فتذكر البيانات ان 22 دولة استوردت من العراق 322 الف طن وبسعر 36 سنت للكيلوغرام ولم تكن روسيا او سنغافورة من البلدان التي صدر اليها العراق اية تمور، ومن المعيب ان يصدّر العراق للبنان حوالي الفا طن من التمور بسعر 36 سنت ثم يقوم باستيراد تمور بسعر اربعة دولارات ونصف للكيلوغرام، وحصل نفس الشيئ مع الامارات حيث تم تصدير تمور لها بسعر 31 سنت في حين تم استيراد تمور منها بسعر دولار ونصف. ولعدم دقة البيانات الخاصة باستيراد وتصدير جميع المنتجات الزراعية او الحيوانية والصادرة من العراق، لم تُعتمد اية ارقام من العراق من قبل الفاو والارقام المدرجة اعلاه مأخوذة من بيانات الدول الاخرى والتي تستورد وتصدر للعراق.

 

د مهند محمد البياتي - أكاديمي مقيم في الامارات

 

عبد الجبار الرفاعيوردَ حديثُ الفرقةِ الناجية في الإسلامِ في السُّنَنِ وَالْمَسَانِدِ؛ كَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِي وَالنِّسَائِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَلَفْظُهُ: "افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إلَّا وَاحِدَةً، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إلَّا وَاحِدَةً، وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إلَّا وَاحِدَةً"[1]. واستلهمه أكثر المتكلمين في تشييد أسسِ انحصارِ الحقّانيةِ والنجاةِ بمعتقداتهم، وكلٌ يسعى لاحتكار ذلك للفرقةِ الناطق باسمها.

وفي فضاءِ انحصار الحقّانية والنجاة تم رسمُ صورةِ الإله القومي والمذهبي والطائفي. الإلهُ القومي هو إلهٌ لجماعةٍ بشرية تنتمي لإثنيةٍ معيّنة، والإلهُ المذهبي والطائفي هو إلهٌ لجماعةٍ بشرية أو مذهبٍ أو طائفةٍ خاصة، فهو ينشغلُ بها من دون غيرها من الناس، ويهبها كلَّ شيء، ويحرم غيرَها من كلِّ شيء، ويتساهل معها فيقبل منها كلَّ شيء مهما كان يسيرًا، ولا يقبل من غيرها كلَّ شيء حتى لو كان كبيرًا، وذا أثرٍ عظيمٍ في إسعادِ البشرية. إنه إلهٌ متحيّزٌ لهذه الجماعة دائمًا، لا يعنيه غيرُها من البشر مهما كانت إبداعاتُهم وآثارُهم في تطوير وسائل العيش وتأمينها، ومهما كانت منجزاتُهم وأعمالُهم في صناعة ِعالَمٍ أجمل لحياة الإنسان.

إن هاجسَ المتكلّم هو إثباتُ حقّانيةِ مقولاتِه الاعتقادية، وانحصارِ الحق فيها، والمحاججةُ لدحضِ الحقِ والحقّانيةِ عمَّا سواها. وتشكِّل هذه المقولات بمجموعها منظومةً اعتقاديةً واضحةَ الحدود، على نحوٍ يمكن الاستنادُ فيه إليها بوصفها معيارًا للتعرّف على كلِّ ما يقعُ داخلها، ونفي كلِّ ما يقعُ خارجها.

ولما كانت المنظومةُ الاعتقاديةُ تتألفُ من رؤيةٍ للعالم، وتصوّرٍ مصوغ بعناية لصورةِ الله، ونمطِ علاقة الإنسان به، وكيفيةِ الارتباط معه، فإنها تصيرُ مرجعيةً تنتظمُ في سياقها مدونةٌ فقهيةٌ ترتسم فيها أشكال العبادات والمعاملات والمواقف الحياتية للفرد والجماعة، على نحو تتطابق فيه وجهةُ المدوّنة الفقهية مع ما تؤشّر إليه المنظومةُ الاعتقادية. وترى بعضُ المذاهب، خاصّة السلفية، أن كلَّ ما هو خارج عنها من آراء وفتاوى اجتهادية في العبادات هو مروقٌ وابتداع.

وعادة ما يُحكَم بالمروق على كلِّ من يتبنى معتقدًا خارج الصور النمطية الراسخة لله عند الفرق الكلامية، في حين تكون النجاةُ في الآخرة هي المآلُ الطبيعي لأتباعِ هذه المنظومة الاعتقادية.

ولما كان منطقُ التفكير في علم الكلام يبتني على المنطق الأرسطي، فهذا يعني أن نظريةَ المعرفة في علم الكلام لا تقول بنسبية المعرفة، لذلك لا يرى المتكلمُ إلّا وجهًا واحدًا للحقيقة الدينية، ينحصر الوصولُ إليه بطريق خاص، وهذا الطريق هو ما يرسم إطارَه الفهم المغلق للنصوص الدينية، وما ينتجه من مقولات للمتكلم تبني هيكل معتقدات فرقته، التي هي "الفرقة الناجية" دون سواها.

إن تأويل النصوص الدينية يبتني على نسبية المعرفة، ومن دون تأويل النصوص لا يمكن أن يتنوع فهمها، تبعًا لتنوع فهم المتكلمين وأزمنتهم. وكثيرًا ما يقود الفهمُ المغلق إلى تكفير المختلف في المعتقد، عندما يفضي تأويلُه لآيات القرآن إلى فهمها بنحوٍ لا يطابق هذا الفهم المغلق على معنى واحد نهائي.

وأحيانًا يقود تنوعُ العبارات وتعدّدُ فهمها ليس للتكفير فقط، بل والحكم بالقتل أيضًا، وهو ما حذّر منه واستهجنه بعضُ الأعلام بشدّة، حتى اصطلح على من تنتهي مصائرهم إلى أن يكونوا ضحيةً لذلك بـ "قتلى العبارات"، إذ يقول: "لا يلعبّن بك اختلاف العبارات، فإنه إذا بُعثر ما في القبور، وأُحضر البشر في عرض الله تعالى يوم القيامة، لعلّ من كل ألفٍ تسعمائة وتسع وتسعون يبعثون من أجداثهم، وهم: قتلى العبارات، ذبائح سيوف الإشارات، وعليهم دماؤها وجروحها، غفلوا المعاني فضيّعوا المباني"[2].

لقد أسرفَ متكلمو الفرقِ في الإسلام بتكفيرِ من لا يعتقدُ معتقدَهم، ولم تتخلصْ أيةُ فرقةٍ من تورّط بعضِ متكلميها في تكفير المختلف، وإن كان ينتمي للفرقةِ ذاتها، إن اجتهدَ فتخطى الحدودَ المرسومةَ للاعتقاد، حتى المعتزلة، الذين اشتهروا بأنهم ممثلو العقلانية في الإسلام، تورّطَ بعضُ متكلميهم بالتكفير. يقول أبوحيان التوحيدي: "إن الجبائيين المعتزليين، أبا علي[3] – أستاذ الأشعري – وابنه أبا هاشم[4]، لم يكن أحدُهما يتورع عن قذف الآخر بالكفر. كما أن أختَ أبي هاشم، لم تكن، هي الأخرى، تتورّعُ عن إلصاق نفس التهمة بأخيها وأبيها معًا"[5].

وحاول المتكلّمون التوكؤَ على المدونة الحديثية في خلع المشروعية النصّية على مقولاتهم لتبرير موقفهم الاعتقادي، إذ تداولوا مروياتٍ نبويةً تتحدّث عن الفرقة الناجية والفرق الهالكة، وشاع في آثارهم حديثُ الفرقة الناجية الذي أوردناه في ما سبق[6]. واعتاد مؤلفو الفرق أن يبدأوا كتبَهم بحديث افتراق الأمة، بهدف تبريرِ حقَّانية الفرقة التي ينتمون إليها، وبطلان ما سواها من الفرق الأخرى. وهو حديثٌ موضوع يؤكّد أن الفرقةَ الناجيةَ دائمًا واحدةٌ، أي إن هناك فرقةً معينة هي من تحتكر النجاةَ لنفسها، والهلاك لما سواها. الخلاصُ دائمًا نصيبُ فرقةٍ واحدةٍ لا تتعدّد. والعذابُ نصيبُ عشراتِ الفرق الأخرى غيرها، مهما كانت اعتقاداتُها واجتهاداتُها.

وبمرور الزمن تفشّى لاهوتٌ صراطي في التفكيرِ الكلامي، لا يقبل في دائرةِ الإيمانِ والنجاةِ إلّا الفرقةَ الناجية، في حين يُخرج كلَّ فرقةٍ أخرى غيرها من دائرةِ الإيمان، ولا يمنحها حقَّ النجاةِ مهما كانت اعتقاداتُها واجتهاداتُها. وبذلك سقط حقُّ كلِّ إنسان في أن يعتقدَ بما يراه حقًا، وتم تعطيلُ دلالةِ آية: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"[7]، وغيرها من آيات قرآنية [8]،  لصالحِ انحصارِ الحقّانيةِ والنجاةِ بفرقة واحدة. ولم يعبأ المتكلّمون بحقِّ الناس وحريتِهم في الاعتقاد. بالرغم من أن الاعتقادَ لا يمكن التحكّمُ به من الخارج؛ لأنه أمرٌ باطني خارج وسائل المنع والردع والإكراه[9]. ما يمكنُ التحكّمُ به هو التعبيرُ عن المعتقد.

وفي لاهوتِ يحتفي بكرامة الإنسان ويحمي حرياتِه وحقوقه، فإن حمايةَ السلم المجتمعي تفرض منعَ التعبير العنيف عن المعتقد، بوصف هذا الضرب من التعبير اعتداءً على حياةِ الفردِ والمجتمعِ، سواء كان ذلك التعبيرُ جسديًا أو لفظيًا أو رمزيًا.

لكن بموازاة تخندق التفكير الكلامي في قوالب المنطق الأرسطي، تحرّر تفكيرُ التصوف الفلسفي من تلك القوالب الصارمة، فتغلّب عليها وصار يفكّر خارجها بحرية لا تسمح بها قواعدُ هذا المنطق ومقولاتُه ومحاججاتُه وأدواتُه. وانفردت كتاباتُ محيي الدين بن عربي وأمثاله في أنها فتحت آفاقًا للتأويل تتخطى الفهمَ الحرفي المغلق للنصوص الدينية. وذلك يحيل إلى أن نظريةَ المعرفة في التصوّف الفلسفي تبتني على نسبية المعرفة، وهو ما يسمح لها أن تقدّم فهمًا مختلفًا للتنوع والتعددية في الأديان، بوصفها تجلياتٍ مختلفةً للحقيقة الدينية، وصورًا متنوعةً لوجوهها، وأساليبَ متعددة للتعبير عنها. وعلى أساس مفهوم المعرفة الدينية هذا خلص المتصوفةُ للقول بتنوع طرق الوصول إلى الله، وهذا هو معنى الاعتراف بحقّ الاختلاف في المعتقد، الذي هو أساس قبول التعددية الدينية والعيش المشترك.

لم يحتكر التصوّفُ الفلسفي النجاةَ ولم يختصّ الخلاصُ في رأي أعلامه بديانة أو فرقة أو مذهب أو طائفة أو جماعة، وهذا ما نراه في آثارهم، إذ لا نقرأ في مدونةِ التصوّف الفلسفي مواقفَ وكلماتٍ تنصّ على تكفير المختلف في العقيدة أو فتاوى تسوّغ قتله. حتى ان ابنَ عربي يستهجن عمليةَ التكفير ويصنّفها بأنها ردٌّ على كتاب الله، وضربٌ من التحجير على رحمته، فيقول: "إن ذلك ردّ على كتاب الله وتحجير على رحمة الله أن تنال بعض عباد الله"[10].

إن الاختلافَ في تصورات الإنسان عن الله ينتهي لا محالة إلى تعدّد الأديان وتنوّع الطرق إليه. إن صورةَ الله هي أولُ ممارسةٍ تأويليةٍ اجترحها البشر، إذ نحتَ أولُ البشر على صورتهم صورةً لله، ثم استمر بنو آدم يصوّرون اللهَ على وفق صورهِم المتنوّعة، المنتزَعةِ من عوالمهم المختلفة. بنو آدم لا صورةَ نهائية يصلون إليها، لذا فإن اللهَ لا صورةَ نهائية له. وعلى الرغم من أن الإنسانَ كائنٌ متناهٍ غير أن تأويلَه لا يتوقّف ولا ينتهي. ويظل الإنسانُ في مسعى أبدى للعثور على صورة أخيرة لله، وهو لا يدري أن كنهَ الله وحقيقته لا يعرفها إلّا الله، يقول ابنُ عربي: "لا يعرف الله إلّا الله"[11].

 

عبدالجبار الرفاعي

.............................

 [1] يقول ابن تيمية في الفتاوى: "الْحَدِيثُ صَحِيحٌ مَشْهُورٌ فِي السُّنَنِ وَالْمَسَانِدِ؛ كَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِي وَالنِّسَائِيِّ وَغَيْرِهِمْ".

[2] شمس الدين السهروردي، تواريخ الحكماء والفلاسفة، تحقيق وتعليق: أحمد عبدالرحيم السايح، القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 1991، ج2: ص209.[2]

[3] أبو علي الجُبّائي، محمد بن عبد الوهاب، والجُبّائي نسبة إلى جُبّى التي ولد فيها، وهي من مدن خوزستان "235 – 303 هـ". [3]

[4] أبو هاشم الجُبّائي، عبد السلام بن أبي عليٍّ محمَّد بن عبد الوهاب الجُبّائي "275 – 321 هـ". [4]

[5] أبو حيان التوحيدي. البصائر والذخائر، تحقيق: وداد القاضي، بيروت، دار صادر، ج7: ص 249. [5]

[6] يرى بعضُ الباحثين أن حديثَ افتراقِ الأمة من الأحاديثِ الموضوعةِ في فترة متأخرة عن عصر النبي. أنظر: عمر بن حمادي. "حول حديث افتراق الأمة إلى بضع وسبعين فرقة".  الكراسات التونسية، ع 115 - 116، 1981

[7] البقرة، 256.

[8] مثل: "وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ"، الكهف، 29 ، و"كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ"، المدثر، 38. و"لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً"، و"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ"، المائدة، 48، 105، و"وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيؤُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ"، يونس 41، "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ"، يونس 99. [8]

[9] تكررت 267 مرة في آثار ابن تيمية فتوى: "فإن تاب وإلّا قُتِل". وقد وردت في موارد متنوعة، فمثلًا يقول: "الرجل البالغ إذا امتنع من صلاة واحدة من الصلوات الخمس أو ترك بعض فرائضها المتفق عليها، فإنه يُستتاب فإن تاب وإلّا قُتل". ابن تيمية، مجموع الفتاوى، الجزء 3، ص 429 . وورد الكثير في آثاره من أمثال هذه الفتوى.

وقد نبّهنا أكثر من مرة الى أن بعض هذه الفتاوى لا ينفرد فيها ابنُ تيمية، بل يفتي بها فقهاءُ من مختلف المذاهب الإسلامية. لكن جهلَ أكثر من يتحدثون عن الاسلام بالمدونة الكلامية والفقهية، أو تجاهلَ من يعلم منهم بذلك، يجعلهم يصرون على تبرئة تراث فرقتهم ومذهبهم خاصة.

وننوه إلى أن تكرار إشارتنا إلى ابن تيمية وفتاواه وآرائه، ليس بمعنى تفرّده بهذه الفتاوى والآراء، بل لأنه يمثل المرجعية الأكثف حضورًا اليوم في أدبيات الجماعات التكفيرية، واعتمادهم فتاواه وآرائه في سلوكهم الذي يرفض العيش المشترك مع المختلف في الاعتقاد، وشرعنة الفعل العنيف في التعامل معه.

10-  ابن عربي، الفتوحات المكية، باب 50، ج2، ص100.[10]

11- ابن عربي، الفتوحات المكية، باب 50، ج2، ص96.[11]

 

زهير الخويلدي"يكفي أن نحسن الحكم لكي نحسن الفعل"1

لقد علمنا رونيه ديكارت 1596-1650 الكيفية التي نتخطى بها حدودنا ونكتسب قدرات جديدة عن طريق المنهج عندما نواجه المشاكل المستعصية بجد ولذلك اعتبره المؤرخون بطلا استثنائيا ومفجرا لثور ة هامة في تاريخ الفلسفة ومؤسسا للحداثة الفكرية وموقع مفهوم الكوجيتو الشهير ومكتشف الحدوسات الأكثر لمعانا في الفكر الحديث وذلك عن طريق اعتماده على نظام عقلاني يمدنا بالقواعد ونسق معرفي يوفر لنا العديد من التوجيهات الإجرائية التي تساعدنا في البحث عن الحقيقة وفي العمل على التحكم في العالم.

غير أن ديكارت لم يولد من فراغ ولم ينتهي إلى لاشيء وإنما انحدر من مجموعة من العلماء الذين مهدوا له الدرب على غرار غاليلي وكوبرنيك وكبلر وبرينو وواصل المجهود الذي كان قد انطلق فيه جملة من المفكرين والفلاسفة على غرار الرواقيين ومونتاني وباسكال والقديس أوغسطين وتوما الأكويني، ويمكن الحديث عن تواصل الديكارتية بعده عند لايبنتز وسبينوزا ومالبرانش وكانط وهيجل وهوسرل وكانغيلام.

لقد أمضى الفيلسوف الفرنسي قسما كبيرا من حياته في هولندا حرصا منه على التقدم والتسامح بعد اضطهاد الكنيسة له ولقد اعتبر فيلسوفا كلاسيكيا بامتياز ورمزا روحيا لشعب بأكمله ولقد فرض على ثقافتنا أسلوبه في الفكر بواسطة الأفكار الواضحة والمتميزة ولما ميز التفكير الفلسفي عن السلطة الدينية والسياسية وافتتح ممارسة التأمل الشخصي وأسس عقلانيته من حيث المبدأ على اليقين بأن حسن توجيه الذهن يُمَكِّن من معرفة الحقيقة وأن خطاب عن المنهج الذي ألفه سنة 1637 يضم  القواعد التي ينبغي أن يتبعها كل بحث علمي وأن التأملات الميتافيزيقية التي ظهرت عام 1641 تشكل مؤلفه الفلسفي الأساسي.

لقد انطلق في مشروعه الواعد من الشك المنهجي في كل شيء واكتشف استحالة الشك في تجربة الشك عندما يعيش الفكر لحظة أكثر جذرية من اليأس وأن الفكر مثل للذات اليقين الأول واستنتج منه وجودها: أنا أفكر إذن أنا أكون، وبعد ذلك برهنة على وجود الله ابتداء من مصطلح اللانهائي الذي يوجد في داخلنا، وفي نهاية المطاف اهتدى إلى وجود العالم المادي ابتداء من الشعور بالمؤثرات الإدراكية لجسمنا الخاص.

 لقد عرض ديكارت كأحد كبار الرياضيين والفيزيائيين في عصره تصوره للعالم في كتاب مبادئ الفلسفة الذي أصدره سنة 1644 أين طبق الجبر على الهندسة واكتشف الهندسة التحليلية وحلم بالرياضيات الكلية.

لقد تشكلت عقيدته العقلية الخاصة على استنباط جميع الأشياء من الفكر وطرح نظريته الأخلاقية في خطاب عن المنهج وفي رسائله إلى الملكة اليزاباث واشتغل في رسالة عن أهواء النفس 1649على تحليل جذورها الفيزيولوجية وضمّنها أخلاقا مؤقتة  تتكيف مع انتظار التمكن من تأسيس الأفعال على الحقيقة واتجاها رواقيا بالتخفيف من بعض الانتهازية التي تبدو عليه من جهة، وسعى من جهة أخرى إلى كتابة مسودة حول الأخلاق النهائية والتامة وذلك بتشييدها على معرفة واضحة ومتميزة بالحقيقة واليقين[1].

لقد سبق لديكارت أن أعلن يوم 10 نوفمبر 1619 عند ولادته ككاتب حيث شرع في تأليف نص صغير بعنوان أولمبيا بمثابة مخطوط يتعلق بالأشياء الإلهية وعرف فيما بعد بمقدمات في المنهج حاول فيه التنبؤ بمستقبله حيث قال: " لقد بدأت أفهم أسس علم رائع" ولقد طرح فيه سؤال: أي طريق أسلكه في الحياة؟

لقد زار باريس من 1626 إلى 1628 والتقى بالمشتغلين بالأدب والعلوم واهتم بدارسة الرياضيات والبصريات وألف كتيب قواعد من أجل قيادة الذهن الذي لم يرى النور وينشر الا بعد وفاه سنة 1701، ولقد قرر بعد ذلك أن يتخصص في العالم ويصير رجل علم وكتب من أجل ذلك كتاب العالم أو الضوء.

بعد ذلك استقر به المطاف في هولندا ووجد المناخ المليء بالتسامح مواتيا للتعبير عن أفكاره العلمية والفلسفية الجديدة ولم يعد إلى باريس سوى مرات ثلاث متباعدة ووجيزة هي 1644 و1647 و1648.

لقد قرر الذهاب إلى استكهولم في سبتمبر 1649بعد الدعوة التي تلقاها عن طريق سفير فرنسا من ملكة السويد كريستين ولكنه لم يتحمل برد الشتاء بعد تغير مستجد في العادات وتوفي في 11 فيفري 1650.

لم يكن هدف ديكارت في البداية أن يشتغل بالفلسفة وأن يصير فيلسوفا وإنما كان يحلم بأن يصبح رجل علم ويشتغل بالعلوم مثل المنطق والرياضيات والفيزياء والبيولوجيا والفيزيولوجيا والطب والبصريات. ولقد رغب في معرفة وفهم العالم والإنسان بمساعدة المنهج الذي كان قد اكتشفه ووضعه قيد الخدمة سنة 1619 عندما قطع حقول المعركة في ألمانيا سواء بالمشاهدة أو بالمشاركة وقرر اعتماد الملاحظة والقيس والاختبار وترجمة كل هذه الخطوات والمعارف التي يحصل عليها منها في صيغ ومعادلات رياضية.

لقد كانت للفلسفة أي الميتافيزيقا اهتماما ثانويا بالمقارنة مع الفيزياء بل هي ثمرة تفكير في أعماله العلمية، لقد احتاج ديكارت الي المنهج الفلسفي من أجل تبرير العلم ومنحه المعقولية ووجه عنايته بالفلسفة الريبية المنحدرة من بيرون للحد من غلو الإيمان والتفتيش عن اليقين الذي يمكن أن يصمد أمام شكوك الريبيين.

لقد وضع ديكارت منهجه في اتجاه مضاد للفلسفة الإغريقية والفكر الوسيط ودخل في نقاش فكري معمق مع أفلاطون وأرسطو وأفلاطون والقديس توما الأكويني وتجاوز المعطى وتعمق في الوجود باحثا عن اليقين وفَكَّر في المعرفة وأسَّس المعرفة وبدأ ببناء الميتافيزيقا وانتقل إلى الفيزياء على خلاف الذين سبقوه.

لقد لخص ديكارت العناصر التي تتكون منها الميتافيزيقا الذاتية التي شيدها في الفصل الرابع من خطاب في المنهج وتطرق بعد ذلك إلى أعماله الفيزيائية وكأنه يؤسس الثانية على الأولى التي وصفها بالتأملات.

لقد رفضت الفيزياء الديكارتية فكرة مركزية الأرض وهو أمر يتعارض مع سلطة الكنيسة ودفعه ذلك إلى التفكير في إحراق كتابه الجرئ مقال في العالم لتفادي الأرتوذوكسية كما أخبر الأب ميرسون وتدارك أمره بدمج مسلمات ماورائية في نسقه الفلسفي وبرهنته على وجود الله وخلود النفس وحقائق الإيمان.

بهذا المعنى حاول روني ديكارت في كتاب التأملات الميتافيزيقية أن يتلمس الفلسفة الأولى وأن يبرهن على وجود الله ويميز بشكل واقعي بين النفس والجسم من أجل إعادة الثقة في ماهية ووجود الأشياء المادية من العالم الخارجي. لقد شرع في الفصل الأول بخوض تجربة الشك ثم اكتشف الكوجيتو بوصفه اليقين الأول وبرهن أنطولوجيا على وجود الله ووضع المعيار الذي يميز فيه بين الحقيقة والخطأ عن طريق الأفكار الواضحة والمتميزة ويقوم بتشييد نظرية الجوهرين ضمن اثنينية الجسم الممتد والنفس المفكرة.

لقد تضمن كتاب القواعد مجموعة من القواعد المنطقية التي ترتبط بالمنهجية الرياضية التي ساعدته على اختراع الهندسة التحليلية وتقديم الذهن على الخيال والتمييز بين الحدس من حيث هو معرفة مباشرة بالطبائع البسيطة على غرار الحركة والامتداد والشكل، وبين الاستدلال من حيث هو تمشي يسمح للفكر بالانتقال من العام إلى الخاص وفق ترتيب وقياس وإيجاد الحد الأوسط بين قضية كلية وقضية جزئية.

تنقسم المبادئ الفلسفية إلى أربع أجزاء: يتناول الجزء الأول الميتافيزيقا وتهتم الأجزاء المتبقية بالفيزياء وقوانين الحركة ونظرية الدوامة والتصور الميكانيكي للكون، بينما يتكون الخطاب في المنهج من ستة أجزاء: الأول يضم مجموعة من الاعتبارات التي تمس العلم والسيرة الذاتية ونقد لسنوات الدراسة وتشكيك في التعليم التقليدي، الجزء الثاني يعلن فيه قواعد المنهج وهي البداهة العقلية وتحليل المشكلات الصعبة والانتقال من البسيط إلى المعقد والمراجعة والإحصاء للنتائج وتفقد المسار الذي قطعه الفكر أثناء البحث. أما في الجزء الثالث يتطرق ديكارت إلى الأخلاق المؤقتة وفي الجزء الرابع يعيد التذكير بالميتافيزيقا وفي الخامس والسادس يعالج بعض الأسئلة التي تثيرها الفيزياء والعديد من مبادئ وقوانين العلوم الطبيعية.

إذا كان الهدف من الفلسفة والعلم إدراك الحقيقة فإن الشك هو التجربة التي يخوضها المرء الباحث لكي ينتزع نفسه من التجربة اليومية وتاريخ الفكر ويتخطى التناقضات والمغالطات والأوهام التي وقع فيها ويشرع في تأسيس اليقين الثابت ويصعد إلى مبادئ المعرفة وأوليات المنهج سواء بالاستدلال أو بالحدس.

لقد خرج ديكارت من الشك في التأمل الثاني عن طريق اكتشاف الكوجيتو باستخلاص الوجود من التفكير والتعامل مع الذات العارفة باعتبارها فكرة واضحة ومتميزة تقتحم تجربة تفكير شخصي لكي تثبت إنيتها وتحصل على وعي بالذات يتميز بالطابع المتعالي وتقر بعلاقة الاتصال النفس بالجسم ضمن رؤية إثنينية.

بعد ذلك أعلن ديكارت على أن الكوجيتو شيئا مفكرا إضافة إلى كونه شيء ممتد ولكنه طور نظرية في الحقائق الأبدية والأوليات البديهية والأفكار الفطرية التي توجد في العقل البشري بشكل سابق على التجربة دون أن يقع في التصورات الأفلاطونية عن نظرية المثل ويقتصر على التسليم بوجودها في ملكة الحكم.

لقد عثر ديكارت على نموذج فكرة الحق من حيث هو وواضح ومتميز وبديهي من جهة العقل وأطلق عليه اسم الكوجيتو وجعله المحرك الأساسي للنزعة العقلانية واشترط أن يتطابق الحقيقي مع العقلاني بالتمام وجعل معيار العقل الضمان الذي يمنح المرء الثقة أثناء بحثه عن حقيقة العالم الخارجي والجسم المادي.

كما اعتبر المعرفة الرياضية شرط معقولية المعارف الفلسفية الأخرى وخاصة مجموعة القضايا والمبادئ والمعاني العامة والقوانين التي تحدد الطبائع الثابتة في الطبيعة والأفكار الفطرية في العقل مثل الامتداد والعدد والأشكال وتساعد على ترجمة معطيات التجربة والتعبير عنها بلغة المعادلات والرموز الرياضية.

هكذا تكمن الثنائية في المنهج الديكارتي في اثبات الاتصال بين النفس والجسم والتفاعل بين الفكر والمادة.

لكن لماذا أخفق ديكارت في التخلص من الثنائية ؟ وكيف خرج عندئذ من نظام الأفكار إلى عالم الأشياء؟

 

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

.........................

المصادر:

1-   1 il suffit de bien juger pour bien faire

René Descartes, Discours de la méthode  1637 ; Méditations métaphysiques  1641 ; Principes de la philosophie  1644 ; Les passions de l’âme   1649;

Le monde ou traité de la lumière 1933 ; Correspondances  philosophiques,

 

ميثم الجنابيأدت التغيرات الاجتماعية الاقتصادية والسياسية في ثمانينات وتسعينيات القرن الحالي في روسيا (البطالة، وانعدام الثقة بالمستقبل، وعسف السلطة واستهتارها بالقيم والمفاهيم المتسامية، وسيطرت العصابات ورجال المال الربوي، واحتقار القيم الوطنية الخاصة، ومحاربة الفكر التقدمي والإنساني، وتشجيع المفاهيم والقيم المتخلفة، والانحلال الأخلاقي، وتسطيح الوعي، والفساد الإداري والرشوة وغيرها من الظواهر السلبية) إلى تعمق الروح الراديكالي عند هذا التيار. ووجدت هذه الراديكالية انعكاسها الخاص في المواقف العملية لليسار المتطرف، سواء في تقييمه للنظام الحالي أو في مواقفه العملية منه ومن إجراءاته. فقد وجد اليسار المتطرف في النظام الحالي فاشية جديدة، وديمقراطية برجوازية مزيفة. لهذا قاطع انتخاباتها داعيا إلى انتخابات ديمقراطية حرة مباشرة، واعتبر الدستور أيضا دستورا باطلا. وهو سلوك يكشف عن عدم إدراك لمجمل التغيرات التي جرت وأثرها الفعلي على مجمل مسار الدولة والمجتمع. من هنا عدم قدرته على التعامل مع هذا الواقع المستجد وعجزه عن التأثير عليه بالعمل من داخله وضمن شروطه لتغييره. ذلك يعني إن اليسار الروسي المتطرف يكرر نفس الصيغة النموذجية لليسار المتطرف ويستعيد نفس آلية السقوط التاريخي في ميدان الفعل السياسي، مع البقاء المثالي في ميدان الوجدان الخالص. وليس أمامه إلا الانعزال والتقوقع على النفس ومن ثم سيادة عناصر الثورية المتطرفة والنزعة الفردية والإرهابية، أو الاندماج في حركة أرقى ليسار عقلاني وواقعي.

فاليسار المتطرف أحجار في تيار اليسار العام يتوقف وضوح ألوانها على صفاء مياه التيار. فقد كان اليسار المتطرف تاريخيا الرد المباشر على جمود الشيوعية وتحجرها، ثم أصبح في وقت لاحق المدافع الوجداني عن القيم المجردة للاشتراكية والشيوعية. مما جعله يقترب (مع سيادة النظام البرجوازي في روسيا) من اليسار الشيوعي الراديكالي، الذي ترافق ظهوره مع تحسس خطورة الغورباتشوفية بالنسبة للدولة السوفيتية والنظام الاشتراكي، وانحرافها عن "الماركسية اللينينية". وتشكل أول هذه الأحزاب عام 1990 تحت اسم (حزب العمال الماركسي – حزب دكتاتورية البروليتاريا). وتنامت هذه الظاهرة بظهور تشكيلات شيوعية متنوعة مثل (حركة المبادرة الشيوعية) عام 1991 والتي خرجت من حركة (الجبهة الموحدة للكادحين). ثم (الوحدة)، التي شكلت صيف 1991 (البرنامج البلشفي للحزب الشيوعي السوفيتي)، وكذلك (حزب العمال الشيوعي الروسي) الذي تأسس عام 1991. فقد كان عام 1991 أيضا عام ظهور "اليمين" الشيوعي مثل (البرنامج الديمقراطي في الحزب الشيوعي السوفيتي) و(الحزب الديمقراطي لشيوعيي روسيا) و(البرنامج الماركسي في الحزب الشيوعي السوفيتي) وهي تيارات اضمحلت بعد حل الاتحاد السوفيتي وتجميد الحزب الشيوعي. على عكس اليسار الشيوعي الراديكالي، الذي مثله حينئذ (الشيوعيون) و(روسيا العمالية) و(من اجل الاتحاد السوفيتي).

كما كان عام 1991 مرحلة التحضير الجدي لإعادة توحيد الحركة الشيوعية وبناء حزب شيوعي يرث تاريخ الحركة الاشتراكية الديمقراطية الروسية (البلاشفة) والحزب الشيوعي السوفيتي، بقيادة شخصيات عديدة من أبرزها زوغانوف. واستطاع هذا التجمع أن ينتزع من المحكمة الدستورية عام 1992 قرارا بإلغاء قرار يلتسن القاضي بوقف نشاط الحزب الشيوعي السوفيتي. ومن ثم تأسس الحزب من جديد في شباط عام 1993 تحت اسم (الحزب الشيوعي لعموم روسيا الاتحادية).

تكشف هذه العملية عن استقطاب سياسي يدفع إلى الهامش كلا من اليمين الشيوعي واليسار المتطرف، ويبقى اليسار الشيوعي الراديكالي، بينما يتنامى تيار اليسار الشيوعي المعتدل (العقلاني) عنوانا لتكامل وعي الذات السياسي بالنسبة لليسار الروسي بشكل عام واليسار الشيوعي بشكل خاص.

يفترض تكامل وعي الذات السياسي بالنسبة لليسار، تكامل الرؤية الأيديولوجية تجاه المعضلات والمشاكل الوطنية والاجتماعية الكبرى، وأساليب حلها، أي صياغة منظومة من المبادئ الكبرى للتغيير المفترض وطبيعة النظام البديل وغاياته النهائية. فاليسار المتطرف عادة ما يفتقر لنظريات لها أبعادها العملية الواضحة، وفي تنظيراته اقرب إلى الرومانسية الوجدانية، التي  لم تعد ذات قيمة عملية، لأن حوافزها لا تتعدى كونها نقدا مستلهما من بطون الكتب لا من دراسة الواقع كما هو. فعندما تشترك الاتجاهات الفوضوية والتروتسكية وبعض قوى اليسار الشيوعي الراديكالي في النظر إلى ضرورة الثورة (والثورة الدائمة)  تؤكد على أن انهيار الاتحاد السوفيتي هو دليل على ذلك. بمعنى أن الانهيار نتاج لتخلي الاتحاد السوفيتي عن الثورة العالمية الدائمة من اجل القضاء على النظام الرأسمالي العالمي.

تصنع هذه الرومانسية على مثالها تصورات طوباوية حتى في أساليب العمل السياسي. فهي تستعيد تصورات وسيكولوجية القرن التاسع عشر الأوربي، دون أن تأخذ بنظر الاعتبار حصيلة تحولات القرن العشرين العاصفة في ميادين العلاقات الاجتماعية والقومية والتداخل العالمي في الاقتصاد والثقافة ووسائط الاتصال والمعلومات والتكنولوجيا وأثرها على تنظيم ونفسية الأمم والطبقات والفئات الاجتماعية وشكل الدولة ومستوى تنظيمها وتتطور آلية القمع المباشر وغير المباشر فيها وغيرها من الجوانب. وهي رومانسية يمكن ملاحظة بقاياها في أيديولوجيات اليسار الشيوعي الراديكالي، الذي لم يتحرر بعد من ثقل الماضي وصراعاته الأيديولوجية بصفة خاصة، حيث يتركز الجدل حول الستالينية وستالين والسلطة السوفيتية ودكتاتورية البروليتاريا والعقيدة الماركسية- اللينينية وما شابه ذلك.

غير أن اطروحات اليسار الشيوعي الراديكالي تتميز بالتنوع أيضا، لكنه تنوع  محصور بأحكام الماضي وتصوراته وقيمه ومواقفه. ومن الممكن اتخاذ آراء (الحزب الشيوعي السوفيتي) نموذجا في النظر إلى أسباب انهيار الاتحاد السوفيتي والتجربة السوفيتية وماهية البديل المفترض. حيث ينطلق من المقدمة الفكرية القائلة، بأن الحزب أهمل الفكرة الستالينية عن أن الصراع الطبقي يشتد مع تطور الاشتراكية، وميّع الحدود في قبول الأعضاء الجدد الذين أدى ازدياد عددهم إلى تغير طبيعة الحزب وفشل الدعاية الأيديولوجية. وبالتالي، فهو أول من خان الاشتراكية هم أولئك الذين كانوا يعملون في الحقل الدعائي والأيديولوجي، إضافة إلى وجود تناقضات بنيوية في الصناعة والزراعة، وعدم حل التناقض الواقعي بين الاشتراكية والقومية، وسباق التسلح، وصعود القيادات الخائنة للسلطة، وتحالف اليمين الداخلي مع الإمبريالية العالمية، الأمر الذي يفسر واقع العداء السافر والشديد للشيوعية من جانب رؤساء الجمهوريات الجديدة، أعضاء اللجان المركزية والمكاتب السياسية زمن غورباتشوف.

وتشاطر هذه الرؤية اغلب الحركات الشيوعية الراديكالية والسلفية، باستثناء (البروليتاريين) الذين يدينون الستالينية. ويعتقدون أن الثورة الاشتراكية ضرورة تاريخية يمكن تحقيقها من خلال تثوير العمال من الداخل وتنظيمهم الذاتي. في حين تنطلق أيديولوجية (الحزب الشيوعي الروسي البلشفي) من مبادئ عامة منها أن العداء للستالينية كان وما يزال شكلا من أشكال عودة الرأسمالية، وبما أن مسألة الملكية هي مسالة السلطة لهذا ينبغي أن تكون الملكية جماعية عامة ولا ضرورة للملكية الخاصة باستثناءات محدودة تخص الفلاحين الصغار. وعليه ينبغي رفض الاعتراف بنتائج الخصخصة التي جرت في روسيا بعد 1991، بما في ذلك خصخصة الأرض. أما الدولة المثلى فهي الدولة الوطنية المتعددة القوميات والموحدة في خدمتها للنظام الاشتراكي. إضافة إلى مبدأ معاداة الإمبريالية والصهيونية. في حين يشاطر (الحزب الشيوعي العمالي الروسي) وتفريعاته اللاحقة في (الحزب الشيوعي السوفيتي) و(روسيا العمالية)، و(البرنامج اللينيني)، المبادئ الأساسية التالية: ضرورة الدفاع عن الستالينية، والدفاع عن الملكية العامة، ورفض العمل المأجور، وقيادة الطبقة العاملة، والدولة الوطنية – القومية، والشيوعية باعتبارها فكرة وطنية لروسيا، ومعاداة الإمبريالية والصهيونية. أما أيديولوجية (الحرس السوفيتي العمالي الثوري الشيوعي للبلاشفة) فإنها مبنية على أساس الاعتراف بوحدة الماركسية – اللينينية - الستالينية، وسيادة المبدأ الاممي الخالص (وطن سوفيتي للعمال جميعا)، ونقل السلطة إلى داخل المعامل والمصانع من خلال الانتخابات، والغاية من كل ذلك صنع مجتمع عمالي خالص، وتقييم العمل حسب الوقت لا المال (للعمال ست ساعات عمل أما المهندس الكبير فساعتان)، إلغاء النقود من التداول والاستعاضة عنها بالبطاقات الإلكترونية، وتوزيع المواد لا بيعها.

إن هذا التيار يمثل النموذج التقليدي للصيغة العمالية والمباشرة للماركسية، ويعبر عن الوجدان الصادق لقيم العدالة والمساواة والحرية، إلا أن بديله الأيديولوجي عاجز عن تحقيق ذلك، لعجزه عن تأسيس قيم العدالة والحرية والمساواة بالشكل الذي يستجيب لمتطلبات الإدراك العقلاني في منظومة العلاقات الاجتماعية والوطنية والعالمية المعاصرة.

ونعثر في هذا التيار إلى جانب الماركسية التقليدية على محاولة جعل الفكرة الشيوعية فكرة وطنية صميمية بالنسبة لروسيا. وهي الفكرة التي بدأت تتغلغل في مسامات الأيديولوجية السياسية (للحزب الشيوعي لعموم روسيا). وبين هذين الاتجاهين العامين توجد بعض الأيديولوجيات الشيوعية التي تدمج في أفكارها المميزة للشيوعية التقليدية مبادئ التعددية السياسية والفكرية وحرية الصحافة والملكية الخاصة ونزع ملكية الدولة من خلال تسليمها للكادحين، إضافة إلى معارضتها وإدانتها للستالينية الدوغمائية في حل مشاكل التطور الاجتماعي، كما هو الحال في أيديولوجية (الحزب الروسي للشيوعيين). في حين يضع (اتحاد الشيوعيين)، في أيديولوجيته الشيوعية مبدأ عدم الاعتراف بالملكية الخاصة في الاشتراكية، والاعتراف بآلية السوق وأهمية الدولة ودورها الأساسي في الاقتصاد، ورقابة السوفيتات على مختلف مرافق الدولة، وتجميد الأسعار، ووضع حد أقصى للمداخيل وتقنينها عن طريق الضريبة التصاعدية، وتأميم البنوك وشركات التأمين، والدفاع عن حرية المنتج الصغير والجمعيات التعاونية، والسماح المحدود بالعمل المأجور، واعتبار البروليتاريا الطبقة الطليعية (والمثقفون من ضمنها) القائدة للدولة والمجتمع، وإعادة بناء الاتحاد السوفيتي على أسس طوعية لدول ذات سيادة، والإقرار بمبدأ الدولة الوطنية – الدولتية – السوفيتية.

هذه التيارات المتأرجحة ما بين الشيوعية الراديكالية وبين الشيوعية المعتدلة الذي يمثله (الحزب الشيوعي لعموم روسيا الاتحادية) هي حلقة الوصل بينهما على الأقل فيما يخص نشر الاعتدال النظري والسياسي بين صفوف اليسار بشكل عام والشيوعي منه بشكل خاص.

وبغض النظر عن أن عمر (الحزب الشيوعي لعموم روسيا الاتحادية)  لم يتجاوز سنوات قليلة من الناحية الرسمية، فانه يحاول تمثيل وتمّثل تاريخ أحد اأقدم وأعرق الأحزاب السياسية في التاريخ الروسي ألا وهو الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي (ومن ثم البلشفي والشيوعي السوفيتي). واستطاع في غضون سنوات معدودة أن يجتذب القوى الشيوعية وأن يستقطب اليسار، ويذلل الصعوبات الجمة التي وضعتها السلطة اليلتسنية أمامه، وأن يبرهن عمليا على انه أحد أقوى أحزاب اليسار الحية والحزب الأقوى في روسيا حينذاك، وأنه الحزب الوحيد القادر على قيادة المعارضة السياسية للنظام القائم في روسيا والقادر على مواجهته. فقد حصل في انتخابات عام 1993 البرلمانية على 47 مقعدا، بينما حصل في انتخابات 1995 البرلمانية على 149 مقعدا، واستطاع أن ينافس السلطة الحالية بكل إمكاناتها الهائلة والتأييد العالمي لها على منصب الرئاسة وأن يحصل على ما يقارب نصف الأصوات في انتخابات 1996 وكذلك في انتخابات عام 2000.

غير أن تمثيل اليسار في أوضاع روسيا الحالية والأوضاع الدولية يضع أمام اليسار الشيوعي مهمات غاية في التعقيد، تستلزم إيجاد النسبة المعقولة بين الوطني والاجتماعي الطبقي والقومي، الاشتراكي والديمقراطي، التجديد والمبدئية وغيرها من المهمات.

إن الأيديولوجية العامة (للحزب الشيوعي لعموم روسيا الاتحادية) تنطلق من أولويات المصالح الوطنية العليا بمضمونها الاجتماعي الإنتاجي العادل. ويرى الحزب أن مهمته الأساسية ليست في الرجوع إلى الاشتراكية بل السير قدما نحوها على هدى الرؤية النقدية لتجربة الماضي بغية تفادي تكرار أخطائها. فانهيار الاتحاد السوفيتي والتجربة السوفيتية هو أولا وقبل كل شيء نتاج الأخطاء الداخلية(الذاتية) للحزب والدولة. من هنا فان الموقف من التراث (الماضي)  هو الموقف من المستقبل. فالفساد والمحسوبية والتحلل الأخلاقي والطفيلية و"الخصخصة" ظواهر لها جذورها ونماذجها في أواخر المرحلة السوفيتية. وأفصح الأدلة على ذلك وجود القيادات السابقة للحزب في رئاسة المعادين للشيوعية في مجرى البيروستوريكا وانحلال الاتحاد السوفيتي. وفي الوقت نفسه ينبغي الاحتفاظ بالتراث الإنساني العميق للتجربة السوفيتية وبالأخص ما يتعلق منها بفكرة العدالة الاجتماعية والوطنية – الدولتية والسلطة السوفيتية. فمبدأ (من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله) ينبغي تطبيقه استنادا إلى الكفاءة الإنتاجية والعلمية والإبداع. والوطنية السوفيتية هي وطنية أممية النزوع والغاية لأنها تستند إلى مبادئ العدل الاجتماعي والنزعة الإنسانية. والسوفيتات (المجالس الشعبية) اكثر استجابة لحقيقة الديمقراطية، لأنها تغلق الباب أمام المغامرين والديماغوجيين وتضع حدا للصراع والمنافسة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. والنظام السوفيتي ينبغي أن يستند إلى شبكة متطورة من الجمعيات التعاونية والإدارات المحلية الذاتية في ظل مساهمة فعالة من جانب الدولة في الاقتصاد من خلال التخطيط والبرمجة وتنشيط آلية السوق وتجسيد شعار إن الإنسان للإنسان أخ وصديق ورفيق.

وهكذا فالبدائل الأيديولوجية لليسار الروسي بشكل عام والشيوعي بشكل خاص مازالت في طور البحث عن مبادئ عملية كبرى. فاليسار المتطرف بما في ذلك الشيوعي الراديكالي، مازال أسيرا لتصورات الماركسية السياسية لا الماركسية الفلسفية. وهو لا يتعامل مع الواقع الروسي والعالمي بمعايير المعاصرة ولا يبحث عن بدائل واقعية من خلال دراسة الواقع واستلهام دروس التجارب التاريخية للشيوعية، بل يتعالى ببريق الأفكار والمبادئ المتسامية للشيوعية وتوجيه الانتقادات اللاذعة للنظام الرأسمالي. وهو سلوك يؤدي بالضرورة إلى الاضمحلال التدريجي للشيوعية الراديكالية والسلفية وتحولها إلى تيار عصبوي عقائدي منعزل.

أما البديل الأكثر عقلانية وواقعية في اليسار الروسي المعاصر فهو ذاك الذي يمثله (الحزب الشيوعي لعموم روسيا الاتحادية). فقد استطاع الحزب صياغة المبادئ الكبرى لعقيدته السياسية في الوطنية الدولتية، والجماعية، والعدالة. وهي مبادئ تستمد مقوماتها من معاينة التاريخ الروسي وإبداعه الروحي أيضا، ولا تتعارض مع تقاليد الفكرة اليسارية بشكل عام والشيوعية بشكل خاص. مما يعطي لليسار الشيوعي العقلاني إمكانية تجميع اليسار الروسي بمختلف تياراته، والمساهمة في إضعاف تقاليد التطرف والغلو المميزة للسلطة والأحزاب في روسيا، أي انه يفسح المجال أمام إمكانية تذليل آلية الخلل الدائم في الدولة والمجتمع. وهو ما يعطي لليسار الشيوعي فعاليته وقيمته التاريخية المعاصرة باعتباره إحدى الضمانات الكبرى لبعث روسيا من جديد والمساهمة في إنعاش اليسار العالمي1 .

وعموما يمكننا القول، بأن التجربة التاريخية السياسية في روسيا تكشف عن أن روسيا بلا يسار هي روسيا مجهولة المستقبل. وتكشف أيضا عن أن اليسار هو الخميرة الحية لتثوير العلاقات الاجتماعية باتجاه أبعادها الإنسانية. وليس مصادفة أن يتعرض العالم في مختلف جوانبه ومستوياته إلى هزائم فادحة حتى مع سقوط اليسار الروسي البيروقراطي. مما يدل على أن وجود يسار ديمقراطي اشتراكي شيوعي عقلاني وواقعي وإنساني النزعة هو الشرط اللازم للتقدم الاجتماعي والحرية. وبالتالي فان الدعم المادي والمعنوي لليسار الروسي في الظرف الحالي هو دعم للنفس وضمانة أيضا للاستقلال والحرية على النطاق الوطني والإقليمي والعالمي.

***

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر

.......................

إنعاش اليسار العالمي الجديد مرتبط بكيفية تجميع قواه وإعادة توحيدها. وهي مهمة يصعب تنفيذها دون صياغة مبادئ جمعية جديدة وقواعد عمل مناسبة لها. فالتجربة الشيوعية القديمة (الكومنترن الأول والثاني ولقاءات الأحزاب الشيوعية والعمالية في ظل وجود الدول الاشتراكية) لم تعد ملائمة. فتوحيد اليسار العالمي الجديد ممكن فقط في حالة قدرة القوى اليسارية على إثبات وجودها الواقعي المستقل في التعامل مع القضايا الوطنية والقومية الكبرى، أي في قدرتها على توحيد القوى الاجتماعية الداخلية حول الأهداف المشتركة. ففي ذلك تكمن المقدمة الواقعية والضرورية لإنعاش اليسار الوطني والقومي والعالمي.

 

458 العقل والنفسالانسان ضمير ونفس وعواطف، قبل ان يكون عقلا ومصالح..

ـ لو كان العقل والمصلحة هي الاساس، لماذا إذن  تختلف وتتناقض سلبا وإيجابا، سلوكيات واخلاقيات الاشخاص الذين يحملون نفس العقيدة والثقافة والتربية والمصالح؟!

أن أي تمعّن في سلوكنا الشخصي، وفي الناس الذين يحيطونا وفي عموم العالم الحالي، سيكشف لنا كم هي خاطئة وساذجة تلك الفكرة المكررة والمعروفة القائلة:

ان الانسان بطبعه اناني ولا يفكر الّا بمصالحه...

لو كانت البشرية تفكر فعلا بمصالحها وعقلها لاصبحت الارض جنّة لا مثيل لها في السلام والراحة والمحبة. هاكم بعض الامثلة الكبيرة والمعروفة التي تتحكم بالبشرية حاليا وسابقا:

ـ ما معنى ان تصرف دول العالم، الغنية والفقيرة، ما يقارب ثلث ثرواتها وطاقتها وعقلها، من اجل تجييش الجيوش وانتاج اسلحة دمار و خراب وحروب!!

لو ان نُخب هذه الدول تُفكّر حقا بعقلها ومصالحها، لاتفقت على السلام، وهي قادرة فعلا لو تريد، والتركيز على بناء العالم وحل مشاكله بدلا من خلق الحروب والمؤامرات. لكنها من الصعب ان تتحرر من النزعات الفحولية والعنترية لزعماء وجنرالات وقتلة وأثرياء لا يهمهم غير ممارسة بطولاتهم بمتعة وحماسة مثل لاعبي الكرة والصبيان في تنافسهم. ولتبرير لعبتهم الجهنمية والاستمرار بها، فهم يجندون حولهم الاعلاميين والسياسيين والمثقفين ورجال الدين، وحتى الفلاسفة والفنانين، لتمجيد هذه النزعات الفحولية والصبيانية، باسم مصالح الأمة والحزب والدين والسلام العالمي وضرورات الاقتصاد، وغيرها..

ـ ما معنى ان يقضي الاثرياء والملياردية، في الشرق والغرب، جلّ حياتهم في لهاث وصراع وخداع وحتى قتل وتجويع للفقراء، بل حتى اشعال مؤامرات وحروب، فقط فقط من اجل زيادة ثرواتهم ومليارداتهم، التي لا يمتلكون الوقت للتمتع حقا بها. وفي النهاية بعد موتهم يتركونوها ورائهم سالمة لورثتهم الذين ربما لم يلتقوا بهم!؟

 لو كان هؤلاء الحمقى يفكرون حقا بعقلهم ومصالحهم، لاقتنعوا ببضعة ملايين تكفيهم لأن يعيشوا بمحبة وسلام وبحبوحة مع عوائلهم ومقربيهم، وبنفس الوقت يكونوا كرماء وعادلين مع مستخدميهم. لكنهم ظلوا مدفوعين بمشاعر صبيانية من غيرة ومنافسة وحماسة لتحقيق انتصاراتهم وزيادة أهدافهم (الكروية) وأرقام العابهم (البورصية) ضد منافسيهم.

ـ  خذوا مثلا مثلا، لو كانت نُخب إسرائيل تفكر فعلا بمصالح دولتها وسلامة شعبها، لكان من المعقول جدا جدا ان تكسب الفلسطينيين وتقنعهم بالتعايش والتفاهم بين الشعبين، وبنفس الوقت كسب الدول العربية من اجل الاستفادة من ثرواتها وطاقتها، ليستفيد الجميع من السلام والاستقرار والسياحة والبناء.

لكنهم ظلوا مثل المراهقين المجروحين مدفوعين بمشاعر انتقام من تاريخ عذابات وإبادات تعرضوا لها طيلة الفي عام في اوربا، وآخرها مذابح الهتلرية. نعم ظلّوا خاضعين لنفوسهم الجريحة المشوهة المنحرفة التي لا تستطيع التحرر من تقديس سادتهم وجلاديهم الاوربيين وخدمة مصالحهم الاستعمارية بأبقاء المنطقة بتوتر وحروب دائمة. أما حاجتهم الطبيعية للتعويض النفسي ورد ماء الوجه عن تاريخ الذبح والاذلال الاوربي، فقد وجدوه بتحقيق بطولات وإنتصارات ومذابح وتشريد ضد اخوتهم"الضعفاء" الفلسطينيين وباقي الشعوب العربية، الذين عاشوا معهم طيلة التاريخ بسلام وتآخي! إذن ليس العقل والمصالح هي التي تقود نُخب إسرائيل، بل النفس المُعذبة المشوهة، المازوشية ـ السادية.

الانساس ضمير ونفس وليس مصالح!

ان مثل هذه الامثلة التي يُضحّي فيها البشر بمصالحهم العقلانية والشخصية والخضوع لـ(قناعتهم النفسية) المشوهة أو الايجابية، يمكننا ان نشاهدها حولنا في كل مكان وزمان، في دولنا وإداراتنا ومدارسنا واصحابنا، بل حتى في عوائلنا واخوتنا وأزواجنا.                                              

نعم، انها اكبر اكذوبة وخرافة، الاعتقاد بأن الانسان تقوده مصالحه وعقله، بل هي قناعاته النفسية التي قد تتوافق احيانا مع مصالحه المعقولة او لا بالعكس ضدها:

ـ أن الأم التي تحمل طفلها وتنجبه وتبذل كل جهدها من اجل رعايته، فأن(قناعاتها النفسية)إيجابية وتتوافق مع عقلها وضميرها ومصلحة طفلها وعائلتها، بل مصلحة البشرية جمعاء من اجل استمرار الحياة.

ـ ان الانسان الذي يمضي حياته في محبة واحترام نفسه واهله وناسه وبلاده والانسانية، بلا احقاد وخداع وانانية وعنصرية، فأنه (قناعاته النفسية) إيجابية وتتوافق مع عقله ومصالحه ومصالح الآخرين.

ـ لكن الانسان الذي بسبب جروح طفولته، يمضي حياته في حقد وانانية وغيرة وفساد وخداع مع نفسه ومع اقرب ناسه، حتى مع ابنائه وعائلته واصحابه، والاتعس من هذا انه لا يربح من هذا لا ماديا ولا اجتماعيا ولا حتى نفسيا، بل يمضي حياته في حالة حرب وإشعال نيران خصام وعذاب وامراض، فأن (قناعاته النفسية) سلبية لا تتوافق مع العقل ومصالحه الطبيعية والناس حوله.

ـ شخصيا تعرفت على اشخاص، شرقيين واوربيين، نساء ورجال، حتى وهم على فراش الموت، فأن آخر كلماتهم الى ابنائهم وبناتهم، هي لتحريضهم ضد بعضهم البعض!!

ـ كذلك تعرفت على أشخاص، شرقيين واوربيين، يمضون حياتهم بفعل الخير ولو بالابتسامة والكلمة الطيبة.

ان العقل خادم مطيع للنفس وقناعاتها، سلبا وإيجابا، وليس العكس. ويتساوى في هذا الكبار والصغار، المتعلمون والأميون، الدينيون والملحدون، الشرقيون والغربيون..

نعم ان الانســـان ضمــــير ونفس وعواطف، قبل ان يكون عقـــل ومصالح..

 

سليم مطر ـ جنيف

 

مهدي الصافيتاريخ الامم والمجتمعات والشعوب، وحكمة الله عزوجل في ارسال وبعث الانبياء والرسل لهم، تؤكد بأن الخالق سبحانه وتعالى لا يترك للبشر حرية الاختيار بالوقوف على الحياد في المنطقة الوسطى، اما مع محور الخير او الشر، قال تعالى في سورة المائدة (اية٢٤)

{قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، اما فلسفة تحديد ايهما يمثل حقيقة الخير المطلق، اوان بعض المواقف تعد جزء من العمل الاخلاقي والانساني الصالح، وكذلك اعتبار الامور والقضايا الملتبسة ومجالات الشك بينها وبين محور الشر واضحة، وبين مايمثل شر مطلقا يشكل تهديدا صريحا لحياة الناس والكون عموما، ترجع الى البيئة والاديان والطوائف والموروثات وثقافة المجتمع، ولكن قطعا لن يكون هناك أية فلسفة اوحجج عقلية او منطقية مقبولة يمكن ان ترجح كفة الحياد السلبي، على اعتبار ان الحياد الايجابي احيانا، وكما هو معمول به في الانظمة الديمقراطية والجمعيات والمنظمات الدولية يمثل الامتناع والمقاطعة عن اعطاء الاصوات، لمنع تنفيذ امر او اصدار قرار ما، وهي بالتالي اقرب للموقف الرافض منه عن الحياد، علما ان غالبية الشعوب الغير متحضرة (وقسم منها المتحضرة لكنها شعوب كسولة وقادمة من خلفيات وبيئات وانظمة سياسية شمولية سابقة، كدول المعسكر الاشتراكي او الدول النامية والناشئة) هو الوقوف بمنطقة الحياد خوفا من البطش او ظاهرة قطع الارزاق، وصعوبة تحمل المسؤولية او تبعات الميل الى احد المحورين (محور الخير اوالشر)، ولكن يبقى السؤال المهم في هذا البحث المختصر:

 هو هل تستطيع الامم الشعوب التي تزداد فيها نسبة الواقفين في منطقة الحياد ان تنجز شيئا مهما لها ولبلدها وللانسانية جمعاء، لا نعتقد ذلك ابدا لانها تتعارض تماما مع حكمة الخلق والتكوين وضرورات الحياة وتطورها الحضاري المستمر، بل ان الله عزوجل وكما ورد في القران الكريم يحاسب القاعد والمتقاعس والمتخاذل والمنافق والكاذب والفاسد الخ.

امر الحياد امر مهم جدا اذ تارة يعد في مجتمعاتنا ثقافة وجزء من الحالة السلمية (تجنب المشاكل والابتعاد عنها، وهي ليست كذلك مطلقا)، وتارة اخرى تعبر عن حالة من الترفع والاستنكار والرفض، كلا الحالتين لاتمثلان حلا يمكن الاعتماد عليه في الخلاص من الازمات والتوترات، وحالات الفشل السياسي او الاجتماعي، وازمات التراجع الثقافي وحتى الاخلاقي والديني، وقد كانت على سبيل المثال انتفاضة١٥شعبان عام١٩٩١بعد تحرير الكويت في العراق، ظاهرة الحياد العربي السني الواسع، وكذلك نسبة محدود من المكون الشيعي عن المشاركة الواسعة لاسقاط نظام دموي دكتاتوري فاشل، تسبب بالعديد من الكوارث الانسانية والاقتصادية والاجتماعية فضلا عن الامنية والعسكرية، بقي الشعب بعدها يسدد تبعات ذلك الحياد السلبي، المزيد من الانفس والاموال جراء تلك المواقف السلبية السيئة، التي لم ينجوا منها الا القليل، وهكذا هي دورة الحياة لاخيار اخر فيها غير المشاركة الفاعلة في بناء اسس الحياة الامنة المستقرة...

جاءت ثورات الربيع العربي بعد اسقاط نظام صدام عام٢٠٠٣، تحررت اغلب الشعوب العربية من قيود الانظمة الشمولية الفاسدة، لكنها لم تتحرر من ثقافة النأي بالنفس عن الانخراط الفعلي المباشر في بناء عملية سياسية ديمقراطية جديدة، بقيت ثقافة الحياد فاعلة في المجتمعات العربية، على ان الشعب العراقي كان من اسوء الشعوب في مجال التخلي عن تبني وتحمل مسؤولية بناء نظام ديمقراطي حقيقي، تعرض هذا البلد الى عمليات اجرامية وارهابية وسياسية فاسدة، وتحولت الديمقراطية فيه الى دويلات طائفية واثنية وفئوية ومليشياوية وقبلية عشائرية، الكل تخلى عن مسؤوليته التاريخية في اعادة توحيد المجتم، ع الذي فككته ودمرته ومزقته الحروب والازمات السياسية والاقتصادية المتكررة، كانت صورة وتأثير الحياد السلبي كبيرة جدا عبر تراجع غالبية الشعب وقوته الروحية الممثلة بالمرجعية الدينية الرئيسية عن المشاركة في عملية اصلاح الدستور والنظام السياسي برمته، لم تستغل العديد من الفرص المتاحة للاصلاح، اهمها ماحصل بعد اندلاع احداث البصرة الاخيرة (الانتفاضة الشعبية العفوية في اعقاب ازمة ملوحة مياه شط العرب)، التي اعقبت الانتخابات البرلمانية الفاشلة ٢٠١٨، اذ سمح هذا الحياد بعودة اسلوب ونهج المحاصصة والتوافق السياسي حول توزيع المناصب الحكومية من مقاعد الرئاسات الثلاث والوزارات والسفارات والوكلاء والندراء العامين والهيئات المستقلة (شكليا) الاخرى، ومن المعيب ان لايبقى من هذا الشعب من يعارض هذا النهج التخريبي المبرمج الا نسبة قليلة منه (اغلبهم من معارضي نظام البعث البائد ممن لم يشارك في العملية السياسية بعد٢٠٠٣او استبعد قسرا من عملية اعادة بناء الدولة والعملية السياسية)، اما غالبية الشعب لازالت تنظر الى مايقوله المرجع الاعلى او زعيم القبيلة او العشيرة، مع انهم دخلوا في حقب وازمنة وفترات سياسية مظلمة قل نظيرها في عالمنا المعاصر، جرفت فيه الاراضي الزراعية، وقطعت مصادرالمياه، وسرقت بعض الاراضي الحدودية مع دول الجوار (سواء كانت عبر دفع الرشاوى او الفساد وقلة الخبرة والكفاءة في تلك المسائل المعقدة)، وكان اخر تلك الهجمات الارهابية الخارجية والداخلية(العملاء والخونة والفاسدين) تعمد الاضرار بالثروة السمكية المهمة للبيت والفقير العراقي، فمرض الفساد السياسي لايترك شيئا سليما يمر به، بل يكون كالطوفان الذي يبتلع كل شيء امامه، لايمكن ايقافه الا بتحمل غالبية الشعب المسؤولية التاريخية الكاملة في مواجهته، وبمساعدة النخب الوطنية والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية في قيادتهم نحو صد هذه الموجات الكارثية المتصاعدة، لكي يبقى الامل عندهم بالله عزوجل قويا ثابتا متماسكا في محاربة قوى الشر والتخريب والفساد والارهاب، ليبقى كل انسان حر شريف ثائرا مادام هناك نظام سياسي فاسد يتحكم به وبشعبه وثروات وطنه، لايهدأ له بال، ولاتبرد ثورة غضبه، الا بتحقيق دولة الحريات والحقوق والعدالة الاجتماعية والنزاهة والازدهار، بأيجاد نظام سياسي كفوء لايضخ للناس ثقافة اليأس والاحباط والكسل، بل يعطيهم الثقة بأنفسهم من اجل بناء مجتمع الرفاهية الانساني....

الحياد افة خطيرة يفقد فيها الانسان المسلم او الصالح زمام المبادرة في الاصلاح والتغيير، ويخسر معها الحياة والاخرة، فمن تكون حياته سلبية في الدنيا، لايضمن ان يكسب شيئا في الاخرة، حتى لو كان مسلما ملتزما بالطقوس والشعائر والعبادات الدينية، وقد وردت في القران الكريم العديد من الايات التي تذم المسلم او العبد القاعد(المحايد او المتخاذل او الجبان)..

{الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ

أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴿١٦٨ آل عمران﴾}

{فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ

 وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً

- ﴿٩٥ النساء﴾}

{َفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى

- الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿٩٥ النساء)}

{لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ

- مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴿٢٢ الإسراء﴾}

{إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّة

- فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴿٨٣ التوبة﴾

ان الوقوف في المنطقة الوسطى بين الحق والباطل او بين الخير والشر قد تعني انك تقف مع الاقوى والاكثر بأسا، ولهذا عندما يكون الشر والفساد والانحراف طاغيا في المجتمع يصبح الحياد اقرب للكفر بالاخلاق وبالانسانية وبالحباة عموما قبل ان تكون كذلك في الدين والايمان والمعتقدات بالله عزوجل وكتبه وانبياءه ورسله...

 

مهدي الصافي

 

مجدي ابراهيمحروف لمعاني: الكفاية، الهداية، الإيواء، العلم، الصدق، خمسة فصول لكتاب من حروف الله، هى من جملة أسرار الحروف المعجزة في القرآن الكريم. ولكن قبل البدء في عرض المقصد من هذا الموضوع، وددت لو إني مهدت له تمهيداً على سبيل التقديم لأقول، كنت مشغولاً منذ فترة طويلة بالبحث في لغة الخطاب الصوفي، يومها كتبت موضوعاً بعنوان (ميتَافِيزيقا اللَّفظ المَفتوح.. قراءةٌ في لُّغَة الخطابِ الصَّوفِي)، كان بحثاً تدور فكرته الأساسية حول ألفاظ اللغة العربية: شاعريَّتُها ومجازُها، تمهيداً لقراءة لغة الخطاب الصوفي التي هى بالأساس لغة مجازية تحصل من خلال التجربة، وتُسْتَفَادُ من التجربة، وتمتلئ بالمعاني المترعة التي تعطيها التجربة، ويسفر عنها من ثمَّ مَذَاق العارفين؛ حتى إذا ما توصَّلنا إلى معطيات العبارة الصوفية كون لغتها مفتوحة غير مغلقة ولا هى بالسطحية، استطعنا أن نضع لغة الإشارة التَّصوِّفيَّة (لغة المعنى الصرف، ولغة التجربة المحضة) في مواجهة فلاسفة التحليل ممَّن دانوا بالوضعية المنطقية (logical positivisms) حين أرادوا تقييد "المعنى" بدلالته الحسيّة الواقعية وكفى، ومن ثمَّ رفض الميتافيزيقا إذْ دلّت هنا على معنى غائب غير مرئي.

ولم يكن الهدف من وراء تلك الدراسة يجيء بعد اختيار منهجية المقارنة والنقد والتحليل كمُعالجة للموضوع سوى رفض مقولاتهم، وقبول مقولات التصوف في إصابة المعنى في غير ما تقع عليه الضلالات الحسية؛ بسبب أن الإدراك الذوقي الرُّوحاني في التصوف خَاصَّة من شأنه أن يُحَوِّل معطيات الحس إلى رموز وإشارات بمقدار ما يُحَوِّل أحداث التاريخ إلى قصص رمزية، وهو ما كان يفعله ابن عربي (ت ٦٣٨) تحديداً كما كان يشير "كوربان" في كتابه "الخيال الخلاق عند ابن عربي". فهنالك فرقُ كبير بين انعدام المعنى بالمطلق أو قصوره على المعطيات الحسية وصعوبة تعريف المعنى، فليس الحس هو المعنى تماماً كما أن الجسد ليس هو الروح.

ولتحقيق هذا الهدف يومها قدَّمنا بما نقصده من الدلالة الميتافيزيقية للألفاظ، وآثرنا أن نُوَسِّع من انعكاس الكلمة لصورة الثقافة العربية بمقدار ما تعكس ماضيها وتحيله حاضراً في عقيدة الإنسان العربي وتجربته الأصليّة؛ أعني تجربة الحضور السرمدي واكتشاف ما في اللحظة ذات الأبعاد الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل. ثم تناولنا مجاز اللغة من حيث كونه يدل بالمباشرة لا على شاعرية اللغة العربية من حيث تشكلها الوجداني وحساسيتها المفرطة فحسب بل على لغة الخطاب الصوفي بالأساس من جهة بلاغة تأصلها في منطق الشعور وحضور مسارها في البنية الحية للذوق العرفاني، فكان أقرب ما يفيدنا في بيان الدلالة المجازيّة في اللغة هو ما قام به المتصوفة من جهود في التفسير الإشاري للقرآن الكريم كون لغة الخطاب هاهنا في حضورها وتوجّهها، رمزية ومفتوحة يتبيَّن فيها أن المعنى غائر دفين في أعماق التجربة، وأنه مستكن مُرجئ في ذوق التحقيق ليس يكشف عنه إلا لمن تولّاه بالعناية ومارسه كشفاً بذوق التحقيق ليس إلّا؛ وإنه حقيقةً، كما قال النفري، كلما اتسعت الرُّؤية الشهودية ضاقت العبارة اللفظية.

بيد أن هنالك مضامين فكرية فلسفية لبعض الألفاظ المستعملة على حسب ما قال الفارابي في كتاب "الحروف"، إنه يوجد من الألفاظ ما يستعمله أهل صناعة على معنى ما، ويستعمله أهل صناعة أخرى على معنى مختلف.

كان باعثنا إلى هذه الدارسة إذ ذاك موجزاً في نقطتين: النقطة الأولى: هى مدى ما نُلاحظه من انحطاط اللغة في العصر الحديث، إهمالاً للذوق السليم وافتقاراً للتربية الشعورية والوجدانية، تعكس فقر الفكر الديني بامتياز، حين تسيطر عليها لغة الظاهر المشحونة بالأعراف والمصطلحات، يستبدُ فيها بالمُتلقي مثل ذلك الجري اللاهث الكسيح وراء الاصطلاحات المقيدة بمقولاتها العقلية في عزلة غريبة عن الشعور بالكلمة والإحساس برقابة آثرها في الأعماق الباطنة، وعزلها بالجملة عن تجربة السامع والقارئ والكاتب سواء.

أمّا النقطة الثانية؛ فهى نتيجة للأولى مباشرةً تَلْزَم عنها ضرورة فتجيء لتلاحظ معها شيوع "لغة التمزق" وانتشارها على جميع المستويات لتكون هى هى اللغة السائدة: التمزق النفسي والاجتماعي والأخلاقي والقِيَمي؛ هذا فضلاً عن التمزق السياسي الذي يشهده عالمنا العربي في الآونة الأخيرة؛ إذْ كشفت "لغة التمزق" عن توحش ينطوي على العُنف الدامي والإرهاب الكريه تجليةً من الوهلة الأولى لشلل الحيوية الروحية.

فإذا كان من المؤكد أن عناصر اللُّغة لا تقوم ناهضة فاعلة إلاّ على الوجدان والعاطفة، والفكر والرأي، والبيئة والمجتمع، والمدلولات والدَّوال؛ وأن التفكير كما كان أفلاطون يقول إنْ هو إلا كلامٌ نفسي، فمن المؤكد كذلك إنَّ الإبداع الفكري والأدبي يستند في الأساس على قوة الشعور وَدَفْقَةِ الوجدان، وأن السلام النفسي لمجتمعاتنا العربية المعاصرة لا يتحقق أبداً بلغة العنف والإرهاب.

ومن هاهنا تأتي أهمية هذه الدارسة، كما تصورناها يومئذ، في إطار فهم اللغة الصوفية خَاصَّة، وفهم معطياتها في استنباط الإشارة من العبارة عَسَانا نَقْتَرِب؛ من الوجهة الإدراكية الذوقية تحديداً، من كيفية فتح اللفظ اعتماداً على قوة الشعور فيما يتصل بأذواق أهل الإشارات، إذْ كانت هذه الأذواق مُعينة لهم على فهم تلقي المعنى بمطلق الإشارة واستخراج معانٍ ودلالات للألفاظ والاصطلاحات الصوفية من طريق الإشارة المرموزة؛ استخراجها بمعنى مختلف تماماً وفق قانون التأويل عَمَّا توحي به ظاهر الدلالة المباشرة للَّفظ، وأظهرها وأخَصَّها، كما قلنا فيما تقدم؛ هو التفسير الإشاري للقرآن الكريم يقوم على ركيزتين أساسيتين: "الإيحاء" و"الاستنباط ". فالرمز والإشارة والتأويل، مفردات تخضع للتجربة الصوفية، وتستمد مددها من فورة الحالة الروحية، من المعاناة والمنازلة وعطايا الكشف لا عطايا العقل المقيد بمقولاته المنطقية، الخاضع علي الدوام لما عساه أن يفكر فيه.

ولكن ماذا أريد أن أقول من وراء هذا التمهيد؟ وماذا يعني هذا التمهيد بالنسبة للكاتب قبل أن يعني حضرات القرّاء؟ لقد جاءت هذه الفقرات السابقة شبه تلخيص لأفكار البحث الذي تقدّم ذكر عنوانه، فلا ريب من وجود دلالة مباشرة غير مقطوعة الصلة بما يتلوها، ولا شك عندي من استحضار مرامي ذلك التمهيد، وأهمها وأخصّها هنا هو ما يقوم عليه التفسير الإشاري في ركيزتين أساسيتين، هما الإيحاء والاستنباط. وحين نقول الاستنباط  ليس ينبغي أن نفهم من الكلمة ظلالها العقلية فينصرف فهمنا لها إلى الاستنباط العقلي، ولكن المقصود هو الاستبطان الداخلي المقرّر سلفاً لفهم مدركات الحالة الروحية في بطن التجربة.

لقد ظلّت حروف القرآن في أوائل السور مجهولة لأكثر المفسّرين، لم يعط أحدهم فيها بفيصل فارق قاطع، لأنها من علم الله المحجوب، ولكن المحبين الذين عرفوه لم تخل إشاراتهم من الكشف عنها واستبطان دلالتها، واستنباط ما وقع في روع الخاطر الإيماني منها، وبالنظر إلى سياق القرآن تجدها إشارات ظاهرة الصواب، حقيقية، التخريج فيها ذوق يقوم على التجربة، هو مُفرد ضمن مفرداتها التي تشكل بناءها المعرفي، فإذا كانت التجربة تستوجب معطيات الرمز والإشارة والتأويل كونها مفردات تلامس التجربة الصوفيّة، فالتخريج بلا ريب أحد هذه المفردات التي تنفذ منها تجربة العارف بلا قيود ولا حدود؛ ليكون دعامة أساسية من دعائم عملية التواصل بين المُبدع والمتلقي. وجميع تلك المفردات: الرمز والإشارة والتأويل والتخريج، تتكئ على الذوق المعرفي ولا تتكئ على خاصيّة سواه؛ فالذوق حالة روحية تتأسس على منهجية فردية أساسها المعاناة والمنازلة والتجريب.

العجيب في الأمر أن هذه المعاني الخمسة التي هى حروف الله تتضمنها وتشتمل عليها سورة مريم؛ فالكفاية، والهداية، والإيواء، والعلم، والصدق، هذه الخمسة معاني كلها موجودة تفصيلاً وإجمالاً كمقاطع ودلالات في سورة مريم.

(فكاف الكفاية)، تحقيقٌ لمنهج الاتباع في باطن النفس الإنسانية وفي ظاهرها على السواء (أليس الله بكافٍ عبده؟)؛ فمن كفاه الله أغناه عن سواه، ومتعه بالنور الذي جاء من عنده، ووالاه بنعمه ظاهرة وباطنة، لكن شرط هذه الكفاية تحقيق المنهج في الذات المؤمنة العارفة، شرطها الإتباع، ولابن مسعود رضوان الله عليه عبارة معجزة جاء فيها:" اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم"، وهى كلمة حق يرتسم فيها وعي البطولة الروحيّة في الإسلام، ووعي الأمة التي تدين بقوله تعالي:" قد جاءكم من الله نورٌ وكتابٌ مبين"؛ ويجدرُ بها أن تتبع مع العزم والتصميم نور الكتاب المبين ونور الهدي النبوي لا فرق فيما بينهما، ثم لا تجافي ولا تشك قيد أنملة في تلك الكفاية الواعية من حيث كونها من الله، ومن حيث إن الكفاية تدل بالمباشرة على الله الكافي، والافتقار إليها ابتداعٌ في الطريق، يخالف المنهج لا محالة ويطعن في صدق المنتسبين إليه.

(وهاء - الهداية) ثقة بالله بعد تسليم وتفويض، فلن يهدي المرء في طريقه إليه سواه، ولن يروض نفسه على التسليم والتفويض إلا من وقف الهوى وقصر المحابّ عليه، وواجه الأغيار بما عنده من الثقة والطمأنينة واليقين بالله؛ لتجيء الهداية تعمل في قلبه عمل اليقين الذي لا يتطرق إليه الشك بحال. فالهداية من الإيمان بمكان بحيث تؤدي إليه ولا يقوم هو إلا بها؛ فمن آمن فقد هداه الله، ومن هداه الله إلى الإيمان فليس عليه من سواه سبيل.

أمّا (ياء - الإيواء) فاتصاله بالولاية واتصال الولاية به مرهون بالموالاة، فمن والاه الله كفله ونصره وآواه، وخصّه بكنفه أغناه عما سواه واجتباه، وأقدره على المعرفة وأقدر المعرفة عليه بالصبر عليها وبالصبر على سواه، فليس يجد من غير الله سبيلاً إلاّ سبيل الثقة وسبيل الرشاد. المسألة هنا مسألة توجُّه وتعلق، لا تقاس بمقاييس الواقعات الحسيّة، فليس من توجُّه للأغيار وليس من تعلق بسوى الله، فلا مناص فيمن يأويه الله أن يجد مراده عنده كائناً ما كان هذا المراد.

وأمّا (عين - العلم) فمقسومٌ بين العبد والرب، ومشمول الرعاية والإحاطة من جانب الحق، وموقوف على العبد إذا هو علم علم اليقين أن الله معه، والله مع الصادقين المخلصين، فالمعيّة علم محيط مشمول. لكن هذا العلم نفسه قد يكون حجاباً على صاحبه إذا لم يمسّ وحدة القصد، وإذا لم يكن خالصاً في التوجّه وفي التعلق، ولن يكون حجاباً إذا أخلص العالم وصدق في علمه وعمل به فيما لو كان العلم بالقصد طريقاً إلى الله لا مزيد عليه.

وأمّا (صاد - الصدق)  فكمال للعبد ليس فوقه كمال، وترقية لسيره في سفره الطويل الشاق، لو شاء يبلغ به العنان؛ فمن صدق فقد أخذ الطريق من نهاياتها وودع القواطع في البدايات وهى التي تعيق السير فيما لو عزّ طلب الصادقين إليها وخارت عزائمهم مع صدقهم وسلامة توجههم. فالطريق إلى الله كله صدق على صدق، وبغيره يبقى الذل والهوان عادة قريبة لا تتحصل بها مطالب العبودية ولا يتوصّل المعنى المطلوب منها.

ويلزم للصدق أن يكون الإخلاص له قريناً، ويلزم للإخلاص أن يكون الصبر له كالئاً ونصيراً، وتتلاقى هذه الثلاثة: الصدق، والصبر، والإخلاص؛ لتشكل مادة روحية حيّة تقوم في قلب الصوفي لطيفة دقيقة خفيّة، تستدنيه من الوصول إلى نهاية الطريق، وليس للطريق نهايات، لكنها هى الأغلب على شواغله اليومية والحياتية على وجه العموم.

على أن هذه المعاني: الكفاية، والهداية، والإيواء، والعلم، والصدق، فصول من حروف سطرها كتاب الله لا لتكون مجرّد حروف تلوكها الألسنة بل لتكون واقعاً ملموساً يتحقق في القلوب والبصائر ويتحوّل من حرف ساكن صامت إلى حياة حية مُعاشة في الواقع الفعلي، وهى وإن كانت صفات العمّال لله غير أنها من جانب آخر صادرة عن الأسماء الإلهية، فالكافي، والهادي، والمؤوي، والعالم، والصادق، جميعها أسماء إلهية؛ للعالم من حضراتها التجليات، وللإنسان العاقل العارف الكامل (النسخة الإلهية) على وجه الخصوص، تجلياته منها، بقدر نصيبه ممّا يصيبه، وربما فوق ما يأمل وفوق ما يظن؛ فالوقوف معها بالنصرة والإعانة من جانب الحق، وبالذكر والمناجاة والشواغل الباطنة من جانب العبد، مدعاة للتقريب لا للتبعيد لا كما يظن طلاّب الدُّون في عالم الشهوات، ظن الشبهة في العقيدة وتكييفها بمنطق الهوى لا بمنطق القصد الإلهي؛ إذ كانت تقرّب العبد من بلوغ مُناه فيما لو تتابعت مناجاته وتوالي ذكره هنالك يُعطى الطمأنينة القلبية ويتجدّد العزم المتجدّد معه في طريق الله، ولا تكاد تدع له طاقة في التفكير في غير إرادة اللقاء.

ليس هذا وحسب، بل أضداد تلك المعاني تستلزم وجودها في تصوير المقاطع الأخيرة من سّورة مريم، فسبحان من دلّ وأبصر وفقّه المحبين في كتابه دلالة وتبصرة، وعند الله المزيد من عطايا العرفان؛ فمعنى "كهيعص" عند المحبين هو كما وضّحته الرواية التي وردت ﻋﻦ ﻣﺎﻟﻚ ﺑﻦ ﺩﻳﻨﺎﺭ، رضوان الله عليه، إنه ﻗﺎﻝ:

خرﺟﺖ حاجّاً ﺍﻟﻰ ﺑﻴﺖ الله ﺍﻟﺤﺮﺍﻡ ﻓﻲ ﻋﺎﻡ ﻣﻦ ﺍلأ‌ﻋﻮﺍﻡ، فبينما أﻧﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ، ﻭإﺫﺍ ﺑﺸﺎﺏ ﻳﻤﺸﻲ ﺑﻼ‌ ﺯﺍﺩ ﻭﻻ‌ ﺭﺍﺣﻠﺔ ﻓﺴﻠﻤﺖ ﻋﻠﻴﻪ، ﻓﺮﺩ ﻋﻠﻲّ ﺍﻟﺴﻼ‌ﻡ ﻓﻘﻠﺖ: أﻳّﻬﺎ ﺍﻟﺸﺎﺏ ﻣﻦ أﻳﻦ أﻧﺖ؟ ﻗﺎﻝ: ﻣﻦ ﻋﻨﺪﻩ. ﻓﻘﻠﺖ ﻟﻪ: ﻭإﻟﻰ أﻳﻦ ﺗﺮﻳﺪ؟ ﻗﺎﻝ: إﻟﻰ ﺑﻴﺘﻪ.

ﻗﻠﺖ ﻟﻪ: ﻭأﻳﻦ ﺍﻟﺰﺍﺩ؟ ﻗﺎﻝ:ﻋﻠﻴﻪ. ﻓﻘﻠﺖ ﻟﻪ: إﻥّ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﻻ‌ ﺗﻨﻘﻄﻊ إﻻّ‌ ﺑﺎلمأﻛﻞ ﻭﺍﻟﻤﺸﺮﺏ، ﻓﻬﻞ ﻣﻌﻚ ﺷﻲﺀ؟ ﻗﺎﻝ: ﻧﻌﻢ، ﺗﺰﻭﺩﺕ ﻋﻨﺪ ﺧﺮﻭﺟﻲ ﻣﻦ ﺑﻠﺪﻱ ﺑﺨﻤﺴﺔ أﺣﺮﻑ ﻓﻘﻠﺖ: ﻭﻣﺎ هى؟

ﻗﺎﻝ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: (ﻛﻬﻴﻌﺺ)

ﻗﻠﺖ: ﻭﻣﺎ ﻣﻌﻨﻰ (ﻛﻬﻴﻌﺺ)؟

ﻗﺎﻝ: أﻣّﺎ ﻗﻮﻟﻪ ﻛﺎﻑ، ﻓﻬﻮ ﺍﻟﻜﺎﻓﻲ . ﻭأﻣّﺎ ﺍﻟﻬﺎﺀ، ﻓﻬﻮ ﺍﻟﻬﺎﺩﻱ . ﻭأﻣّﺎ ﺍﻟﻴﺎﺀ، ﻓﻬﻮ ﺍﻟﻤﺆﻭﻱ. ﻭأﻣّﺎ ﺍﻟﻌﻴﻦ، ﻓﻬﻮ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ. ﻭأﻣّﺎ ﺍﻟﺼﺎﺩ، ﻓﻬﻮ ﺍﻟﺼﺎﺩﻕ. ومن ﺻﺤﺐ كافياً ﻭﻫﺎﺩياً ﻭمؤﻭياً ﻭﻋﺎلماً ﻭﺻﺎﺩقاً ﻓﻼ‌ ﻳﻀﻴﻊ ﻭﻻ‌ ﻳﺨﺸﻰ ﻭﻻ‌ ﻳﺤﺘﺎﺝ ﺍﻟﻰ ﺍﻟﺰﺍﺩ ﻭﺍﻟﺮﺍﺣﻠﺔ.

ﻗﺎﻝ ﻣﺎﻟﻚ: ﻟﻤّﺎ ﺳﻤﻌﺖ ﻣﻨﻪ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﻼ‌ﻡ ﻧﺰﻋﺖ ﻗﻤﻴﺼﻲ لأ‌ﻟﺒﺴﻪ ﻟﻪ فأﺑﻰ أﻥ يلبسه، ﻭﻗﺎﻝ ﻳﺎ ﺷﻴﺦ: ﺍﻟﻌﺮي ﺧﻴﺮٌ ﻣﻦ قميص، فاﻟﺪﻧﻴﺎ ﺣﻼ‌ﻟﻬﺎ ﺣﺴﺎﺏ ﻭﺣﺮﺍﻣﻬﺎ ﻋﻘﺎﺏ. ﻭﻛﺎﻥ إﺫﺍ ﺟﻦّ ﺍﻟﻠﻴﻞ ﻳﺮﻓﻊ ﺭأﺳﻪ ﻧﺤﻮ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ، وﻳﻘﻮﻝ: ﻳﺎ ﻣﻦ ﻻ‌ ﺗﻨﻔﻌﻪ ﺍﻟﻄﺎﻋﺎﺕ، ﻭﻻ‌ ﺗﻀﺮُّﻩ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﻲ، ﻫﺐ ﻟﻲ ﻣﺎ ﻻ‌ ﻳﻨﻔﻌﻚ، ﻭﺍﻏﻔﺮ ﻟﻲ ﻣﺎ ﻻ‌ ﻳﻀﺮﻙ.

ﻓﻠﻤّﺎ ﺃﺣﺮﻡ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻭﻟﺒّﻮﺍ ﻗﻠﺖ ﻟﻪ: ﻟﻢ ﻻ‌ ﺗﻠﺒﻲ؟ ﻗﺎﻝ ﻳﺎ ﺷﻴﺦ: أﺧﺎﻑ أﻥ أﻗﻮﻝ ﻟﺒﻴﻚ، ﻓﻴﻘﻮﻝ لي، ﻻ‌ ﻟﺒﻴﻚ ﻭﻻ‌ ﺳﻌﺪﻳﻚ لن‌ أﺳﻤﻊ ﻛﻼ‌ﻣﻚ ﻭﻻ‌ أﻧﻈﺮ إﻟﻴﻚ ! ﺛﻢ ﻣﻀﻰ ﻋﻨﻲ ﻭﻏﺎﺏ ﻋﻦ ﺑﺼﺮﻱ ﻓﻤﺎ ﺭﺃﻳﺘﻪ إﻻّ‌ ﺑﻤﻨﻰ ﻭﻫﻮ ﻳﺒﻜﻲ ﻭﻳﻘﻮﻝ ﺷﻌﺮاً للحسين بن منصور الحلاج:

(إﻥّ ﺍﻟﺤﺒﻴﺐ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺮﺿﻴﻪ ﺳﻔﻚ ﺩﻣﻲ

ﺩﻣﻲ ﺣﻼ‌ﻝ ﻟﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻞّ ﻭﺍﻟﺤﺮﻡ

ﻭﺍلله ﻟﻮ ﻋﻠﻤﺖ ﺭﻭﺣﻲ ﺑﻤﻦ ﻋﺸﻘﺖ

ﻗﺎﻣﺖ ﻋﻠﻰ ﺭأﺳﻬﺎ ﻓﻀﻼ‌ً ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﺪﻡ

ﻳﺎ ﻻ‌ﺋﻤﻲ ﻻ‌ ﺗﻠﻤﻨﻲ ﻓﻲ ﻫﻮﺍﻩ ﻓﻠﻮ

ﻋﺎﻳﻨﺖ ﻣﻨﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﻋﺎﻳﻨﺖ ﻟﻢ ﺗﻠﻢ

ﻳﻄﻮﻑ باﻟﺒﻴﺖ ﻗﻮﻡ ﺑﺠﺎﺭﺣﺔ

ولو بالله ﻃﺎﻓﻮﺍ ﻷ‌ﻏﻨﺎﻫﻢ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﺮﻡ

ﻟﻠﻨﺎﺱ ﺣﺞٌ، ﻭﻟﻲ ﺣﺞٌ ﺇﻟﻰ ﺳﻜﻨﻲ

ﺗﻬﺪى الأ‌ﺿﺎﺣﻲ ﻭأﻫﺪﻱ ﻣﻬﺠﺘﻲ ﻭﺩﻣﻲ)

ﺛﻢ ﻗﺎﻝ: ﺍﻟﻠّﻬﻢ إﻥّ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺫﺑﺤﻮﺍ ﻭﺗﻘﺮﺑﻮﺍ إﻟﻴﻚ ﺑﻀﺤﺎﻳﺎﻫﻢ ﻭﻫﺪﺍﻳﺎﻫﻢ، ﻭأﻧﺎ ﻟﻴﺲ ﻟﻲ سوى نفسي أﺗﻘﺮّﺏ بها إﻟﻴﻚ، ﻓﺘﻘﺒﻠﻬﺎ ﻣﻨﻲ ﺛﻢ رفع بصره إلى السماء وهو يبكي ثم ﺷﻬﻖ ﺷﻬﻘﺔ وخر ميتاً ﺭﺣﻤﻪ ﺍلله ﺗﻌﺎﻟﻰ، ﻓﺠﻬﺰﺗﻪ ﻭﻭاﺭﻳﺘﻪ التراب.

وﺑﺖ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻠﻴﻠﺔ ﻣﺘﻔﻜﺮﺍً ﻓﻲ ﺃﻣﺮﻩ، ﻓﺮﺃﻳﺘﻪ ﻓﻲ المنام ﻓﻘﻠﺖ ﻟﻪ: ﻣﺎ ﻓﻌﻞ الله ﺑﻚ؟ ﻗﺎﻝ: ﻓﻌﻞ ﺑﻲ ﻛﻤﺎ ﻓﻌﻞ ﺑﺸﻬﺪﺍﺀ ﺑﺪﺭ ﻭﺯﺍﺩﻧﻲ. ﻗﻠﺖ: ﻟﻢ ﺯﺍﺩﻙ ؟!

ﻗﺎﻝ: ﻷ‌ﻧﻬﻢ ﻗﺘﻠﻮﺍ ﺑﺴﻴﻮﻑ ﺍﻟﻜﻔﺎﺭ، ﻭﺃﻧﺎ ﻗﺘﻠﺖ ﺑﻤﺤﺒّﺔ ﺍﻟﺠﺒﺎﺭ..(انتهى)

وواضح أن الرواية على طولها تفيد حقيقة التوكل الذي يقترن بحقيقة التوحيد، إذ الموحّد الحق هو المتوكل الحق، وهو المتوكل في نفس الحال على الحق، لا على الأسباب أيّا كانت أو كائنة ما كانت. هذا الامتلاء المعرفي بشهود الله يخرق جميع الأسباب؛ ليرى الحق من خلف حجاب السبب. وتلك الرؤية هى المعتادة لدى العارفين الخُلّص. أمّا المحجوبون بحجاب السبب، فشأنهم التسبُّب لا التجرُّد، والفرق بينهما واسع في المعنى واسع في دلالة التخريج.

لم يكن التوكل الذي ينشده المشاهدون للنور الإلهي، بمنأى عن المعرفة ولا عن الفناء في التوحيد ولا عن المحبة الإلهية ولا عن الموالاة لله كأرقى ما تكون المُوالاة وكأفضل ما تجئ المصافاة. فلا يتوكل على الله حق توكله إلا عارف به حق معرفته. واتصال المعرفة بحقيقة التوكل جانب حيوي مثير من عمل التجربة الروحية لا مناص من تقريره ولا مدفع في نكرائه؛ فمن يعرف الله يتوكل عليه ويدع حُجب الأسباب لمن يجهله أو يتدرج في معرفته من الأدنى إلى الأرقى على طريق العرفان. وحقيقة المعرفة نور تنكشف معه بصيرة العارف فيتجرّد ليرقي إلى الفناء في التوحيد، وهو غاية المرام. ومادام العارف في تجربة الفناء فهو المتجرّد الذي لا يحجبه السبب، ولكن يرى الله من خلف حجاب الأسباب.

وعليه؛ فالتوكل ممدود الأواصر بالمعرفة وبالفناء في التوحيد، يتأكد هذا الوعي العالي خلال التجربة الصوفية لاتصال الحالات المعرفية بعضها ببعض في جوف التجربة نفسها، ولا يلزم تفريق تلك الحالات أثناء التجربة ذاتها لأنها تمثل وحدة شهودية عزيزة المنال يختلط فيها التوكل مع التوحيد وتتشابك المعرفة مع المحبة مع الولاية في حضرة إلهية قائمة في وعي العارف العالي، ومنها تصدر أقواله التي قد يُساء أحياناً فهمها أو يساء تأويلها من قبل الوعي العادي؛ إذ يستعمل الرمز أو يستخدم الإشارة فيكون التأويل ضرورة تخريجية لعبارات لم تكن مألوفة لدى غير العارفين ممّن لم يعانوا معاناتهم ولم يذوقوا أذواقهم ولم تأخذهم التجربة مثل هذا المأخذ العميق في مراقي الشهود.

اختزال المعنى في إشارة معمّقة بديلاً عن العبارة المفصلة يوحي من أول وهلة بمعاناة هذه الأحوال التي تلتمس داخل مراجل التجربة الصوفية تغلي وتفور، وبمثل هذا الفوران القاهر تحت حكم الحال تجئ المحبة موصولة القربة بالتوكل، فالمحبّ لا يستطيع التعبير عن مواجيده وأذواقه تعبيراً مباشراً بلغة عادية مفهومة ليس عليها التباس. ولكن التباس الدلالة لا يفسّر في ضوء ما هو مفهوم منظور بل في إطار الحالة المرموز إليها، ولغة الحب بالبداهة غير لغة المنطق أو لغة العقل. لغة الحبّ مسكونة بمجالي المحبوب وبتجلياته على قلب المُحب فلا يقال فيها ما من شأنه أن يقال على لغة العقل ولا تعالج بمثل المعالجة التي يعالج بها المنطق قضاياه.ّ للمحبة غصّة روحيّة ممزوجة بالشوق إلى الملأ الأعلى ليس يشبهها القتل بسيوف الكفار، ولكنها مع ذلك قد تقتل صاحبها حباً في لقاء الجبار كما جاء في رواية مالك ابن دينار.

هذا القتل والتهتك وخلع الأعذار وما يصاحب ذلك كله من خلفيات هو نتيجة تتلبس فيها الحالة الروحية بمشهدها الرؤيويّ وعليها غلاف سميك من الإستسرار فلا يقيسها قياس العقل أو قياس المنطق إلا أفسد بناءها المعرفي من جهة الشكل ومن جهة المضمون. فلابد ممّا ليس منه بدُّ: من مقياس صالح يُبقي الفهم المشروع لتلك الحالات ويحفظ لها توهُّجها في الشعور ويقيسها بمنطق آخر هو منطق البصيرة ومنطق الوجدان، وإنما الاقتصار على عقلنة الإنسان وكفى، وأخذ جميع أنشطته وإبداعاته المعرفية على إنها من نتاج العقل وحده هو في الوقت نفسه تهميش لجانب حيوي مهم في حياته، وتسطيح لنشاطه الفاعل وحجب لقضاياه المصيرية واهتماماته الروحية، ليس عقلاً وحده هو ذلك الإنسان، بل هو المجهول الذي لم يعرف رغم تقدّمه العلمي حقيقة نفسه، فلا يزال مع التقدم العلمي جاهلاً بنفسه جاهلاً بما يُصلحها لم يتقدّم في معرفتها ولا في الإحاطة بها بعض التقدم الذي أحرزه العلم في كشوفاته الكونيّة.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

عامر صالحيرتبط الأصلاح التربوي بالأصلاح السياسي؛ وقد يبدو من العبث الحديث عن اصلاح العملية التربوية والتعليمية في العراق دون ان تسبقه خطوات جدية في اصلاح المنظومة السياسية العامة؛ والتي تنعكس بدورها في اصلاح العملية التربوبة والتعليمية عبر رسم ملامح فلسفة تربوية لقطاع التربية والتعليم؛ قوامها الاستجابة الأكيدة للمنجزات العلمية والتقنية التي تفرزها ظروف العصر المعلوماتي المتغير دون انقطاع الى جانب الاستجابة الماسة الى حيثيات التغير الجارية في المجتمع العراقي؛ من الحاجة الى صنوف التخصصات والمهارات العالية والوسطى والعمالة الماهرة الى جانب اعادة النظر في المنظومة القيمية والأخلاقية بعيدا عن قيم الدكتاتورية والعبادة الشخصية والتزلف والانتهازية الاخلاقية.

لقد اثار قدوم السلطات "التربوية" في العراق على التغير والعبث في المناهج الدراسية في مختلف المراحل التعليمية وفي مختلف المحافظات الكثير من الجدل والقلق المشروع لدى الأوساط المتخصصة التربوية منها والشعبية والحريصة على هذا القطاع وتطوره المستقبلي؛ حيث أن الشكوك تطال إلى آليات التغير ومحتواه؛ وعلى ما يبدو فان عمليات التغير تهدف إلى مزيدا من التخندق الطائفي والاثني والعرقي عبر نصوص وممارسات منحازة؛ تنح بقراءة مكررة ومعسولة للتاريخ بهدف إحياء الميت منه لأغراض تشديد قبضة الصراع الطائفي والعرقي؛ وأحياء للفكر و للحركات الماضوية التي عفي عليها الزمن؛ والتي لا يمكن القبول بها في بلد يطمح إلى بناء قيم التسامح والديمقراطية والتعددية؛ وإعادة بناء فكرة  المواطنة على أسس معاصرة؛ بعد أن مسخها النظام السابق بفكرة الولاء للقائد أولا ثم الوطن في الآخر.

واستنادا إلى أهمية المنهج التربوي باعتباره العنصر الأساسي في العملية التربوية والتعليمية؛ والذي يقرر إلى درجة كبيرة محتوى هذه العملية وجودتها وكفاءة مخرجاتها من التلاميذ والطلبة في مختلف المراحل والقنوات التعليمية؛ فقد عكفت النظم العالمية والديمقراطية منها بشكل خاص على الاهتمام  بتطوير المنهج وأغناء  محتواه؛ لكي يستجيب لظروف الحياة المتغيرة في مختلف الحياة؛ الاقتصادية؛ والاجتماعية؛ والثقافية؛ والتكنولوجية وكل مستجدات عصرنا المتسارع بدون انقطاع ؛ وخلق خريجين على مستوى عالمي من الجودة؛ وبالعكس من ذلك فقد قامت النظم المستبدة والمتخلفة على توظيف المنهج لأغراض فئوية ضيقة؛ سياسية ودينية وطائفية وشوفينية بهدف إعداد مواطن موالي لنظام سياسي أو لدين ما أو لطائفة بعينها أو لقومية دون أخرى؛ وخلق مواطن لا يفقه قيمة النقد للظواهر الحياتية المختلفة؛ تسهل قيادته بمختلف الاتجاهات؛ كما فعل النظام السابق المقبور عندما قاد البلد إلى مختلف الكوارث الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والحروب المدمرة؛ وقد اعتمد بذلك على تسييس المنهج الدراسي وتشويه محتواه بما يخدم أغراض توجه النظام وعدوانيته في الداخل والخارج؛ من خلال إعداد عقليات مطابقة لمنظومته القيمية الفاسدة.

أن المنهج الدراسي أو التربوي في سياق حديثنا لا يقصد به المفهوم التقليدي للمنهج؛ والذي يقصد به المقررات الدراسية " الكتب " التي تقدمها المدرسة أو الجامعة لدارسيها؛ بل المقصود به؛ وكما هو متعارفا عليه عالميا ومحليا " بالمنهج الحديث؛  الذي يمكن تعريفه بأنه: " مجموعة الخبرات التربوية التي تهيؤها المؤسسة التعليمية والتربوية لدارسيها سواء داخلها أو خارجها وذلك بغرض مساعدتهم على النمو الشامل المتكامل؛ أي النمو في كافة الجوانب العقلية والثقافية والدينية والاجتماعية والجسمية والنفسية والفنية نموا يؤدي إلى تعديل سلوكهم ويكفل تفاعلهم بنجاح مع بيئتهم ومجتمعهم وابتكارهم حلول لما يواجههم من مشكلات ".والمنهج بهذا المفهوم يعني ما يأتي:

1ـ إن المنهج يتضمن خبرات مربية وهي خبرات مفيدة تصمم تحت إشراف المدرسة لإكساب الدارس مجموعة من المعلومات والمهارات والاتجاهات والسلوكيات المرغوبة.

2ـ إن هذه الخبرات تتنوع بتنوع الجوانب التي ترغب المدرسة في إحداث النمو فيها ولا تركز على جانب واحد فقط من جوانب النمو كما هو الحال في المنهج الكلاسيكي.

3ـ إن التعليم هنا يحدث من خلال مرور المتعلم بالخبرات المختلفة ومعايشته ومشاركته في مواقف تعليمية متنوعة؛ أي أن التعليم هنا هو تعليم خبري.

4 ـ أن بيئة التعلم لا تقتصر على حجرة الدراسة أو ما يدور داخل جدران المدرسة؛ في المعامل أو الملاعب أو الفناء؛ بل تمتد بيئة التعلم إلى خارج المدرسة فتشمل المصنع؛ والحقل والمعسكرات؛ وغيرها وهذا يتضمن تعرض الدارس للخبرات المتنوعة بنوعيها المباشر وغير المباشر.

5 ـ إن الهدف الذي يسعى إليه المنهج عن طريق هذه الخبرات هو النمو الشامل المتكامل للمتعلم والذي يؤدي إلى تعديل سلوكه أي إلى تعلمه؛ وحصيلة هذا التعلم تساعد على تفاعل المتعلم بنجاح مع البيئة والمجتمع.

6 ـ إن تفاعل المتعلم بنجاح مع البيئة والمجتمع يعني انه يتأثر بما يحدث فيها ويؤثر فيها أيضا والمقصود بتأثير الفرد في البيئة والمجتمع هو استخدام المتعلم لعقله في مواجهة التحديات والمشكلات التي توجد في بيئته ومجتمعه ومحاولة التغلب عليها وحلها؛ لذا أصبحت تنمية قدرة المتعلم على المشكلات هدفا مهما من أهداف المنهج.

7 ـ في عالم سريع التغير كعالمنا الذي نعيش فيه لا يكفي حل واحد للمشكلة المطروحة؛ بل هناك ضرورة لابتكار بدائل لهذا الحل لاختيار المناسب فيها وفق الظروف المتغيرة والأفكار المتاحة؛ لذا أصبح تنمية ابتكار المتعلم هدفا هاما من أهداف المنهج ينبغي إعطاءه الأولوية له من بين الأهداف الأخرى التي يسعى إليها المنهج.

ومن منطلق شمولية المنهج لأغلب جوانب الحياة؛ فأن الدول الديمقراطية تسعى بكل جهودها لتطوير المناهج في مختلف المجالات؛ والتركيز على فكرة بناء المواطن الصالح من خلال توعيته بفكرة المواطنة؛  من خلال تعريف الدارس المواطن بالمفاهيم الأساسية للمواطنة وخصائصها؛ مثل: مفهوم الوطن؛ والحكومة؛ والنظام السياسي؛ والمجتمع ومؤسساته المدنية؛ ومفهوم الديمقراطية الحق؛ والمشاركة السياسية وأهميتها؛ والمسؤولية الاجتماعية ومظاهرها؛ وضرورة الاحتماء بالقانون؛ واحترام الدستور؛ وضرورة الوعي بالحقوق والواجبات اتجاه الدولة والمجتمع؛ وغيرها من المفاهيم المعاصرة للمواطنة الصالحة وأسسها.وبالضد من ذلك فأن الحكومات القمعية والاستحواذية والطائفية والعرقية تسعى لتشويه فكرة المواطن والمواطنة؛ من خلال غرس قيم الولاء للحزب الحاكم؛ أو الولاء للطائفة أو للدين أو للقومية دون الوطن الذي يجمع كل هذه المكونات في بوتقة واحدة؛ فالوطن هو الحامي والحارس الأمين لكل هذه المكونات عبر تعزيز ثقافة التسامح والولاء للقانون وللدولة صاحبة الشأن في المجتمعات الديمقراطية؛ دون العبث بجغرافية وسياسة واثنية وأديان الوطن الكبير. وتشمل فكرة المواطنة من خلال المنهج الدراسي الحديث الأبعاد الآتية:

1ـ البعد المعرفي ـ الثقافي: حيث تمثل المعرفة عنصرا أساسيا وجوهريا في نوعية المواطن الذي تسعى إلى بناءه مؤسسات المجتمع السليم والمعافى؛ وهذا لا يعني أن المواطن الأمي ليس مواطنا يتحمل مسؤولياته ويدين بالولاء للوطن؛ ولكن المعرفة والثقافة والتعليم وسائل توفر للمواطن فرص لبناء مهاراته وكفاءاته التي يحتاجها في معترك الحياة؛ كما أن التربية الوطنية والتعليم تنطلق من ثقافة الناس مع الأخذ بنظر الاعتبار الخصوصيات في التنوع الثقافي للمجتمع.

2ـ البعد ألمهاراتي: ويقصد به المهارات الفكرية والعقلية مثل: التفكير النقدي والقدرة على ممارسة النقد والنقد الذاتي؛ والتحليل الموضوعي لمختلف الظواهر الاجتماعية والسياسية؛ والقدرة في المحاولة على حل المشكلات أو إدراك أولي لماهية الحلول؛ حيث أن المواطن الذي يتمتع بهذه المقدرة يستطيع التميز بين الطالح والصالح من الأمور ويكون أكثر عقلانية ومنطقية فيما يفعل أو يقول دون الانسياق وراء التجمعات أو الشلل التي تحول فردية الإنسان إلى حشد قطيعي؛ اقرب جدا إلى الحيوان منه إلى الإنسان .

3ـ البعد الاجتماعي: ويقصد به خلق الكفاءة الاجتماعية لدى الدارسين ـ المواطنين في التعايش مع الآخرين من مختلف الفئات الاجتماعية وتنمية روح التسامح ولغة التواصل مع مختلف المكونات القومية والاثنية في الوطن الواحد والتعايش معهم بسلام؛ بعيدا عن استخدام لغة الإكراه والتميز والإقصاء والفرقة والكراهية .

4 ـ البعد ألانتمائي: ويقصد به البعد الوطني وما يترتب عليه من غرس انتماء الدارسين لثقافتهم ولمجتمعهم ولوطنهم؛ وتعزيز ثقافة المصلحة العليا للوطن بعيدا عن التشرذم الجغرافي ـ الطائفي والقومي والديني؛ وإحلال ثقافة المسؤولية العليا اتجاه الوطني ومصيره؛ وحمايته من التدخلات الخارجية وأخلاق التفكك الداخلي.

5ـ البعد ألقيمي والديني؛ مثل: إشاعة قيم التسامح والعدالة والمساواة والحرية والديمقراطية بين مختلف الأديان السماوية وغير السماوية؛ وتكريس مبادئ عدم المساس بمقدسات الأقلية الدينية وتوفير الفرص اللازمة للتعبير عن نفسها في إطار وجودها الجغرافي دون إرهاب أو ابتزاز أو ارتهان أو عمليات إرهابية جبانة تطال هؤلاء بفعل ضعف إمكانيتهم في الدفاع عن أنفسهم.

6 ـ البعد الجغرافي ـ المكاني: وهو الإطار المادي والإنساني  الذي يعيش فيه المواطن؛ أي البيئة المحلية يتعلم فيها ويتعامل مع أفرادها؛ وليست فقط من خلال النصائح والمواعظ  داخل غرفة الصف؛ بل من خلال المشاركة التي تحصل في البيئة المحلية والتطوع في العمل البيئي؛ ومن خلال ربط هذه النشاطات بالبيئة الأكبر "الوطن" من ناحية القيم والأهداف المرجوة من كل نشاط؛ وعدم الاعتكاف فقط في البيئة الأصغر التي تحجر عقل الدارس وتسهل مراوحته كالصنم في محل إقامته. 

وتحتل عملية تطوير المناهج الدراسية في العراق أهمية استثنائية في ظروف التغير المنشود بعد 2003 وخاصة في نطاق المناهج الإنسانية؛ بعد ما أصاب المنظومة القيمية والتربوية والاجتماعية من تدهور وتحلل وتفسخ في ظل النظام السابق؛  ساق شعبنا إلى مختلف الكوارث الإنسانية والحروب؛ تلتها سنوات من التمترس الطائفي والديني والعرقي؛ أدت إلى أن يكون الوطن ضحية لجلاديه في الداخل والخارج؛ وكأن شعار العداء للوطن أولا هو محك الولاء للمواطنة البغضاء؛ ومن هنا نذكر الحريصين على العراق ولحمته؛ و لكي يكون العراق وطنا صالحا للجميع؛ وليست أرضا خصبة للإرهاب والتهجير والهجرة؛  اليوم وغدا؛ ولكي نمنع من ولادة أجيال قادمة من الإرهابيين؛ فأن البدء بإصلاح وتطوير المناهج الدراسية هو المدخل الأساسي وصمام الأمان لأجيالنا القادمة وللحفاظ على الديمقراطية الناشئة التي هي وقف التنفيذ؛ وبعيدا عن الارتجال والتحزب والطائفية والعرقية؛ ومن هنا تأتي أهمية الحفاظ على أجيالنا عبر اعتماد الأسس العلمية والمهنية والمعتمدة عالميا في تطوير المناهج الدراسية؛ ولعل أبرزها ما يأتي:

 

1ـ التكامل بين مؤسسات المجتمع المعاصر:

إن التطوير الشامل والمستمر للمنهج يستدعي التكامل بين مؤسسات المجتمع؛ بما تتضمنه من موارد بشرية ومادية متنوعة ؛ ولكي تتكامل مؤسسات المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية؛ ومن ثم تسهم في دفع عجلة التنمية بالمجتمع؛ في بلد توقفت فيه التنمية منذ عقود كالعراق؛ فأن هذه المؤسسات مطالبة وبحكم ارتباطها بما يجري حولها في المجتمع؛ بتقديم خبراتها وتوجيهاتها العلمية والفنية ووجهات نظرها حول تحديث المناهج وتطويرها بصورة علمية؛ والابتعاد عن الارتجال الذي يعبث في المنهج ويحصره بأهداف أنانية ضيقة؛ فأن العمل الجماعي كفيل بدفع عجلة التنمية في المجتمع بعد وضوح الأهداف من التطوير.

2 ـ الاستفادة من التقدم العلمي التكنولوجي الحديث:

لقد حقق التقدم التكنولوجي والعلمي الكثير من الانجازات وأضاف الكثير من الوسائل التكنولوجية الحديثة؛ التي يمكن الاستفادة منها في إعداد وتخريج مواطنين على مستوى عالي من الجودة والكفاءة والتأهيل لمواجهة تحديات العصر؛ ومن هذه الوسائل: الإذاعة؛ والتلفاز؛ والأقمار الصناعية؛ وشبكة الانترنت؛  والكمبيوتر؛ وهذه وسائل وأدوات تكنولوجية تساعد في الحصول على البيانات والإحصاءات والمعلومات من مصادرها الأولى والمتنوعة. ومن الوسائل التكنولوجية التي يمكن الاستفادة منها في العملية التربوية والتعليمية ولتطوير المنهج هي: استخدام التلفزيون التربوي؛ المواد المطبوعة؛ وأشرطة سمعية؛  وشرائح ضوئية؛ وأفلام ثابتة؛ وبرامج الحاسوب الآلي؛ وهذه الوسائل إن أحسن إتقانها واستخدامها والإفادة منها فسوف ترفع من مستويات الأداء والكفاءة لدى الدارسين والكادر التربوي والتدريسي بشكل عام؛ وتسهم في معالجة الكثير من المشكلات التعليمية. وفي ظروف العملية التربوية في العراق حيث حرم قطاع التربية والتعليم كما هو الحال في مختلف مجالات الحياة من ثمرة التقدم العلمي والتكنولوجي واستخدامه لأغراض سلمية؛ فنحن اليوم بأمس الحاجة لتضمين العملية التربوية والتعليمية بهذه المنجزات التي لا يمكن الاستغناء عنها.

3 ـ الاستفادة من التدفق ألمعلوماتي في مختلف المجالات:

لقد حرم العراق ولعقود من التدفق ألمعلوماتي السلس؛ ومن  كل جديد في العملية التربوية نتيجة لعزلة النظام السابق عن العالم ومخاوفه من الانفتاح المعرفي والمعلوماتي على العالم؛ مما أوقع البيئة التربوية في نمطية مستديمة؛ وهو بالضد من النمو السريع لوسائل الاتصال؛ والتوسع في استخدامها؛ وتقدم تكنولوجيا المعلومات؛ ولهذا فمن الضروري عند تطوير المناهج الاستفادة من التدفق ألمعلوماتي في المجالات المختلفة والأخذ بسمات العصر وانجازاته المتعددة لكي يستطيع المنهج استيعابها وترجمتها إلى أهداف تربوية تستجيب لظروف الحياة المتجددة والتخلص من الأمية الحضارية.

4 ـ الاستثمار الأمثل للموارد المالية:

إن عملية تطوير المناهج تتطلب المزيد من الموارد المالية؛ وهذه الموارد يمكن الاستفادة منها في العديد من المجالات؛ مثل إقامة المباني المدرسية الحديثة والمتطورة وتجهيزها بأحدث الأجهزة والمعدات؛ وتأليف الكتب الدراسية الحديثة وطبعها؛ ونشر شبكة المكتبات المدرسية قي مختلف أنحاء العراق؛ في المدن والأرياف والقصبات؛ وتزويدها بكل ما يلزمها من كتب ومراجع ودوريات علمية وتربوية ووسائل تقنية وغيرها؛ ولا يعقل أن في العراق اليوم الآلاف من مدارس الطين والقصب في ظل إمكانيات نفطية ـ مالية يسرق منها العدو والصديق؛ والعمل كذلك على زيادة الرواتب والحوافز المادية للقائمين على العملية التربوية من قيادات وكادر تدريسي؛ والإنفاق على الدورات التدريبية وإعادة التأهيل للكادر التربوي وتنميته مهنيا وتربويا؛ ولذا فأن عملية تطوير المناهج تستدعي مزيدا من الإنفاق على قطاع التربية والتعليم؛ شريطة أن يرتبط ذلك بتجفيف مصادر الفساد وسرقة المال العام ووضع حد للتزوير الذي فاق التصورات في هذا القطاع.

5 ـ الاستفادة من التجارب العالمية المعاصرة:

عند تطوير المناهج الدراسية يجب الأخذ بنظر الاعتبار إن النظام التربوي في العراق لا يسبح في فضاء منعزل عن التجارب التربوية والخبرات العالمية؛ خاصة ونحن في الألفية الثالثة وفي ظروف الانفتاح والعولمة وما يصاحبها من تداعيات اقتصادية؛ وثقافية؛ واجتماعية؛ وإيديولوجية؛ لم يعد العالم كما عهدناه فيما مضى؛ شئنا أم أبينا؛ مغلق بحدوده الجغرافية؛ فالعراق اليوم منفتح على العالم الخارجي أكثر من أي وقت مضى؛ وعليه الاستجابة المرنة لأفضل ما ينتجه العالم من نظريات وأفكار جديدة في ميادين التربية والتعليم لاحتوائها عند تطوير المنهج؛ مع الأخذ بنظر الاعتبار خصوصية العراق وأهدافه الوطنية الكبرى في قطاع التربية والتعليم.

6 ـ الاستثمار الأقصى للموارد البشرية:

إن عملية تطوير المناهج الدراسية تستدعي المشاركة الفعالة من قبل جميع الأفراد ذوي الصلة في عمليات التطوير؛ من خبراء؛ ومتخصصين؛ وقيادات تربوية؛ ومربين؛ وفنيين؛ ودارسين؛ وحتى مواطنين عاديين وغيرهم؛ فالخبراء والمتخصصون هم الفئة التي تقود عمليات التطوير وتقوم بالدور الرئيسي فيها؛ وهؤلاء يعملون في تخطيط المناهج والبرامج؛ وفي تقويم الجوانب المختلفة للعملية التربوية؛ وفي تأليف الكتب الدراسية؛ وفي إعداد المربي وتدريبه؛ وفي إجراء البحوث اللازمة؛ إلى جانب القياديين التربويين بمختلف مستوياتهم فهم يلعبون دورا رئيسيا في إنجاح عمليات التطوير؛ وكذلك المربين باعتبارهم طرف مهم في العملية التربوية؛ إلى جانب الدارسين وهم المستهدفين من عمليات التطوير جملة وتفصيلا؛ والفنيين الذين يقررون كفاءة الأجهزة التعليمية المختلفة؛ وكلفتها؛ وصيانتها؛ وإصلاحها؛ وتشغيلها وكذلك المواطن العادي الذي قد تكن لديه آراء مختلفة عن العملية التربوية؛ وهذه الآراء يجب دراستها وتمحيصها وإفراز الصالح منها في ضوء أهداف العملية التربوية. إن العراق اليوم محتاج إلى هذا الجهد الجماعي الكبير بعد سنوات الإهمال في تطوير المنهج؛ بعيدا عن الانفراد والاستحواذ من قبل الجهات السياسية التي تسيطر على مركز القرار؛ والتي ترغب في" تطوير " المناهج على خلفية مزاج ديني أو طائفي أو اثني بعيدا عن الفهم الصحيح والعلمي لمفهوم تطوير المنهج والارتقاء به.

قد تكون ملاحظاتي هذه هي ملاحظات رؤوس اقلام في بلد لازال بعيدا عن الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي؛ في بلد لم تستقر فيه العملية السياسية على أسس واضحة؛ وفي بلد تتجاذبه الصراعات الدينية والطائفية والاثنية؛ وفي خضم تلك الصراعات تتهاوى افضل فلسفات الاصلاح التربوي والتعليمي. ان استقرار العراق سياسيا وتعزيز الديمقراطية السياسية كوسيلة لتداول الحكم وبما يفرز نهجا واضحا في الحكم والمعارضة تتنوع فيه الرؤى الفلسفية الاصلاحية في كافة الميادين بما يسهم اخراج العراق من ازمته بما فيه ازمة قطاع التربية والتعليم؛ وعدا ذلك فأن الحديث عن الاصلاح يبقى في اطار المتعة العقلية والمعرفية لألتماس افق المستقبل نظريا؛ ولعل في محاولاتنا أن تلقى آذانا صاغية من قيادات البلد المشحون بصراعات المصالح الشخصية بعيدا عن مصلحة الوطن.

 

د. عامر صالح 

 

حسين سرمك حسنوكيف شوّه الأغريق منجزات الطب العراقي القديم

أكملتُ قبل أيام كتابي "موجز تاريخ الطب العراقي القديم والطب العربي الإسلامي" وهدفي الأساسي منه هو أن يكون كتاباً يُدرس لطلبة الصفوف الأولى من كليات الطب في جامعات عراقنا الحبيب، فقد أنهينا الدراسة في كلية الطب بجامعة بغداد نهاية السبعينات ونحن نعرف كل شيء عن الطب الغربي ولا نعرف اي شيء عن الطب العراقي القديم والطب العربي الإسلامي بمتجزاتهما المذهلة التي ظلت تُدرّس في أوروبا حتى نهاية القرن التاسع عشر ناهيك عن سرقة الكثير من هذه المنجزات ونسبتها إلى أطباء غربيين كما يثبت الكتاب.

المهم أتمنى على السيّد وزير التعليم العالي والبحث العلمي النظر في تدريس هذا الكتاب لطلبة الصفوف الأولى من كليات الطب والذي كُتب بلغة ورُتّب بطريقة مُبسّطة برغم المعارف الطبية المذهلة التي ضمّها. وقد عزّزته بالصور واللوحات الزاهية من أمهات المصادر الغربية والمخطوطات الاسلامية القديمة لتزيد من ثراء محتواه مثلما تجعله مشوّقاً للقراءة ومتعة لعين القارىء.

وخلال اشتغالي على هذا الكتاب صدمني الظلم والتجنّي بل الكذب والتلفيق الصريح الذي قام به "هيرودوتس" الملقب بـ "أبو التاريخ" في تشويه الطب العراقي القديم ناهيك عن أنّه لم يقم بزيارة العراق (وبابل تحديداً)!! مثلما وجدت بعض الآراء المنصفة لباحثين غربيين يكشفون أبعاد التشويه الذي قام به الأغريق لمنجزات الحضارة العراقية القديمة وهو فقرة من موسوعة مقبلة مهمة عن حضارات بلاد الرافدين القديمة أشتغل عليها في الوقت الحاضر.

لنراجع أوّلا بعضا من منجزات ومعجزات الطب العراقي القديم ثم نتناول أكاذيب وتلفيقات "أبو التاريخ" ؛ هيرودوتس.

* من المنجزات والمعجزات الرافدينية الباهرة في الطب العراقي القديم

- بطارية بغداد أوّل بطارية كهربائية تُستخدم للتخدير الجلدي وتسكين الألم في التاريخ.

تُعتبر بطّارية بغداد أوّل بطارية كهربائية في التاريخ يُعتقد أنها كانت تُستخدم للتخدير الجلدي وتسكين الألم بطريقة مماثلة للإبر الصينية. صُنعت في العراق في بلاد " سومر"، في حوالي 2000 قبل الميلاد، وجاءت قبل أكثر من ألف سنة من اكتشاف أي بطاريات.

- أول طبيب في التاريخ

في العراق ؛ في بلاد سومر، وفي خلال الألف الثالث قبل الميلاد، كان هناك طبيب اسمه " لولو " يمارس الطب في مدينة " أور " في زمن متقادم العهد في حدود 2700 ق . م .

وفي لوحة وُجدت في (لجش) تعود إلى تاريخ مقارب ورد ذكر للآلات الجراحية وطريقة تحضير بعض الأدوية موقعة من طبيب اسمه (أورد كاليدينا) وقد يكون هذا أول اسم مُسجل لطبيب في التاريخ.

- أقدم كتاب طبّي في التاريخ

إنّ أقدم ما كتب في الطب فهي لوحة (نيبو) التي يعود تاريخها إلى نهاية الألف الثالث قبل الميلاد، ولهذه اللوحة أهمية بالغة ليس لقدمها فحسب، بل لأن ما ورد فيها من وصفات ومعالجات كانت خالية من ذكر السحر والشعوذة والتعاويذ، ومعتمدة اعتمادا تاما على المادة في التطبيب.

- أوّل كتاب صيدلة في التاريخ

على اللوح المترجم حديثاً الذي يرقى إلى الربع الأخير من الألف الثالث قبل الميلاد والذي لا تتضمن الوصفات الطبية الواردة فيه أي اثر من السحر أو الرقى، استطاع طبيب سومري اسمه غير معروف، أن يجمع ويدوّن أثمن وصفاته الطبية لغرض استعمال زملائه من الأطباء، ولفائدة طلابه . هذه الوثيقة الطينية، هي أقدم " كتاب موجز " في الطب والصيدلة معروف لدى الإنسان، بقيت مطمورة في خرائب " نُـفّر " طوال أكثر من أربعة آلاف عام إلى أن تم اكتشافها في عام 1950 .

- أوّل مكتبة طبّية في التاريخ

يتفق أغلب الباحثين على أن أوّل مكتبة في التاريخ تحمل خصائص المكتبة الثقافية الحقيقية هي مكتبة آشور بانيبال (627 - 668 ق. م) آخر ملك عظيم في الامبراطورية الآشورية الخديثة. وتعود هذه المكتبة إلى القرن السابع قبل الميلاد، وعُثر عليها في العاصمة الآشورية نينوى، عام 1853م، وكانت تضم 30000 لوح (كتاب) طيني في جميع مجالات العلوم والآداب . منها (660) لوحاً تخصّ الطب والصيدلة. وانّ أغلب هذه الألواح تتحدّث عن التشخيص والإنذار لدى المرضى وتصف الأمراض بشكل مُنظّم من الرأس حتى القدم .

- أوّل شعار للطب في العالم

إنّ شعار الطبابة (الحية الملتفة حول العصا) الذي نشاهده الآن في جميع أنحاء العالم ونجده مطبوعا على الوصفات الطبية وعبوات الأدوية ومعلقا ُعلى واجهات الصيدليات ومرسوما على سيارات الإسعاف هو من المنجزات العراقية القديمة الأصيلة.

- أوّل وصف لإصابات الحرب النفسية في التاريخ

- وأوّل نقابة أطباء ورئيس (نقيب) أطباء 

- أوّل نظام صرف صحي

- أوّل من اخترع الصابون

- أوّل عملية قيصرية

- أوّل عملية لرفع "ساد العين – الماء الأبيض – cataract، وأوّل عدسة في التاريخ.

- أوّل عملية لفتح خراج الكبد بين الأضلاع

- أوّل وصف لمرض الصرع، السحايا، التدرّن الرئوي، البلهارزيا، القرحة الهضمية، انسداد الأمعاء، خراج الكبد، اليرقان، التهاب المرارة، أورام الدماغ، السكتة الدماغية، إصابات الأعصاب القحفية cranial nerves injuries، الشقيقة (الصداع النصفي)،

- أوّل وصف لمرض الصرع، السحايا، التدرّن الرئوي، البلهارزيا، القرحة الهضمية، انسداد الأمعاء، خراج الكبد، اليرقان، التهاب المرارة، أورام الدماغ، السكتة الدماغية، إصابات الأعصاب القحفية cranial nerves injuries، الشقيقة (الصداع النصفي)، ذات الرئة، خراج الرئة، حصاة الكلية والمثانة والتفريق بين القابلة للتفتيت وغير القابلة للتفتيت، الجذام، الجرب، الأكزيما، السيلان، السفلس، التيفوئيد، الملاريا، وغيرها العشرات من الأمراض.

وعلى ذكر الأمراض النفسية قال الباحثان البريطانيان إدوارد رينولدز Edward H. Reynolds وجيمس كينير ويلسون James V. Kinnier Wilson في بحث مشترك لهما عنوانه : (طب الأعصاب والطب النفسي في بابل Neurology and psychiatry in Babylon ) نُشر في مجلة الدماغ Brain، المجلد 137، الإصدار 9، 1 سبتمبر 2014 :

(إنّ الطب العلمي الغربي متجذرٌ في الطب اليوناني والروماني، الذي تمّ نقله وتعديله من قبل الطب الإسلامي. ومع ذلك، فقد كشفت الأبحاث الحديثة عن أصول سابقة لهذا الطب في بلاد ما بين النهرين. في مجالات علم الأعصاب والطب النفسي يمكن تتبع أوصاف سريرية مفصلة إلى أول سلالة من بابل في الألف الثاني قبل الميلاد. في السنوات الـ 25 الماضية، قمنا بالإبلاغ عن الكتابات البابلية الخاصة بالصرع والسكتة الدماغية وشلل العصب الوجهي، اضطراب الوسواس القهري، الرهاب والسلوك السيكوباتي، والاكتئاب والقلق. نحن هنا نقدم مراجعة أوسع وأشمل للأصول البابلية ونهجها لما نسميه اليوم الاضطرابات العصبية والنفسية).

وحتى اليوم، مايزال الباحثون الأجانب يعملون بدأب على ترجمة الرقم المكتشفة من الحضارات العراقية القديمة لاستكشاف كنوزها في ما يتعلق بالعمل الطبي والحفاظ على الصحة وتدبير الأمراض.

.. وهذا غيض من فيض عطايا أرض الرافدين الحبيبة المباركة التي علّمت البشر أسس الحضارة ومظاهرها. (وإلى القسم الثاني).

 

الدكتور حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

 

محمد العباسيهل الإجرام جزء متأصل عند الإنسان.. أم هو سلوك مكتسب.. كما هو التعلم والثقافة.. بل حتى اكتساب القدرات اللغوية؟.. أم هل للعقلية الغير سوية جينات متوارثة؟؟ وهل هي حقيقة علمية أن المجتمعات الفقيرة تنتج المجرمين إما بسبب الحاجة أو نتيجة الافتقار للتغذية السليمة أو غياب التربية المتوازنة.. أو ربما للتفكك الأسري أو انشغال أولياء الأمور بكسب الرزق والغياب الدائم عن متابعة شئون الأبناء؟  كيف يميل أي طفل إلى العنف ويتطور إلى عدوانية عندما يكبر؟!

يعتقد العالم الغربي المبالغ في مسألة حماية الطفولة أن الكثير من السلوكيات الإيجابية منها والسلبية هي بالضرورة مكتسبة.. كالقول أن صفعة بسيطة للطفل قد تترسب في ذاكرته اليافعة وتنضج بشكل سوداوي فيما يلي من العمر.. ولربما كان لبعض أنواع القسوة نتائج سلبية حتمية لأنها في غير مواضعها.. لكن الدراسات على مر الأجيال السابقة لم تتوصل بشكل علمي واضح بأن الإجرام بالضرورة مرتبط بالعنف التربوي أو الأُسري في الصغر.. ربما لأن العلماء لم يتفقوا بعد على تقييم العنف.. بل ربما لأن بعض الانحراف في الكبر قد يكون نتيجة للدلال المفرط في التربية وتغاضي الأُسرة عن أخطاء أبنائهم والدفاع عنهم بغض النظر عن تصرفاتهم بدافع الحب مثلاً.

لكن بشكل عام، هنالك نظريات عدة بين المهتمين بما باتوا يسمونه "وباء العنف".. وهو أن التربية والرعاية السليمة مع جو عاطفي متوازن فيه الكثير من الحميمية سيؤدي بالضرورة إلى تنشئة سعيدة.. وفي المقابل إذا كانت التنشئة قاصرة وتتميز بالحرمان من الأمومة (بالذات) أو تمتاز بعلاقات متوترة، ستؤدي في كثير من الأحيان إلى بعض صور الانجراف نحو الانحراف.. لكن هل الأمر بهذه البساطة؟

بعض الدراسات تركز على وتربط الأمر بالمستوى التعليمي لدى الأبوين.. وبالذات للأم.. ومدى تأثير انعدام الخبرات الحياتية على مسار التنشئة السليمة . بالتالي يمكن اعتبار العنف نتيجة للأمية أو الجهل أو حتى اللامبالاة.. والجهل بالضرورة سيحرم الأبناء من المتابعة والتوجيه وتشجيع الأبناء على التعلم.. وسوء التعليم أو الحرمان منه قد يؤدي إلى الحرمان من التمتع لاحقاً بوظائف ذات مردود جيد وحياة رغدة.. أي تؤدي إلى الفقر والقهر والحاجة والإحساس بالحرمان وربما الدونية.. ومن ثم الحسد والحقد تجاه الآخرين الأفضل حالاً.. وبالتالي ربما تدفعهم للانخراط في ممارسات غير سوية للتعويض عن الشعور بالنقص وسوء الحال وقلة الحيلة.. (فكم صدق شاعر النيل "حافظ إبراهيم" حين قال: الأم مدرسة إذا أعددتها .. أعددت شعباً طيب الأعراق) !!

تخيلوا معي في هذا الشأن كيف سيكون عليه حال أجيال من الصغار ممن حرمتهم الحروب من الدراسة.. وحرمتهم المجازر ومشاهد العنف من براءة الطفولة.. وحرمت الآلاف منهم من الجو العائلي المتوازن وفقدان أحد الوالدين أو كلاهما.. ولكم أن تتنبؤوا بأحوال الأجيال القادمة في عالمنا العربي.. في سوريا والعراق واليمن وليبيا!!

ثم كيف يكون الميل إلى العنف والإجرام ناجم عن التقصير في التربية والتعليم فقط؟.. لأننا نرى نسبة الإجرام عالية في مجتمعات المفروض أنها مستقرة ومتمدنة وتولي الطفولة حقوق ورعاية وحماية لامتناهية.. فالاغتصابات العنيفة مثلاً هي ديدن مجتمعات تتمتع بحريات جنسية أكثر من سواها.. وعمليات السطو المسلح وإطلاق الرصاص في المدارس نراها تكثر في مجتمعات المفروض أنها تمثل الرقي في ثقافتها المجتمعية.. وهي مجتمعات تتشدق بحرياتها وقوانينها ومتابعتها لشئون الناشئة.. حيث تتدخل الدولة كلما شعرت بأن الصغار يتعرضون لأي نوع من الاضطهاد أو سوء المعاملة أو أي نوع من التقصير من جانب العائلة !!

صحيح أيضاً أن بعض الدراسات تحاول كشف أغوار العقلية الإجرامية ومحاولة فك أسرارها للكشف عن النزعة الإجرامية قبل فوات الأوان.. لكنها ذات المجتمعات التي تهدي الولد الصغير ألعاباً كالمسدسات وتسوق للأطفال الألعاب الإلكترونية التي تعتمد في مجملها على العنف.. بل نرى أن أغلب الأفلام الكرتونية هي عبارة عن مطاردات وضرب ومحاولات للقتل.. بل أغلب أفلام الإثارة الغربية تعتمد على الشر واللصوصية وصور الفساد حتى بين رجال الأمن والسياسيين.. ونرى المجرمين أصحاب مال وجاه ويستمتعون بملذات الحياة.. كأننا نزرع في عقول الأطفال رغماً عنهم مبدأ العنف ومخالفة القانون.. كأننا نعزز النزعة الإجرامية وأن الأمور إنما تجري كذلك.. نعلّمهم أن الغلبة في الحياة دائماً للأقوى والأعنف.. وليس للمصلح والشريف والأمين والمثقف!!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

حامد الحمداني2 ـ ضعف الثقة بالنفس: من المظاهر التي نجدها لدى أبنائنا الذين يشعرون بضعف الثقة بالنفس هي ما يلي:

1 ـ التردد: فالطفل أو الصبي الذي يعاني من ضعف الثقة بالنفس يتردد كثيراً عند توجيه سوآل ما إليه بسبب عدم ثقته بالقدرة على الإجابة الصحيحة.

2 ـ انعقاد اللسان: وهذا الوضع ناجم أيضاً عن عدم الثقة بالقدرة على الإجابة الصحيحة.

3ـ الخجل والانكماش: وهذا ناجم أيضاً من الخوف من الوقوع في الخطأ، ولذلك نجد البعض يتجنب المشاركة في أي نقاش أو حديث  لهذا السبب.

4ـ عدم الجرأة: حيث يشعر الإنسان بعدم القدرة على مجابهة الأخطار التي يمكن أن يتعرض لها.

5ـ التهاون: حيث يحاول الشخص تجنب مجابهة الصعاب والأخطار التي تصادفه في حياته.

6ـ عدم القدرة على التفكير المستقل: حيث يشعر الفرد دوماًبحاجته إلى الاعتماد على الآخرين .

7ـ توقع الشر وتصاعد الشعور الخوف في أبسط المواقف التي تجابه الفرد.

ونستطيع أن نجمل كل هذه المظاهر بعبارة واحدة هي[الشعور بالنقص].

مسببات الشعور بالنقص:

1 ـ الخوف: وقد تحدثنا عنه فيما سبق.

2ـ العاهات الجسمية: فهناك العديد من الأبناء المبتلين بعاهات جسمية متنوعة، وهذه العاهات تجعلهم يشعرون بأنهم غير جديرين، وعلى الأهل و المعلمين أن يهتموا بهذه الناحية اهتماماً بالغاً، وذلك بأن يكون موقفهم من هؤلاء الأبناء طبيعياً وعادياً كبقية الأبناء الآخرين بحيث لا نشعرهم بأنهم مبتلين بتلك العاهات، دون عطف زائد عليهم، وعدم فسح المجال لزملائهم بالسخرية منهم وتذكيرهم بالعاهة، وحثهم على احترام زملائهم والتعامل معهم بشكل طبيعي مشبع بروح الاحترام، وأن أي سلوك أخر تجاه هؤلاء الأبناء يؤدي بهم إلى ما يلي:

أ ـ التباعد والانكماش.

ب ـ الخمول والركود.

ج ـ النقمة والثورة على المجتمع وآدابه وتقاليده.

3 ـ الشعور بالنقص العقلي:

فقد يكون هناك بعض الأبناء قد تأخروا في بعض الدروس لأسباب معينة لا يدركونها، أو لا يشعرون بها هم أنفسهم، وهي ربما تكون بسبب مرضي، أو لظروف اجتماعية، أو بيئية، أو اقتصادية، فعلينا والحالة هذه أن ندرس بجدية أوضاعهم وسبل معالجتها، وأن نقف منهم موقفاً إيجابياً كي نبعد عنهم روح الاستسلام والفشل، كما ينبغي على المعلمين أن لا يحمّلوا التلاميذ من الواجبات أكثر من طاقاتهم فيشعرونهم بأنهم ضعفاء عقلياً، ويخلق لديهم التشاؤم، والخجل، والحساسية الزائدة والجبن.

ثالثاً: العوامل الاجتماعية: ومن مظاهر هذه العوامل:

1 ـ الجو المنزلي السائد:

ويتضمن علاقة الأب بالأم من جهة وعلاقتهما بالأبناء، وأساليب تربيتهم من جهة أخرى، فالنزاع بين الأم والأب، كما ذكرنا سابقاً، يخلق في نفوس الأبناء الخوف، وعدم الاستقرار، والانفعالات العصبية.

كما أن التمييز بين الأبناء في التعامل والتقتير عليهم، وعدم الأشراف المستمر والجدي عليهم،  يؤثر تأثيراً سيئاً على سلوكهم. وسوف أوضح ذلك بشيء من التفصيل في فصل قادم  حول أهمية تعاون البيت والمدرسة في تربية أبنائنا.

2 ـ الجو المدرسي العام: هذا الجو يخص الأساليب التربوية المتبعة في معاملة التلاميذ، من عطف ونصح وإرشاد، أو استخدام القسوة والتعنيف، وعدم الاحترام، ومن جملة المؤثرات على سلامة الجو المدرسي:

أ ـ تنقلات التلميذ المتكررة من مدرسة إلى أخرى:

أن انتقال التلميذ من مدرسة إلى أخرى يؤثر تأثير سلبياً عليه حيث سيفقد معلميه مع زملائه وأصدقائه الذين تعود عليهم، وهذا يستدعي بدوره وجوب التأقلم مع المحيط المدرسي الجديد  وهو ليس بالأمر السهل والهين، ويحمل في جوانبه احتمالات الفشل والنجاح معاً.

ب ـ تغيب الأبناء عن المدرسة وهروبهم منها:

وهذا أمر وارد في جميع المدارس، حيث أن هناك عوامل عديدة تسبب التغيب والهروب، ومن أهمها أسلوب تعامل المعلمين مع التلاميذ، وطبيعة علاقاتهم مع زملائهم، وسلوكهم وأخلاقهم .

ج ـ تبدل المعلمين المتكرر:

حيث يؤثر هذا التغير المتكرر بالغ التأثير على نفسية التلاميذ، فليس من السهل أن تتوطد العلاقة بين التلاميذ ومعلميهم، وإن ذلك يتطلب جهداً كبيراً من قبل الطرفين معا، و يتطلب المزيد من الوقت لتحقيق هذا الهدف، وهناك أمر هام آخر هو وجوب استقرار جدول الدروس الأسبوعي، وعم اللجوء إلى تغيره إلا عندما تستدعي الضرورة القصوى.

دـ ملائمة المادة وطرق تدريسها:

وسوف أتعرض لهذا الموضوع في فصل لاحق.

 

رابعاً: العوامل الجسمية والصحية:

إن لهذه العوامل تأثير كبير على التلاميذ، من حيث سعيهم واجتهادهم، وكما قيل:

{ العقل السليم في الجسم السليم }.

أن التلميذ المريض يختلف في قابليته واستعداده للفهم عن التلميذ الصحيح البنية. كما أن التلميذ الذي يتناول الغذاء الجيد يختلف عن زميله الذي يتناول الغذاء الرديء.

والتلميذ الذي يتمتع بصحة جيدة وجسم قوي ينزع إلى حب التسلط والتزعم، وقد يميل إلى الاعتداء والعراك والخصام،  فالعوامل الجسمية إذاً ذات تأثير بالغ على سلوك الأبناء ودراستهم. (4)

خامساً: العوامل الاقتصادية:

إن العوامل الاقتصادية كما هو معلوم لدى الجميع تلعب في كل المسائل دوراً أساسياً وبارزاً، ويندر أن نجد مشكلة أو أي قضية إلا وكان العامل الاقتصادي مؤثراً فيها، فالأبناء الذين يؤمن لهم ذويهم كافة حاجاتهم المادية من طعام جيد وملابس و أدوات، ووسائل تسلية، وغيرها يختلفون تماماً عن نظرائهم الذين يفتقدون لكل هذه الأمور التي تؤثر تأثيراً بالغاً على حيويتهم ونشاطهم وأوضاعهم النفسية، وقد يدفع هذا العامل تلميذا للسرقة، ويدفع تلميذاً من عائلة غنية إلى الانشغال عن الدراسة والانصراف إلى أمور أخرى كالكحول والتدخين والمخدرات وغيرها، مما تعود عليه بالضرر البليغ.

هذه هي العوامل الرئيسية التي تسبب المشاكل لدى الناشئة، ونعود الآن إلى استعراض كل تلك المشاكل والتي حددناه بقسمين رئيسيين:

1 ـ المشاكل السلوكية.

2 ـ مشاكل التأخر الدراسي.

أولاً: المشاكل السلوكية:

إن المشاكل السلوكية التي تجابه أبنائنا سواء كان ذلك في البيت أو المدرسة كثيرة ومعقدة، وأن معالجتها والتغلب عليها ليس بالأمر السهل مطلقاً، وهو يتطلب منا الخبرة الكافية في أساليب التربية وعلم النفس من جهة، والتحلي بالحكمة والصبر والعطف الأبوي تجاه أطفالنا سواء في البيت و في المدرسة من جهة أخرى، ولذلك وجدت أن من الضروري أن أتعرض لأهم تلك المشاكل مستعرضاً مسبباتها وأساليب معالجتها والتغلب عليها، ولسهولة البحث نستطيع أن نقسمها إلى قسمين رئيسيين: (5)

1 ـ المشاكل السلوكية الفطرية .

2 ـ المشاكل السلوكية المكتسبة .

وسنلقي الضوء على هذه المشاكل، وأنواعها ومسبباتها، وموقفنا منها، وسبل علاجها في الحلقة الرابعة.

 

حامد الحمداني

 

علجية عيش (في البحث عن خطاب سوسيولوجي موحد)

إن الحديث عن الأنساق الثقافية يقود إلى تجديد النقاش عن "المثقف" ومحنته في عالَمٍ اتسم بالجريمة، ليس في علاقته مع السلطة فقط، لأن الأمر من منظور العولمة تجاوز حدود هذه العلاقة، وقد ساهمت الصراعت السياسية والنزاعات الداخلية في تفشي العنف والجريمة المنظمة، حتى سلوكات الأحزاب سواء كانت يمينية أو يسارية اتسمت بالعنف، عن طريق دفع الرشاوي أو تجنيد مرتزقة لإحباط كل ما هو بنّاء، مثلما نشاهده الآن في الساحة السياسية، والنتيجة أن جل البحوث الإجتماعية عن الجريمة باءت بالفشل

الإجرام والجريمة قضية العصر، وإن كانت متجذرة عبر التاريخ ونشأت مع بداية البشرية، وبالتحديد مع أبناء الأنبياء، ودون ذكر تفاصيل الأحداث وتوسعها، بداية من قصة قابيل وهابيل، ثم قتل النبي موسى لليهودي، ومحاولة قتل النبي يوسف على يد إخوته، ثم قتل علي بن أبي طالب والحسين حفيد الرسول (ص)، تبين بشاعة الموقف وبداية ضياع الإنسانية،و قد حدثنا التاريخ عن تطور الجريمة، خارج الحروب، ليس في القتل فقط، بل توسعت وتطورت إلى زنا المحارم وهي واحدة من الجرائم التي شهدها المجتمع المسلم، وبغض النظر عن الجانب الديني في هذه المسائل ورأي الإسلام والديانات الأخرى في مسألة القصاص، فالجانب الإجتماعي له دور كبير في فك خيوط الجريمة وأسبابها وطرق علاجها ومحاربتها، بل كيفية اقتلاع جذورها، ولا يسع هنا الحديث عن مختلف النظريات التي تأسست في هذا الشأن والتي عالجت الجريمة بمختلف أشكالها: (الإرهاب، القتل، الإختطاف، الإغتصاب، الإعتقالات والإغتيالات السياسية، تقييد حرية الفكر والتعبير وحبس الصحافيين، المتاجرة بالمخدرات، الإنتحار، تهريب الفتيات واستغلالهن في الدعارة، والمتاجرة بالأعضاء البشرية، دون أن ننسى الحروب وتطور الأسلحة النووية المدمرة وغيرها من الأمثلة).

 فالإستعمار وحده يُعَدُّ أخطر جريمة تهدد الشعوب، حتى الفقر والمجاعة تعد جريمة ضد الإنسانية، ولم تستطع القمم العربية والمؤتمرات العالمية التي دعت إلى محاربة العنف والتطرف، من تحقيق أي نتيجة، في ظل استمرار الصراع في فلسطين والعراق وسوريا، في السودان، وفي الصومال وفي مالي وليبيا، والنزاعات التي مزقت الشعوب، وما فعلته الحروب الأهلية بين الفصائل المتنازعة على السلطة، كل هذه الجرائم لابد أن تخضع للتحليل في مخبر السوسيولوجيا، وإعطائها دفعا علميا، والغوص في الزمان التاريخي للجريمة وكيف تطورت، و تحديد المسؤوليات، ورسم لوحة تعبر عمّا يعيشه المجتمع من قضايا وإشكاليات، ونشير هنا أن الحلول القانونية ساهمت في تطور الجريمة، فالحكومات ترى في بناء السجون الحل الأمثل، لكن في الواقع حشر المجرمين في سجن واحد زاد من ارتفاع الجريمة، حتى أن تسليط العقوبات على المجرم لم ينفع في محاربة الجريمة، بدليل أن المنظمات الدولية فصلت في مسألة "الإعدام" مثلا في إطار حقوق الإنسان، وصادقت عليها كثير من الدول ومنها الجزائر، وأصبحنا نسمع عن سجون هي عبارة عن فنادق بخمس نجوم، ولم تؤت الفتاوى واجتهادات العلماء في مسألة حكم الإعدام (القصاص) ثمارها ولم تجد لها حلا بعد، بسبب الإيديولوجيات المتضاربة.

 كما أن العولمة عملت على إعادة تشكيل البنية الطبقية للمجتمع، مجتمع حقق نوعا من الحداثة، لكنه ما زال يبحث عن نفسه في ما يخص معاييره وقيمه ورموزه، وأصبح يعيش الفراغ الديني، الفكري، الثقافي، السياسي، بل يعيش أزمة المعنى وأزمة الوجود، مجتمع متسم بتراخي الروابط الإجتماعية، هي مأساة يعيشها إنسان اليوم، هذه المأساة أطلق عليها اسم "الآخرية"، أي كيف نرسم صورة الأنا والأخر في مجتمع مُعَوْلَمٍ؟ كلما تغيرت السياقات التاريخية الثقافية والسياسية والدينية، نعم الدينية أيضا، فظاهرة "الإلحاد" وتعدد الفتاوى وبالخصوص فتاوى الجهاد" في المجتمع المسلم تجاوزت حدود المنطق واخترقت كل الحواجز والخطوط الحمراء، وظل الصراع بين الأنا والآخر في تواصل مكثف بحكم التطور الثقافي، والتكنولوجي وظهور مجتمع الإنترنت، أو بالأحرى مجتمع الفايسبوك والتويتر، حيث صرنا نبحث عن مجالات حضور الآخر عندنا وكيف نرى صورتنا عبر الآخر، وماهي الفكرة التي أخذها عنّا، بل ماذا يقول عنّا ؟.

إن الحديث عن الأنساق الثقافية يقود إلى تجديد النقاش عن "المثقف" ومحنته في عالَمٍ اتسم بالجريمة، ليس في علاقته مع السلطة فقط، لأن الأمر من منظور العولمة تجاوز حدود هذه العلاقة، وقد ساهمت الصراعت السياسية في تفشي الجريمة، وأصبحت سلوكات الأحزاب سواء كانت يمينية أو يسارية تتسم بالعنف، عن طريق دفع الرشاوي أو تجنيد مرتزقة لإحباط كل ما هو بنّاء، مثلما نشاهده الآن في الساحة السياسية، والنتيجة أن جل البحوث الإجتماعية عن الجريمة باءت بالفشل، وقد ذهب أحد المحللين الإجتماعيين إلى أبعد من ذلك، عندما تناول سياسة الإستشفاء عند بعض الحكومات، وغياب الحكم الراشد في تسيير الشأن العام، حيث نقرأ أن إحدى المقاربات الإنتروبولوجية تناولت ثقافة الدّواء في بلد عربي، وكشفت أن بعض صناع الأدوية يعمدون إلى تسميم البشرية من خلال وضع مواد سامة في الدواء الموجه لعلاج الأمراض وتسويقه للدول المسلمة، كذلك بالنسبة لمواد التجميل (العطور) وهي جريمة ضد الإنسانية بل تهدد وجودها وبقائها .

 الأمثلة كثيرة ومن الصعب حصرها هنا، والسؤال الذي وجب أن يطرح هنا هو : هل الأمر متعلق بتغيير الأنساق الثقافية وقدرتها على تغيير سلوك البشر، بل تغيير الذهنيات ووضع حد للأفكار السلبية، الأفكار القاتلة؟، وكل ما يتعلق بالمعتقدات والقيم والمفاهيم السائدة حول طقوسية العيش في محيط سليم؟، إن تحقيق "السّلام" في مجتمع ما، يتطلب محاربة الجريمة والجريمة المنظمة، والقضاء على العنف والفساد، وتحقيق المواطنة الحقيقية la citoyente لبناء مجتمع سليم، خالٍ من الأمراض الإجتماعية، هي تساؤلات تخص مستقبل علم الإجتماع وتحديد المفاهيم، والبحث عن خطاب سوسيولوجي موحد، لأن أغلب القضايا يطرحها من هم خارج الإختصاص، مما أدى إلى فشل سياسة حسن الجوار ومعالجة المشاكل بالوسائل السلمية والتعاون الإيجابي لإنهاء أشكال العنف والعداء كافة.

 

علجية عيش