قاسم حسين صالحما يجري الآن في العراق يشبه ما حصل عام (91) بعد هزيمة الجيش العراقي في الكويت..فمن البصرة انتقلت شرارة الانتفاضات للمحافظات وكادت ان تطيح بالنظام لولا حماية امريكا.

فهل سيتكرر المشهد بعد ان انتقلت الشرارة الى العمارة والناصرية وكربلاء والنجف...؟، وهل ستخمد التظاهرات ويبقى نظام المحاصصة الطائفية كما بقي نظام الحزب الواحد؟، ويبقى الفاسدون كما بقي الطغاة؟.والسؤال الأخطر:الى أين نحن ذاهبون؟هل يستمر الحكّام يسخرون من المتظاهرين فيصيب الناس الملل وعن التظاهر يكفون؟، أم انهم سيحققون هذه المرّة ما كانوا قد يئسوا منه مرات؟..أم أننا الى فتنة كبرى سائرون، تبدأ بحرب الشيعة ضد الشيعة!؟

ثقافة التظاهر:

يعد التظاهر سلوكا حضاريا سلميا يمارسه مواطنو البلدان الديمقراطية..يحصل حين تخرج الحكومة او السلطات عن القانون او تتلكأ في تنفيذ فقراته، ليردعها ويجبرها على الالتزام بالقانون والدستور. ذلك ما يراه الخبراء السياسيون فيما يفضل علماء النفس والاجتماع السياسي مصطلح (الاحتجاج الجمعي) ويصنفونه الى نوعين:تمرّد غوغائي لمحرومين (رعاع او حثالة) يقعون في اسفل الهرم الاقتصادي للمجتمع، واحتجاج سياسي لأفراد من طبقات وفئات اجتماعية متنوعة تشعر بالمظلومية وعدم العدالة الاجتماعية. وحديثا توصل العلماء المعنيون بدراسة سلوك الاحتجاج السياسي في الصين ودول اخرى الى ان السبب الرئيس لقيام الناس بالتظاهر ناجم عن الشعور بالحيف والحرمان والمظلومية وهدر لكرامة الانسان والآحساس باللامعنى والاغتراب، والشعور باليأس من اصلاح حال كانوا قد طالبوا بتغييره نحو الأفضل وما استجابت الجهة المسؤولة لمطالبهم. ونضيف بأن سلوك الاحتجاج بوصفه ناجم عن مظالم اجتماعية وعدم عدالة اقتصادية يؤدي الى قهر وضغوط نفسية تتجاوز حدود القدرة على تحمّلها.فمن سبع سنوات والعراقيون يتظاهرون، ولكم ان تتذكروا يوم ارسلت (الخضراء) أحد (مناضليها) ليعطي الاوامر من على سطح العمارة المطلة على ساحة التحرير بقمع المتظاهرين في شباط 2011 .

وللأسف فان القوى الأمنية ما تزال ملتزمة بثقافة الأنظمة المستبدة.ومع انه لا يراد منها ان تتضامن مع محتجين في فعل سلمي يتظاهرون من اجل احقاق حق يخص شعبا ووطنا..فان ما قامت به من تصرفات في (17 و 20 تشرين الثاني 2015) بالاعتداء على المتظاهرين بالضرب والكلام البذيء واعتقال اكثر من 25 منهم ما اساءوا الى احد، والطلب منهم التوقيع على تعهد بعدم المشاركة في التظاهرات، وما تعرض له اھالي قضاء المدینة في محافظة البصرة في اثناء قیامھم بداية تموز الجاري (2018) بتظاھرة سلمیة مجازة رسمیا، وقيام القوات الامنیة بالتصدي العنیف للمتظاھرین بإطلاق النار بالرصاص الحي بشكل عشوائي نجم عنه استشھاد الشاب (سعد یعقوب المنصوري) وجرح ثلاثة متظاھرین، ليؤكد مجددا بأن السلطة لم تتخلص بعد من ثقافة الاستبداد بخصوص سلوك الاحتجاج السياسي التي يفترض فيها ان تستبدلها بثقافة الزمن الديمقراطي.ولم تفهم بعد ان الاحتجاج ليس تمرّدا على السلطة، ولا يهدف الى اسقاطها، وانه ينبغي ان تتحول ثقافتها في الزمن الديمقراطي الى حماية المحتجين والحفاظ على سلامتهم ورصد المندسين والمجرمين الذين يستغلون المناسبة لنهب ممتلكات المواطنين ومؤسسات الدولة.

وتوثيقا لما حدث فقد تم اغلاق ميناء أم قصر في (13 تموز 2018) من قبل المتظاهرين، وأغلقوا ايضا منفذ سفوان الحدودي، ووصل متظاهرو البصرة الى بوابات فندق شيراتون الدولي بمركز المدينة، واطلقت القوات الأمنية الرصاص على متظاهرين في غرب القرنة، وقامت قوات امن ذي قار بفتح خراطيم المياه لتفريق المتظاهرين الذين احتشدوا أمام بيت المحافظ، وتظاهر المئات وسط مدينة النجف واقتحام آخرين مطارها احتجاجا على تردي الخدمات استشهد منهم مواطنان شابان. وشهدت ميسان تظاهرات قتل فيها شخص واصيب 18 ناجمة عن اطلاق ناري اغلبهم من القوات الأمنية بحسب مدير صحة ميسان، فيما قام آخرون بقطع الطريق الرابط بين ميسان والبصرة، وأطلقت القوات الأمنية النار لتفريق متظاهرين أمام مبنى محافظة ميسان.وبحسب الاعلام الأمني (13 تموز) فانه وقعت اصابات بين ضباط ومنتسبي الأجهزة الأمنية خلال التظاهرات، فضلا عن إحراق وتخريب عدد من المؤسسات والأجهزة التي بداخلها. وفي الديوانية، اقتحم متظاهرون مبنى الحكومة المحلية، فيما استشهد ثلاثة مواطنين في تظاهرات مدينة السماوة.وفي 14 تموز 2018، اعلن رئيس الوزراء السيد حيدر العبادي(الشخصية التسويفية) الحالة القصوى ودرجة الأنذار(جيم) واعلان حالة التأهب الأمني في محافظات العراق كافة..وعصر اليوم ذاته، تم ايقاف عمل الانترنت، ونشاط التواصل عبر الفيسبوك بشكل خاص.

واللافت بمفارقة مدهشة، ان كل التظاهرات حدثت في المدن الشيعية ضد حكومة رئيس وزرائها واغلبيتها شيعة، فيما اهالي المحافظات الغربية واقليم كوردستان..يراقبون متفرجين!

والمشكلة في الحكومة العراقية انها لا تعترف بقساوة المعاناة التي يعيشها العراقيون مع ان العالم يشخصها بوضوح، اذ يرى عميد مركز الدراسات الاستراتيجية والخبير في شأن التظاهرات السلمية واللاسلمية للدول الشرق اوسطية الدكتور « جيني هاريسون " بأن العراق هو " البلد الوحيد الذي يواجه ازمات خانقة ومستعصية"، وانه "يعاني هجمة غير مسبوقة من الظلم والفساد والأرهاب، وأحزاب متصارعة ودستور ضعيف وغياب ملامح الدولة الرصينة مع إضمحلال أغلب الضمانات" وان "المواطن العراقي الذي تنفس الصعداء بزوال أصدقاء الرئيس واتباعه، فوجئ بأتباع جدد جلّهم منتفعين يمارسون الترهيب ويستولون على المال العام دون حساب"*. والحقيقة الموجعة، ان السلطة لم تحقق اي انجاز مفيد للناس ولا اي اعمار للوطن على مدى خمسة عشر عاما، وان احزاب السلطة اعتبرت العراق ملكا خالصا لها فانشغلت بان فتحت ابواب خزائنها لنهب ثرواته في حال يشبه جهنم، يقولون لها هل امتلأت تقول هل من مزيد!..لتؤكد حقيقة اخرى اثبتت الأحداث صحتها هي ان الحاكم الذي يسقط اعتباريا وأخلاقيا في عيون شعبه فانه يتحول الى مستبد يفهم ان قمع التظاهر هو الوسيلة الوحيدة لبقائه في السلطة، وجزع العراقيين ونقمتهم على أحزاب الاسلام السياسي تؤكدوا هتافهم في تظاهراتهم (ما نريد حاكم ملتحي..نريد حاكم يستحي).

من جانب آخر، نحن العراقيين، باستثناء النخبة، لا نمتلك ثقافة تظاهر توحّدنا، لسبب رئيس هو ان الجماهير ورثت سيكولوجيا النهب والانتقام من السلطة بالاعتداء على ممتلكات الدولة، ليس فقط من( 9 نيسان 2003)يوم سقوط النظام، بل من اربعينيات وخمسينيات القرن الماضي يوم نهبنا بيوت اليهود وممتلكات الدولة في تموز( 58).

استطلاع رأي:

كعادتنا في القضايا الكبيرة والخطيرة فاننا عمدنا الى استطلاع الرأي بشأن تظاهرات تموز 2018، اليكم اهم نتائجه.

تعددت اهداف التظاهرات بين: اسقاط الحكومة، محاسبة الفاسدين، تعيين الشباب في وظائف حكومية، حل ازمة الكهرباء والماء، تحسين الخدمات والبنى التحتية، (سحل الفاسدين في الشوارع)..

وواضح ان بين هذه الاهداف ما هو غير عقلاني او غير ممكن مثل اسقاط حكومة مشكّلة من برلمان منتخب ديمقراطيا، والدعوة الى انقلاب عسكري، وبعضها انفعالي مدفوع بما ورثناه من سيكولوجيا الانتقام.

واختلفت الآراء في وصف التظاهرات، اليكم نماذج منها:

* شعب ناقم على احزاب خانته وغدرت به، حركات غير منظمه، متظاهرون تحركهم الغريزة، فوضى ورائها اهداف خارجيه، مادام الشمال مستقر والغربيه مستقرة فلن تجدي تظاهرات الجنوب نفعا، كثير من اهل الجنوب يتأثرون بأي عمامة ولو صغيرة تحذرهم من بعبع البعث، مطالب شباب مشروعة بدون قيادة واعية، إذا لم يوجد دعم دولي فهي مجرد غوغاء، المظاهرات تحولت الى فرهود من غوغاء وسلاّبه وعصابات نهب وفوضى عارمة وتدمير ممتلكات، كثير منها مخترقة من احزاب السلطة لتشويهها، لا تشكل المظاهرات السلمية اي خطر على السلطة ما دامت القوة والسلاح بيدها.

واتفق غالبية المستجيبين على مشروعية التظاهرات مؤكدين على حاجتها الى قيادة واعية توحّد صفوفها.

مقترحات

بهدف أن يكون سلوك التظاهر لدينا حضاريا، وضمانا لتأمين حقوق المتظاهرين، ودفعا لفتنة كارثية، فاننا نتقدم بمقترح يتلخص بخطوتين:

الأولى:

تشكيل قيادة محلية في كل محافظة من الأشخاص الذين لهم دور فاعل ومثابر في التظاهرات، ولجنة رأي من اكاديميين ومثقفين تقدم المشورة العلمية، وان يكون الجميع من الذين ليست لهم انتماءات حزبية.

الثانية:

تشكيل قيادة مركزية موحدة في بغداد من الذين ليست لهم انتماءات حزبية تمثل القيادات المحلية للمحافظات، تقوم بالآتي:

- التفاوض مع الحكومة بخصوص تنفيذ مطالب المتظاهرين على وفق استراتيجية تتضمن مراحل تنفيذ عملية على اسس علمية يحددها ذوو الأختصاص ..وبسقوف زمنية محددة.

- التزام جماهير المتظاهرين بما تقرره القيادة المركزية الموحدة من تعليمات وتوجيهات عبر وسائل تواصل محكمة.

- تسمية متحدث واحد ومتحدثة واحدة يخول لهما التحدث عبر وسائل الأعلام.

- تداول الرأي بشأن لقاء بممثلي السفارتين الامريكية والبريطانية بنقل الصورة الصحيحة لتظاهرات العراقيين ومطالبهم المشروعة والانحياز الموضوعي لحق الشعوب في العيش بكرامة، لاسيما العراقيين الذين يعيشون في وطن يمتلك كل مقومات الرفاهية لأهله.ْ

- التداول في تشكيل حكومة(طواريء، ظل، ..) من اصحاب الخبرة والكفاءة والنزاهة تحسبا لأي طاريء.

شهادة:

سيسجل التاريخ شهادة بعنوان (انتفاضة العراقيين ضد الفاسدين)، انه في النصف الأول من تموز 2018 انتفض العراقيون في ثورة غضب عارمة ارعبت الحكومة العراقية لتعلن حالة التأهب الأمني القصوى في انذار (جيم)، وانها قامت في 14 تموز بتعطيل خدمات الأنترنت خشية من جمهور الفيسبوك، وان مطار بغداد شهد مغادرة مسؤولين ونواب بصحبة عوائلهم..وأن ما يجري يوحي بأن الأيام حبلى بأحداث جسام.

ولتوثيق ما حدث، لك تدوين شهادتك هنا بالذي جرى في مدينتك، ليسجّل باسمك سينشر في كتاب للأجيال هذا العام.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

أمين عام تجمع عقول

.....................

• صحيفة «الناشونال ديلي نيوزبيبر» البريطانية

 

 

علاء اللاميانتبهت الحركة الصهيونية منذ عدة سنوات إلى أهمية المكتشفات الحديثة في ميدان التحليل الجيني "DNA" ضمن علم الأحياء الجزئي، والذي تقترب نتائجه من درجة عالية من الصحة، لا يمكن التشكيك بها في تقرير العلاقات القرابية والوراثية بين الجماعات البشرية. ولهذا قررت هذه الحركة، عبر ذراعها العلمي والبحثي، التدخل فيه واستعماله سلاحا أو سندا لسلاحها الأيديولوجي التقليدي بعد سنين طويلة من الصمت. لقد جاء هذا التدخل بعد أن تكاثرت الأبحاث والفحوصات الجينية الاوروبية، وحتى الإسرائيلية الموضوعية والمحايدة، ووجهت ضربة قاسية إلى المزاعم العنصرية القائلة بأن الأشكناز هم يهود جزيريون "ساميون" وليسوا شعوبا أو بقايا شعوب من أصول سلالية أخرى، تركية أو صينية أو سلافية أو مختلطة من كل هذه الأصول، وقد تهودت لاحقا. وعلى هذا، لا حق لها بادعاء النسب العبراني الجزيري" السامي"، ولا علاقة لها بالمزاعم التوراتية في ما يسمى "الوعد الرباني لبني إسرائيل في أرض فلسطين"، والذي لا صدقية له ولا يلزم احدا من معتنقي الديانات الأخرى غير اليهودية أصلا. وخصوصا بعد أن ثبت أن الأشكناز ليسوا من "بني إسرائيل" العبرانيين، والذين، كما تقدم معنا في هذا الكتاب، أنهم شعب انقرض في غالبيته الساحقة، كما انقرضت وذابت شعوب أخرى كالأكديين والآراميين والكلدانيين والآشوريين ولم يتبق منهم إلا مجموعات رمزية صغيرة في مواطنهم الأصلية. وهذا ما يجعل الحركة الصهيونية الأشكنازية أبشع صورة من صور ما يسمونه "معادة السامية" التي يتهمون بها أعداء الصهيونية غالباً، بدليل أنها تعادي الجزيريين الساميين الحقيقيين من الفلسطينيين العرب الذين شردتهم من وطنهم، وارتكبت بحقهم مجازر عديدة. بل هي تعادي أيضا اليهود المزراحيم "الشرقيين" وهم في غالبيتهم من بقايا العبرانيين الحقيقيين الذين يعاملون في داخل دولة "إسرائيل" معاملة بشر من الدرجة الثانية أو الثالثة ويمارس ضدهم تمييز عنصري فاقع.

ويقينا، فنحن حين نتصدى لهذا الميدان العلمي الخاص بأصول مجموعة بشرية معينة، لسنا من المغرمين بالموضوع العنصري وحججه، ولا من المحبذين له أو الراغبين في التعويل عليه كسلاح في الدفاع عن الشعب الفلسطيني ووطنه فلسطين، بمقدار ما نحن مضطرون الى كشف الخطاب الصهيوني التلفيقي الذي بات يعتمد هذا السلاح العنصري الجيني بمفرداته وأدواته العلمية، لنبين تهافته وندحضه بوسائله ذاتها، ومن خلال عرض وترويج دراسات جينية موضوعية مقابلة له، وأكثر صدقية وموضوعية منه.

معلوم أن الأشكناز اليهود في أوروبا وأميركا وغيرهما، يمثلون بحسب الإحصائيات العالمية الأكثر شهرة وموثوقية، ومنها إحصائية "أوستر 2001 " التي يستشهد بها الباحث الإسرائيلي إران الحايك، ما نسبته 90% من يهود العالم في دولة الكيان الصهيوني "إسرائيل" وخارجها والبالغ عديدهم نحو ثلاثة عشرة مليون نسمة. ومن هؤلاء الأشكناز جاءت الأغلبية الساحقة من قيادة وقاعدة الحركة الصهيونية المعاصرة وأركان دولة " إسرائيل"، فيما بقي اليهود المزراحيم "الشرقيون" والسفارديم الأوربيون ذوو الأصول الشرق أوسطية، يمثلون أقلية ذات دور محدود وعرضة للتمييز العنصري داخل الدولة الصهيونية ومن قبل الأشكناز أنفسهم.

وفي سنة 2000، حاول علماء الأحياء الصهاينة حسم الموضوع بطريقة ملفقة وغير علمية. فقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرا صحفيا في عددها ليوم 9 نيسان 2000، بقلم نيكولاس ويد "1"، استعرض فيه نتائج ما وصفه بعملية تحليل جيني باستعمال الكروموسوم الذكوري ( Y )،   لأشخاص من اليهود الأشكناز، قام بها عدد من علماء الأحياء بقيادة ميكائيل همر، و بدعم قوي من لورنس شيفمان، رئيس قسم اللغة العبرية والدراسات اليهودية في جامعة نيويورك.

ندرج أدناه، خلاصات الرئيسية الأهم من هذا التقرير، الذي يحمل اسم كاتبه نيكولاس ويد، حول الموضوع مع التعليق عليها. ولنا عودة إلى تقارير ودراسات جينية أخرى أكثر رصانة وموثوقية علمية، تدحض تقرير ويد دحضا نهائيا وحاسما. وسيتخذ عرضنا لحقائق وتفاصيل هذا الملف لغة صحافية وصفية مبسطة، دون الخوض في دقائق الموضوع العلمية الجينية، لبعد هذا التخصص العلمي عن مجال اهتمامنا وتخصصنا.

-يعلن تقرير نيكولاس ويد، وقد اعتمدنا ترجمتنا الشخصية للفقرات المقتبسة - منذ البداية- أن نتائج هذه التحاليل الجينية جاءت متفقة مع (التاريخ والتقاليد اليهودية، وتدحض نظريات مثل تلك التي تقول إن المجتمعات اليهودية تتكون في الغالب من المتحولين من الديانات الأخرى، أو أنهم ينحدرون من الخزريين، وهم قبيلة تركية من القرون الوسطى والتي اعتمدت الديانة اليهودية). ونسجل، هنا، أولا، اعترافا صهيونيا بوجود هذه النظرية المسكوت عنها صهيونيا حتى ظهور هذا التقرير، ونسجل، ثانيا، أن مهمة هذه التحاليل الجينية جاءت لتدحض هذه النظرية التي أقلقت الحركة الصهيونية بقوة.

-يسجل التقرير المذكور، النتيجة التالية للتحاليل، حتى قبل أن يشرح طبيعتها وطرائقها وإثباتاتها بلغة مهنية، كما تفعل التقارير العلمية المحايدة في هذا الميدان، فهو يقول (ويوفر التحليل شهادة جينية بأن هذه المجتمعات -الأشكنازية - قد احتفظت، إلى حد كبير، بهويتها البيولوجية منفصلة عن سكانها المستضيفين). أي أن الجماعات الأشكنازية عبرانية وجزيرية "سامية" الأصول وليست خزرية تركية أو صينية أو قوقازية أو سلافية كما تقول النظريات الأشهر حول أصول الخزر.

-و يعترف التقرير، ولأغراض أيديولوجية واضحة، أكثر منها أحيائية علمية، أن التحاليل أثبتت تشابه المجتمعات اليهودية مع بعضها ومع المجتمعات العربية في فلسطين وسوريا ولبنان. أي أنه يجعل من السكان الفلسطينيين وجيرانهم في دول المشرق العربي حجة ومستندا لمزاعمه. بمعنى: إنه بعد ان سرق الأرض من الفلسطينيين الجزيريين "الساميين" وسرق حتى اسم "إسرائيل" الكنعاني وليس العبراني، يحاول الآن الاعتماد على قرابتهم الجينية المزعومة في هذه الدراسة الملفقة لليهود الأشكناز الذين لا علاقة لهم بالعبرانيين القدماء، دليلا على ساميتهم فيقول (وثمة نتيجة أخرى، مفارقة وغير مدهشة، هي أن مقاييس الكروموسوم Y، تشبه المجتمعات اليهودية في العالم، ليس فقط بعض هذه الجماعات بالبعض ولكن أيضا بالفلسطينيين والسوريين واللبنانيين، مما يوحي بأن الجميع ينحدرون من سكان أسلاف مشتركين يسكنون الشرق الأوسط قبل نحو أربعة آلاف سنة). واضح هنا غرض التقرير وهو منح المزيد من المصداقية لمزاعمه بجزيرية "سامية " الأشكناز الخزريين، بربطهم أو تشبيههم مع الجزيريين "الساميين" الأصليين العرب. بل ويجمع د.همر العرب واليهود في صنف جيني واحد، فيقول التقرير (وكان من بين الأسلاف الرئيسيين في السكان العرب اليهود من الأجداد الرجال الذين حملوا ما دعاه الدكتور همر النَّسَب "MID").

-ثم يذكر د. همر أن (هذا الكروموسوم Y موجود في جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط وأوروبا، وربما تم نشره من قبل البشر في طور اختراع الزراعة في العصر الحجري الحديث، أو ربما من خلال رحلات الناس عبر البحر مثل الفينيقيين). ويمكننا أن نجد في هذه الفقرة من تقرير ويد، محاولة ساذجة لتأكيد أن الفروقات ستكون محدودة بين اليهود الأشكناز وسكان حوض البحر الأبيض المتوسط، رغم عدم وجود قرابة جغرافية بين منطقة البحر الأبيض المتوسط وبين جنوب روسيا وشرق تركيا أو شمال القوقاز، حيث قامت مملكة الخزر وتهود ملوكها في منتصف القرن الثامن الميلادي حتى سقوطها في القرن العاشر، وحتى لو افترضنا صحة هذا الزعم، بوجود قرابة جينية بين سكان المتوسط وسكان شمال القوقاز الروسي أو الشرق الأقصى التركي، فأنه سيكون فارغا من المحتوى، ولا يؤكد أي تميز أو اختلاف لأصول الأشكناز.

يضيف التقرير (وهناك سلالة أخرى مشتركة في الجينات العربية واليهودية تجمع الجينات بين الإثيوبيين اليوم، وربما وصلت إلى الشرق الأوسط من خلال المهاجرين الذين سافروا إلى أسفل النيل. لكن اليهود الإثيوبيين الحاليين يفتقرون إلى بعض السلالات " الأنساب" الأخرى الموجودة في المجتمعات اليهودية الأخرى، ويشبهون عموما الإثيوبيين غير اليهود من السكان اليهود الآخرين، على الأقل من حيث نمط كروموسوY). وهذه الحقيقة، تصيب التقرير والتحاليل الجينية التي أجريت في مقتل خطير، وتثبت أنها فارغة تماما من المعنى ومتناقضة؛ فهي تنفي أية صلة جينية بين اليهود الأشكناز واليهود الأثيوبيين، وهذا قد يكون صحيحا، ومتوقعا علميا، فكيف تريد أن تثبت صلة جينية ما بين الأشكناز القادمين من أقاصي آسيا أو جنوب أوروبا والعبرانيين الجزيريين في فلسطين؟ أيهما بالأحرى أقرب الى الأصل الجيني الجزيري السامي يهود أثيوبيا المجاورين ليهود اليمن أم الخزر المتهودين في شمال القوقاز؟

-يؤكد تقرير نيكولاس ويد، وجود اختلافات جينية "أسلافية" بين العرب واليهود، من جهة، وبين الأوروبيين والأفارقة من جنوب القارة من جهة أخرى، فيقول (يمكن التعرف على نمط الأسلاف من أسلاف السكان العرب واليهود في الوقت الحاضر، ولكنهم يختلفون عن السكان الأوروبيين، كما أن المجموعتين تختلفان اختلافا واسعا عن الأفارقة من جنوب الصحراء الكبرى). ثم يؤكد ما هو عكس ذلك، أي وجود اختلافات بين نمط أسلاف اليهود ونمط أسلاف العرب، ولكنه يعود ويؤكد وحدة النمط الجيني والأسلافي بين اليهود من العصر الروماني والأشكناز، فأي لخبطة علمية هذه، طالما هو لم ينشر التفاصيل العلمية لأنواع التحليلات والفحوص التي أجراها؟

دعونا ندقق قليلا في هذه الفقرة الغامضة، فمؤداها الأول هو أن هناك تماثل جيني أسلافي بين اليهود الرومان، والأرجح كما أسلفت، أنه يقصد اليهود الذين هجَّرهم الرومان من مقاطعتهم في فلسطين الى أوروبا خلال الاحتلال الروماني لفلسطين بعد ما يسمى في التاريخ بثورة الميكابيين و ثورة السامرين خلال القرن الميلادي الثاني ، وبين اليهود الأشكناز الأوروبيين وهو هنا يسكت تماما عن الخزر المتهودين بعد أن اعتبرهم جزءا ذائبا في الأشكناز ربما. والمؤدى الثاني، هو وجود اختلافات بين العرب واليهود من جهة، وبين الأشكناز الأوروبيين من جهة أخرى، وهو هنا يكاد يقترب من الاعتراف بالأصل اللاجزيري "اللاسامي" للإشكناز، ولكنه لا يجرؤ على ذلك، لأنه يكون قد انتحر أيديولوجيا وسخر من صهيونيته المنادية بجزيرية "سامية" جميع يهود العالم.

إن الخلاصة التي يحب كاتب التقرير وصاحب الدراسة الجينية د. همر إعلانها وتكرارها تقول (على الرغم من الإقامة الطويلة لليهود الأشكناز في أوروبا، فإن توقيعهم Y ظل متميزا عن الأوروبيين غير اليهود). ولكن كيف ذلك؟ وعلى أي أساس؟ هل يريد صاحب الدراسة من الناس التسليم بتجربة أو دراسة تطبيقية جينية، أجراها هو، دون ان يطلعوا على تفاصيلها العملية الدقيقة؟

إن هذا التقرير والعمليات التحليلية الجينية، التي يستعرضها ويد، يثير الكثير من الأسئلة والشبهات والاعتراضات العلمية. فالمعروف، أن أي تحليل من هذا النوع أقرب الى عمليات سبر الآراء واستقصاءات الصحافية المحددة المساحة، إذْ لا يعقل أن التحاليل شملت كل الجالية اليهودية الاشنكنازية، وهي بالملايين، ولا بمن يقابلهم من العرب والأوروبيين والأفارقة والخزريين، الذين لا نعتقد أنهم شملوا بها فهم مستبعدون منذ البداية لأن هدف الدراسة هو دحض وجود أية صلة جينية بينهم وبين الأشكناز.

وإذا ما علمنا ان الأشكناز الذين يشكلون 90% من يهود العالم، وفق بعض الإحصائيات، سيشكل اليهود المزراحيم الشرقيين و اليهود السفارديم القادمين الى أوروبا من أسبانيا والبرتغال بعد سقوط الدولة العربية الإسلامية في الأندلس، وهو بحدود 10%، حتى لو أضفنا إليهم اليهود الذين هُجّروا أو هاجروا الى أوروبا في العهد الروماني، والذين لا توجد أية إشارات أو تأكيدات تاريخية لحدوث هجرات كثيفة لهم باستثناء مجاميع من الأسرى بعد القضاء على التمرد الميكابي، فإن تركيز الاختيار على هؤلاء وعلى اليهود المزراحيم "المشارقة العرب وغير العرب"، يبقى جزءا صغيرا من القصة، ولا قيمة علمية له. كما أن عدم ذكر أي معطيات عن بلدان الأشخاص، الذين شملتهم الفحوصات والتحاليل الجينية، وخصوصا يهود أوروبا الشرقية وروسيا تحديدا، يصبح غير ذي جدوى، وأشبه بأن يقوم العنصري أفيغدور ليبرمان باستفتاء على شعبية نتنياهو في داخل مؤتمر لحزب الليكود ليس إلا!

فماذا قال علماء الجينات والمورثات المنصفون والموضوعيون ومنهم الباحث المولود في الدولة الصهيونية والمتخصص في هذا العلم إران الحايك في هذا الصدد وكيف قلب "الطاولة الجينية" على د.همر وأمثاله؟ هذا ما سنتوقف عنده في مقالة أخرى قريبا.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

..........................

*هذه المقالة هي جزء من دراسة ملحقة بمخطوطة كتاب "موجز تاريخ فلسطين منذ فجر التاريخ وحتى الفتح العربي الإسلامي" قيد التأليف لعلاء اللامي.

1- تقرير نيكولاس ويد في نيويورك تايمز العدد 09.05.2000 حول بحث التحليل الجيني لليهود الذي زعم د. همر انه قام به.

 

 

علي رسول الربيعييأتي حديث كانط عن الحرب في سياق فلسفته عن الفرد بوصفه كائن مستقل وعقلاني يتم تحديد تصرفاته من خلال المعرفة العقلانية للآخرين الذين يشكلون الإنسانية حيث تتوافق حرية كل شخص في تعزيز أهدافه مع حرية متساوية لجميع الآخرين. وأن ما يفصل البشر عن الطبيعة هو قدرتهم على أن يكونوا أخلاقيين ولكي يكونوا هكذا عليهم أن يعترفوا بالمبادئ الأخلاقية العالمية والشاملة التي تستمد ليس من أخلاق مجتمعات محددة، ولكن من عالمية العقل.

تبدأ الرؤية الأنطولوجية عند كانط من تعريفه للفردية من حيث العقلانية أو ما ما يفصله عن نظام الطبيعة أو الغريزة. فقد سعى الفكر السياسي لكانط الى فهم العلاقة بين الفرد، الدولة والبشرية كمجتمع أخلاقي عالمي، وتصدر أفكاره حول هذه العلاقة من فلسفته النقدية. وقد أوضح في نقد العقل المحض أن قوانين الطبيعة ليست متأصلة في الطبيعة بل هي من تشييد العقل ويستعملها لغرض فهم الطبيعة. فيعتمد فهم التجارب الأخلاقية أو السياسية على بناء قضايا أو قواعد تتعلق بالحياة البشرية تكون قبلية ومنطقية وسابقة على التجربة. كما يعتمد فهم التجربة الإنسانية على افتراض العقلانية الكونية والفردية المستقلة. فتقوم رؤية كانط السياسية على اشتقاق المبادئ الأخلاقية من هذه العقل الذي تتقاسمه جميع الكائنات العقلانية. يتمايز نظام العقل عن نظام الطبيعة وهو يتضمن اساس السلوك الأخلاقي. يستلزم السلوك العقلاني -الأخلاقي- ثلاثة مبادئ، وهي العالمية أو الشمولية أولاً، معاملة الآخرين كأهداف في حد ذاتهم ثانياً، والعمل باستقلالية ثالثاً. يشير المبدأ الأول، مبدأ العالمية، إلى أن السلوك الأخلاقي لا يقتصر على حدود المجتمع أو الدولة التي يقطنها الفرد ولكن له قابلية التطبيق الشامل. علاوة على ذلك يعني التعامل الأخلاقي هو أن تتعامل مع الإنسانية، سواء في شخصك أو في" أي شخص آخر، ليس كوسيلة، ولكن كغاية دائمًا. إن الشخص عند كانط هو كائن مستقل تشكل إرادته، بوصفه كائن عقلاني، عالمية القانون. ويتضح هذا في قوله: ينتمي "الكائن العقلاني إلى مملكة الغايات [المجتمع الأخلاقي] كعضو فيها، و يكون هو نفسه خاضعاً لهذه القوانين، رغم أنه نفسه يضع هذه القوانين.

يتشكل المجتمع - وفقا لكانط – من أفراد أخلاقيين و مستقلين، يسعون إلى التصرف طبقا للمبادئ العقلانية التي لها قابلية تطبيق عالمية معززة بموافقة وجزاء القانون. إن هذه العالمية لا تنطبق على العلاقات بين الأفراد داخل المجتمع المحلي فقط ولكن على أيضاً على النظام الدولي. حيث يكون الإجماع على المبادئ الشرط اللازم للسلام الدائم.

تستند عالمية الأخلاق عند كانط إلى رؤية إنطولوجية تعرف الفردية فيها بأنها الإرادة الحرة العقلانية الأخلاقية التي فوق الميل الطبيعي. بوصف الإرادة الحرة الحق الوحيد والأصيل الذي ينتسب إلىه كل إنسان بحكم إنسانيته. وهنا من حق كل فرد أن يُعامل كغاية بذاته لا كوسيلة للوصول إلى غاية يحددها الآخرون. هناك صفات للأفراد داخل مجتمعات لغوية أو دينية أو ثقافية مميزة، الا أنهم يشتركون في صفات الانسانية التي تستند إلى العقلانية التي لا تعترف بأي حدود. وهنا تأتي الحرب لتنتهك هذه العالمية التي ينادي بها كانط.

إن حالة"السلام الدائم" بالنسبة لكانط هي إمكانية ، ولكن يجب خلقها من خلال العقل البشري: فحالة السلام بين البشر الذين يعيشون معا ليست هي حالة الطبيعة نفسها، لأن الحالة الطبيعية هي حالة حرب، وحتى ان لم تتضمن أعمالا عدائية، فإنها تنطوي على تهديد مستمر. لذلك لابد أن تؤسس حالة السلام رسميا وعرفيا، فتعليق الأعمال العدائية ليس في حد ذاته ضماناً للسلام.

يرى كانط في فكرته لتاريخ عام من أجل هدف عالمي (1784) ضرورة صنع السلام في ظروف تهيمن عليها العداوات تاريخياً بين الدول. وأن الطبيعة أرادت أن يتكفل الأنسان وبمبادرة خاصة منه بتكوين كل ما يتجاوز النظام الميكانيكي لوجوده الحيواني، وأنه لا ينبغي له أن يرنو الى أي سعادة أخرى غير الكمال من الذي حصل عليه بنفسه بدون غريزه من خلال عقله الخاص. ولذلك،المطلوب تشريع دستور مدني من خلال العقل، الذي مطلوب أن يحكم العلاقات الدولية ايضا.

يعتمد خلق السلام الدائم على عدد من الشروط المسبقة مطلوب الوفاء بها لأنها هي ما يغيًر الظروف التي تؤدي إلى الحرب. يعتقد كانط أن الحرب قد تفيد الحكام وهي في غير مصلحة المواطنين الأحرار الذين يعيشون داخل جمهورية، فالمواطنون يترددون في الشروع في هكذا مشروع خطير للغاية. لأن هذا من شأنه أن يستدعي كل بؤس الحرب. فالحرب تفرض عليهم القيام بالقتال بأنفسهم، وتوفير تكاليف الحرب من مواردهم الخاصة و تحمل عبء الديون وما يحل من خراب. ومع ذلك ، يمكن أيضاً أن يكون العقل هو أساس السلام بين الدول. بوصف العقل ، أعلى سلطة أخلاقية تشريعية. إنه يدين الحرب كاختبار للحقوق وينشئ السلام كواجب فوري. يتطلب أن يكون السلام آمنًا إنشاء "اتحاد فيدرالي" يضمن حقوق وحرية كل من الطرفين المتعاقدين.

ويمكن نقد آراء كانط حول الحرب في قوله أن الحرب قد تفيد الحكام، إلا أنها لا يمكن أن تكون في مصلحة المواطنين الأحرار.   فيبدو كانط كما لو لم يكن محيطا بالاجتياحات الجماعية. لحروب بين شعوب أو مدن بأكملها، مندفعة لإبادة أو استعباد بعضها بعضاً لأسباب اقتصادية أو ديموغرافية أو دينية أو عرقية.

ومع ذلك، بالنسبة لكانط، فإن كل الحروب تقف محكومًا عليها بالأدانة لخرقها العقل ولأخلاق العالمية ، إن إدانته للحرب مستمدة مباشرة من وجهة نظره حول العقلانية الإنسانية والنظام الأخلاقي العالمي. وبالتالي، فإنه بعيدًا عن تصور الحرب كعنصر تأسيسي في التكوين الاجتماعي، يعتبرها انحرافًا للعقل البشري والشرعية المطلوبة التي تدعم المجتمعات الحرة.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

 

ميثم الجنابيالمحور الرابع: الأسس الاجتماعية والسياسية للظاهرة الصدامية (4)

• العراق الحالي كيان هلامي، أي فاقد للتنظيم الاجتماعي وشبه خال من الطبقات والفئات الاجتماعية. ما هي القدرة "الخارقة" المميزة للصدامية التي جعلتها قادرة على "تذويب" المجتمع العراقي أو تدمير بنيته الداخلية المجتمعية؟ أليس ذلك كان أيضا الحاضنة الرئيسية للظاهرة التوتاليتارية؟

التوتاليتارية والتحلل الاجتماعي صنوان. كل منهما يصنع الآخر. وفي هذا تكمن طبيعتها الرخوية. وليس مصادفة أن ينهار البنيان التوتاليتاري الضخم بين ليلة وضحاها كما لو أنه لم يكن شيئا. وكان يمكن رؤية هذه الحالة في مجرى الغزو الأمريكي للعراق. فهي المرة الأولى في تاريخه العريق، التي لا يواجه فيها الغزاة مواجهة تذكر! وتتصف هذه الحالة بالغرابة الفعلية التي تحتاج إلى دراسات اجتماعية نفسية وأخلاقية وسياسية مستقلة. لكن مقدماتها الكبرى والعامة تكمن دون شك في الظاهرة التوتاليتارية الصدامية. فإذا كانت إحدى سمات التوتاليتارية تقوم في جعل المجتمع كيانا هلاميا و"جماهيريا" فقط، أي رعاعا بلا عمود فقري خاص بها، فإن ذلك لا يفقدها شكيمة التحدي والاعتزاز الذاتي الكبير والاستعداد للتضحية كما تكشف عنه التجارب التاريخية لألمانيا النازية وروسيا السوفيتية. والفرق يكمن في طبيعة البنية الاجتماعية والثقافية. ففي التوتاليتاريات "الكلاسيكية" تسود فكرة الدولة أو القومية بمعاييرها الذاتية، أما في الصدامية فقد جرى توليف فكرة الدولة والقومية بمعايير البنية التقليدية المتخلفة (الفئوية والجهوية والطائفية والقبلية والعائلية). من هنا تصنيعها لمسخ مشوه في موازينه الذاتية. وقد وجد هذا المسخ في المجتمع العراقي مسرحا لتمثيل مهازله المبكية!

فقد كانت التوتاليتارية الصدامية استكمالا للنزعة الدكتاتورية. وليس بالعكس، كما هو الحال بالنسبة للتوتاليتاريات "الكلاسيكية". من هنا ابتداءها بإرساء "منظومة" جديدة من التحريم والتجريم. بمعنى استعادتها القاسية للفكرة اللاهوتية القديمة ولكن من خلال تفريغها التام من أبعادها الأخلاقية والعقائدية، أي من خلال فقدانها لقيم أخلاقية تناسبها ورؤية ملزمة للجميع. ومن ثم محاولتها وضع نفسها عوضا عن الله دون أن تتمتع بأدنى قدر من المشابهة. ولم يكن ذلك معزولا عن نفسية وذهنية الحثالة الاجتماعية والهامشية الثقافية والراديكالية السياسية التي ميزت حزب البعث بشكل عام والصدامية بشكل خاص. من هنا يمكن فهم الأسباب القائمة وراء محاربة كل احتمال خارج تصوراتها. فهي ليست فقط لا تعي قيمة الخلاف والاختلاف، بل وتجعل من محاربتهما الأسلوب الوحيد "لنقاء" مبادئها الخاصة. وهذه بدورها ليسا إلا الصيغة المقلوبة لسيادة الجهل والبلادة. وعندما تصبح هذه الصفات مكونات جوهرية في عقيدة الحزب، عندها يصبح المبدأ الوحيد المقبول للحزب هو الوقوف بالضد من كل تنوع واختلاف وديناميكية وإبداع حر. حينذاك تتحول الحياة إلى سجن صغير وضيق ونتن. مع ما يرافقه من مصادرة العقل والضمير والروح والجسد. بحيث يجعل من الحياة مجرد زمن يفتقد حتى إلى لذة ومعنى صراخ الوجود والعدم (الولادة والموت). الأمر الذي جعل من البعث والصدامية مجرد إرادة باردة في صنع سدود الموت في كل شيء وتجاه كل شيء بوصفها سدود المنعة والمناعة والقوة والنظام. وفي مظاهرها تشبه السدود الكبرى التي تولد طاقة الكهرباء وتنسيق الري، لكنها لا تعمل في نهاية المطاف إلا على قتل الحياة في المياه نفسها. إنها تجعل من مصدر الحياة قوة ميتة!

في هذه الممارسة كان يكمن احد مصادر تثبيت التوتاليتارية، أي تراكم الدكتاتورية في توتاليتارية. ثم اشتراكهما اللاحق في تفتيت الوجود الاجتماعي، بل وتفتيت كل شيء. من هنا قسوة الصدامية ودورها المدمر في العراق. فالتوتاليتارية والدكتاتورية عجلات تدور في آن واحد. مع إنهما ليسا من هوية واحدة. أما الصدامية فقد جعلتهما من طبيعة واحدة ومستوى واحد. بل يمكنني القول، بأنها اختزلت التوتاليتارية إلى دكتاتورية فردية خالصة. لكنها دكتاتورية متخلفة وتقليدية من حيث بنيتها. وفي هذا تكمن خصوصيتها. فخصوصية الصدامية بهذا الصدد تقوم في قدرتها على تدمير المجتمع من خلال تصنيع دكتاتورية توتاليتارية فئوية جهوية عائلية فردية. وفيها نعثر على كيفية انتقال الهامشية والأطراف إلى المركز. فإذا كانت التوتاليتارية الكلاسيكية تتطابق مع مركزية الدولة و"سمو" الأمة، فإن الصدامية اختزلت الدولة إلى سلطة عصابة، والأمة إلى عصابة عائلية.

• الظاهرة الصدامية نتاج موضوعي لطبيعة المجتمعات العربية بشكل عام والمجتمع العراقي بشكل خاص والوضعية الدولية، هل يمكن تحديد هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، التي شكلت الفضاء العام لولادة هذه الظاهرة؟

إن كل ما يظهر للوجود يتسم بقدر من "الموضوعية". وبالتالي، فإن ظهوره يشكل بحد ذاته دليلا على وجوده. غير أنه ليس كل ظهور يتسم بصفة الوجوب والحتمية. فالصدامية ظاهرة سياسية عابرة أكثر من كونها ظاهرة تاريخية كبرى. فهي لم تصنع وعيا اجتماعيا أو قوميا ذاتيا. على العكس أن بقاءها المحتمل والحتمي لا يتعدى كونها مجرد إشارة أو رمز في الذاكرة النقدية للوعي التاريخي، كما يتذكر العرب على سبيل المثال "سيل العرم" أو أيما شيء من هذا القبيل. والسبب يكمن كما أشرت سابقا إلى أنها نتاج تلاقي مقدمات خربة بمجموعها. إذ جسّدت بصورة نموذجية طبيعة ومستوى وحجم الخروج على منطق التاريخ والعقلانية. فهي ليست نتاج زمن السيادة البليدة للراديكالية السياسية، بل ولأشد أشكالها هامشية من الناحية الاجتماعية والثقافية. وفي الوقت نفسه غلّفت مكوناتها الأساسية هذه بفكرة عقائدية كبرى (البعثية). مما جعل منها أكثر القوى تخريبا وفسادا. وإذا كان بالإمكان الحديث عنها باعتبارها "نتاجا موضوعيا لطبيعة المجتمعات العربية بشكل عام والعراق بشكل خاص"، فإن المقصود بذلك هو تمثلها للحالة التي لازمت صعود الراديكالية السياسية الخربة والحثالة الاجتماعية والتحزب والأيديولوجية الفجة وسيطرتها على العوام و"الخواص"، أي عندما تحول "الشارع" إلى مقولة فكرية وسياسية!! مع إننا في العراق نطلق عبارة "ابن شارع" عندما نريد وصف امرأ بالسوء وانعدام الذوق والتربية. غير أن الحالة تغيرت وتبدلت مع صعود الراديكالية السياسية التي جعلت من العوام والشارع والجماهير وما شابه ذلك من المفاهيم الوصفية العادية قيمة معنوية وفكرية وثقافية رفيعة! بل جرى رفعها إلى مصاف المقولات والمفاهيم والمبادئ العقائدية المقدسة! وليس مصادفة أن تكمن مقدمات صعود الصدامية في كيفية انتقال الراديكالية السياسية إلى السلطة عبر المؤامرات والانقلابات العسكرية، وكذلك في نوعية انتقال الهامشية والأطراف إلى المركز، وفي حجم ومستوى احتلال الحثالة الاجتماعية لمرافق الدولة.

إن هذه المقدمات السياسية والاجتماعية التي كانت تختزن عناصر الدمار الفعلي لفكرة الدولة والمجتمع هي التي جعلت من الممكن صعود الصدامية. فقد تحول تاريخ العراق الحديث بعد انقلاب الرابع عشر من تموز 1958 إلى زمن المؤامرات الحزبية والانقلابات العسكرية، وبالتالي إلى زمن سيادة الراديكالية بمختلف أصنافها. مما جعل من انتقال الهامشية والأطراف إلى المركز أمرا "موضوعيا"، بل "حتميا" كما نراه على سبيل المثال في حجم ومستوى احتلال الحثالة الاجتماعية لمرافق الدولة. ولم يكن هذا الانتقال معزولا عن طبيعة المرحلة التاريخية، وحجم الأوهام الأيديولوجية المسيطرة في الوعي السياسي والاجتماعي على النطاق العالمي أيضا.

فقد كان لتلك المرحلة تأثيرها الهائل في تصنيع الأوهام والقيم والمفاهيم. لكن إذا كان الصراع العالمي بين النظامين (الرأسمالي والاشتراكي) أو بصورة أدق بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة له أسسه الخاصة، فإن انتشار شظاياه إلى مختلف القارات والدول قد أدى إلى توسيع الأوهام والقيم المزيفة. وذلك لأنه أشرك قارات ودول وأمم في فلك صراع شامل دون أن تكون هي قوى فاعلة فيه. من هنا هامشيتها فيه. وليس مصادفة أن يؤدي ذلك إلى صعود الهامشية السياسية في دول "العالم الثالث"، بما في ذلك في العالم العربي (والعراق في الحال المعنية). وشأن كل ظاهرة من هذا القبيل، فإنها عادة ما تتشوه بصورة أكبر حالما يجري نقلها من ميدان الصراع العالمي إلى ميدان الصراع المحلي.

فقد أدى الصراع بين منظومتين متناحرتين إلى محاصرة الجميع. أما محاولات الخروج على هذه "الثنائية الخربة" للوجود التاريخي والمستقبل، فإنها كانت تصب في تعميق مقدماتها السيئة. بمعنى أن بحثها عن بدائل عادة ما كان يجبرها على توظيف خليط من القيم والمفاهيم والأساليب غير المتجانسة بل والمتناقضة. وذلك لأن كل أفعالها كانت محكومة من حيث النشأة أما بنفسية "المعارضة" المزيفة وإما بفكرة "الأصالة" الأكثر زيفا.

لقد أدى هذا بدوره إلى استفحال قيم الأيديولوجية. فقد كانت المرجعية الروحية للاختلاف بين المنظومات مبنية على أسس عقائدية. وتحول "الصراع الأيديولوجي" إلى مرجعية كبرى في النظر إلى كل شيء، بحيث حكمت بصورة تامة الرؤية العملية والسياسية للدول والأحزاب. وهي الحالة التي اشتدت فاعليتها في التاريخ السياسي الحديث للعراق في النصف الثاني من القرن العشرين. وليست الصدامية في الواقع سوى التمثيل "الأنقى" لهذه التشوه الفظيع. بعبارة أخرى، لقد أدى كل ذلك إلى توسيع وتمتين أسس المغامرة الصدامية، بوصفها إحدى الظواهر الأشد تشوها لتقاليد الدكتاتورية والتوتاليتارية.

• في قراءة حفريات الدولة العراقية الحديثة يمكننا رؤية بنيتها الطائفية المبطنة، بمعنى احتكار الأقلية الطائفية للدولة. هل يمكن اعتبار هذا الواقع احد الأسباب الجوهرية في إنتاج الظاهرة الصدامية؟

إن الدولة العراقية الحديثة بحدودها الحالية هي نتاج تاريخها الذاتي. فقد استتبت ضمن حدودها الحالية في مجرى قرون عديدة. وما قبل ذلك تعرضت إلى عملية توسع وتقلص، بالارتباط مع كيفية صيرورة الدول والإمبراطوريات فيه. ولكل حالة ميزاتها وخصوصيتها، لكنها كلها كانت تدور حول فلك العراق الحالي. الأمر الذي يجعل من الأحاديث السياسية عما يسمى بتصنيع الانجليز للعراق الحديث أو انه نتاج سياسة خارجية تعادل الجهل بحقيقة العراق الجغرافية والتاريخية والثقافية. فالتغير الوحيد الطفيف فيه يقوم في تبدل الأقوام وانتقال بعضها إليه في ظل ثبات مكوناته الأولية، أي الشعوب العراقية القديمة التي تعرّب اغلبها مع مرور الزمن. وهي الحالة التي ميزت اغلب الدول العربية. كما أنها عملية تاريخية ثقافية كبرى يقوم فحواها فيما ادعوه بالأبعاد الثقافية للقومية العربية، أي افتقادها للمضمون العرقي. فالقومية العربية قومية ثقافية وليست عرقية. وقد جسّدها العراق بصورة نموذجية وبالأخص في مجر تحوله إلى مركز الصيرورة التاريخية للفكرة العربية في ظل الخلافة العربية الإسلامية. ولم تفقد سماتها الجوهرية حتى زمن بروزه الأخير في القرن العشرين بوصفه دولة مستقلة لها حدودها الجغرافية السياسية.

ليس المقصود مما أوردته أعلاه سوى الإشارة إلى أن حقيقة الدولة العراقية الحديثة تنبع من أصول تاريخية ثقافية عريقة خاصة. أما شكلها السياسي الحالي فقد ارتبط دون شك بنتائج الغزو والاحتلال الكولونيالي البريطاني والفرنسي. غير أن شكل وحدود العراق والدول العربية عموما يقترب مما هو متراكم ومحدد من الناحية التاريخية بحدود الولايات أو الأمصار العربية القديمة بما في ذلك في المرحلة الأخيرة من الدولة العثمانية. لكنه شأن كل تقسيم مفتعل لم يخل من نواقص كانت بدورها مرتبطة فيما يخص العراق بافتقاده إلى تاريخه السياسي الذاتي المستقل على امتداد قرون عديدة في ظل السيطرة العثمانية.

لقد أدى تلاقي فقدان العراق لتاريخه السياسي الذاتي المستقل في غضون قرون عديدة مع التجزئة الكولونيالية للعالم العربي إلى ظهور العراق الجديد ممزوجا بعجينة التخلف وبقايا التقاليد العثمانية المتهرئة. وهي تقاليد محكومة بخليط غير متجانس من العرقية والجهوية والطائفية والاستبداد. ولم يكن بالإمكان التخلص من كل هذا الكم الخرب الذي ميز بقدر واحد اغلب دول العالم العربي وتركيا أيضا، إلا من خلال نظام جديد يتخذ من الحداثة أسلوبا منهجيا في بناء الدولة والمجتمع ونظام الحكم. وبدأت هذه العملية في التراكم والرسوخ النسبي مع الاعتراف بالنظام الملكي. لكنه كان يعاني في البدء من ثقل التقاليد المشار إليها أعلاه، وضعف البنية الاجتماعية، والتخلف الاقتصادي والثقافي، وانعدام العلم والصناعة. كما انه كان يعاني من ضعف وخلل النخبة السياسية والفكرية. وليست الملكية المستوردة في بدايتها سوى احد النماذج الكبرى لهذا الخلل. إنها تعكس عدم قدرة المجتمع آنذاك على صنع نخبه السياسية.

فقد كانت "النخبة السياسية" العراقية آنذاك متربية أما بتقاليد العثمانية العسكرية وأما بالتقاليد المذهبية الفارسية. وكلاهما كان معزولا عن تاريخه الذاتي والفكرة العربية، بوصفها المقدمة الضرورية للدولة القومية الحديثة. وقد تلاقى هذان الطرفان في حبل المشنقة الخفية للصيرورة العراقية الوطنية باعتبارها كينونة عربية ثقافية. الأمر الذي كان ينعش بصورة خفية مختلف مظاهر المذهبية المبطنة والطائفية السياسية. ولم يعن انتصار التقاليد العثمانية (على عكس تركيا الاتاتوركية على سبيل المثال)، سوى استمرار تقاليد الماضي في النظر إلى الدولة والأمة. مما اضعف أو جعل من الصعب عليها العمل بمقاييس الحداثة والوطنية. من هنا سيادة الطائفية السياسية المبطنة. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بأن الدولة العراقية كانت على امتداد تاريخها الحديث دولة طائفية مبطنة محكومة من قبل الأقلية. والنتيجة جلية في تهشم فكرة الوطنية العراقية والفكرة العربية.

فقد كانت الطائفية السنّية طائفية سياسية محكومة بنفسية السلطة. بمعنى أنها تفتقد إلى فكرة الدولة والوطنية العراقية والقومية العربية بالمعنى الدقيق للكلمة. إذ كانت ترى وتسمع وتتحسس وتتذوق كل ما يجري بمعايير وأذواق النفسية السياسية للأقلية. من هنا خروجها على فكرة التاريخ العراقي العام. ووجد ذلك انعكاسه أو ذروته في الصدامية. وليس مصادفة أن نرى الخط البياني النازل في مجرى استحكامها بالسلطة بالانتقال من القومية إلى الجهوية والمحلية، ومنهما إلى الفئوية والقبلية، ومنهما إلى العائلية والفردية، ومنهما إلى الانزواء التام عن المجتمع وهمومه.

ويقف العراق حاليا أمام نفس هذه المعضلة. بمعنى إمكانية إعادة استفحال الطائفية السياسية ولكن بشكلها الشيعي. وهي عملية يمكن فهم محدداتها الأولية بوصفها رد فعل تاريخي سياسي، لكنها لا تفعل في نهاية المطاف إلا على إعادة إنتاج نفس الخلل البنيوي الذي لازم الدولة العراقية الحديثة. طبعا أن الطائفية السياسية الشيعية تحتوي على إمكانية تذليل نفسية وتناقض الأقلية والأغلبية لكنها لا تشكل ضمانة بحد ذاتها على إلغاء فكرة الطائفية السياسية إلا من خلال التخلي التام عنها عبر إرساء أسس الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي الاجتماعي والسير ضمن دروب الحداثة بمعايير العقلانية والتراث القومي العربي. بعبارة أخرى، إن المهمة تقوم في نفي الطائفية السياسية وتذليل مختلف أشكال ومظاهر ومقدمات التدين الطائفي والمذهبي عبر الرجوع إلى فكرة العربية الثقافية، أي وحدة الحداثة والدولة الشرعية.

 

ميثم الجنابي

 

 

لا تعرف الثقافة العربية المعاصرة السوبرمان أو الإنسان المتفوق .. إنها ثقافة الإنسان العادي، الذي يرى الفيلسوف الصيني لاوتزي أن أهم صفاته هو "تحرره أو حريته من أفكاره الخاصة" .. الثقافة العربية المعاصرة ثقافة تقوم على مساواتية هوياتية وتهدف في أفضل أشكالها إلى تكريس تلك المساواتية بمساواتية مفترضة، نسبية طبعا .. لا تعرف الثقافة العربية المعاصرة الفرد، لا تقر بوجوده ولا تراه أصلا .. إنها تعرفه بنفي ذاته وفرادانيته أولا، ولا ترى أي جدوى ولا تشعر حتى برغبة في مساءلة قدره أو في تحديه، إنها تكرس "قدره" .. وهي وإن كانت تريد "تحريره" فإن ما تريد أن تحرره هو القطيع الذي ينتمي إليه، لا الفرد في داخله أو في ذاته .. إنها خلافا لنيتشه، لا ترى القطيع سجنا للإنسان، الفرد، بل تراه تحققه الوحيد الممكن : فقط في القطيع يمكن أن يوجد ويحصل على ما يمكن أن يحصل عليه : فقط كفرد من القطيع .. والضعف عندها هو الوسيلة والفضيلة لا القوة .. وإرادته خاضعة لإرادة الله، وإن لم يكن فلإرادة القدر .. لم تشكك الثقافة العربية المعاصرة بما سماه نيتشه بأخلاق العبيد ولا ثقافة القطيع، على العكس تماما : هي ليست أخلاقية فقط بل سوبر أخلاقية، وليست قطيعية بل سوبر قطيعية : المواطن "الصالح" هو نموذجها ومثالها وغايتها لا الإنسان المتفوق حسب نيتشه أو المتفرد حسب ماكس شتيرنر .. ها هو ذا مالك بن نبي يريد أن "ينقذ" مفكرا جزائريا : عبد العزيز الخالدي، من براثن أستاذ شيوعي .. يقول له أحد أصدقائه "إن خالدي في ذمتنا يا سي الصديق"، لا يجوز أن نتركه للتيارات التي "لا تتفق مع فكرتنا وشخصيتنا وتاريخنا" .. فيقرر بن نبي أن يقدم له أحد كتب نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، فيتوب المفكر وتنتهي حيرته، وكما يخبرنا بن نبي "و هكذا رجعت نعجة تائهة ردها نيتشه إلى القطيع الإصلاحي" (مالك بن نبي، مذكرات شاهد القرن، دار الفكر المعاصر 1984، ص 346) ..

نبي الفردانية والإنسان المتفوق وإرادة القوة، تستخدم كلماته التي تقطع كالفأس لهداية النعجات التائهة إلى "فكرنا وشخصيتنا وتاريخنا" .. وأخيرا تستخدم عدميته التي تنفي كل شيء عدا الفرد لوصف داعش التي تنفي الفرد بأقصى تطرف ولا تثبت الإنسان إلا بحالته السوبر قطيعية ... يمكن التساؤل هنا كيف فهم بن نبي والخالدي كلمات نيتشه الفولاذية عن موت الإله واستبداله بالإنسان الأعلى، عن الأقوياء الذين يستغنون عن القطيع ولا يهابون مواجهة الخوف والخطر، لا يحلمون إلا بالمجهول ولا يطلبون إلا المستحيل .. وكيف نفهم اليوم أيضا عدمية نيتشه ... هكذا قرأ نيتشه عربيا، نهضويا وفلسفيا وأخلاقيا وإصلاحيا .. إذا كان نيتشه قد حاول التفلسف باستخدام المطرقة فإننا نتفلسف باستخدام البخور .. إذا كان نيتشه قد حلم بأن يحمل سيفا فنحن نفضل سياطنا المرئية وغير المرئية .. إذا كان نيتشه قد أمات الآلهة ليولد الإنسان المتفوق فإننا ما زلنا نمارس فناء الذات في المقدس، أو في القطيع .. إذا كان نيتشه قد حلم بالطيران عاليا في الفضاء ولو لبرهة هي حياتنا القصيرة الفانية على هذه الأرض، فإننا نؤثر الالتصاق "بأرض الواقع"، ولو لبرهة فقط ..

 

مازن كم الماز

 

 

يفرق الأنثروبولوجيون الثقافيون (الغربيون) بين مجتمعات الذنب ومجتمعات العار - الخجل وتلك التي تقوم على الخوف، حسب الآلية المستخدمة للسيطرة على الأفراد و"الحفاظ على نظام أو تماسك المجتمع" .. تتحقق هذه السيطرة في مجتمعات الذنب بخلق وتكريس مشاعر الذنب وتوقع العقاب سواء في هذا العالم أو بعد الموت عقابا على سلوكيات أو أفعال معينة، أما مجتمعات العار - الشرف أو الخجل فهي تعتمد على مشاعر الخجل والتهديد بالنبذ الاجتماعي .. ثقافة العار - الشرف تقوم أساسا على المظاهر وعلى تواطؤ الجميع على الاستسلام للقيم السائدة مهما بلغت من تفاهة ومهما كانت درجة اقتناعهم والتزامهم بها في الواقع .. يعتبر كثير من الأنثروبولوجيون الثقافيون مجتمعاتنا، المشرقية والعربية إسلامية أو مسيحية، مجتمعات قائمة على العار - الشرف ومركزية مشاعر الخجل في مقابل المجتمعات الغربية التي تستخدم آليات الذنب الشعورية والتهديد بالعقاب للسيطرة على الفرد ..

وطالما أن الأفراد في مجتمعات العار - الشرف مستعدون لفعل أي شيء "للحفاظ على شرفهم" أي على المظاهر المرتبط بقيم وفكرة العار - الشرف فإن السائد بين الأنثروبولوجيين الغربيين أن هذه المجتمعات أميل للعنف .. أما النوع الثالث من المجتمعات: مجتمعات الخوف، فهي تلك التي تقوم على الخوف من العقاب والعنف المباشر .. كي نفهم الفروق بين هذه الثقافات والجماعات يمكن أن نتصور الفرد في المجتمعات الأولى وهو يتساءل قبل أن يقوم بأي سلوك: هل سلوكي "صحيح" أم لا، بينما يتساءل الفرد في المجتمعات القائمة على ثقافة العار - الشرف: هل سأجلب العار على نفسي بتصرفي هذا وكيف سينظر إلي الناس، أما الفرد في المجتمعات القائمة على الخوف فيطرح سؤال وحيد في كل الأوقات: هل سيضربني أحدهم إذا قمت بهذا؟ .. أحد "بدع" الأنثروبولوجيا الثقافية الغربية هو مفاضلتها بين آليات سحق ذوات الأفراد وتدجينهم : أن الروبوتات، الماكينات، أو المسخ التي تنتجها آليات التهديد بالعقاب ومشاعر الذنب أقل عدوانية وعنفا من الروبوتات التي تنتجها ثقافة العار - الشرف ..

يقول الأنثروبولوجيون الغربيون أن مشاعر الذنب تترك هامشا ما للفرد كي يتحاور مع المؤسسات العقابية ويقاومها أحيانا، كي يتنفس ولو بعضا من فرديته، فيما تسحق مشاعر العار - الشرف - الخجل أية قوة واستقلالية خاصة بالإنسان وتسحقه وتتركه عاريا، مهزوما من داخله .. إن الخوف من العقاب لا يمكن أن يقارن كقوة تدجين ورعب بمشاعر العار والخجل .. لكن إذا تركنا الروبوتات في الغرب سعيدين باكتشافهم هذا وانتقلنا إلى شرقنا يمكننا القول أننا نعيش اليوم في مجتمعات يوحدها الخوف من العنف العاري، من الاستباحة المحتملة في أية لحظة .. وإذا لاحظنا أيضا أن المشروع الإسلامي يقوم على إعادة الاعتبار لثقافة العار - الشرف، كان من المنتظر من هؤلاء أن يعودوا بنا من مجتمعات الخوف القائمة إلى مجتمعات العار - الشرف - الخجل السابقة، الماضوية، على اعتبار أن مفاهيم ومشاعر العار - الخجل هي "أصيلة داخلنا"، جزء من "هويتنا" الخ، كما يقول الإسلاميون ومن يلف لفهم .. لكن ما رأيناه في الممارسة أن الإسلاميين هم أيضا يلجؤون لثقافة الخوف التي زعموا أنهم يمثلون نقيضها وأنهم يعيدون تأسيس جماعاتنا "الأهلية" على أساسها .. كل ما هنالك أنهم يستخدمون ثقافة العار - الشرف - الخجل في إنتاج نوع جديد من الحرس - العسس - الجلادين ليمارسوا عن طريقهم ثقافة الخوف والإكراه المباشر على الآخرين ... ونبقى حائرين، بين ثقافات الخوف السائدة أو تبني آليات جديدة للاستلاب والقمع "أكثر عقلانية" و"أقل عنفا" أو "العودة إلى أصالتنا" المتمثلة في ثقافات العار - الشرف - الخجل وإعادة إنتاج جماعات من الروبوتات التي لا تجيد إلا السمع والطاعة، والقتل أو الموت، إذا صدرت الأوامر ...

 

مازن كم الماز

 

صالح الطائيأشرت في كتابي نظرية فارسية التشيع إلى أن الإدعاء القائل بأن فرقة الخوارج وغيرها من الفرق المارقة؛ التي يدعون أن ولادتها ووجودها كان فوريا لحظويا، وجاء وليد اللحظة، كرد فعل على أمر ما استفزهم، إنما هو تضليل سياسي وإعلامي هدفه التغطية على دور السياسيين العرب الناهض في صنع تلك الفرق وتوظيفها، إذ ثبت لي بالدليل القاطع أن السياسيين العرب:

هم الذين حاربوا الإسلام في الطور المكي من عمر البعثة، ليس دفاعا عن أصنام يعرفون قبل غيرهم أنها لا تنفع ولا تضر، وإنما قاتلوه دفاعا عن مصالحهم الدنيوية، ومراكزهم الاجتماعية!

وهم الذين حاربوه في الطور المدني، ليؤسسوا لأنفسهم مواقع في داخله، تتيح لهم التحرك لهدمه، أو توظيفه ليخدمهم ويحقق طموحاتهم!.

وهم الذين أوحوا للعشائر في السنة الثامنة للهجرة لتُسْتنفر وتهب متوجهة صوب المدينة لتعلن إسلامها.

وهم الذين حاربوه بصور متنوعة على مر التاريخ.

وهم الذين كانوا ولا زالوا يحاربونه إلى الآن، بسبب تلك المواريث الجاهلية وبنفس أساليبها.

وكنت قد خصصت فصلا في كتاب "نظرية فارسية التشيع" وجزءً من أصل جزئين من كتاب "الحسن بن علي الإمامة المنسية" للحديث عن ذلك، وعن دور السياسيين العرب الكبير في تلك المراحل، وأشبعته بحثا، فثبت لي من خلال البحث والتقصي أن الأعم الأغلب من هذه الفرق إنما هي من صنع السياسيين أنفسهم، وأنها كانت حينما تُعلِن عن نفسها، أو يُعلنُ عنها؛ تكون في كامل الجهوزية، إعدادا وتدريبا وترتيبا، وعلى استعداد تام لأداء دورها المرسوم لها. ولذا تجدهم كما وصفهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): "يخرجون على حين فرقة من الناس" حيث يستغل السياسيون فُرقة الناس، كما يحدث الآن في العراق وسوريا واليمن والبحرين وتونس، فيحركونهم كأدوات للقتل، مستغلين جهلهم وغباءهم.!

وبناء عليه، أقول: في الوقت الذي أشارت فيه مصادر التاريخ، وأجمعت على أن ولادة فرقة الخوارج، جاءت رد فعل لرفع المصاحف على الرماح في حرب صفين، ولاسيما بعد أن ظهر أن علي (عليه السلام) لم يعترف برفعها، بل وأراد من جنده أن لا يتهاونوا ولا يضعفوا بسببها، لأنها مجرد خدعة سياسية بنيت على مكر سياسي كبير، فحثهم على الاستمرار بالقتال حتى والمصاحف مرفوعة على الرماح!. وأن مجموعة من جيشه أغلبهم من القراء رفضوا التصديق بأقواله، ولم يأخذوا بها؛ فجاء ردهم كنوع من تعلقهم بالقرآن واحترامهم له، ورغبتهم في أن يكون الحَكَم بين المسلمين في الأزمات.

بسبب ما تقدم أرى أن ذلك الرأي يحتاج إلى المراجعة والتصحيح، فالوقائع والأدلة تثبت يقينا أن الخوارج كانوا موجودين ومنظمين ومرتبين ومهيئين لأداء دورهم في الوقت المناسب والمكان المناسب، وانهم كانوا خلايا نائمة في انتظار إشارة أسيادهم، فلما حان دور الإفادة منهم في أحلك أيام صفين، امروا بالظهور، فظهروا واعلنوا عن أنفسهم، وأدوا دورهم، فظن المؤرخون وغيرهم ظنا أن ظهورهم الذي بدا وكأنه مفاجئً ومن دون مقدمات؛ أنهم ولدوا مصادفة في تلك اللحظة الحاسمة، وهو أمر لا يتقبله العقل، ولا يمكن تصديقه، أو الركون إليه، ويراد من ورائه تسطيح الفكر الإسلامي. يثبت صدق رأينا، وصحة استنتاجنا؛ وجود مجموعة قرائن مهمة جدا، يُستنتج منها أنهم كانوا موجودين قبل تاريخ صفين، وقبل الجمل، وقبل الكثير من الأحداث الأخرى، ومن هذه القرائن:

أولا: ما يدل على وجودهم في عصر البعثة، وتكاد قصة "ذي الثدية" أن تكون أشهر من نار على علم، حيث حرص رسول الله (صلى الله عليه وآله) على قتله لتخليص الأمة من شروره المرتقبة، ولكن اللذين أرسلهما النبي لقتله؛ انخدعا بوقوفه خاشعا يصلي فتركاه وعادا إلى مواضعهما، فأرسل النبي عليا ليقتله، فلم يجده في مكانه، فرجع. هنا تورد مصادر التاريخ المعتبرة ومنها الإصابة لابن حجر، وحلية الأولياء لأبي نعيم، والبداية والنهاية لابن كثير أن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، قال بعد عودة علي (عليه السلام): "لو قتل ما اختلف من أمتي رجلان"(1)

ذو الثدية هذا، هو: الخويصرة التميمي، ذكره ابن الأثير في أسد الغابة، مستدركا على من لم يذكره في الصحابة، وأورد في ترجمته ما أخرجه البخاري من حديث أبى سعيد، قال: بينا رسول الله يقسم ذات يوم قسما، فقال ذو الخويصرة؛ رجل من بني تميم: يا رسول الله اعدل، فقال: "ويلك من يعدل إذا لم أعدل" (2)

وأخرجه مسلم أيضا: "إنكم لتخبروني عن رجل أن في وجهه لسفعة من الشيطان. فأقبل حتى وقف عليهم، ولم يسلم، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنشدك الله، هل قلت حين وقفت على المجلس: ما في القوم أحد أفضل مني أو خير مني؟ قال: اللهم نعم، ثم دخل يصلي، فقال رسول الله: من يقتل الرجل؟ قال أبو بكر: أنا. فدخل عليه فوجده يصلي، فقال: سبحان الله: أقتل رجلا يصلي؟ وقد نهى رسول الله عن قتل المصلين؟ فخرج، فقال رسول الله: ما فعلت؟ قال كرهت أن أقتله وهو يصلي، وقد نهيتَ عن قتل المصلين. قال رسول الله: من يقتل الرجل؟ قال عمر: أنا، فدخل، فوجده واضعا جبهته، قال عمر: أبو بكر أفضل مني. فخرج، فقال النبي: مهيم؟ قال: وجدته واضعا جبهته لله، فكرهت أن أقتله. فقال (صلى الله عليه وآله): من يقتل الرجل؟ فقال علي: أنا. فقال ( صلى الله عليه وآله ): أنت إن أدركته. فدخل عليه، فوجده قد خرج، فقال (صلى الله عليه وآله): "لو قتل ما اختلف من أمتي رجلان".

وفي أسد الغابة، عن الخدري، قال: قال ذو الخويصرة: يا رسول الله اعدل، فقال: ويلك ومن يعدل إذا لم اعدل. فقال عمر: ائذن لي فلأضرب عنقه، قال: "لا. إن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كمروق السهم من الرمية... يخرجون على حين فرقة من الناس"(3) فهذه الروايات تثبت وجود الخوارج في عصر البعثة، إذ لم يكن ذو الخويصرة وحده بدلالة قول النبي: "إن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم".

ومن غرائب الدهر أن تجد "ذو الخويصرة" قد ذكر مع الصحابة، وهو ما دفع ابن حجر العسقلاني إلى القول: "ووقع في موضع آخر في البخاري، فقال: عبد الله بن ذي الخويصرة، وعندي في ذكره في الصحابة وقفة"(4)

وتجد له ذكر في فتوح العراق، ذكر الطَبري في حديثه عن فتح الأهواز سنة سبع عشرة أن عُتبة بن غزوان كتب إلى عمر يستمدّه، فأمده بحرقوص بن زهير، وكانت له صحبة؛ وأمرهُ على القتال على ما غلب عليه، ففتح سوقَ الأهواز(5). وحرقوص هو ذو الخويصرة نفسه، قال الزركلي: "حرقوص بن زهير السعدي، الملقب بذي الخويصرة: صحابي من بني تميم"(6).

والظاهر أن اثر وتأثير السياسيين لا زال فاعلا إلى يومنا الراهن، فهناك من يرفض الاعتقاد بوجود الخوارج في عصر البعثة، إذ جاء في موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام، الباب السابع، فرقة الخوارج، قولهم: "وقد قال بهذا القول كثير من العلماء منهم: الشهرستاني وابن حزم وابن الجوزي، والآجري، إلا أنه ينبغي التفريق بين بدء نزعة الخروج على صورة ما، وظهور الخوارج كفرقة لها آراء وتجمع قوي.

فذو الخويصرة لا يعتبر في الحقيقة زعيماً للخوارج، لأن فعلته حادثة فردية- تقع للحكام كثيراً- ولم يكن له حزب يتزعمه ولا كان مدفوعاً من أحد" وهذا مخالف لما جاء في أسد الغابة عن الخدري، في قول النبي: " إن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كمروق السهم من الرمية".

ثانيا: ما ذكره الطبري، عن محمد بن راشد، عن أبيه، قال: "كان من سيرة علي أن لا يقتل مدبرا ولا يُذفف على جريح، ولا يكشف سترا، ولا يأخذ مالا؛ فقال قوم يومئذ: يُحل لنا دماءهم، ويُحرم علينا أموالهم؟ فقال علي: "القوم أمثالكم، من صفح عنا فهو منا، ونحن منه، ومن لج حتى يصاب؛ فقتاله مني على الصدر والنحر، وإن لكم في خمسه لغنى" فيومئذ تكلمت الخوارج"(7) وهم إن كانوا قد تكلموا يوم الجمل، ووجد هناك من شخصهم وأشار إليهم، فهذا دليل على وجودهم قبل هذا التاريخ، ودليل على معرفة الناس بهم وبوجودهم.

ثالثا: هناك قرينة أخرى لا تقل أهمية، وهي عبارة عن تصرف غريب بدر من واحد منهم، أظنه أخطا في التوقيت، وهو "عروة بن أدية التميمي"؛ الذي صاح قبل أن يجتمع الحكمان في صفين: "لا حكم إلا لله" ظنا منه أن ذاك وقتها(8)، بينما المعروف أنهم وقتوا لإطلاق هذا الشعار السياسي الكبير في مرحلة ما بعد التحكيم تحديدا، وليس قبله، وبعد أن يجبر الإمام على قبول شروط التحكيم المجحفة، فيطلقونه كرفض لهذا القبول المنتظر، ليثيروا الفتنة في صفوف جيش الإمام! وهذا يثبت أن الخوارج كانوا موجودين ومنظمين ومهيئين للعب دور خطير، ويثبت أن موضوع رفع المصاحف على الرماح لم يكن هو الآخر وليد لحظته بل كان ضمن المخطط السياسي لوقائع وصفحات الحرب مع علي! بمعنى أنه كان صفحة قد أعدت سلفا لاستخدامها في مرحلة ما من مراحل الحرب، وهذا ينبيك أن العقل السياسي العربي كان عقلا متقدما على زمانه!

هنا قد يقول قائل: لو كان هذا صحيحا، فلماذا لم ينصرهم جماعتهم يوم رأوا أنهم أحيط بهم، وسوف يقتلون بسيف الخليفة علي وسيوف جيشه في النهروان عن آخرهم، فتركوهم يواجهون مصيرهم الأسود دون عون ومساعدة؟

وهذا سؤال مثمر منتج، أقول جوابا عليه: إن تجميع وتجنيد القراء ضمن هذا التنظيم لم يكن عملا اعتباطيا، وإنما كان عملا سياسيا فريدا أعتمد على تجميع أنموذجات من المسلمين الأكثر التصاقا بحرفية العقيدة، السادرين في فهم العقيدة فهما نمطيا محاكاتيا تقليديا جامدا، من الذين يربطهم مع بعضهم كرههم الخضوع إلى السلطان وإلى الحكم المركزي؛ بسبب تجلي النزعة القبلية البدوية في مبادئهم السياسية(9) وكرههم لتسلط قريش دون غيرها عليهم، وكانوا يناضلون للتخلص من الحكم القرشي. والظاهر أن العقل السياسي العربي رصد فيهم هذه النزعة، ونجح في توظيفها، لتقديمهم إلى المحرقة في الوقت المناسب بعد أن يزج بهم لأداء أحد الأدوار القذرة في المؤامرة ضد أمير المؤمنين، بما يضعهم بمواجهة قوات الخلافة لإضعافها وإنهاكها، ومن ثم التخلص منهم ومن المشاكل التي قد يثيرونها مستقبلا للمتآمرين أنفسهم الذين لم يكن في نيتهم الاهتمام بالجوانب الدينية التي يدقق بشأنها مثل هؤلاء المتزمتين.

طبيعة هؤلاء القراء النمطيين التقليديين المتمسكين بالقشور دون اللب فضلا عن كونها تدل على سذاجتهم وسهولة انقيادهم لمن يخدعهم، فهي تشبه إلى حد كبير طبيعة المسلمين المتطرفين المعاصرين، بل قد يكون هؤلاء حملة فكر من سبقهم من القراء، فأولئك بعد الحوار الذي أجراه الإمام علي بن أبي طالب معهم قبل أن يحاربهم وبعد أن ذكَّرهم بالقرآن والسنة وحدودهما الصحيحة، أدركوا خطأهم و"رجع إليه منهم ألفان، وأقام أربعة آلاف لم يقنعوا برأيه"(10) أما المعاصرون منهم، بكل تشكيلاتهم (الجهادية والحديثية) فلا يمكن إقناعهم أبدا، ولا ينفع معهم إلا السيف، وهذا ما يجب أن تستعد له الدول والحكومات ونعمل به!

أما مسألة تركهم ليموتوا بذلك الشكل المهين رغم كبر دورهم، فلا يقل أهمية في نظر السياسيين أنفسهم عن دور الفتنة التي أثاروها، وليس غريبا أن تجد الدول العظمى، تقوم بدعم وتقوية الإرهابيين لا لتغيير أنماط الحياة الإسلامية نحو الأحسن، كما يفهم البعض، وإنما لتدميرها سواء نجح الإرهابيون بذلك أم لم ينجحوا، وهم كما يقولون في وصفهم لجموع الإرهابيين: "خلق ليفنى" أي خلق لأداء دور ما ينسب إليه، ولا فرق بين موته وحياته بعد ذلك، بل إن موته أفضل من بقائه، ولذا تجدهم يسهمون في قتال الخوارج ليتخلصوا منهم أو ليضعفوهم، كما تفعل أمريكا والدول الغربية اليوم مع الدواعش، فهي من جانب تدعمهم، وتحدد وتقيد حراك من يريد محاربتهم، ومن جهة أخرى ترسل طائراتها وجنودها لمحاربتهم وإضعافهم، لكي لا يتمردوا عليها، ويبقون تحت سيطرتها تحركهم كيفما تشاء، فالفتنة التي أثاروها أثمرت، فحطمت عرى التقارب الإسلامي، وشوهت صورة الإسلام في العالم كله، وهو الدور نفسه الذي لعبوه قديما، فحروب الجمل وصفين والنهروان، وحرب الإمام الحسن ومقتل الإمام الحسين(عليهم السلام) ومقتل زيد ويحيى وقتل أبي حنيفة النعمان وغيرها من مجازر التاريخ الإسلامي الأخرى التي طالت الجميع، إنما هي محطات أريد منها تنقية الأجواء للسياسيين عن طريق التخلص من كل المنافسين الأصليين والمحتملين، والذين سيرفضون المشروع التآمري، وعليه قدمت صفين وحدها إلى الموت أكثر من سبعين ألف مسلم موحد منهم خمسة وأربعون ألفا من أهل الشام، وخمسة وعشرون ألفا من أهل العراق، وفي هؤلاء الكثير من الصحابة ومن أهل بدر!. واستمر تأثيرها فاعلا قويا عبر التاريخ إلى درجة أنها قدمت لنا في عصرنا الراهن القاعدة وداعش وجبهة النصرة والحركات المتطرفة في جميع المذاهب، وهؤلاء بمجموعهم هم الذين تسببوا بقتل مئات الألوف من البشر غالبيتهم من المسلمين، متبعين نفس منهج الخوارج القديم، تحركهم الأصابع نفسها التي كانت تحركهم عبر التاريخ.

 

صالح الطائي

......................

الهوامش

(1) ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، ج1/ص 484، وأبو نعيم، حلية الأولياء، ج 2/ص 317 وج 3/ص 227، وابن كثير، البداية والنهاية، ج7/ص 298.

(2) ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، ج1، ص552، ترجمة ذي الخويصرة.

(3) ابن الأثير، أسد الغابة،ج2، ص19، ترجمة رقم 1541.

(4) ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، ج1/ص552، ترجمة: 2452.

(5) الطبري، تاريخ الطبري، ج4/ص52.

(6) ينظر: الزركلي، خير الدين، الأعلام، ج2/ص173.

(7) الطبري، تاريخ الطبري،ج4، ص 368.

(8) ينظر: اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، جزء2، ص 190.

(9) ينظر: الدوري، مقدمة في تاريخ صدر الإسلام، ص 70.

(10) الدوري، المصدر نفسه، ص193.

 

ميثم الجنابيالمحور الرابع: الأسس الاجتماعية والسياسية للظاهرة الصدامية (3)

• الدولة التوتاليتارية - وليدة أزمات تاريخية تتعرض لها البنية الاجتماعية والاقتصادية. ما هي الأزمة (الأزمات) التي أنتجت الصدامية بوصفها ظاهرة توتاليتارية؟

لقد أجبت على الأسئلة المتعلقة بالجوانب النظرية والتاريخية الخاصة بأثر الأزمة على ظهور أو توليد التوتاليتارية في الملف الأول من هذا الحوار. لهذا اكتفي هنا بالإجابة عن طبيعة وخصوصية الأزمة التاريخية التي جعلت من الممكن ظهور وسيادة التوتاليتارية في العراق.

إن التوتاليتارية نتاج أزمة بنيوية للدولة والأمة والثقافة. إنها نتاج أزمة شاملة تخص الوجود التاريخي لهذا الثالوث وتسعى في الوقت نفسه إلى نفي أو تذليل هذه الأزمة من خلال تقديم بديل شامل واحد "حق". وهو بديل أيديولوجي بالضرورة، ومن ثم طوباوي ومشبع بأوهام مختلفة المشارب (اجتماعية - طبقية وأممية وقومية وعنصرية وغيرها). بعبارة أخرى، إن ظهور التوتاليتارية يعكس الخلل التاريخي الكبير في مسار الدولة والأمة والثقافة، أي كل ما يؤدي إلى حرف المسار التاريخي الطبيعي أو تهديم البنية التاريخية للدولة والأمة والثقافة، أي كل ما ادعوه بسيادة الزمن على التاريخ.

فمن الناحية التاريخية كانت مقدمات الأزمة البنيوية للدولة العراقية الحديثة تقوم في ضعفها التاريخي. فقد كانت هي منذ البدء نتاج مساومة محلية وإقليمية وعالمية، جعلت من الممكن استيراد ملكا ضعيفا من حيث أسسه الاجتماعية ومستوى انتمائه لتقاليد العراق ومعرفة حيثيات وجوده آنذاك. وقد ظل هذا الضعف يلازم الاغتراب الخفي للسلطة الملكية رغم اندماجها النسبي بنسيج البنية العراقية. لكنه اندماج لا يخلو من خلل تاريخي حددته ضعف البنية الاجتماعية للعراق ككل، وبالتالي ضعف كينونته الاجتماعية الوطنية.

فقد كانت الكينونة الاجتماعية والوطنية العراقية في عملية متصيرة، لكنها كانت تعاني شأن بنية السلطة (نظام الحكم) من خلل جوهري يقوم في طابعها الفئوي والطائفي والجهوي المبطن. الأمر الذي طبع أزمتها الكامنة أيضا. وليس مصادفة أن يستثير انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 ردود الفعل الخفية والعدائية العميقة من جانب القوى "القومية" "العربية" والكردية، أي من جانب "الأقليات". ولكل منهما أسبابه لكنهما التقيا في مواجهة المد الوطني العراقي الذي لازم بصورة عفوية المزاج الشعبي العام. والمهمة الآن لا تقوم في تحليل كل حيثيات هذه الظاهرة، بقدر ما إنني أود الإشارة إلى أن الخلل العميق في البنية الاجتماعية للفكرة الوطنية العراقية (كما سنراها لاحقا بعد استمرار الانقلابات العسكرية لحزب البعث، أو ما نراه بعد الغزو الأمريكي للعراق وسقوط الدكتاتورية الصدامية) كان احد الأسباب العميقة وراء صعود التوتاليتارية بوصفها أسلوبا لإعادة هيمنة الأقلية والفئوية والطائفية على السلطة. الأمر الذي طبع أو حدد خصوصية التوتاليتارية في العراق بوصفها دكتاتورية الأطراف والهامشية والأقلية، أي توتاليتارية الريف المتحلل والمنغمس في الوقت نفسه بتراث وتقاليد البنية القبلية والعائلية.

أما الأزمة البنيوية للثقافة العراقية، فإنها تقوم في تحلل قيم التراكم المعرفي والعلمي بسبب انتصار نفسية وذهنية الراديكالية السياسية. ومن تضافر هذه الأزمات البنيوية الكبرى (الدولة والمجتمع والثقافة) تراكمت عناصر الصعود المحتمل للنزعة التوتاليتارية. واتخذت صيغتها أو صفتها المتخلفة والمدمرة من خلال تحويل التاريخ العراقي العام إلى زمن السلطة الخاصة، والنظام السياسي إلى تعصب العصابة، مع ما رافقه بالضرورة من تدمير لكل الاحتمالات الواقعية والعقلانية والطبيعية بالنسبة لتطور الدولة والمجتمع والثقافة.

• التوتاليتاريات الأوربية المتعددة كانت شكلا من أشكال الدولة القومية، بمعنى إنها ترتبط بأيديولوجية الدولة - الأمة. غير أنه توجد مظاهر أخرى لها يمكن أن نطلق عليها اسم شبه توتاليتارية كالبيرونية في الأرجنتين، والناصرية في مصر، والبولبوتية في كمبوديا. هل يمكننا القول أن التوتاليتارية الصدامية نتاج أزمة مشروع الدولة - الأمة في العالم العربي بشكل عام والعراق بشكل خاص؟

إن التوتاليتارية هي مشروع البدائل الأيديولوجية الكبرى. وبالتالي فإن مشروع الدولة – الأمة احد مكوناتها أو احد مظاهرها. بمعنى انه يكون احد مظاهرها حالما يصبح مشروع الدولة - الأمة تعبيرا عن أزمة تاريخية كبرى. ومع ذلك فإن العلاقة بينهما لا تتصف بطابع الضرورة والحتمية. من هنا تلازم إشكالية الدولة – القومية أو صعود الأبعاد القومية المتطرفة في الفكرة التوتاليتارية حالما تتأزم حالة الدولة والأمة والثقافة، أي حالما تتضافر مكونات ثالوث الأزمات.

إن التوتاليتارية مشروع بديل شامل، وبالتالي ليس محصورا بإشكالية الدولة – الأمة. ومن الأدق القول، بأن التوتاليتارية ترتبط بثالوث الدولة – الأمة - الثقافة. وما لم تتوفر الأزمة البنيوية في هذه الأضلاع الثلاثة فمن الصعب توقع ظهورها واستتبابها وسيادتها وتأثيرها.

فإشكالية الدولة - الأمة كانت عند الجميع بوصفها جزء من صيرورة الدولة الحديثة. بل يمكننا القول أنها لحظة أزمات مستمرة وديناميكية. فالأزمة هي أيضا دليل حراك وديناميكية. وبالقدر الذي يمكنها أن تكون مقدمة للبحث عن بدائل يمكنها أن تكون ممرا لانتكاسات أخرى شنيعة. فعندما ننظر على سبيل المثال إلى التجربة الألمانية، فإننا نقف أمام ظاهرة جلية وهي أن التاريخ السابق للهتلرية كان يعاني من إشكالية الدولة- الأمة. وقد حلت الهتلرية هذه القضية لكنها دمرت ألمانيا. والشيء نفسه يمكن قوله عن ايطاليا. بينما لم تعان روسيا من إشكالية الدولة - الأمة على الإطلاق. إنها كانت تعاني من أزمة التخمة الإمبراطورية. بعبارة أخرى، إن أزمة الدولة في روسيا كانت اقرب إلى أزمة بنيوية للنظام السياسي، وأزمة مجتمع متنوع الأعراق والأديان والثقافات والقوميات غير متجانسة وغير متكاملة. والقيصرية لم يكن بإمكانها حل هذا التناقض. بينما كان تراث الصراع الثقافي في روسيا يتسم بعنف كبير بين تيار الوطنية القومية الأرثوذوكسية (الاوروآسيوية) والتيار الغربي الأوربي. وهو صراع ثقافي مرير انتهى بانتصار الثاني (الماركسية الألمانية والشيوعية الروسية!) من هنا أزمة الأيديولوجية المتأزمة بحد ذاتها. وقد أدى هذا الالتقاء الغريب إلى إنتاج توتاليتارية من طراز خاص!

ويصعب إدراج البيرونية والناصرية ضمن التيارات التوتاليتارية. كما يصعب الحديث عن شبه أو نصف توتاليتارية. فالتوتاليتارية نظام محكم و"متكامل". لكننا نستطيع الحديث عنهما بوصفهما دكتاتوريات "فاضلة" أو "عادلة" لكنها مفسدة في نهاية المطاف بسبب سيادة النزعة الراديكالية فيها. أما البولبوتية، شأن حالة النظام الشيوعي في كوريا الشمالية، فأنهما تجسيد نموذجي للتوتاليتارية الدكتاتورية.

أما في العالم العربي، فإن إشكالية الدولة – الأمة تتصف بقدر من التعقيد ا\أكبر بكثير مما هو عليه الأمر بالنسبة للدولة القومية الأوربية. فالعرب أمة ثقافية كبرى تعرضت للتجزئة التاريخية السياسية. لكنها تكاملت في دول عديدة وقادرة في الوقت نفسه على التكامل بهيئة عامة كبرى مع مرور الزمن. الأمر الذي أعطى لإشكالية الدولة – الأمة بعدا آخر مرتبطا بإشكالية بناء الدولة الحديثة. مع ما ترتب عليه من تأجيل فكرة الدولة - الأمة بالمعنى الدقيق للكلمة بوصفها إمكانية واقعية وحتمية. لكنها جزء من مشروع المستقبل. أما تطبيقه الجزئي فهو شكل من أشكال الاستعاضة عن هذه "الهفوة" التاريخية التي عانى ويعاني منها العالم العربي على امتداد قرون عديدة. أما المحاولات التي ميزت أيديولوجية البعث فإنها تتسم بقدر كبير من النزوع الراديكالي وغير الواقعي والطوباوية. من هنا انقلابها العنيف على فكرة الدولة – الأمة بما في ذلك في إطارها "القطري". وقد جسّد العراق البعثي الصدامي هذه الحالة بصورة نموذجية.

غير أن مقدمات نشوء التوتاليتارية فيه لم تكن نتاجا لازمة مشروع الدولة – الأمة بالمعنى الدقيق للكلمة، بل نتاجا لعدم قدرته على حل إشكاليات الحداثة والنظام السياسي العقلاني. من هنا صعود الصيغة المتشنجة للفكرة القومية الكاذبة، بوصفها أيضا الصيغة المشوهة والأيديولوجية للفشل الفعلي في بناء الدولة الحديثة. بمعنى أن حل إشكالية الدولة – الأمة في العراق، كما هو الحال في كل دول العالم العربي، لا يفترض بالضرورة وضعه ضمن وحدة العالم العربي. على العكس، أنه يفترض في الظروف الحالية حلها الجزئي. بمعنى حل هذه الإشكالية على شكل "عينات" أو "جزئيات" تتمثل حقيقة الوحدة الكلية. وهذا أمر ممكن حالما يجري بناء الدولة الحديثة والمجتمع المدني المتكامل والثقافة العقلانية والإنسانية الحرة. وخلل أي مكون من هذه المكونات الضرورية في العالم الحديث لا يؤدي بالضرورة إلى ظهور نزوع توتاليتاري.

فالتوتاليتارية تظهر فقط حالما تتضافر وحدة الأزمة البنيوية في الدولة والأمة والثقافة. أما في العراق فقد كانت هذه الأزمات البنيوية تتنوع وتتبدل في تاريخه الحديث، لكنها لم تتضافر إلا بعد انتصار انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958. قبل ذلك كانت جزء من تراث ديناميكي. أما بعد الرابع عشر من تموز فقد تحولت إلى أزمة بنيوية متفجرة بسبب سيادة الراديكالية السياسية وهيمنة الأقلية والطائفية المبطنة والأطراف والهامشية والحثالة الاجتماعية. وضمن هذا السياق يمكنني القول، بأن التوتاليتارية والصدامية نتاج للخروج على مشروع الدولة - الأمة. إنهما يمثلان "مشروع" الفئات الرثة والهامشية للأقلية بعد تلبسها بلباس الراديكالية السياسية (القومية).

• ما هي البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي ساهمت في ظهور الصدامية؟ وما هي الأساليب التي جرى استعمالها في تثبيت هيمنتها؟ وكيف استطاعت فرض مجموعة كبيرة من التحولات القسرية على المجتمع العراقي (القومية، والإسلامية، والعشائرية) التي أفقدته محددات تطوره التاريخي؟

من الصعب الحديث عن بنية اقتصادية واضحة المعالم ومحددة من حيث آلية فعلها المستقل بالنسبة لظهور الصدامية. غير أن إحدى محدداتها الكبرى ترتبط بطبيعة البنية التقليدية للعلاقات الاقتصادية وضعف التطور الاقتصادي. بمعنى عدم تراكمه الطبيعي وتغلغله في تغير البنية الاجتماعية والثقافية. وقد تكون فكرة سيطرة الدولة التامة من اجل إعادة "توزيع" الثروة هي الصيغة الأيديولوجية الجديدة للبنية التقليدية القائمة على فكرة المالك والمملوك، والسادة والرعاع، والكريم والمحتاج. وهي ظاهرة ليست سيئة على الدوام بحد ذاتها، لكنها تتحول إلى قوة مخربة حالما يجري نقلها من ميدان البنية الاجتماعية التقليدية إلى ميدان الدولة الحديثة. ومفارقة الظاهرة تقوم في تحولها إلى "مرجعية" فكرية سياسية كبرى في تاريخ العراق الحديث. من هنا فكرة ضرورة سيطرة الدولة على الموارد. وهذا بدوره لا يعني في الواقع سوى الصيغة المقلوبة أو الملطفة للتحكم التام والمطلق بالمجتمع والفرد. فالتحكم بالموارد هو الأسلوب الأعنف والأقوى للتحكم بكل شيء. وذلك لأنه يجعل من الدولة بداية ونهاية الوجود الفردي والاجتماعي من خلال ربط الجميع بها. مع ما يترتب عليه من تحويل المجتمع إلى أفراد. ومن ثم تفكيك المجتمع من التعامل مع نفسه بوصفه قوة اجتماعية ومصدر كل شيء.

وإذا كان الفكر السياسي العملي (الحزبي) قد نظر إلى هذه الحالة على أنها الذروة الكبرى والتمثيل الأمثل لتجسيد وتحقيق فكرة الحق والعدالة، فإنها كانت في الواقع تعمل على تدمير فكرة الحق والعدالة من خلال تهشيم فكرة الحقوق ومنظومة الحياة المدنية. وهنا يكمن المصدر الاجتماعي الاكبر لظهور الصدامية، وذلك من خلال تداخل وتفاعل البنية التقليدية وتدمير، بل واحتقار فكرة المجتمع المدني. ومنهما جرى توسيع و"تنظيم" إعادة إنتاج البنية التقليدية لما قبل الدولة.

أما البنية السياسية فإنها نشأت بدورها من تمثل هذه الرؤية الأيديولوجية الخربة عن سيطرة الدولة وتدمير المجتمع المدني التي بلغت ذروتها في اليقين التام بأفضلية "نظام الحزب الواحد". مع ما ترتب عليه من يقين دموي يلازمه بضرورة "تطهير" المجتمع من المعارضة أيا كان شكلها ونوعها وحجمها ومستواها. بمعنى "توحيد" الجميع وتسييرهم على شكل حشود جماهيرية، أي تصنيع الرعوية السياسية. ومنها يصبح الفرد الواحد والحزب الواحد والرأي الواحد والسلطة الواحدة مجرد مظاهر لفكرة الواحدية المطلقة. وفي هذا تكمن مصادر الدكتاتورية.

فقد نشأت الصدامية في بداية الأمر على شكل دكتاتورية سياسية. وكلما كان يجري توسيع وتنظيم سيطرتها في مختلف ميادين الحياة ومستوياتها بمعايير الواحدية المطلقة كلما كان يؤدي إلى إرساء أسس التوتاليتارية. وبما أن مقدماتها الاجتماعية والاقتصادية تتصف بقدر كبير من التخلف والتقليدية، من هنا أصبح الرجوع إلى مختلف مظاهر البنية التقليدية أمر محتوما. فالبنية التقليدية قادرة فقط على إعادة إنتاج نفسها أي تكرار ما فيها. لكن خصوصيتها بالنسبة للصدامية تقوم أيضا في طبيعة العامل الأيديولوجي الذي جرى حشره في الوعي السياسي النظري والعملي البائس والقائل بالدور القائد والموجه والمرشد للحزب بوصفه قوة "طليعية" "للطبقة" و"الأمة". مما أدى إلى إنتاج مسخ غريب الأطوار في الفكر السياسي والبنية الاجتماعية يقوم في إرساء الدكتاتورية والتوتاليتارية على أسس تقليدية رغم شعاراتها الراديكالية الصارخة. بمعنى إرساء الدكتاتورية والتوتاليتارية للبعثية (القومية العربية) على أسس الجهوية والفئوية والقبلية والعائلية. وهي "ذروة" تعكس طبيعة البنية الثقافية الجديدة لما أسميته بالمسخ الغريب.

فقد كانت هذه البنية الثقافية الجديدة تقوم في مزاوجتها بين مكونات ومقومات ومثل ومعايير وقيم ومبادئ ومفاهيم لا تستقيم مع بعضها البعض. من هنا تنافرها الغريب. فالفكرة القومية تفترض كحد أدى الارتقاء على كل مظاهر البنية التقليدية في بناء منظومة الدولة والحكم والعلاقات الاجتماعية والقيم. بينما كانت الصدامية أكثر واشد الأشكال تخلفا للبنية التقليدية (الجهوية والفئوية والقبيلة والعائلية). وفي نفس الوقت أشدها تظاهرا بالشعارات القومية الكبرى. مما أدى إلى تصنيع بنية ثقافية جديدة جعلت من الأيديولوجية الفجة مصدرها ومرتعها، ومن أنصاف المتعلمين وأشباه المثقفين قوتها الفاعلة والضاربة. مع ما ترتب عليه بالضرورة من تدمير لبنية الثقافة الحرة. فالمهمة الوحيدة للثقافة والمثقف تقوم في خدمة السلطة. وفي هذه الخدمة تكمن مهمة ومسئولية الثقافة المثقف، وقدرهما ومصيرهما، وحريتهما وحياتهما! بحيث جعلت من تصنيع العبودية للسلطة الوظيفة الوحيدة "للإبداع".

إن كل هذه العملية الخربة لصعود الصدامية تعكس أولا وقبل كل شيء ضعف الحداثة وفشل بنائها في منظومة الحياة العامة والخاصة للدولة والمجتمع والفرد والثقافة. الأمر الذي جعل من الممكن بالنسبة للسلطة الصدامية أن تفرض رؤيتها ومفاهيمها بقوة التحكم الاقتصادي والقمع والإرهاب الذي لا مثيل له في تاريخ العراق الحديث.

فقد كانت "التحولات" الأيديولوجية التي فرضتها الصدامية على المجتمع مرتبطة بتمركز السلطة وفكرة الواحدية واستملاك الثروة الوطنية وإزالة فكرة القانون والدستور والشرعية. ومن ثم تحويل كل شيء إلى أداة ووظيفة في تجريب السلطة من اجل تثبيت هيمنتها وسيطرتها المحكمة، أي كل ما أدى في بداية الأمر إلى إرساء أسس الدكتاتورية الحزبية للبعث ثم الفردية لصدام. وذلك لأن كل التحولات "العقائدية" بهذا الصدد لم تكن في الوقع أكثر من صيغ تجريبية تهدف إلى توسيع مدى الدكتاتورية بسبب تلاشي وضعف أسسها الاجتماعية.

فقد كانت "الدولة الصدامية" بلا مجتمع ولا إنسان. من هنا تحول القومية إلى إسلامية (لسحب البساط أيضا من تحت أقدام المعارضة الجديدة، بعد سحق المعارضة السابقة). ثم الانتقال إلى العشائرية لأنها الملجأ الأخير لضعف وتلاشي الأسس الاجتماعية للدولة والسلطة. وفي هذا كانت تكمن مصادر الخروج على محددات التطور التاريخي للعراق، إي على مسار تاريخه الذاتي. الأمر الذي جعل من الصدامية تجسيدا فريدا لكيفية السير ضد مسار التاريخ الفعلي والطبيعي للدولة والأمة.

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

قصي الصافييتمحور خطاب الليبرالية الجديدة _ كما تمت الاشارة اليه في الحلقة الاولى _ بشكل أساسي على الخصخصة والسوق المتحررة من ضوابط الدولة، كما يزعم الليبراليون أن الاقتصاد الحر وانفتاح أسواق الدول النامية على التجارة الحرة تعتبر من أهم الاشتراطات لتعزيز الحرية الفردية وإرساء قيم الديمقراطية، على اعتبار إنه يتعذر على رأس المال ممارسة نشاطاته الاستثمارية إلا في ظل حكم القانون وضمان شروط التعاقد وحماية الملكية الفردية. حازت تلك الافكار على قبول شريحة واسعة من المثقفين الحالمين بخلاص شعوبهم من قبضة الاقتصاد المغلق وما رافقه من تعسف وقمع الدكتاتوريات في الدول النامية، إلا أن إعادة قراءة صفحات العنف من تأريخ الرأسمالية ومنذ نشأتها الاولى باسم التجارة الحرة تشي بعكس ذلك تماماً.

احدى الوظائف الأساسية للدولة الرأسمالية حماية النظام من نفسه عبر وضع الحلول الممكنة لازماته والتخفيف من تبعاتها ومحاولة أنسنة الطابع المتوحش للنظام أو التقليل من آثاره على الأقل، غير أن الرأسماليين الذين ليس من انشغالاتهم سوى تكديس الأرباح يستشيطون غضبا إزاء أي ضوابط او محددات تضعها الدولة بحجة انتهاك حرية السوق واستقلاليته.

في مستهل القرن التاسع عشر أصدرت الحكومة البريطانية قانوناً يمنع عمل الصغار دون سن التاسعة وتحديد ساعات عمل الاطفال في المصانع بما لا يزيد عن 11 ساعة يومياً ، وذلك لموت وإعاقة أعداد كبيرة من الاطفال في ظروف عمل مزرية على مكائن خطرة، فشن أصحاب المصانع حملة شعواء على القانون الذي ينتهك بزعمهم حرية سوق العمل - الحرية التي تضع الآباء أمام خيار الموت جوعاً أو تشغيل ابناءهم بعد بلوغ سن الخامسة -.

باسم التجارة الحرة أيضاً كان زحف الامبراطوريات الاوربية وفتوحاتها الاقتصادية وما رافق ذلك من مجازر وحروب، فالتجارة الحرة كما تم تسويقها آنذاك - تتيح للرجل الابيض المتحضر التواصل مع الشعوب المتخلفة لتبليغ رسالته الحضارية ونشر القيم الأوربية - الصياغة القديمة للمزاعم الحديثة في نشر الديقراطية وحماية حقوق الانسان اليوم -، وقد يشكل تأريخ شركة الهند الشرقية نموذجاً مثالياً لتلك الحقبة.

حازت تلك الشركة عام 1600 على ترخيص الملكة إليزابيث لاحتكار التجارة الخارجية، ثم تم ترخيصها بعد ذلك كشركة مساهمة، وقد نمت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حتى أصبحت دولة تعداد جيشها 260 ألف مقاتل، أي ضعف جيش الدولة الأم بريطانيا، وقد احتلت و نصبت حكامها وادارييها في مقاطعات الهند، واحتكرت التجارة في ثلثي العالم. أجمع المؤرخون على أنها من أكبر و أكثر المنظمات الارهابية وحشية على مر التأريخ، ولم يكن تقطيع أصابع العمال في مصانعها بالسيف من أسوأ ما مارسته من إرهاب، فقد ارتكبت كبرى المجازر بحق السكان المحليين وشنت سلسلة من الحروب الطويلة على أفغانستان والصين وكل من ينافسها بالنفوذ. كانت تفرض ضريبة خراج على الأرض بلغت 50 % من المحصول، وقد أحرقت محاصيل الخضار والحبوب، ثم خصصت معظم الأراضي لزراعة الافيون، تلك الاجراءات مجتمعة إضافة الى أولوية إطعام جنودها في الحروب التي لم تتوقف، أدت الى سلسلة من المجاعات مات فيها جوعاً 10 ملايين من سكان البنغال. رغم ذلك لم بشأ قادة الشركة_الدولة مراجعة سياساتها، طالما أن الأفيون يجلب لها أرباحاً طائلة بمقايضته في الصين مقابل السيراميك والخزف والشاي -البضائع المرغوبة في أوربا- ، وحين قرّر امبراطور الصين منع دخول الافيون لبلاده لحماية رعاياه من تعاطي المخدرات، صبت اوربا جام غضبها في حربي الافيون ودكت هونغ كونغ بالمدافع حتى أذعنت الصين للتبادل التجاري بالشروط الأوربية.

قد يرد في ذهن القارئ ان ما تقدم يعود الى ماض غابر، وأن تطوراً كبيراً قد طرأ على المنظومة القيمية للمجتمع الدولي المعاصر ومفاهيم حقوق الانسان، إلا ان التاريخ المعاصرهوالآخر مثقل بالشواهد التي تنفي مزاعم الليبرالية الجديدة بتناغم الديمقراطية وحكم القانون مع الانفتاح الاقتصادي و الوصفة السحرية لصندوق النقد الدولي، بل أن معظم تجارب الليبرالية الجديدة تتقدم فيها الارتال العسكرية أمام الاقتصاديين ورجال الأعمال والشركات وبدعم عسكري ومخابراتي من دول المركز، ثم تبدأ وسائل الاعلام بأعلان بشرى ولادة معجزه إقتصادية وفجر ديمقراطي جديد، حتى تتكشف التفاصيل والوثائق السرية بعد عقود لنكتشف أن صناعة الموت قد حصدت الأرواح بصمت وأن ماكنة الليبرالية قد أنتجت جيشاً متعباً من الفقراء بجوار الثراء الفاحش وبلداناً تئن تحت ضغط ديون هائلة لم تشهدها من قبل.

كانت اندونيسيا واحدة من اولى ضحايا اللبرلة الاقتصادية بعد اسقاط حكومة سوكارنو الائتلافية والتي وحدت جميع الطوائف والأديان والقوميات في نسيج اجتماعي متماسك دون إهدار قطرة دم. لم يشأ سوكارنو تسليم مقدرات بلاده لشركات الغرب الكبرى، فقد أدرك أن التطور الاقتصادي يبدأ بترميم المؤسسات الادارية والصناعية وتمتين البنية التحتية و تطوير المنظومة القانونية بما ينسجم مع ظروف البلاد الداخلية وحماية المنتوجات المحلية بسياسات حمائية حتى تصبح البلاد نداً قادراً على التنافس في السوق العالمية، تلك هي السياسات الداخلية التي اتبعتها جميع دول المركز في بداياتها الصناعية ولم تروج للأقتصاد الحر إلا بعد أن تعملقت إقتصادياً وأصبحت لها اليد الطولى في العالم. لم ترق توجهات سوكارنو للشركات والحكومات الغربية فنسقت مع الجنرالات بقيادة سوهارتو للاطاحة بالحكومة والشروع بالخصخصة وبيع مؤسسات القطاع العام للشركات الأجنبية. وصف أحد المسؤولين في حكومة الدكتاتور سوهارتو ان الشركات الامريكية والبريطانية قد تقاسمت قطاعات الدولة فيما بينها دون اي إستشارة لمندوبي الحكومة الاندونيسية. أعقب ذلك دور وسائل الاعلام الغربية في حملة ترويج للتجربة الاندونيسية على أنها " شعاع الشمس الذي أشرق في آسيا" بتعبير نيويورك تايمز، وقد أعلن البنك الدولي انها المعجزة الاقتصادية التي ستكون نموذجاً يحتذى به في آسيا. وتم التعتيم الكامل على مجازر سوهارتو بدعم من القوات الامريكية والبريطانية و التي راح ضحيتها ما لا يقل عن نصف مليون مواطن بجانب آلاف المعتقلين. تم تدمير القرى والغابات لانشاء المصانع ومناجم التعدين وبلغ تلوث المياه مستويات خطيرة، وتضاعف عدد الفقراء ليبلغ 70 مليونا، بينما يشيع الصندوق الدولي انتشال 30 مليوناً من الفقر، أما العمال في المصانع الاجنبية فلم تكن ظروف عملهم وسكنهم أفضل بكثير من أقرانهم في القرن التاسع عشر ، وعلى الضفة الاخرى من المجتمع برزت طبقة فاحشة الثراء عظيمة النفوذ .

أجبرت الانتفاضة الشعبية التي أعقبت إنهيار الاقتصاد عام 1997 م سوهارتو على الاستقالة وفي حوزته المليارات، وفي رقبة الشعب دين يزيد على 160 مليار دولار، وقد اعترف صندوق النقد الدولي أن ما يزيد على 20 % من القروض قد سرقت من قبل سوهارتو وحاشيته، وبعد ثلاثة عقود من تلميع صورة الدكتاتور بدأ الاعلام الغربي يصف حكومته على انها الأكثر وحشية في آسيا.

لم تكن تجربة اندونيسيا إستثناء، فقد تكرر السيناريو ذاته في الفلبين إبان حكم الدكتاتور ماركوس، الذي ترك البلاد مثقلاً بدين قدره 26 مليون دولار تدفع عليها 44 % من الدخل القومي كفوائد فقط، بينما يصرف على الصحة ما يعادل 3% ، و ارتفعت نسبة الفقر من 10% إلى 70 %، وحين أعلنت الرئيسة المنتخبة أكينو ان الشعب الفلبيني غير ملزم بدفع الديون التي لا يد له فيها، تعرضت الى ضغوط هائلة جعلتها تذعن لشروط صندوق النقد الدولي والمصارف الاجنبية. من الجدير بالذكر أن الديون كمصيدة لارتهان البلد وديمومة تبعيته أمر معروف منذ بناء قناة السويس بقروض بريطانية وفرنسية، إلا أن الخديعة ما زالت تنطلي على الكثيرين منا.

خصخصة الاقتصاد في بلدان اميركا اللاتينية باتت قصة معروفة إبان حكم الهونتا - الدكتاتوريات العسكرية - التي نفذت سلسلة من الانقلابات بدعم مباشر وغير مباشر من قبل الولايات المتحدة والتي أغرقت بلدانها بالدم والديون والحروب الأهلية.

أما تجربة تشيلي فقد أصبحت مثالاً صارخاً وفضيحة مدوية لليبراليين الجدد، حين كشفت الوثائق أن الانقلاب العسكري للجزار بينوشيه والاطاحة بحكومة الليندي المنتخبة، قد تم بالتنسيق بين الادارة الامريكية وجهاز ال ‏CIA مع مدرسة شيكاغو الاقتصادية - وهي مؤسسة فكرية تعني بتطوير وترويج الفكر الليبرالي الجديد ويرأسها الاقتصادي ملتون فريدمان.

تلك التجارب وغيرها الكثير إضافة الى ما نشهده اليوم من حروب وفتوحات اقتصادية تحت شعار نشر الديقراطية أو الحرب على الارهاب تشير بوضوح الى زيف الادعاء الليبرالي الذي يزعم أن لبرلة الاقتصاد ستدخلنا الى فردوس الحرية والديمقراطية وحكم القانون.

 

قصي الصافي

................

المصادر:

حكام العالم الجدد.... جون بيلغر

معضلة العولمة... داني رودريك

الليراليه المستبدة.... د. رمزي زكي

الليبرالية الجديدة.... ديفيد هارفي

            

The Shock Doctrine .... Naiomi Klien

Globalization and Its Discontent .....Joseph Stiglit

 

عبد العظيم حمزة الزبيديبالرغم من التشابه البايلوجي الكبير بين الرجل والمرأة، الا ان العلم يؤكد على مدى واسع من الاختلافات والفروق التي تمتد من الجانب الجسمي والفسلجي والنفسي والوجداني. ولا تعد هذه الاختلافات تمييز لجنس على آخر بل تميّز وظيفي خاص لتحقيق غاية عليا لكل من الذكر والانثى. فالعلاقة بين الجنسين تتخذ اشكال عدة منها علاقات الصراع والعلاقة التنافسية والعلاقات الباردة ولكل من هذه الانماط اسبابه ومعطياته. في علاقة الصراع يرى بعض الازواج ان نجاحه في قدرته على السيطرة والاطاحة بشريكه وبذلك يكون قد حقق الدور الذكوري المطلوب اجتماعيا اذا كان رجل، او انها تمرغ انف الذكر وتفقده خصائص التي تعتقد انه تفوق عليها، وبذلك تكون قد تحدت القيم الاجتماعية السائدة وثأرت لبنات جنسها. اما النمط التنافسي فيتخذ شكل مقبولا اجتماعيا، فكلاهما يسعى للتمييز والتفوق فهو يجمع المال او يسعى للحضوة والجاه كي يشار له بالبنان او يرضي حاجته للتفوق، وهي تقابله بانفاق المال لتكون كريمة في نظر الاخريات، او تتخذ من التعليم او التجارة وسيلة لنجاحها. اما النمط العلاقة الباردة عاطفيا وجسديا ونفسيا وهي اسوء انواع العلاقات، وقد يكون اسباب استمرارها متنوعة اما ان تكون الخوف على مستقبل الاطفال والتضحية بالذات من اجلهم، او الخشية من وصمة المجتمع للمطلقة، او عدم وجود الناصر والمعين للمرأة بسبب موت الاهل او موت همتهم . ويعيش كل من الرجل والمرأة حالة من البرود العاطفي والجفاء وغياب المشاعر، وغياب تام للعلاقة الجنسية والتي لها الاثر الكبير في ديمومة حياة الزواج والزوجين معا. في كل نمط من هذه الانماط ثمة جوانب ايجابية وسلبية، لكن الجوانب الايجابية في نمط التنافس كبيرة في حالة تفهم الطرفين لطموحات وافكار ومشاريع كل منهما. فيما تسود الجوانب السلبية في نمطي الصراع والعلاقة السلبية الباردة . واكثر انواع الطلاق من نمط الصراع.

للأسف في كثير من الارتباطات يجهل ولا يدرك الطرفين نفسه أولا وشريكه ثانيا، فهو لا يعرف نفسه ولا يشعر بخصائص وصفاته ولا يدرك جوانب الايجابية ولا نقاط ضعفه، فضلا عنه جهله بخصائص وميزات شريكه وكذلك ايجابياته ونقاط ضعفه. وكذلك لا يحاول ان يفهم واجباته وحقوقه والحدود والتي تنظم العلاقة بين الطرفين، تؤكد الدراسات على ان العلاقة التكاملية بين الرجل والمرأة والتي يسودها الفهم المتبادل بينهما والالتزام بالحقوق والواجبات لكل منها يؤسس الى قواعد متينة وارضية صلدة لعلاقة ابدية، وفي علاقة الزواج تضعف عوامل الثقافة والتحصيل الدراسي احيانا في تحديد نجاح او فشل تلك العلاقة. فنجد اميان يعيشان بسعادة غامرة وعالمان في تخصصات علمية او انسانية لم يفلحا في بناء علاقة يسودها السلام على الأقل. فالزواج مشروع لفهم بعضنا البعض والقدرة على التكيف مع خصائص الاخر والقدرة على تعديل وضبط السلوك ليكون منسجما مع متطلبات استمرار تلك العلاقة ونجاحها.

 

د. عبد العظيم حمزة الزبيدي

 

 

حاتم حميد محسنيلتقي سقراط بآيوثيفرو خارج رواق محكمة اثينا، حيث دُعي سقراط الى المحكمة من جانب ميليتوس بتهمة إفساد الشباب. ايوثيفرو جاء لرفع دعوة ضد والده لكونه قام بجريمة قتل غير متعمد لشخص أجير. سقراط يقترح ان ايوثيفرو يجب ان يكون ذو دراية كبيرة بالقانون الديني اذا اراد معاقبة والده. يرى ايوثيفرو انه حقا خبير في هذه المسائل، كل ما يهم هنا، حسب ايوثيفرو، هو ما اذا كان القاتل لديه تبرير او بدونه: نحن يجب ان لا نضع استثناءات حتى لو كان القاتل ابا والقتيل ليس قريبا لنا. ابوه ارتكب عملا مشينا يلوث سمعة ايوثيفرو وكل عائلته، وهذا الإثم يجب ان يُطهّر بوسائل القانون.

سقراط طلب من ايوثيفرو ان يعلّمه ما هي القداسة لأن ذلك التعليم قد يساعده في محاكمته امام ميليتوس.

يقترح ايوثيفرو ان القداسة هي معاقبة من يخالف الاديان، لكن سقراط يجد هذا التعريف غير مقنع طالما هناك العديد من النصوص الدينية التي لا تتضمن معاقبة منتهكي الاديان . هو يسأل ايوثيفرو ان يعطيه تعريفا عاما يحدد خاصية واحدة تشترك بها جميع الاعمال المقدسة. ايوثيفرو يجيب ان ما هو مقدس هو ما توافق عليه الآلهة. سقراط يجيب انه نظرا لنزاعات الآلهة فيما بينهم فان ما يوافق عليه احدهم قد لا يوافق عليه الآلهة الاخرون. سقراط يضع جدالا متقنا يبيّن فيه ان الاثنين ليسا متساويين. ما هو مقدس ينال موافقة الالهة لأنه مقدس، لذا فان ما هو مقدس يقرر ما توافق عليه الآلهة، يتبع هذا الاستنتاج ان ما هو مقدس لا يمكن ان يكون نفس ما توافق عليه الالهة طالما ان احد هذين الاثنين يقرر ما تتم الموافقة عليه من جانب الالهة بينما الاخر يتقرر بتلك الموافقة .

بعد ذلك، يقترح ايوثيفرو ان القداسة هي نوع من العدالة، خاصة ذلك النوع المتعلق برعاية الآلهة. سقراط يتسائل ماذا يعني ايوثيفرو برعاية الآلهة. الآلهة هي قوة عظيمة ليست بحاجة لنا لمساعدتها باي طريقة.

اخيرا، يقترح ايوثيفرو ان القداسة هي نوع من التجارة مع الآلهة، نحن نعطيهم القرابين وهم يمنحوننا الدعاء. تضحياتنا لا تفيدهم باي شيء انها فقط تجعلهم سعداء . لكن سقراط يشير، القول ان القداسة إسعاد الالهة هو مشابه للقول ان القداسة هي ما توافق عليه او ترضى به الالهة، وهو ما يعيدنا الى المربع الاول. بدلا من ان يحاول ايوثيفرو ايجاد تعريف افضل للقداسة، فهو يغادر متوترا منزعجا من اسئلة سقراط.

يصر سقراط ان يبدأ ايوثيفرو بتوضيح ماهو مقدس او غير مقدس. سقراط أرغم ايوثيفرو للقبول بانه يجب ان يكون هناك شكل او معيار واحد بموجبه كل شيء مقدس يكون مقدسا، وكل شيء غير مقدس مقارنة بالمقدس يكون غير مقدس. اي ان كل الافعال المقدسة يجب ان تكون مقدسة بمقتضى خاصية تشترك بها جميع الافعال المقدسة. سقراط يسأل ايوثيفرو ما هي هذه الخاصية.

يرى ايوثيفرو ان معاقبة اولئك الذين يرتكبون اللاعدالة هي مقدسة، وعدم معاقبتهم هي غير مقدسة. يلجأ ايوثيفرو للاساطير اليونانية التي فيها قام الاله زيوس بسجن ابيه. زيوس هو الافضل والأعدل بين جميع الآلهة. سقراط يقترح الانتظار لوقت آخر. اهتمامه الحالي هو حول تعريف القداسة التي يرى ان ايوثيفرو لم يتعامل بها بشكل جيد. اي ان وجوب معاقبة المرء لمرتكبي افعال اللاعدالة كعمل مقدس هو فقط مثال عن الفعل المقدس وليس تعريفا للقداسة ذاتها. يعترف ايوثيفرو ان هناك العديد من الافعال المقدسة التي لا تدخل ضمن معاقبة المخطئين دينيا. سقراط يجادل ايوثيفرو ان يعطيه تعريفا عاما وان يحدد معيارا بواسطته يمكن تمييز جميع الافعال المقدسة كمقدسة.

بعد ان رفض سقراط تعريف ايوثيفرو للقداسة كمعاقبة للمخطئين دينيا، يطرح ايوثيفرو تعريفا ثانيا: القداسة هي ما تتفق عليه الآلهة. سقراط كان مسرورا بالعمومية في هذا التعريف وهو متلهف للتحقيق فيما اذا كان دقيقا ام لا.

هو يشير الى ان الآلهة ذاتها تتصارع فيما بينها مثلما يعتقد بذلك ايوثيفرو. سقراط يشير ان الصراع لا يبرز على اسئلة حول الحقيقة التي يمكن الاتفاق عليها من خلال الحسابات والتحقيقات، وانما حول الاسئلة المتعلقة بالقيمة، مثل ما هي العداله ماهو الخير . يشير سقراط الى انه اذا كانت الالهة تتصارع حول العدالة والخير عندئذ سوف لن يكون هناك اتفاق بينهم حول هذه الاسئلة فهم لديهم خيارات مختلفة حول ما هو العدل وما هو الخير . يتبع هذا يجب ان تكون هناك اشياء محددة توافق عليها بعض الالهة ولا توافق عليها آلهة اخرى. ولكن طبقا لتعريف ايوثيفرو، ذلك يعني ان هناك اشياء هي مقدسة وغير مقدسة في آن واحد طالما وافقت عليها بعض الالهة ورفضتها آلهة اخرى. يجيب ايوثيفرو بان الالهة جميعها تتفق بان الشخص الذي قتل شخصا آخر ظلما يجب ان يُعاقب . سقراط يشير الى ان الخلاف لا يبرز حول ما اذا كان يتوجب معاقبة المجرم وانما حول ما اذا كان الفرد تصرّف حقا بشكل غير عادل. سقراط يلح على ايوثيفرو ليثبت له ان جميع الآلهة تتفق على ان ايوثيفرو يتصرف بعدالة حين يعاقب والده. ايوثيفرو يؤكد لسقراط انه يستطيع إقناعه وكذلك اقناع القاضي اثناء المحاكمة ان افعاله عادلة.

الآن سقراط يغيّر اتجاه التحقيق، سائلا ايوثيفرو توضيح ما اذا كانت الافعال المقدسة توافق عليها الآلهة لأنها مقدسة ام انها مقدسة لأنها توافق عليها الآلهة. لكي يوضح موقفه، يطرح سقراط تمييزا بين الشيء الذي تمت الموافقة عليه سلفا من قبل الالهة والشيء الذي تقررت الموافقة عليه . يؤكد سقراط ان الشيء مقدس لأنه تقررت الموافقة عليه وليس العكس. طبقا لايوثيفرو، الشيء تتقرر الموافقة عليه من جانب الالهة لأنه مقدس وليس العكس.

يتبع من هذا الجدال ان ما هو مقدس يختلف عن الشيء الذي تقرر الالهة الموافقة عليه. اذا كان ما توافق عليه الالهه هو نفس المقدس ، وكان المقدس تقررت الموافقة عليه لانه مقدس، عندئذ فان ما تقرر الالهة الموافقة عليه سينال الموافقة لأنه تقررّ سلفا بينما الصحيح هو العكس. ولتبسيط الجدال سيكون هناك ثلاثة اشياء يجري النقاش حولها:

(أ) انها مقدسة

(ب) انها تقررت الموافقة عليها من جانب الآلهة

(ج) انها مجازة دينيا

الفرق بين (ب) و (ج) هو ان (ب) يتعامل مع فعل الموافقة من جانب الالهة اما (ج) يتعامل مع الفعل باعتباره تمت الموافقة عليه. جدال سقراط بان الشيء اصبح مقدسا لأنه تمت الموافقة عليه وليس العكس يعني اننا نحصل على (ج) فقط بسبب (ب) وليس العكس. اي ان الفعل كونه مرخص من جانب الالهة لأن الالهة قررت الموافقة عليه، اما عكس ذلك (الالهة قررت الموافقة على الفعل لأنه فعل موافق عليه) لا معنى له.

يجب الاشارة الى انه من الممكن ان تشير (أ) و (ج) لنفس الفعل. افلاطون يؤكد انه ليس من الضروري ان يكون (أ) و (ج) شيئين مختلفين، فهما ليسا نفس المعنى حتى لو كانا يشيران لنفس الشيء .

هذا الجدال كان له تأثير كبير ضد فكرة تقرير الاخلاق بنوع من السلطة الدينية. فمثلا، في التقاليد اليهودية والمسيحية يكون الشيء الجيد جيدا لأن الله يقول انه جيد. غير ان هذا لا يكفي ليكون المرء واضحا مع نفسه. هل الله يقبل بالفعل لأنه جيد ام ان الفعل جيد لأن الله وافق عليه؟ بعد جدال افلاطون هل اننا سنكون امام شيئين مختلفين غير متساويين، شيء جيد وشيء توافق عليه الالهة؟. بسبب هذا الجدال، حاولت النظرية الاخلاقية الحديثة تأسيس المسؤولية الاخلاقية على استقلاليتنا الذاتية وليس على الله، بصرف النظر عن ايمان او عدم ايمان الفيلسوف . المشككون بصلاحية الحكم الاخلاقي القائم على اساس ديني يقولون ان الايمان بصلاحية هذا الحكم يتطلب اولا ان يكون المرء مؤمنا بوجود الله، وثانيا يتطلب معرفة هل ان الفعل جيد اخلاقيا فقط لأن الله قال بهذا ام ان الله قال هذا لسبب آخر؟ اذا كان العمل جيد اخلاقيا فقط لأن الله أمر بهذا، فهذا برأيهم شيء اعتباطي لا يوجد له سبب. اما اذا كان الله امرنا باتباع شيء لأنه ينسجم مع مبدأ الخيرية فمعنى ذلك ان الله بدوره سيكون تابعا لذلك المبدأ وبالتالي ليس هو مصدر السلطة الاخلاقية.هناك من رفض هذه الحجج معتبرا ان الله عندما يأمر بشيء فالامر لن يكون اعتباطيا لأن ما يُطاع هو الله وليس رغبة الانسان . كذلك، لا يوجد هناك مبدأ وراء رغبة الله ماعدى حكم الله وحده في ماهية الخير.

 

حاتم حميد محسن

............................

المصادر:

-1 Euthyphro, SparkNote philosophy study guide

-2proving A Moral Principle, pathways school of philosophy

عدنان عويدقبل أن نبين دلالات هذا العنوان دعونا نتعرف على العلمانية اًولا حتى نستطيع أن نبين كيف يظهر الزيغ عند دعاتها وحملتها السياسيين في عالمنا العربي، أو بتعبير أدق في أنظمتنا التي تدعي أيديولوجيات أحزابها، ومضامين دساتير دولها، تبني العلمانية، والديمقراطية، ودولة القانون، والمواطنة، وحرية الرأي والرأي الآخر، وحرية الإعلام، وتداول السلطة.

إن العلمانية في سياقها العام، هي نظام حياة مدنية، يعتبر فيها الإنسان (الفرد والمجتمع) سيد نفسه في اختيار طريق ونظام حياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفقاً لعقد اجتماعي يقوم أفراده وحدهم بتحدد طبيعته وشكله وآلية عمله، وإذا كانت الثقافة هي جوهر مشاكلنا وقضايانا الإنسانية، كونها تتضمن الوعي أو المعرفة التي على أساسها يتم تحديد طبيعة هذا العقد الاجتماعي وما ينتج عنه من مؤسسات لإدارة الدولة والمجتمع، بغية تحقيق أكبر قدر ممكن من العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع، فإن العامل المعرفي أو الفلسفي في العلمانية يقرر في نهاية المطاف دور الفرد والمجتمع في تحديد الموقف الفكري والعملي الذي تقوم عليه العلماني، وهو الموقف الذي ينطلق من أن لا وجود مقدس للأفراد والأشياء في هذه الحياة التي تقوم حركتها وتطورها وتبدلها على جملة من القوانين الموضوعية والذاتية التي لا حدود لها، وهي التي تتحكم في واقع حياة الإنسان ونشاطه المادي والروحي معاً، وبالتالي على الإنسان أن يعمل دائماً من أجل كتشاف هذه القوانين والتحكم فيها وتسخيرها لمصلحته.

إذن العلمانية تدعوا الإنسان أن يتحكم في قدره ومصيره، وأنه هو سيد نفسه، ولديه عقل حر وإرادة حرة كل الحرية في اختيار طريقة حياته بكل مكوناتها ومستقبلها وعدالتها. ففي العلمانية لا وصاية لأحد على الدولة والمجتمع، ولا تَحَكْم للفكر المثالي القائم على العواطف والارتجال والذاتية والوعظ والغيبية في حياة الإنسان، وكل من يعمل على سلب الإنسان إرادته وتغييب عقله هو عدو للإنسان ويعمل على تغريبه وتشيئيه.

من هذه المنطلقات الفكرية/ الفلسفية للعلمانية، يأتي موقف العلمانية من الدولة قبل أي شيء آخر كونها الأداة الأكثر فعالية في حياة الفرد والمجتمع.

ففي الدولة تتجلى العلمانية بأبهى صورها من حيث سيادة المؤسسات والقانون والمواطنة، أو وحدة المجتمع. ففي الدولة تظهر العلمانية في مسارات الحرية والعدالة والمساواة واحترام الرأي والرأي الآخر وحرية المرأة. في الدولة تظهر العلمانية كتجسيد للحقوق الطبيعية التي يتمتع بها الإنسان عبر الممارسة، وفي مقدمة هذه الحقوق، حق الحياة والملكية والتعبير والمشاركة في بناء وقيادة الدولة والمجتمع وتنمية أبعادهما الإنسانية، وتخليص الإنسان من عوامل غربته واستلابه وتشيئه. وفي الدولة تحقق العلمانية أبهى صورها عندما يقوم الشعب في تحديد طبيعة نظام حكمه، وشكله، وأنه هو وحده مصدر السلطات، ولا وصاية عليه تحت أي مسميات أخرى. وفي الدولة العلمانية تتجلى الديمقراطية الحقيقية في أبهى صورها أيضاً كوجه آخر للعلماني، ففي الديمقراطية تتم المشاركة الشعبية بوعي ومسؤولية، وبالتالي ستقف حائلاً أمام من يحاول أن يستغل هذه الديمقراطية لتفجير مراجع تقليدية عشائرية أوقبلية أوطائفية بإسم الحرية، كما أنها ستجرد القوى المستبدة من استغلال فكرة العلمانية من أجل خلق تسويات في اختيار قيادات الدولة أو الحزب وفقاً لتلك المرجعيات التقليدية، أو وفقاً لمصالح وخدمة القوى الحاكمة، من باب الوصاية على الدولة والمجتمع، وبالتالي تحطيم أهم أساس من أسس العلمانية وهي المواطنة ودولة القانون.

أما في المجتمع، فتتجلى العلمانية هنا في تأكيد مسألة المواطنة أولاً وأخيراً، على اعتبار المواطنة هي من يفرض المساوة وتكافؤ الفرص بين الناس بعيداً عن المرجعيات التقليدية، إثنية كانت أو قبيلة أو طائفية أو حزبية،. وبالتالي لا يعود هناك مجال لأية سلطات، أو زعامات تقليدية تتحكم بالمجتمع وآلية عمله خارج إرادة الشعب والعقد الاجتماعي الذي تتفق عليه مكونات المجتمع.

إن العلمانية تحقق هنا وحدة الانتماء للمجتمع والدولة والوطن، وهذا ما يساهم بالضرورة في استمرار التصدي لكل من يعمل على فرض انتسابات جزئية على حساب الانتساب للوطن، حتى يبقى الوطن متماسكاً، قوياً، ومستقراً، ولا مجال لأي قوة أخرى من الداخل أو الخارج أن تخترقه.

موقف العلمانية من الدين

لقد بينا في بدء حديثنا أهمية المسألة الثقافية/الفكرية بالنسبة لدلالات وطبيعة العلمانية وآلية عملها وعلاقاتها بالدولة والمجتمع. ونحب هنا أن نبين وفقاً للموقف المعرفي ذاته من العلمانية لنقول : إن العلمانية أساساً مشتقة من العالم أو من العلم، وكلا المرجعيتين مصدرهما واحد هو الواقع وقوانينه المستقلة في وجودها وحركتها وتطورها عن أية قوى أخرى. فالدين وفقاً لهذا الموقف العقلاني من قوانين الواقع الموضوعية التي تتحكم بالظواهر، يفقد وجوده كقوة وحيدة في تحديد مسار الإنسان. أي اعتبار النص المقدس بكل أشكاله (القرآن والحديث) وحتى أراء وأفكار الفقهاء والمتكلمين في عهد الرسول والقرون الهجرية الثلاثة الأولى، هي من تحدد الوجود المادي والمعرفي لكل ما هو تالٍ. أي هي المراجع التشريعية والتفسيرية والتأويلية الوحيدة لضبط حياة الإنسان، كونها مراجع مقدسة صالحة لكل زمان ومكان. فالدين في المحصلة في منظور العلمانية، هو عقيدة إيمانية وقيم أخلاقية وتشريع لمعاملات أو أحوال شخصية محددة بنصوص مقدسة تجاوز بعضها الزمن وأضاف إليها تطور الحياة آلاف مؤلفة من القضايا والأحوال الحياتية التي لم توجد أثناء حياة الرسول، أو القرون الهجرية الثلاث الأولى أو حتى كل القرون التي تلت القرون الثلاث الأولى حتى سقوط الخلافة الإسلامية على يد كمال أتاتورك.

إن العلمانية تؤكد كما بينا أعلاه على احترام الرأي والرأي الآخر طالما هو لا يضر بالفرد والمجتمع، ولا يحجر على حياتهما ويفرض عليهما دائما ضرورة هيكلة نفسيها وفقاً لقيم تجاوزها الزمن حتى ولو كانت تحت ذريعة المقدس، فهي – أي العلماني – في أبسط صورها في هذا الاتجاه تقف هنا ضد تدخل الدين في السياسة، على اعتبار أن الدين سيتحول هنا إلى أيديولوجيا مغلقة تعمل على لي عنق الواقع دائماً كي ينسجم معها من جهة، ومن جهة أخرى، هو قيم أخلاقية معيارية، وقيم عقيدية إيمانية تقوم على التسليم والتصديق، بينما السياسة تقوم على المصالح، والمصالح ليست عقيدة، ولا هي ثابتة في حدودها وطبيعتها، كون الإنسان في طبيعته مركب حاجات ليس لها حدود، وهذه الحاجات في المحصلة مصالح مادية أو معنوية. إن الدين عقيدة وأخلاق ثابته، والسياسة مصالح متحركة. لذلك جاءت العلمانية لتقول الدين لله والوطن للجميع، هذا دون النيل من عقيدة المؤمن والوقوف ضد ممارسته طقوسه الدينية طالما هي لا تضر وحدة المجتمع وتسيئ للمواطنة..

العلمانية وشهوة السلطة:

إن معظم الأنظمة العلمانية وأحزابها التي استلمت زمام الحكم في عالمنا العربي، تتضمن دساتيرها معظم مفردات ما جئنا إليه في عرضنا السابق بالنسبة لمضمون العلمانية وأهدافها. حيث تضمنت هذه الدساتير تبني دولة القانون أو المؤسسات، والمواطنة، وتداول السلطة، وحرية الصحافة، والتعددية الحزبية، واحترام الرأي والرأي الآخر، وتحرير المرأة، واحترام العقائد، والديمقراطية. بينما هي في التطبيق العملي بعيدة كل البعد عما تتضمنه وتتبناه هذه الدساتير وهذه الأيديولوجيات الحزبية من قيم علمانية، عدا ما يخدمها في دعم سلطتها المستدامة من هذه القيم كي تستخدمها سلاحاً ضد كل من يحاول انتقادها أو النيل من سلطتها أو أيديولوجيتها.

إذن العلمانية بالنسبة لهذه الأنظمة السياسية التي تدعي العلمانية ليست أكثر من دعاية أو واجهة دستورية لهذه الأنظمة، بينما في الواقع هي أنظمة شمولية شعبويّة، تسعى بكل الوسائل المتاحة لديها المادية والمعنوية من أجل الحفاظ على السلطة وفي مقدمة هذه الوسائل، وسيلة الدين المُفسر والمُؤول حسب مصالحها. فهذه الأنظمة الشمولية تمارس كثيراً النفاق للدين والتاريخ والتراث، متكئة في ذلك على بعض رجال الدين من التيار السلفي المدخلي الذي وهب نفسه لخدمة السلطة والدفاع عنها واعتبار وجودها أمراً مشروعاً مقدراً من قبل الله، وبالتالي فأي خروج على الحاكم أو دولته هو خروج عن إرادة الله من جهة، ومدعاة للفتنة ودفع البلاد إلى الفوضى من جهة ثانية. وعلى هذا الأساس تأخذ هذه الأنظمة القروسطية في جوهر حكمها، من العلمانية والدين معاً لبوساً أو قناعاً لمواجهة أعدائها أو منتقديها من علمانيين أو غير علمانيين. أما النتيجة من كل ذلك، فإن هذه الأنظمة في سياستها التلفيقية هذه، أو حتى الانتهازية للدين والعلمانية، سوف لن تجد في المحصلة وعند أي هزة تتعرض لها من يقف معها ويساندها، لا من اليمين المتدين الذي اتكأت عليه والمشبع أصلاً بالفكر السلفي القائم على عقيدة الفرقة الناجية وتكفير الآخر وتحريض المتدينين على كل ما له علاقة بالعلمانية والعقل، تحت ذريعة ابتعاد الدولة عن تطبيق القيم الدينية، وسكوتها عن محاربتها الفساد المنتشر أو المستشري بشكل مباشر غير مباشر في الدولة والمجتمع بسبب تبني العلمانية (المشوهة) التي تمارسها الدولة الشمولية. ولا من العلمانيين الذين يتفقون في الرؤية والرغبة في التطبيق لمفاهيم العلمانية التي تقرها أيديولوجيات أحزاب السلطة أو دساتير الدولة. وهنا يحس المواطن المتلقي لهذه التعاليم الدينية والعلمانية في هذه الدولة الشمولية بتلك الفجوة الواسعة بين ما يقال له عبر مشايخه، عن فساد وضياع الفضيلة في الدولة العلمانية، وبين ما تعطيه الدولة أو تقدمه للفرد والمجتمع عبر مدارسها وجامعاتها وإعلامها من مفاهيم وقيم وضعية ليس لها علاقة بما يقوله رجل الدين.

هكذا إذن يتبين لنا كيف تضيع العلمانية بين العقيدة ممثلة بالتيار الديني السياسي السلفي المدخلي المؤيد للسلطة في الشكل، والمعادي لها في الجوهر، كونها سلطات علمانية تريد فصل الدين عن الدولة، وبالتالي هي كافرة لا تأخذ بحكم الله من جهة، وبين دعاة العلمانية أنفسهم ممن هم خارج نطاق السلطة أو داخلها والذين حوربوا وأقصوا من قبل التيار الديني، ومن قبل السلطة مدعية العلمانية، الذين راحوا بدورهم يكيدون للسلطة المنافقة والمستبدة التي أقصتهم من جهة ثانية.

أما الأنظمة التي تتبنى الحاكمية كمصدر وحيد في التشريع للدولة والمجتمع في عالمنا العربي، فهي أنظمة بعيدة كل البعد عن الدين وجوهره، بل هي وظفت الدين لقوى حاكمة وجدت في شهوة السلطة كل ما يبرر لها من تشويه للدين نفسه أيضاً ولي عنقه كي ينسجم مع مصالحها. لذلك راحت تمارس التجهيل على المواطنين من خلال حجب الحقيقة عنهم ودفعهم في البحث عن مصيرهم في عالم الخرافة واللامعقول. فهذا الشيخ عبد العزيز الباز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والافتاء والدعوة والارشاد في المملكة العربية السعودية يفتي رضي الله عنه وبكل ثقة وإيمان بالله من أجل محاربة العقل والعقلانية معاً، حيث يقول : (الفكر والكفر واحد، بدليل أن حروفهما واحدة.). كما يقول في فتوى أخرى حول كروية الأرض قائلاً: ( يجوز قتل من يقول بدوران الأرض وكرويتها ومصادرة أموال وأملاك من استتاب.). ومن الطرافة بمكان نجد الشيخ المرحوم محمد سعيد رمضان البوطي، الذي كان أحد أعمدة الفكر الديني الوسطي في بلاد الشام، ورئيس الهيئة الإسلامية في بلاد الشام، ومن أعمدة رجال الدين في المؤسسة الدينية الرسمية في دولة تتبنى العلمانية نهجاً لها، نجده يكتب في رسالة له إلى الباز بعد أخذ موافقة وزير الأوقاف (محمد محد الخطيب)، يشكر فيها الباز على تحويله كتابه (الإسلام ملاذ كل المجتمعات الإنسانية)، إلى لجنة في هيئة البحوث العلمية السعودية للاطلاع عليه وإبداء الموقف الوهابي منه، وأبرز ما جاء في هذه الرسالة، قول البوطي للباز : (سلام الله عليكم وبركاته ... بارك الله في وقتكم وأن يمنحكم الصحة والعافية التامة وينفع المسلمين بجهودكم وأن تثابوا الأجر الوفير...)!!. (1).

أما الشيخ المشهور والداعية "صالح بن العثيمين"، فهو يحذر في فتوى له من استخدام الدش (الساتلايت)، والاحتفاظ به في خطبة الجمعة الثانية يوم 25/ 3/ 1417 هـ/ قائل: (من مات وَخَلَفَ في بيته "دش" غش" رعيته فَحَرَمَ عليه الجنة). والمشكلة أن الكويت التي تتبنى دستورا علمانياً تبنت هذه الفتوى. (2).

أما في دولة السودان الإسلامية المعاصرة، فهذا أحد الوزراء في حكومة (حسن البشير) يدلي برأي يبشر فيه بوجود حل لمشكلة التنمية في السودان عن طريق استخدام (الجن)، فما كاد السيد رئيس الجمهورية البشير أن سمع هذا الرأي، حتى أوعز للسيد الوزير أن يتقدم بدراسة عن دور الجن في التنمية.(3).

هكذا نرى أن معظم السلطات الحاكمة في عالمنا العربي قد أضاعتها شهوة السلطة، وراحت تحارب الدين والعلمانية معاً، في الوقت الذي تتجار بهما معاً.

 

د.عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

......................

مجلة نهج الإسلام – عدد ممتاز – وزارة الأوقاف السورية- دمشق – العدد – 23- آذار- 1986- ص 40 وما بعد.

- مجلة النهج- مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية – دمشق – العدد- 29- لعام—2002 – ص- 19-

- مجلة النهج- مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية – دمشق – العدد- 21- لعام- 2000- ص- 220.

 

محمد طلعت الجنديصباح بلا خير، على أفاقي الحرف واللون والكلم والحرية، والحكاية تكمن في رغبة استبدادية في التلهي الغرائزي تحت مسميات مزيفة عن وعود الحب والزواج. وعندما يسفر هذا عن ثمرة لا ذنب لها غير كونها أرادت الحياة؛ فخرجت إلى النور تتحدى ظلمة الفلاح الخبيث والأرض الخصبة، هكذا هي خلاصة حدوتة كل"ديالا" جاءت وسوف تأتي من رحم العته السلطوي المجتمعي المتسيد باسم الفحولة التي تنكح من تريد، وتتبرأ وقتما تريد!

قضية نسب الطفلة "ديالا" للفنان التشكيلي العالمي المصري عادل السيوي والتي رفعتها الأم "سماح إبراهيم عبدالسلام" صحفية في جريدة الأهرام المصرية. قضية تتكرر بحذافيرها، وفي الواقع لا تعنيني هنا في الحدوتة ذكر أسماء الجناة وهم كُثُر على مر تاريخ النخبة العربية وصفوتها من كل طوائفها، إنما يعنيني هنا الوقوف وتحليل تلك الخسة المتكررة في الإنكار والتنصل من الثمرة وكأنهم مصرون على احتقار الناس لهم.

السينما المصرية في أفلامها القديمة عرت وفضحت النخبة من أبناء الباشوات والمتعلمين، ورسمت مشاهد الذئب النخبوي ابن الباشا العبيط الخائف من أسرته، وهو ينكر المولود بغباء لا نظير له. ودائما يتكرر نفس السيناريو، ولكن بالعدل الألهي يتم فضح الأمر مهما تجبرت أسرة الباشا النخبوي وأنكر ابنها المدلل الفاسد والمفسد ثمرة فساده.

رصدت الصحافة المصرية أيضا في تحقيقات وصور وأخبار واقع حضيض الخسة النخبوية في إنكار فعلتها، وكذلك قاعات المحاكم المصرية نُقش على جدرانها معاناة وتفاصيل جلسات المحاكم وأحكام القضاة في قضايا النسب.

لا أحد يتعلم، والكل يمضى في طريقه مفضوحا. وهذا التصحر العقلي والتوحش الجنسي مغلفان بتوابل السلطة المجتمعية والوقار والمكانة. تلك التوابل التي فسدت وأزكمت روائحها المجتمع. أولئك الذين لا يتعلمون أبدا، فُحق عليهم التجريس والركوب على الحمار بالمقلوب. ولكنهم لا يستشعرون الحرج من الفضيحة، وكان في الإمكان التستر بتحصين أنفسهم بفضيلة الاعتراف.

الكارثة أننا ملتزمون بقشرة التنوير والاستنارة والانفتاح العقلي حين نظهر على الملأ "اضحك الصورة تطلع حلوة.. مثّل تشقط صبية أحلى"، وفي دواخلنا يتفرطح النعل العقلي المصحوب بـ"العلوقية" الأخلاقية. وهذا التوصيف هو ما نراه بشدة في ثمرة "ديالا".!

والحقيقة كلنا فاسدون، أنا وأنت وهن ونحن تجار نلوك بضاعتنا ونعرضها ونزينها للعرض بهدف خطف العيون وسلب عقول الناس والعبث بفروج الحسان. نحن قبور بيضاء من الخارج وديعة ترفرف فوقها وريقات الزهور وأجنحة الطيور، وفي الداخل ثعبان أقرع ومطبات من جمر وفحيح نصب ومطارق غدر. للأسف هذا واقع الكائن النخبوي المصري في أَرْدَإِ صوره، سلفية الداخل وعلمانية الخارج. تناقضية!

حقيقة قذرة في الجينات الميراثية السلفية المسرطنة في عقول صفوة تجار الفن والكلم. تسمع منهم تقول الله، وترى المستخبي في حياتهم تقول فجرة ملاعين ، فبلا شك هي حالات نقص أو خلل أو احتياج جنسي صريح في أحط ساديته المستغلة والمتقنعة تحت أوهام الزواج. وفي الأصل ما هي إلا لحظة ريالة على كبر أو هطل لصغر السن.

ومن غير الممكن أن يتم التعاطف المجتمعي مع الناكر، فما جدوى التعاطف أمام واقع لا ذنب له يمثله وجود طفلة. التعاطف المعكوس هنا يشير إلى مرض المجتمع الذي يشجع فخ الصياد ويعصب عين الفريسة كي تقع مرة أخرى وثالثة وألف.

قضية الطفلة "ديالا" ترتقى لمسألة الظاهرة التي تقترب حد الكارثة. تخبرنا باختصار أن المجتمع يموج بنطح ذكري بلا عقل. وهنا تكمن خطورة التأييد المتأسلم، وفقا لشرائع فقهاء الغلفة الذين يتخذون موقف زميلهم الذكري في تحليل الإنكار وذبح مائة ناقة. انتبهوا! وعلى ذكر أولاد المائة ناقة، فسيكون المجتمع قطيعا من النياق، المهووس بالأمراض الجنسية التي يحلل أفعالها آراء فقهاء المنتسبين للشرع.

المجتمعات كلها تتقدم وتضع حلولا غايتها الاعتراف وتحمل المسؤولية، فعلى سبيل المثال المجتمع الكوري الجنوبي وهو مجتمع قريب الصلة بالعادات الشرقية العربية المنغلقة في التشدد والمحافظة مع التسهل في تعدد العلاقات النسائية في حياة الرجل، ولكن نخبته الحقيقية قطعت شوطا كبيرا في تنوير المجتمع وتثقيف شعبها بفضيلة الاعتراف وتحمل مسؤولية الفعل الذي قام به. صحيح هناك من ينكر، ولكن في المقابل تجده وقع تحت محاكمات الضمير من قبل أطياف الشعب المختلفة.

ففي فصل الشتاء الفائت ظهرت حركة"Me Too "، بقوة في المجتمع الكوري تدعو الفتيات والنساء وطالبات المدارس والجامعات والعاملات أن يتحدثن عن من تحرش بها، وكانت هناك ثلاث حوادث أعرف أصحابهم جيدا بحكم عملي الأكاديمي والثقافي في الواقع الكوري.

الأول كان أستاذا جامعيا مرموقا ورهيب المكانة. كتبت طالبة في الدارسات العليا أنه كان يتحرش بها لفظيا داخل المحاضرة منتقدا طريقة لبسها، وأخرى أكدت هذا، وثالثة دعمت، فما كان من الأستاذ إلا التزام الصمت بعد توبيخ رئيس الجامعة له وتهديده بالفصل من الجامعة إن لم يحسم هذا الأمر. ولم تمر أيام حتى سمعنا عن خبر انتحاره "الأستاذ" عقابا لنفسه.

والثاني ، أيضا أستاذ جامعي مشهور وكثير الظهور على شاشات التلفزة الكورية، كتبت إحدى زميلاته أنه ساومها على قضاء ليلة، فما كان منه إلا أنه خرج واعتذر في العلن، وذكر في بيانه أنه أخطأ، ولذلك قدم استقالته من الجامعة، وهو الآن شيء لا يذكر، منبوذ.

والثالث، وهو شاعر كوري كبير وطالما رشح لنوبل وترجمت أعماله لكثير من اللغات منها العربية، حيث قالت إحدى الشاعرات الصغيرات أنه راودها ذات يوم على طاولة الندوات وأخرج لها من أسفل الطاولة ذكره متباهيا بأنه هو الآخر يقول شعرا أفضل منها. ولكن هذا الشاعر أنكر هذه الواقعة ورفضها بشدة ودعمته زوجته، فما كان من المترجمين الذين يترجمون له أعماله إلا أنهم أوقفوا الترجمة، وأرسلوا له رسالة على الموبايل بعدم احترامهم له، لأنه مخادع ولم يحترم مكانته، فكيف يترجمون عنه وهو على النقيض من القيم التي ينادي بها. وكذلك تخلت عنه كل المؤسسات التى كانت تروج له وتدعمه عالميا.

نماذج ثلاثة لهم مغزى ضمني في مواقفهم وموقف المجتمع ومؤسساته منهم، كما يشيرون إلى صحة المجتمع الكوري، وصحوة ضميره والتمسك بالقيم العليا المطلقة سواء في الفعل أو في القول.

وعلى الصعيد المصري في مسألة "ديالا" نلحظ اتفاقا علنيا بين النخبة الصامتة المؤيدة حق السيوي الفنان العالمي(!) في النكران وإلقاء الشكوك في سمعة أم "ديالا"، وبالتالي في صحة نسب الطفلة، وهذا لأن المجتمع ونخبته لا يعرفون فضيلة الاعتراف والمحاسبة الفورية للذات من قبل الفرد ومجتمعه. وهي علامة من علامات التقدم الفردي والمجتمعي، لذلك كان أحرى على الفرد، بل وعلى المجتمع المصري أن يعترف بالخطأ، ويعلن مسؤوليته عنه ويعاقب نفسه بنفسه.

ومن هنا وجب الاعتراف والإقرار بأن ضمير هذا العادل لا يستقيم طالما يعيش العدل في ضمائرنا مواسم رياء متكررة وندعم بها قهر المجتمع أكثر. ومتى نتعلم من أدم رقي طلب العفو والسماح حين ارتكب الخطأ، وفي شجاعة اعترف به، وأعلن توبته وتحمل مسؤولية فعله بإصلاح حال الثمرة لا بتركها للثعابين تلتف حولها.

ويا كل عادل، قم وحقق العدل باعترافك؛ كي يستقيم الضمير فينا بلا عرج؟! وأعتقد لن يستقيم، طبقا للسوابق الأخلاقية التي شهدها مجتمعنا المصري المريض بصفوته.

للأسف كلنا عادل وكلنا سماح. وبين الصفتين كم سقطت "ديالا"..!

 

د. محمد طلعت الجندي

 

 

النخبة هم خيرة المجتمع في الثقافة والفكر والفن والاعلام والادب، هم مجس المجتمع لتحسس آلامه ومعاناته ومشاكله، هم من يتفحص التأريخ والتراث ويمحص الحاضر ويقرأ الواقع لتشخيص العلل والمثالب التي حدثت للمجتمع والدولة لمنع تكرار حدوثها في المستقبل .

النخبة ليسوا طبقة أنهم موجودون في كل الطبقات وفي كل المهن وفي كل المدن وفي كل القرى، هم اصحاب الحس العالي، هم اصحاب الاهداف العليا، هم من يشعر بألام الشعب بمجرد حدوثها، هم من يبحث ويقرأ ويكتب ليعرف ما يحدث، يتعرف على الاخطاء والخطايا والكوارث والعلل والمشاكل التي تحدث في المجتمع ويسعى لحلها او البحث عن الحلول لها .هم بين السياسيين والشعب ولكن لا تهمهم مصالح وطموحات السياسيين و ما يهمهم هو الشعب والمحافظة عليه، هم من يصنع احلام الشعوب ويحولها الى اهداف وينظرها ويكتبها ويدرسها الى افراد الشعب لكي يعي كل مواطن اهداف شعبه وتصبح جزء من حياته.

هم من يمنع الكوارث ان تدمر الامة من خلال تحويلها اي الكوارث الى درس مجرد درس للعبرة مع الاحتفاظ بقدرات الامة الكامنة. وقد رأينا امما كادت تباد في حروب ومأسي ولكن بفضل وجود النخب الواعية والتي قادت البلاد في الظروف الصعبة حولت التدمير الى بناء ومسحت آثار و نتائج الكوارث وقد رأينا كيف قادت نخب اوروبا مجتمعاتها وبلدانها بعد الحرب العالمية الثانية واستفادت من دروس الحرب القاسية.

مصر ولكونها كبرى البلدان العربية كانت لها نخبتها وعلى مدى تأريخها، نخبة تصعد لترى وتعترض في كل خطر يتعرض له مجتمعها، وتتحدى وتوقف المشاريع الخارجية والداخلية التي تشعرالنخبة انها تشكل خطرا قد يصل الى تدمير الامة، وقد رأينا كيف تم ايقاف الاستعمار الفرنسي وايقاف الاستعمارالانكليزي وقبلها كيف استطاعت مصر ان تتخلص من التبعية للدولة العثمانية بشكل خاص، فقد اصبح محمد علي مصريا بتفوق ولم يصنع حاكم قبله لمصر كما صنع محمد علي لمصر حيث اخرجها من عصر النوم والاسترخاء والظلام الى عصر العلم والعمل واليقظة وفتح بوابة ارسال البعثات الى العالم المتقدم ليركب ابناء بلده قطار الحضارة . وساند نخبة البلد وساندته النخبة عندما شعرت بأنه يقود البلد في الطريق الصحيح وليس نخبة المماليك التي هو منهم ليصنع تأريخ بلد اصبح حاكما له .

كان لنخبة مصر دور هام في تأريخها، ونخبة مصر متميزة دائما ولم يستطع الحكام مهما كانت قوتهم أن يرغموها على الخنوع والانصياع او على التشتت والضياع او الهجرة الى بلاد المجهول، وبقيت النخبة قوية تتلاحم في الملمات ومهما عظم الخطر تآلفوا ضده ووقفوا بوجهه حتى يوقفوه عند حده ويجنبوا البلاد والمجتمع شره .رأيناهم كيف التحموا وقادوا الشباب المتوقد حيوية واسقطوا نظاما دكتاتوريا ولم يتركوا المتظاهرين وحدهم في ساحات التظاهر كانت النخبة من المفكرين والفنانين والاعلاميين تقود المجتمع، وكانت الجماهير الثائرة تحترم نخبتها وترضى بقيادتها لها .ورأينا كيف قادت نخبة الفن والاعلام والفكر والثقافة اسقاط مشروع الاخوان المتخلف للتأسيس لمشروع اخونة المجتمع المصري مجتمع الثقافة والفن والاعلام والفكر والكتابة والموسيقى ليحجروه في نطاق تفكيرهم الضيق النائم في محاجر الماضي الذي تجاوزته عصور الحضارة والتقدم ولمنع بناء الانسان الواعي .

على الجانب الأخر نرى مجتمعنا وقد تبخرت نخبته كلما سعى النمو الطبيعي للمجتمع كأي مجتمع آخر لبناء نخبته من مثقفين ومفكرين وفنانين واعلاميين وباحثين، فما كاد العهد الملكي يستقر وتبدأ النخبة بالنمو وتتفتح العقول وتتشبع الاقلام بالحبر وتحرر الصحف وتتشكل فرق التمثيل والغناء وتصدح اصوات الفن وتبث الاذاعة وتضيء شاشات التلفزيون في عهدهم، حتى تخطفت نخبتنا تيارات الايديولوجيات المتطرفة وادخلتها في اتون التحزبات وجعلتها كبش فداء لصراعاتها، ومن لم يمت قتلا منهم او اعداما من اجهزة السلطات العسكرية او التحزبية نفذ بجلده الى بلاد الشرق او الغرب او اعتكف واغلق بابه ليتجنب صراعات السياسة، ليترك البلد بلا نخبة ناضجة واعية قائدة للمجتمع حتى اندثر اسم النخبة في هذا البلد .

وجاءت 2003 ولم يكن داخل البلد من يمكن تسميته بالنخبة القادرة على قيادة المجتمع وانضاج خياراته المستقبلية وتُرك المجتمع الى المحتلين والجهلة والمتخلفين لينفذوا به مخططاتهم المدمرة، لننتهي بمجتمع يسرح ويمرح فيه الدجالون والنصابون من على شاشات الفضائيات مجهولة التمويل والتوجه وهم يعلمون الناس البسطاء قراءة الحظ والسحر وفنون الدجل بل ما يسمونه العلم والادب، ويعالجون الامراض بالتعاويذ وعظم الهدهد وام سبع عيون ووصفات العصر الحجري بدلا من العلم والطب والجراحة الروبوتية، لننتهي بأنسان تائه ضائع لا بوصلة توجهه لا يعرف حقوقه ولا يعرف كيف يقوم بواجباته، يتظاهر وبدل ان تتحقق مطالبه يرضى بوعود كاذبة مخدرة .بلد بلا نخبة، بلد في ضياع مستمر، ونشوء النخبة يحتاج الى نمو طبيعي في مجتمع يحترم ويعرف اهمية دور النخبة في المحافظة على المجتمع والدولة والثقافة، في مجتمعنا من يقوم بدور النخبة هم أدعياء الثقافة والعلم والادب وهؤلاء هم وبال على المجتمع لأنهم يقودونه الى مصالحهم وليس الى تقدمه.

 

د. احمد مغير - طبيب اختصاص وباحث.

 

زهير الخويلدي"الفلسفة هي النظر في مواضيع ما تزال المعرفة الدقيقة بها غير ممكنة" .. راسل برتراند – الفلسفة وقضيا الحياة

مازالت الفلسفة المعاصرة في طور التشكل والنشأة والظهور دون أن تصل إلى درجة واضحة من التكوين والتطور والاكتمال. ومازال تاريخها لم يكتب بعد وذلك لأن المؤرخ يشتغل على أشياء تمت وصارت في عداد الأموات، بينما يشتغل الفيلسوف على التجارب الحية ويخوض في مسألة ينابيع الحياة ومصادر الذكاء والمشاكل المعرفية ويحاول صياغة الأسئلة الأساسية للراهن. لكن ما المقصود بالفلسفة المعاصرة؟ وأين تختلف عن الفلسفة الحديثة والوسيطة ؟ وهل تخلصت نهائيا من الميتافيزيقا؟ وماهي مناحيها النقدية؟

تبحث الفلسفة المعاصرة في مشكل الوجود بصورة عامة والوجود الإنساني بالخصوص وفق مقاربات فنومينولوجية وتكشف عن أزمة العقل عند بحثه عن ميتافيزيقا العلاقة وتتبنى رؤية مفتوحة عبر الوعي والقصدية والبيذاتية وتعمل على توفير الإمكانية الملموسة للدروب الفكرية المؤدية نحو الحياة الحقيقية.

تساعد الفلسفة في الحقبة المعاصرة على الوعي بطريقة نقدية بالمعطى الواقعي بصورة ملموسة وتعبر عن الاتجاهات الأساسية التي تتشكل منها الثقافة والمناحي النقدية التي يستخدمها الفكر في قراءة الأحداث والتوغل في الأشياء من أجل استخلاص القوانين الكلية. علاوة على ذلك تيسر عملية التفكير في المشاكل المستجدة وتدرب فن فهم النصوص المفاتيح وتنظم حلقات نقاش لمعرفة مختلف المواقف من الأسئلة الكبرى وتقول بأن معرفة الذات لن تتحقق إلا بمعرفة الغير والحكم على الآخر يسمح بالحكم على النفس.

معظم الخصائص التي تتميز بها الفلسفة اليوم هي جملة المواقف التي يبديها الإنسان العاقل من المشاكل الراهنة التي تطرحها التحديات العلمية والتقنية في الواقع وتحركاته من أجل تغيير المجتمع نحو الأرقى من خلال جعل الوجود الذاتي والوجود المغاير فضاء إشكاليا غير قابل للوصف والتحميل والتعبير.

توجد صعوبة في إدراج الفيلسوف ضمن المؤسسات التعليمية والثقافية والسياسية القائمة لما يتميز به هو من حرية وجرعة نقدية ورغبة في التجاوز ولما تتصف به هي من نظام وترتيب وبيروقراطية إدارية.

هذا الوجود الإشكالي للفيلسوف جعله قريبا من الحلقات العلمية المغلقة على نفسها بعيدا عن دائرة الموظفين التقنيين وأدى بمارتن هيدجر أن كف عن نعت كيركجارد بصفة الفيلسوف وأسندها لفردريك نيتشه وبأن اعتبر برانشفيك منتجا لمنظورية عدمية ضحت بالحكمة العليا من أجل الرياضيات أما هوسرل فهو كذلك ليس سوى وضعيا منغلقا على أسئلة فلسفية خالصة لم تقدر على مبارحة النفسانية المتعالية. بهذا لم يكن جان بياجي في أزمنة الذكاء وتمثل العالم عند الطفل بعيدا عن أرسطو والقديس طوما الأكويني، كما أن الريبيين لم يكونوا مختلفين كثيرا عن شليك والوضعيين في اعتبارهم الفلسفة علما جزئيا بالخارج.

إنقاذ الفيلسوف من كل اتهام منهاجي بالتقصير وغياب الدقة يكون بوضعه على غرار مؤرخي الفن ضمن المعيار الاجتماعي للتراث واشتراط تسميته بالفيلسوف بتحركه ضمن تراث متبلور عكسه رأي عام عند المؤرخين الأكثر اختلافا. لكن هذا المعيار يجوز تطبيقه على فلاسفة الماضي ويتعذر على المعاصرين.

الفلسفة الرسمية ليست ناتجة عن اعتراف جماعي بالخصائص التراثية للفيلسوف والمسارات التي قطعها وإنما هي تسمية مراقبة من طرف المؤسسة العلمية تشترط الدقة المنهجية والتمرس على فن المصطلح.

يقوم الفيلسوف المعاصر بعمل تقريبي يسند الصفة الفلسفية لكل الأعمال الإبداعية والاتجاهات الفنية التي تثير جملة من الإشكاليات حول معنى الإنسان والعالم وتصوغها ضمن أنماط تجريبية ومقولات فكرية.

تهتم الفلسفة بالمجهول وغير المعروف ولكن عندما يتم اكتشافها ومعرفتها تتحول إلى دائرة المعلوم ولذلك يكون غرض الفلسفة تربية العناية بالنظر العقلي في المواد التي يتعذر إدخالها إلى المعرفة العلمية من جهة وتحرص على توسيع مجال الرؤية التخيلية للعالم عن طريق صياغة فرضيات لا تقبل التجريب.

هكذا تكون الفلسفة علما لم يكتمل بعد، " تجعلنا من ناحية منشدين إلى التفكير في ما يمكن أن نعرفه، ومن ناحية أخرى تدعونا دوما إلى الإقرار بتواضع بأن الكثير مما يبدو لنا معرفة ليس بمعرفة في الحقيقة"، لكن ما الفرق بين التعريف الشعبي المتداول للفيلسوف والتعريف النقدي الذي ظهر في الحقبة المعاصرة؟

تنتشر الفلسفة المعاصرة في مجالها الخاص الذي يشملها السؤال والتحليل واللسان والمعنى وبناء الواقع ويكف الفيلسوف بحق عن دعم السلطة الرسمية ولكي لا يمثل سندا للنظام القائم ويشرع في تعقل الأحداث من أجل فهم المجتمع وذلك لأن الشأن الحقيقي للفيلسوف هو تقويض القديم وتغييره نحو بناء عالم جديد.

لكن ماهي علاقة الفيلسوف بالجمهور؟ هل يعمل على تحسين صورته عند الجمهور؟ وما جمهور الفلسفة؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

 

ميثم الجنابيالمحور الرابع: الأسس الاجتماعية والسياسية للظاهرة الصدامية (2)

• تكشف القراءة الفاحصة للتاريخ الاجتماعي والسياسي العراقي عن أخفاق النخبة العراقية السياسية منذ أربعينيات القرن العشرين في طرح برنامج إصلاحي. بعدها ساد الخمول الفكري إزاء مشكلات ضخمة كانت التوتاليتارية الصدامية إحدى ثمراتها. ما هو السبب في عدم وجود تصورات فكرية متماسكة لمعالجة الظواهر الكبرى في المجتمع العراقي مثل النخبة والثقافة والإصلاح والتقاليد الإصلاحية؟

إن السبب الجوهري القائم وراء انعدام أو ضعف التصورات الفكرية المتجانسة في رؤيتها لإشكاليات الواقع العراقي ووضع الحلول لها يقوم أولا وقبل كل شيء في غياب مرجعيات نظرية ومنظومات فلسفية متراكمة في مجرى تأمل التجارب الذاتية للمجتمع والأمة والدولة. بعبارة أخرى، إن سبب الخلل يقوم ليس في غياب تصورات ونظريات فكرية. فالعالم العربي والعراق يعج بها في مجرى القرنين الأخيرين. إلا أنها نظريات تعكس أولا وقبل كل شيء تجارب الأمم الأوربية. ومن ثم فإن رؤيتها وحلولها تراكمت في مجرى معاناة الأمم الأوربية حل إشكاليات وجودها التاريخي. من هنا تجانسها في الرؤية والحلول وتغلغلها في نسيج الوعي الاجتماعي والثقافي الأوربي العام. أما في العالم العربي (العراق أيضا) فإن الانقطاع التاريخي الذي حدث بعد الحرب العالمية الأولى وسيادة الفكرة السياسية بشكل عام والراديكالية بشكل خاص قد أدى إلى إحداث احد النماذج الحادة للقطيعة مع النفس والتاريخ. مع ما ترتب عليه من جهل بالتاريخ الذاتي وفقدان وعي الذات القومي الثقافي.

فقد أدى هذا الانقطاع أو التحول الراديكالي في الوعي النظري والمزاج العملي إلى تغليب مرجعيات الرؤية الأوربية عند النخب الجديدة. وإذا كانت أربعينيات القرن العشرين قد بدأت تكشف عن هذه الحالة، فلأن ثلاثة عقود من الزمن التي سبقتها قد كانت تعيش على بقايا مرحلة عصر النهضة والإصلاح. وهي تيارات وشخصيات كانت تتعامل مع التراث الأوربي بمعايير الرؤية الحضارية وليس السياسية. بينما انقلب الأمر رأسا على عقب بعد الحرب العالمية الأولى وتقسم العالم العربي واحتلاله المباشر وغير المباشر عبر "الانتداب". لقد أدى ذلك إلى دوران العالم العربي (العراق) ضمن فلك التاريخ البريطاني والأوربي. من هنا التقاء "اليسار" و"اليمين" في موجة الاغتراب المتزايد عن أصول الرؤية التاريخية الثقافية الذاتية. والانهماك المتزايد في تلقي وأخذ فتات الأفكار المسطحة، والمباراة في إبراز حسناتها ونموذجيتها مع كل اكتشاف سريع ومباغت للنظريات الأوربية. من هنا افتخار هذه النخب الطارئة بكل ما تعثر عليه. بمعنى افتخارها بكل ما تعثر عليه بوصفه "اكتشافا". من هنا اعتزازهم بكل ما يجري العثور عليه وتقديمه على انه "آخر الاكتشافات" و"آخر الحقائق". ومن هنا أيضا تساويهم في نفسية وذهنية الإتباع واختلافهم في "اختيار" التقليد للمدارس والتيارات المتنوعة. من هنا تباهي كل واحد منهم بتيار أو مدرسة الفابية والدارونية والوضعية والفرويدية والوجودية والماركسية وعشرات المدارس الأخرى العامة والفرعية. بمعنى انك تستطيع العثور على متحمسين ومتنافسين في إبراز وإعلان التبعية التامة والإخلاص لها. من هنا اختلاف ودموية "الماركسي" عن "الماركسي – اللينيني"، وهذا بدوره عن "الستاليني" و"التروتسكي" و"الماوي" وغيرها.

باختصار إننا نقف أمام حالة أشبه بحالة القرود المتبجحة في كشف عوراتها في المعابد الهندية المهجورة! فكل منهم يتبجح بعرض اكتشافاته "المذهلة"، أي عورات تقليديته الفجة. ومن الممكن رؤية ملامح هذه الحالة لحد الآن فيما يسمى بالاتجاهات الداعية "للتحرر" من "أيديولوجيات" الماضي والانخراط في أنواعها الجديدة من بنيوية وحداثية وما بعد حداثية وتفكيكية وما شابه ذلك. أما في الواقع فإنها جميعا مجرد صيغ مختلفة لنزوع أيديولوجي يمتثل لباطن الاغتراب والتقليد.

فالفكرة الأوربية الفلسفية حالما تصبح "فلسفة" في العالم العربي أو العراق فإنها تكف عن أن تكون فلسفة. إنها يمكن أن تكون جزء من نمو الرؤية المنهجية ولكن فقط في حال تفاعلها ضمن إطار نمو وتكامل وعي الذات الفلسفي القومي. وهو ما لم يحدث لحد الآن في العالم العربي. ولنأخذ مثال التفكيكية. فمن الناحية المجردة تبدو كما لو أنها خارج نطاق وتقاليد الأيديولوجيات التقليدية. رغم أن ذلك لا يحررها أو يخلصها من إنتاج قواعد للرؤية في الوعي الاجتماعي قادرة على تصنيع كليشات جديدة وأحكام نمطية. غير أن جوهر القضية ليس هنا، بل في طبيعة تحولها إلى أيديولوجية مقلوبة حالما تصبح جزء من رؤية المثقف في التعامل مع نصوص التراث القومي (العربي والإسلامي). وذلك لأن الانهماك بها هو تفعيل لهدم إمكانية نمو الفكر المنظومي ومنظومات الفكر المحتملة. فإذا كانت التفكيكية في العالم الأوربي وفرنسا بشكل خاص هي جزء عضوي وتلقائي في نمو فكرة الحرية والنظام، بعد أن استطاعت الأمم الأوربية انجاز منظوماتها الخاصة في بناء الدولة والأمة والثقافة و"تشبعها" بفكرة النظام، أصبح تفكيك هذه "المنظومات" جزء من إعادة بناءها الحر، أي جزء من نمو منظومة الحرية في الوعي والسلوك والمواقف. أما في العالم العربي والعراق بشكل خاص، فإن كل شيء فيه مفكك: الدولة والأمة والمجتمع والفرد والثقافة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والطرق ومجاري المياه وعوالم الشخصية، باختصار كل شيء! إنه مشتت في رؤيته الخاصة وبنية وعيه الثقافي. كما أنه لم يتعلم ولم يتكامل في أي مجال أو ميدان أو مستوى من مجالات وميادين ومستويات الحياة والمعرفة. من هنا فإن توجيه ذهنه صوب تعميق وتأسيس "التحرر" من ثقل نصوص الماضي قبل أن يتعلم الحرية الفعلية في ابسط مظاهرها، هو من حيث الجوهر خروج على منطق وغاية الفكرة التفكيكية. بمعنى انه لا يعمل على تعميق بنية الثقافة الحرة.

فالثقافة منظومة وبنية تاريخية. والمقصود بالتفكيك هو إعادة تأسيسها وتعميقها وليس بالعكس. وهو المقصود من كلامي بأن الفلسفة الأوربية حالما تصبح جزء من التقليد، فإنها تؤدي بالضرورة إلى أيديولوجية رعناء أو صماء. والنتيجة واحدة في كلتا الحالتين! طبعا ليس المقصود من وراء ذلك إبراز قيمة التفكيكية. وذلك لأنها تبقى في نهاية المطاف جزء من التجربة الأوربية وذهنية النقد المعرفي من جهة، وطابعها الجزئي من جهة أخرى. إن المقصود بذلك هو أن هذه التقاليد الخربة والنزعة التقليدية قد أدت إلى تخدير وتخريب النخبة. أو بالأحرى إننا نقف أمام نخبة ونخب سقيمة رغم مظاهرها الأنيقة الظاهرية. الأمر الذي يجعل من هذه الظاهرة سريالية بلا واقع ينتجها أو تتمثل ما فيه! وهذا من غرائب الأمور! غير أن الانحطاط لا يعرف ولا يفقه ولا يتحسس الغرائب لأنه غربة غريبة! أي كل ما نعثر عليه في ظاهرة صعود التوتاليتارية البعثية والظاهرة الصدامية. بل و"تمجيدها" من جانب "النخبة الثقافية" والانغماس في ملذاتها الزهيدة!

طبعا أن لهذه الظاهرة المتعلقة بالنخبة الثقافية وإشكالاتها وعلاقتها بصعود التوتاليتارية مقدمات خاصة بها ما قبل نشوء الدولة العراقية الحديثة، واستمرارها النسبي في المرحلة الملكية وتفجرها المريع بعد انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958. وفي مجرى هذا التاريخ المحزن والدموي والمأساوي تتحمل النخبة الثقافية وزرها الكبير. رغم أنها لحد ما ضحية الانحراف التاريخي والانقطاع الراديكالي الذي جرت الإشارة إليه أعلاه.

غير أن المسألة تختلف بالنسبة للنخبة السياسية. فقد كانت هي وما تزال من حيث الجوهر صانعة الخراب الفعلي للعراق. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن خراب النخبة العامة والفكرية منها بشكل خاص. فقد كان من الصعب عليها آنذاك التبلور في فئة خاصة ومتميزة وفاعلة ومستقلة، بسبب المقدمات التي جرت الإشارة إليها. لكنها كانت مع ذلك تتراكم في مجرى تراكم بنية الدولة ومؤسساتها. غير أن الانقطاع التاريخي الذي قامت به الراديكالية السياسية قد جعل من تاريخها مجرد عقدين من الزمن، أي منذ عشرينيات القرن العشرين حتى الأربعينيات. وليس مصادفة أن تغيب فكرة الإصلاح والفكر الإصلاحي بشكل عام منذ أربعينيات القرن العشرين. فانتشار الفكرة الراديكالية وهيمنتها القاهرة على الوعي الاجتماعي واحتمائها بهوس "الجماهير الشعبية" قد اقفل من حيث الجوهر إمكانية الفكر الحر والإبداع المستقل. الأمر الذي جعل من الفكرة الإصلاحية مقارنة بفكرة الثورة والانقلاب مضحكة ومثيرة للريب والشكوك! وذلك لأن الفكرة الراديكالية تؤمن وتريد وترغب بأمور وشعارات "واضحة" و"جلية" و"بسيطة" و"مفهومة". بل إنها تحتقر "التعقيد" و"الصعوبة". فهي تريد وترغب وتخضع فقط للأمور البينة والحسية الفجة، أي لكل ما يستثير خمولها الذهني. من هنا ولعها بالتقليد والاندفاع العارم وراء الصيغة البيانية المغرية للحس البليد.

إن الخمول الذهني وليس الفكري كان النتيجة المترتبة عل صعود الأيديولوجية السياسية الراديكالية. وفي الواقع ليس هناك شيئا اشد تخريبا للعقل والضمير ومنتجا لعمى البصر والبصيرة أكثر من الأيديولوجية الراديكالية السياسية. أما صعود التوتاليتارية فقد كان الثمرة المرّة لهذا الانقطاع الراديكالي في تاريخ الفكر والمجتمع والدولة والثقافة السياسية، أي كل ما أدى إلى ما ادعوه بالخروج التاريخي على التاريخ. مع ما ترتب عليه من إضعاف مستمر للنخب العامة والخاصة وتلاشيها الفعلي في ظل السيطرة الصدامية. وفي ظل هكذا واقع يصبح من الصعب صيرورة الفكرة الإصلاحية، كما أن من المستحيل توقع ظهور منظومات فكرية متماسكة.

• التوتاليتارية مشكل سياسي – معرفي ذو أهمية كبرى على صعيد العلم السياسي، وذلك لانعدام أو صعوبة تعميمها بتعريف كما يقال جامع مانع. وليس ذلك معزولا بدوره عن كونها نتاج سياق اجتماعي تاريخي متباين ومرجعات أيديولوجية مختلفة. ما هي الخصائص التي تميز التوتاليتارية العراقية (الصدامية)؟

إن التوتاليتارية عموما نتاج خاص للمسار التاريخي المأزوم للأمم. إنها تعبير وتجسيد ومحاولة الخروج من أزمة بنيوية كبرى تمس الدولة والأمة والثقافة. لكنه خروج محكوم ومؤسس بمعايير الرؤية الراديكالية. من هنا تمثل التوتاليتارية احد النماذج القاسية والمدمرة للانقطاع الراديكالي في تاريخ الأمم والثقافة. وفي هذا تكمن إشكالاتها. فهي نتيجة أزمة بنيوية ومنظومية كبرى ومحاولة للخروج منها ولكن بمعايير الرؤية الأيديولوجية الصرف، أي الطوباوية. من هنا تناقضها الذي عادة ما يجد انعكاسه في صراعها العنيف الدائم من اجل تذليل "المأزق التاريخي" للدولة والأمة ولكن عبر إعادة إنتاجه الدائم. فهي تسعى إلى الوحدانية من خلال تحويلها إلى واحدية شاملة لوجود كل شيء. وبالمقابل لا تنتج غير تفرقة الأشياء كلها. بمعنى أن سعيها للوحدة عادة ما ينتج التجزئة الشاملة. وفي هذا تكمن إحدى المفارقات الكبرى للتوتاليتارية بشكل عام والبعثية الصدامية بشكل خاص.

وفيما لو جرى اختصار مضمون السياق التاريخي والاجتماعي للتوتاليتارية في العراق، فمن الممكن القول، بأن خصوصية الظاهرة التوتاليتارية الصدامية تقوم في تجسيدها التام لتجريد وجود الأشياء والناس والأفعال من تاريخهم الذاتي، مع ما يترتب عليه من تصنيع زمن بلا تاريخ. من هنا اندثارها الخاطف وبقاياها الخربة في كل مكان. وتشير هذه النتيجة في الإطار العام إلى افتقار هذه التوتاليتارية إلى جذور طبيعية لها في العراق، وأنها مجرد ظاهرة عرضية ومرضية تمثلت العناصر الرخوية المميزة للهامشية الاجتماعية والسياسية في عراق القرن العشرين. كما أنها حالة فريدة من نوعها في تاريخ التوتاليتاريات الحديثة. بحيث يمكننا القول بأنها كانت أتعس وأرذل أنواع التوتاليتارية، رغم أن التقييم لا يحتوي بذاته على معنى المفاضلة!

فالتوتاليتارية البعثية الصدامية نموذج من نماذج التوتاليتارية عموماً. أما خصوصيتها فتقوم فيما أشرت إليه أعلاه، أي في طبيعة تراكمها وتمثلها للعناصر الرخوية المميزة للهامشية الاجتماعية والسياسية في عراق القرن العشرين.

فإذا كانت التوتاليتارية ترتبط أساسا بفقدان الحدود العقلانية في العلم والعمل، وفقدان الاعتدال العقلي – الأخلاقي، وخلل التوازن الداخلي، الذي عادة ما يجد انعكاسه في سيادة الغلوّ والتطرف العملي، فإن خصوصيتها في البعثية الصدامية تقوم في تمثلها وتجسيدها "الحرفي" لهذه العناصر الرذيلة. فقد كانت في ممارساتها تجسيدا لفقدان الحدود العقلانية في العلم والعمل، وفقدان الاعتدال العقلي – الأخلاقي، وخلل التوازن الداخلي. أما النتيجة فهي "تنظيم" دكتاتورية بلا حدود ولا قيود، "نظامها" الوحيد هو تقنين العنف والإرهاب. بحيث جعلت "مشروعها" لبناء العراق عقدا أبديا لا علاقة له بالتاريخ والمجتمع، وتطاولت إلى درجة لم تسمح بأي قدر من البدائل، بما في ذلك من جانب "الحزب" الذي تمثله. وأكملت ذلك بيقينها القاطع لأية احتمالات من جانب الفرد والجماعة والمنطقة والطائفة والحزب والقومية، باختصار أنها وجدت في كل "احتمال" مهما صغر، جريمة ومؤامرة وتخريبا للحق والحقيقة. مما جعلها تمارس أقسى أنواع القهر والإكراه. وأعطت لكل أفعالها المنافية للقانون والأعراف والأخلاق والحق والحقيقة صفة "الإرادة الثورية". بحيث افقدها ذلك تدريجيا من كل رادع عقلي وأخلاقي، ودفعها في نهاية المطاف إلى أن تلتهم نفسها بنفسها بعد إفراغ مستمر للمجتمع من كل قواه الحية.

ويقف العراق الآن أمام هذه الحالة. وهذا أيضا من خصائصها المميزة! بمعنى إنها مازالت تحكم العراق من خلال بعث سمومها في نسيج البنية المتخلفة التي صنعتها، أي "إجبار" الجميع على العيش بمعايير مقلوبة في كل شي وتجاه كل شيء. من هنا دوامة الصراع والدموية والتجزئة والانحطاط والتخلف وانعدام القيم في المواجهات الخفية والعلنية للنخب السياسية الحالية، إضافة إلى الصعوبة الهائلة أمام المجتمع للنهوض بنفسه بسبب قتل الفردية والحرية فيه. غير أن مفارقة هذه الظاهرة الدموية العنيفة، بل وفضيلتها النسبية تقوم في حرقها لبقايا ومخلفات التوتاليتارية البعثية الصدامية.

 

ميثم الجنابي

 

 

علجية عيش(سلفيات الجزائر من التبديع إلى التكفير)

الأصوليون هم جماعة لهم قناعات دينية مطلقة، ونظموا أنفسهم في حركات اجتماعية، ويتعاملون مع قضايا معينة لها أهميتها بالنسبة لهم، ويسعون إلى إخضاع الحياة الخاصة والعامة لإملاءات قناعتهم الدينية، وتشكل "الحداثة" بالنسبة لهم المشكلة الأساسية التي وجب محاربتها، وقد ذهب مفكرون في اتجاهات مختلفة لتحديد مفهوم الأصولية وما جاءت به الكتب المقدسة، غير أن الأغلبية تجمع على أن الأصوليون جماعات مغلقة، تريد أن تفرض مفاهيم مطلقة على الرأي العام، وقد تستخدم العنف لتحقيق غرضها، وهو الترويج لمرشح رئاسة ديني

يتميز الأصوليون بآراء جامدة، ويقدم الباحثون أحسن مثال على حركتين دينيتين هما الحركة الخمسينية في أمريكا، والإسلام الوهابي، الذي يرى أنه لا يجب انتظار قدوم المهدي، في الوقت الذي كان وهابيون متحمسون احتلوا الحرم المكي عام 1979 وأعلن أحدهم ليكون ببساطة المهدي، فالأصولية حسب المحللين تتخصص في تصعيد الصراعات من خلال التسويق لها أنها صراعات "هوية"، فيما يذهب البعض إلى الحديث عن "الإسلاموية" وانقسم المحللون إلى فرق، ففيما يذهب الفريق الأول إلى القول أن "مصر" الدولة الأولى التي نشأ فيها التيار الإسلاموي عن طريق أبو الأعلى المودودي الذي أسس الجماعة الإسلامية، وهي تعتبر واحدة من أكبر منظمات الإسلام السياسي، وذلك بهدف إعادة إحياء الإسلام بهدف تحقيق سيادة الشعوب، ورغم محاولات الأفغاني ومحمد عبده إلى أنها باءت بالفشل وعجزت عن مواجهة العلماء التراثيين الذين قاموا بتعطيل الإصلاح الإسلامي، كما فشلت أمام النخب العلمانية التي عملت على تعظيم التكنوقراطية، وظلت حركتهما عبارة عن حركة ثقافية، كما فشل الإخوان المسلمون بقيادة حسن البنا في تحقيق الإشتراكية الإسلامية، والإصلاح الإسلامي رغم أنها تعد أكبر منظمة أم للإسلام السياسي.

أما الفريق الثاني يرى أن الأمر يختلف عند " الوهابية " التي تمثل ثالث حركة نبعت منها الأصولية الحديثة، والوهابية ترجع إلى محمد بن عبد الوهاب، الذي عمل على القضاء على ايّ فهم آخر للإسلام، وقد حددت الوهابية لنفسها عدوا قريبا وسجلت عزمها على محاربته من خلال أعمال عسكرية ضد العثمانيين والشيعة، في ذلك الوقت عقد محمد بن عبد الوهاب اتفاقا مع محمد بن سعود، حسب الكتابات كان الاتفاق أن يقوم سعود بالجهاد ويصبح مقابل ذلك قائدا للمسلمين، على أن يكون محمد بن عبد الوهاب المسؤول عن شؤونهم الدينية، والوهابية اليوم هي مذهب الدولة في المملكة العربية السعودية وتعمل من خلال شرطة دينية، حيث تدعو الى اتباع تعاليم القرآن والسنة بصورة ضيقة جدا، ولا تفتح مجالا لي حوار (ثقافي، ديني، سياسي)، أي أنها تمارس ثقافة الإنغلاق، و تعمل على عزل المسلمين عن العالم الخارجي مع الالتزام بزيّ موحد (شوارب مقصوصة ولحي مطلقة وجلاليب تصل إلى الكاحل، تقول التقارير أن الوهابية استفادت من أموال السعوديين ومن تأسيس رابطة العالم الإسلامي عام 1962، وسعت للسيطرة والتأثير على الحركات الإسلامية والجماعات في باكستان وحماس والجهاد الإسلامي وصولا إلى القاعدة، باستخدام إحدى الوسائل الخاصة بالحداثة فيما يسمى بالتحويل اليوتوبي الثوري.

فمن هو محمد عبد الوهاب؟ وهل هو طاغية كما قيل عنه؟

هو من مواليد 1111 هجرية وتوفي سنة 1207، وكان يتردد على مكة والمدينة المنورة، وأخذ العلم من علماء الشافعية (سليمان الكردي) وعلماء الحنفية (محمد حياة السندي)، وكانا يحذران الناس من دسائسه وكذا أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب، وكان يضمر في نفسه النبوة إلا أنه لم يتمكن من إظهارها، هي حقائق مثيرة كشفها الشيخ عبد القادر الاسكندراني الذي وصفه بالطاغية، وهذا في كتاب له من الحجم الصغير تحت عنوان: "النفحة الزكية في الرد على شبه الفرقة الوهابية" عن المكتبة الفلسفية الصوفية، وحسبما جاء في مخطوطة الإسكندراني، فقد كان شيخ الوهابية يكفر كل من لا يتبعه وإن كان من أتقى الناس، وكان يبيح دمهم، كما أن محمد بن عبد الوهاب ابتدع دينا جديدا وصنف رسالة سماها " كشف الشبهات" وقدمها لإبن مسعود وكفر فيها جميع المسلمين، وقد أعانه ابن مسعود على ضلاله لدرج وان بن عبد الوهاب كان بامر بحلق رؤوس النساء، يذكر الإسكندراني في كتابه السالف الذكر أن العقيدة الوهابية شملت عشرة أشياء، أهمها تقديم النقل على العقل، إنكار الإجماع، عدم تقليد المجتهدين، وغيرها، وبداية من 1979 احتل وهابيون متطرفون المسجد الحرام في مكة، وقامت الحكومة السعودية بتحريره، في هذه الفترة ظهر ابن لادن، وقد استفاد هذا الأخير من مساعدات عسكرية قدمتها له الولايات المتحدة الأمريكية ، فأمريكا إذن هي من وضع أسس تنظيم القاعدة، وقد دخل بن لادن في صراعات مع الحكام السعوديين واضطر إلى الخروج إلى السودان الإسلامية، إلا أنه وبالرغم من مساعدة أمريكا له وقف ضدها عندما احتل الأمريكان بلد الحرمين الشريفين.

كما برز في الساحة العربية اسم الظواهري كقائد لحركة الجهاد المصرية وكواحد من قيادات القاعدة، من الكتب التي أصدرها الظواهري كتاب تحت عنوان: " فرسان تحت راية النبيّ" سنة 2001، ساهمت هذه الصراعات والانقسامات بين الحركات الإسلامية في تدمير وحدة الأمة، خاصة وأن إسرائيل كما تقول التقارير أصبحت موجودة بصورة دائمة في فلسطين منذ 1948، وهي تتوسع يوما بعد يوم في ظل قانون العودة الإسرائيلي، في وقت ظل الفكر الوهابي جامدا فكريا ولم ينزع عنه عباءته القديمة، فما تزال السلفية الحالية المنحدرة من التراث الوهابي تدّعي محاولة إحياء العصر الذهبي للنبيّ والخلفاء الراشدين، إلا أنها انقسمت بدورها إلى جناحين، المحافظ مرتبط بالعائلة المالكة في السعودية والجناح الثوري، له تأثير دولي بعدما أعلن الحرب المقدسة على قوى الإلحاد والغطرسة التي تقوم بحملة صليبية ضد الأمة، ما دفع بالظواهري إلى إعادة إحياء نظرية "الولاء والبراء" وهي نظرية ترجع جذورها إلى التراث الوهّابي، تم تطويرها في القرن التاسع عشر إثر الصراع مع العثمانيين، بحيث يتم التبرؤ من الكفار ليس لغير المسلمين فحسب، بل حتى المسلمين الذين في نظر الوهابية كفار، وكل من يتعامل مع الكفار من غير المسلمين و بشكل متطرف.

مساعي الوهابية في "وهبنة" التراث السنّي

كانت النتيجة خروج فرق إسلامية جديدة من سقف السلفية، وتشكيل سلفيات تختلف كلية عن السلفية الأم التي تعتبر المنبع، لقد حاولت الوهابية منذ نشأتها "وهبنة" التراث السنّي بطريقة لا تستجيب للتطورات الإجتماعية والسياسية، بحيث تبنت الفكر التكفيري، عكس ما جاء في متن العقيدة الطحاوية، التي تدعوا إلى عدم تكفير أحد من أهل القِبلة (بكسر القاف)، وتؤكد التقارير ان السلفية اليوم تعيش صراعات وهي فر حرب فتاوى وأحكام على منابر إعلامية ومواقع إلكترونية، كمسألة التعاون مع السلطة والجهاد ومن تجاهد، كذلك موقفها من قضايا الإرجاء والتكفير، وقضية الإستعانة بالكفار، وهو ما ذهبت إليه "الجامية"، وهي حركة تنسب إلى الشيخ محمد أمان الجامي، فكانت النتيجة أن انقسم الإسلام في دار الإسلام إلى إسلام سني وإسلام شيعي، الذي يقوم على الطقس وليس المعتقد، يقوم فيها الشيعة بنوع من المحاكاة الفردية لمقتل الحسين في موقعة كربلاء، كانت حربا مسلحة بين صدام حسين وإيران بعدما زودته أمريكا بالأسلحة، ونهتنا يلاحظ أن الولايات المتحدة دائما تكون طرفا في النزاعات العربية الإسلامية، رغم الحصار الذي يلقاه الشيعة والعدائية ضد أنصار الحسين ابن علي سلام الله عليه، ما زال الشيعة يعيشون على أمل عودة الإمام محمد المهدي لينتقم لهزيمة كربلاء ويشيد مملكة العدل.

لقد تطرق العديد من الباحثين في كتاباتهم حول الحركات الإسلامية ومنهم الدكتور بومدين بوزيد إلى أن السلفية الوهابية كانت في الأصل اجتهادا نهضويا عربيا وإسلاميا في الحجاز والجزيرة العربية، ثم انتهت عندنا اليوم إلى تكفير وسفك للدماء، وتحولت إلى سلفيات تنويعية، ومها السلفية الجهادية التي لها اتباع كثر اليوم في الجزائر، وحتى السلفيات الوهابية المسماة علمية في الجزائر قد تقول بالجهاد مستقبلا مادامت تقول اليوم بالتكفير والتبديع للمجتمع الجزائري، لقد كانت السلفية الجهادية التطور الفكري الجديد الحاصل في تاريخ الإيديولوجية التكفيرية المعاصرة، بفضل الوهابية الجديدة التي تجسدت عسكريا في القاعدة وخلاياها عبر العالم، لأنها مشحونة ضمن ثنائية للعالم " كفر/إيمان"، وبالتالي فهي تعلن الجهاد على الكل.

 

علجية عيش ( للمقال مراجع)

 

لم يُعرف عن المفكر الكبير "مالك بن نبي" أنه تناول أزمة الفكر الاقتصادي للفرد المسلم، إلا لماما وفي أواخر حياته، عندما سطر كتابه "المسلم في عالم الاقتصاد"؛حيث تناوله بشكل مختزل لم يتجاوز حدود التذكير بأن هناك حالة اقتصادية يجب أ ن تدرس وفق منهج معين، وضمن نسق معين، وضمن حدود الاختيار الإسلامي بين المناهج السائدة في تلك الفترة قبل انهيار المعسكر الشيوعي، وقبل ظهور نظرية البرويسترويكا.

فالفكر الاقتصادي الإسلامي لدى "مالك بن نبي" ينحصر ضمن ثنائية واحدة ووحيدة تكمن في " الاقتصاد والاقتصادانية" économie et économisme، لأن المشكلة حسبه هي بالدرجة الأولى نفسية، لأن الوعي الاقتصادي لم ينم عن شعور العالم الإسلامي النمو الذي نماه في الغرب في شعور الإنسان المتحضر وحياته.

ومعالجة بن نبي للحالة المتدهورة للاقتصاد الإسلامي، تنطلق من فرز حقيقي للموقع الذي يتواجد ضمنه العالم الإسلامي، بين حالة "الاقتصاد" الذي هو شيء يقوم على قواعد متينة، وحقائق واقعة، فيما أن حالة "الاقتصادانية "كما يصفها بن نبي كفقاعة غاز لا تحوي أي واقع اقتصادي، بل هي أسوأ، كما أنها ظرف يبدي ألوان قوس قزح لألاءة براقة، فضلا عن أنه يحوي أوهاما خلابة ضائعة وتناقضات تدعو للسخرية.

إن الاقتصاد في فكر "مالك بن نبي" يتمحور حول مضمون فكري، أكثر منه تقني، ينطلق من مسلمة واحدة أن الحضارة تتولد من الاقتصاد القوي الذي على العالم الإسلامي أن يقف إلى صفه، كما أن الاختيار بين المناهج الملقاة في سوق الأفكار الاقتصادية يجعل هذا العالم الإسلامي يعيش حالة من الضياع والتيه، لا يعرف أين يقف وأين يسير.ولهذه الأسباب ما يزال العالم الإسلامي إلى اليوم يئن تحت وطء الخراب الفكري، وتحت وطء الانهيار الاقتصادي في أطواره.وكأنه ما يزال يعيش في زمن الصدمة الاستعمارية .

يقول "مالك بن نبي" في مقدمة كتابه " المسلم في عالم الاقتصاد": " إنه لم يكن المسلم عندما فتح عينيه في عالم الاقتصاد بعد أن نالته الصدمة الاستعمارية، سوى قنّ يسخر لكل عمل يريده الاستعمار، فينتج المطاط في حقول الهند الصينية (فيتنام )، والفول السوداني في إفريقيا الاستوائية، والأرز في بورما، والتوابل والكاكاو في جاوه (اندنوسيا)، والخمور في الشمال الإفريقي".مستطرد قائلاً " ولم تكن له في هذه الأعمال صلة موضوعية بعالم الاقتصاد ولا تربطه بعمله صلة ذات طابع مشروع، لم يكن المنتج الذي يرعى حقه، ولا المستهلك الذي ترعى حاجته، لقد كان أداة عمل مستمر فلم يتكون لديه وعي اقتصادي ولا تجربة ولا خبرة في عالم اقتصاد غريب عليه بكل مفاهيمه "

وقد يرجعه مالك بن نبي هذا الغياب للوعي الاقتصادي، أو هذه الغيبوبة الحضارية في مجملها إلى افتقار للإدراك العام لتزاوج النظرية الاقتصادية مع النظرية السياسية، فيقول في هذا الصدد:""وعملياً يجب أن تسير النظرية الاقتصادية جنباً إلى جنب مع النظرية السياسية، إذ لا أثر لهذه النظرية الاقتصادية إلا إذا اتفق مع تجربة اجتماعية معينة، إن مبدأ اقتصادياً لا يمكن أن يكون له أثره، ومقدرته التامة على التأثير إلا في الظروف التي يتفق فيها مع تجربة اجتماعية معينة" ويقصد الأستاذ مالك بن نبي بالتجربة الاجتماعية المعينة، كل خصوصية حضارية لأي أمة، وكل بيئة ثقافية محددة، ويقدم الدليل على ذلك بما حصل لإندونيسيا التي تعد من أغنى بلاد الله، لكنها لم تقدر على الخروج من أزمتها الاقتصادية رغم أن واضع نظرية إقلاعها الاقتصادي أحد أكبر الاقتصاديين الألمان الذين قدموا عصارة خبرتهم الاقتصادية لألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، وهنا حسب "مالك بن نبي" التجربة ناجحة في ألمانيا؛ لأن الدكتور شاخت ألماني، ولكنها فاشلة لأن الدولة هي إندونيسيا والشعب غير الشعب الألمان.

ورغم أن الحالة التي عليها العالم الإسلامي، والأزمات التي تنخر جسمه من كل جانب، غير أن " مالك بن نبي" لم يفوت الحديث عن تجارب أخرى ساهمت أزمتها، وانكسارها في نهوضها مرة أخرى، ويضرب مثالا في ذلك عن الصين التي نهضت من العدم فيقول:" إن الصين الحديثة، صاحبة المعجزة الكبرى في هذا القرن، خرجت من العدم فتحولت معالمها، كما حولت، من أجل بناء سدودها وطرقها المليارات من الأمتار المكعبة من التراب، لا بالآلات الحافرة والناقلة، المفقودة في بلد ينشأ، ولكن بفضل سواعد أبنائها وعلى أكتافهم.تحدوهم الأسطورة المعبرة عن طاقة الإنسان عندما تحركه إرادة حضارية، فتذكروا أو ذكروا أن جدهم" يوكنج" حول الجبال".

الاقتصاد في فكر " مالك نبي" وإن لم يتم تناوله كمشروع على حدة إلا من خلال كتابه الأخير" المسلم في عالم الاقتصاد"، بيد أن كل نظرياته الحضارية تنطلق بالأساس من مشروع اقتصادي كبير.لأن أي نزعة نحو التحضر لا يمكن أن تكون بمنأى عن مفهوم اقتصادي.لهذا فالبحث في نقاط الظل للمشروع الاقتصادي الذي كرسه من خلال مشاريعه الأخرى يجب أن يدرس بكثير من المصداقية، والعمق، وبكثير من التحليل والبحث الدقيق.فأدق التفاصيل قد ترمي بالدارس نحو عزلة في مساحات أخرى قد تكون جرداء، لا تعني المسلم المعاصر في شيئ.

 

عبد الباقي صلاي - إعلامي ومخرج

 

 

محمد كريم الساعديكان للمنظر ما بعد الكولونيالي (هومي بابا) دور مهم في هذه الدراسات، إذ عد من المؤثرين في هذا الخطاب لكونه سخر للمجال النقدي ما بعد الكولونيالي عدداً من المفاهيم التي أسهمت في تفكيك الخطاب الاستعماري، وهذه المفاهيم استقاها بعد بحث مستمر في كتابات(سعيد)، وكذلك في مجالات علم النفس من خلال دراسات (فانون و جاك لاكان) النفسية.

ان السمة البارزة في مفاهيم (بابا) ما بعد الكولونيالية هي التوظيف النفسي وعلاقتها بالمنظومة السياسية في مجابهة الخطاب الغربي والتي تناولها قبله (فانون)، فدراسات الأخير النظرية وعنايته بالعلاقة بين السياسة والنفس وقضايا التمثيل تتصادى في فكر بابا، شأنها في كثير من الجدالات الراهنة حول مسألة الهوية. وكذا رؤية فانون إلى الثقافة على إنها حقل أدائي، وتركيزه على الجسد الذي يقع في مركز تفكيره الخاص بالفاعلية السياسية والممارسة الثقافية. لقد عمل (بابا) على تطوير دراسات (فانون) فيما يتعلق بالتحليل النفسي والجسدي على وفق منظور (لاكان) ونظرياته النفسية وخاص في مفاهيم (التنكر، والآخر، والأنا) وغيرها من المفاهيم التي أدخلها (لاكان) في التحليل النفسي من خلال إعادة قراءة نظريات (فرويد) النفسية.

لكن قبل البدء في مفردات التحليل النفسي التي تأثر بها (بابا) ووظفها في عمله، كانت له مواقف جلية من الخطاب الكولونيالي والثقافة الاستعمارية في الهند والذي على أثرها انشأ مع عدد من الباحثين الهنود ما سمى بدراسات (التابع)، ووقع على عاتقهم عملية قلب مدونة تاريخ الهند الرسمي المكتوب من قبل المؤرخين المتأثرين بالسياسات الاستعمارية البريطانية، واقترحوا إعادة كتابته في ضوء مفاهيم مغايرة متصلة بالتاريخ الشفوي المنسي الذي استبعدته النخب الاستعمارية. وفي ضوء هذه الدراسات النقدية التي اتصف بها عمل (بابا) برز توجهه نحو مناقشة الفكر الغربي في حقبة محددة، هي الحقبة التنويرية التي رأى فيها بأنها أسهمت في صناعة الثقافة الكولونيالية والتوسع الامبريالي وناقش فكر النخب المؤثرة في تلك الحقبة التاريخية التي ابتعد مفكروها عن موقفهم الإنساني، بل أسهمت نتاجاتهم في ايجاد فكر طبقي تمييزي بين الغرب والشعوب الأخرى التي أصبحت ضحية لذلك التوجه. وهنا يرى (بابا) في إن الفكر الأوربي الإنساني التنويري لم يكن إلا ليكشف عن مفارقة ساخرة إذا ما وضع في السياق الكولونيالي لتلك الحقبة. ولم يكن الأمر يقتصر على التجاهل واللامبالاة في مواقف الطبقة المثقفة الأوربية من قضايا التوسع الاستعماري والنشاط الكولونيالي وما رافقه من أفعال لا إنسانية، بل أسهم في انتشار أنماط من المرويات الكبرى التي تزيف الواقع المحلي للبلدان المستعمرة.

وللوقوف على المفاهيم التي صاغها (هومي بابا) في كتابه (موقع الثقافة)، سيتطرق الباحث إلى أهم المفاهيم التي استقاها من (لاكان)، هي (التنكر والتمويه والعلاقات بين الدال والذات والآخر) وقد أسهمت في بناء محور نقدي يوجه ضد المركز وبنيته المحورية والعلاقة بالآخر (الهامشي).

يعد مفهوم (التنكر) من المفاهيم الرئيسة التي وظفها (هومي بابا) في نظريته، إذ يرى فيه: إعادة كشف عن تمثيل لمجموعة من العلاقات التي تدل على هوية ما أو معنى ما، فهو تمويه يؤدي للوقوع في حقل التشابه دون أن يكون لهذا التشابه الناتج عن التمويه أي جوهر مع الخلفية التي يريد أن يتقارب معها، ولكنه في الوقت نفسه يهدف إلى إظهار شيء او البوح بشيء يدل على الهوية، أو المعنى الذي يسعى إلى تأكيده. ويسعى من يقوم بـ(التنكر) أو (التمويه) إلى التأثير على الخطاب المركزي المسيطر وزعزعة المفاهيم الرئيسة التي يقوم عليها وبذلك يجعل هدفه الظهور في الساحة التي يرتكز عليها الخطاب المسيطر في صورة من التمثيل المموه الحضوري في ساحة الفاعل، وفي صورته من أجل تأكيد مفاهيم ذات طابع تمييزي وعنصري ضد الآخر وهنا يرى (بابا): ان التنكر بوصفه كناية حضور، لا يكتفي بهدم بنية السلطة النرجسية عبر دائرة الاختلاف وتكرر الرغبة في الحضور، بل يساهم في تثبيت أشكال المعرفة التمييزية والتصنيفية في الصورة الكولونيالية الحاضرة، فهو يطرح بالضرورة مسألة إقرار، أو شرعنة التمثيلات الكولونيالية، بوصفها ذات تمثيل عرقي، وثقافي، وقومي، تصنع إرباكاً وازمة في مفهوم التاريخ الثقافي للمجتمعات لخاضعة لسيطرة لتمثيل الكولونيالي.

إن النظام التمثيلي الذي يقدمه الآخر عن طريق التنكر والتمويه، يظهر من خلالها مجموعة من العلامات التي يعبر بها الآخر عن ذاته من خلال الخطاب المسيطر الكولونيالي، إذ يرى (لاكان) في مفهوم (الحضور): بأنه من يهيمن على الواقع من خلال خطاب السلطة المسيطرة على الأطر الثقافية والاجتماعية، التي يحاول المفهوم الآخر (الغياب) أن يظهر فيها من خلال التنكر والتمويه والتلاعب والتحايل في رموز وعلاقات غير مباشرة أو من خلال وسائل تعبير عديدة، او من خلال توظيف المقولات الشعبية، التي تفرز المقاصد الخفية مما يتسلل الغياب (الآخر) عبر فراغات وثغرات في خطاب الحضور، الذي يعمل دائماً الخطاب الكولونيالي، وبحسب وجهة نظر بابا، إلى تغييبه وإحلال الذات الكولونيالية في تمثيله.

لقد سعى (بابا) تأكيد مفهوم (الآخرية في الآخر) ووضع توصيفاً لمفهوم (الثبات) في الذات المؤسسة للخطاب الكولونيالي، ويمثل هذا المفهوم في بناء الذات الكولونيالية وهو بناء إيديولوجي للآخرية وسمة مهمة من سماته الثبات بوصفه دالول الاختلاف الثقافي، التاريخي، العرقي في خطاب الكولونيالية هو نمط متناقض من أنماط التمثيل : فهو يتضمن معنى الصلابة والنظام الذي لا يتغير كما يتضمن أيضاً معنى اختلاف النظام، والتفسخ والتكرار الشيطاني. ومثل الثبات فان الصورة النمطية، التي تمثل إستراتيجية الخطابية الكبرى، هي شكل من المعرفة وتعيين الهوية يترجح بين ما هو (في مكانه) على الدوام، معروف مسبقاً، وبين ما ينبغي تكراره على نحو قلق.

كذلك تأثر (بابا) بمفهوم الصورة أو المرحلة المرآوية عند (لاكان)، إذ تأتي بعد المرحلة ما قبل المرآوية، وتعني حالة شعورية موجودة في بنية الأسرة، أي إنها موجودة في داخل المركز الأسري وتمتاز بالثبات في داخل البناء الأسري، أما المرحلة المرآوية والتي يكونها الطفل بالآخرين بعد أن يجتاز شعوره بذاته وذلك بفضل استخدام (المرآة). وهنا تكون العلاقة بين الطفل وذاته علاقة بعيدة عن واقعها، وتأتي هذه اللاواقعية بعد أن يمر الطفل مع صورته بالمرآة بثلاثة مستويات (التفاعلية : أي يتفاعل مع صورته في المرآة)، والثانية (يحدث انزياح في موضوع صورته كشيء واقعي، يتوقف عن مستوى التفاعل)، والثالثة (مرحلة التقمص لشخصية الصورة التي في المرآة)، ويتعامل معها بأنها صورة لشخص آخر، وبالتالي يحدث التحول في الذات، ويبدأ معها مرحلة التنافر التي تولدها المرآة بين الذات وواقعها. ان التنافر الحاصل بين الذات والواقع ينتج فضاء من الإختلاف بين الطرفين في مفهوم خلق توافق وتواصل في صيغ انتاج مشتركات بين الشكلين، ومن يطابق الآخر بعد ان توصلت الذات الناظرة في المرآة بعدم لتشابه مع المرئي المحاكي شكلاً لها.

وهنا يربط (بابا) بين صورة الذات والآخر في المرآة بمفهوم (البعد الثالث والهوية المحاكاتية) وذلك من خلال اعتبار (الصورة) التي تكون في المرآة عند (لاكان) وفي الخطاب الكولونيالي للآخر هي ليست سوى ملحق بالسلطة والهوية ؛ فلا ينبغي بأي حال من الأحوال أن تقرأ محاكتياً بوصفها مظهراً لواقع. وليس النفاذ إلى صورة الهوية ممكناً أبداً إلا بـ (نفي) أي إحساس بالأصالة أو الكمال؛ فسيرورة الانزياح والتباين (الغياب / الحضور، التمثيل / التكرار) تحول صورة الهوية إلى واقع حدي قائم على عتبة الشعور، فالصورة هي في آن معاً ضرب من الاستبدال الاستعاري، أو ضرب من وهم الحضور. وهنا يقع مفهوم (البعد الثالث) وهو ما يطلق عليه (بابا) الهوية المحاكاتية أو صورتها البصرية.

أوجد (بابا) في الفضاء الثالث مفهوم جديد أخذ وجوده من خلال الاشتباك الثقافي الحاصل بين الشرق والغرب، اي بتصادم ثقافتين محتلفتين، ولكل منهما فضائها المعرفي الذي يتواصل فيه افراده ثقافياً واجتماعياً. ان الفضاء الثالث هو البعد الذي يصاغ فيه النتاج الثقافي على وفق المنظور الذي يقع فيه صورة التصارع بين أنظمة الثقافة بين الجانبين مما ولد شيء ثالث يحمل عناصر الثقافتين أطلق عليه بابا اسم (الهجنة أو الهجين)، إذ يرى ان كل البيانات والأنظمة الثقافية تصاغ في فضاء يسميه (الفضاء الثالث للتعبير). عادة ما تظهر الهوية الثقافية في هذا الفضاء المزدوج والمتناقض، وهو بالنسبة إلى (بابا) يجعل الادعاء بوجود (نقاء) هرمي للثقافات قضية وأهمية.

إن نظرة (بابا) إلى مفهوم (الهجين) هي ليست نظرة تصالحيه مع الإرث الاستعماري أو تصالحيه مع ما قام به المستعمر ضد الثقافات المحلية التي خضعت بلدانها للهيمنة الكولونيالية، بل هي نظرة سلبية لفضح للتدخل القسري في ثقافة الشعوب الأخرى، وما أنتجه هذا التدخل من ثقافة هجينة تحمل من الفضائيين علامات تدلل على الصراع الثقافي بينهما، وأصبحت في الوقت نفسه علامة إدانة للممارسات الكولونيالية التي مارستها السلطة الامبريالية على الشعوب.

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

 

 

ميثم الجنابيالمحور الرابع: الأسس الاجتماعية والسياسية للظاهرة الصدامية (1)

• من الصعب فهم الظاهرة التوتاليتارية الصدامية بدون وضعها تحت مجهر الفحص النقدي العلمي. ما هي المنهجية القادرة على قراءة الظاهرة الصدامية؟ وهل باستطاعتنا إيجاد أدوات ومفاهيم ومقولات لقراءة هذه الظاهرة المعقدة والشائكة؟

إن المنهج النقدي العلمي هو المقدمة الضرورية لكل بحث علمي دقيق. بمعنى انه ينظف الطريق أمام تنوع الاجتهادات. بينما يؤدي تنوع الاجتهاد إلى تذليل نفسية وذهنية العقائد الجازمة والتسطيح السياسي الميز للأيديولوجية. غير أن الأهمية الجوهرية للمنهج النقدي تقوم في قدرته على تأسيس وربط المواقف النقدية بقيم البحث الحر. وفي هذا تكمن أهم المقدمات الضرورية لتأسيس منظومات البحث المحكومة بقواعد المنطق العلمي. إذ يستحيل فهم أية ظاهرة اجتماعية سياسية أيا كان حجم تأثيرها وفاعليتها في الوجود التاريخي للأمم دون التخلص من ثقل الرؤية الأيديولوجية.

والظاهرة الصدامية ظاهرة مركبة. بمعنى أنها تعكس البنية الاجتماعية والاقتصادية، والحالة السياسية والفكرية والثقافية العامة التي تراكمت في مجرى التاريخ الحديث للعراق. الأمر الذي يفترض صياغة رؤية منظومية من اجل تحليلها. أما الرؤية المنظومية والملموسة فهي الوحيدة القادرة على تحليل وتركيب ماهية الظاهرة الصدامية وكيفية تبلورها وصعودها والأسباب القائمة وراء سيادتها وانهيارها أيضا. كما أنها المنهجية التي يمكن رؤية معالمها فيما اكتبه بهذا الصدد، أي فيما يتعلق بجانب من جوانبها بوصفها ظاهرة توتاليتارية. وهي منهجية ضرورية أولا وقبل كل شيء من اجل المستقبل. بمعنى التأسيس لما يمكن دعوته بمهمة تصفية الحساب التاريخي مع الظاهرة التوتاليتارية بشكل نهائي وتام.

من هنا قيمة البحث في إشكاليات التوتاليتارية وخصوصيتها في الظاهرة الصدامية. ومن الصعب، بل من المستحيل انجاز هذه المهمة دون الانطلاق من تحديد منهج الدراسة العامة للتوتاليتارية ثم الاستمرار لاحقا في تحقيق استنتاجاتها العامة تجاه الصيغ الملموسة. بمعنى الانطلاق من العام إلى الخاص (من التوتاليتارية بشكل عام إلى الصدامية باعتبارها احد مظاهرها أو أشكالها أو صيغها في العراق). وهي منهجية يفترض الحد العلمي الأدنى منها الإجابة على أسئلة الماهية والكيفية والسببية. فهو الثالوث الضروري للرؤية المنهجية العلمية، أو على الأقل انه يسعف البحث من شطط الخروج على منطق البحث العلمي. كما أنه يحتوي على مقدمات ضبط الرؤية النقدية ضمن قواعد الأحكام الموضوعية، بوصفه الشرط الضروري للتخلص من قيم ومفاهيم وأهواء الرؤية التقليدية والحزبية. وعند ذلك فقط يمكن الارتقاء إلى مهمة التركيب الفلسفي في رؤية الظاهرة المعنية، أي الصيغة الملموسة للظاهرة التوتاليتارية (الصدامية). بمعنى الانتقال إلى مصاف إعادة تركيب الظاهرة ضمن سياق الحالة التاريخية.

فالتوتاليتارية ظاهرة تاريخية. والصدامية أيضا. بمعنى أنها نتاج حالة تاريخية. لكن مفارقتها تقوم في هدمها لفكرة التاريخ، ومن ثم للتاريخ الفعلي، أي المستقبلي. من هنا أهمية وضرورة تضافر الرؤية العلمية الدقيقة والنقدية الاجتماعية، أي كل ما يمكن دعوته بمنهج الرؤية التاريخية النقدية الشاملة. فهو المنهج الوحيد القادر على تفعيل الرؤية العلمية والنقدية، أي البقاء ضمن قواعد الرؤية العلمية الموضوعية وتجنب الانحدار صوب الرؤية الأيديولوجية والسياسية المتحزبة. وهذا بدوره احد أهم وأفضل الطرق لبناء الرؤية السياسية السليمة تجاه الماضي والحاضر والمستقبل.

وضمن هذا السياق يمكن توظيف مختلف الأدوات والمفاهيم. وذلك لأن تعدد وتنوع الأدوات والمفاهيم يسهم في دراسة الظاهرة من مختلف جوانبها وعلى مختلف مستوياتها. غير أن قيمة هذه الأدوات والمفاهيم وفاعليتها بالنسبة لإبراز حقيقة الظاهرة التوتاليتارية بشكل عام والصدامية بشكل خاص يبقى متوقفا على كيفية إدراك ومستوى تطبيق ما أسميته بمنهج الرؤية التاريخية النقدية الشاملة. ويفترض هذا المنهج بدوره الدراسة الملموسة للظاهرة المعنية. وفي حالة الصدامية، فإن ذلك يفترض كشف وتحديد "فرادتها"، بوصفها مزيجا من تقاليد الراديكالية السياسية المبتورة، أي المتولدة من تأثير تقاليد ثقافية ليست تلقائية. إذ لا علاقة جوهرية للصدامية بتراث الأمة وتراكم وعيها الثقافي بشكل عام والسياسي بشكل خاص. من هنا ولوغها في وحل الراديكالية وتلذذها المشوه بأذواقها الخربة مع ما ترتب عليه من هجوم ساحق للهامشية الاجتماعية والفئوية والجهوية، أي لكل البنية التقليدية المتحللة والمتخلفة في مجرى انتقالها إلى المركز. و"فرادة" الصدامية تقوم في تمثلها وتمثيلها وتطبيقها "النموذجي" لهذا التيار المدمر في تاريخ العراق الحديث.

• إن اغلب القراءات الفكرية والأكاديمية في العالم العربي بشكل عام والعراق بشكل خاص تفتقد إلى تقاليد خاصة بالبحث والتحليل والدراسة. والموجود منها متخلف ومشبع بالأحكام الأيديولوجية. هل يمكن تأسيس مرجعية فكرية فاعلة لقراءة الظاهرة الصدامية؟

إن السبب الرئيسي لهذه الظاهرة المأساوية والخربة أيضا يقوم في طبيعة الانقطاع التاريخي الذي حدث في مجرى الانتقال من "العثمانية" إلى "الدولة الوطنية". فقد كان ذلك انتقالا مغامرا بالمعنى التاريخي والثقافي. كما كان يحتوي في أعماقه على طبيعة الخلل الذي لازم العالم العربي وثقافته التاريخية الكبرى بعد انحلال مراكزه الثقافية السياسية ووحدته الخاصة، أي بسبب ضعف أو انعدام تاريخه السياسي المستقل لقرون عديدة. بينما رافق انتقاله من حالة الوهن العثماني إلى حالة الانتعاش الكولونيالي، عيشه في ظل أهواء وأنواء مصطنعة. بمعنى خروجه إلى عالم غريب دون تكامل أو تصلب عوده الذاتي. لكنه كان الامتحان التاريخي الجديد.

فقد أدت السيطرة التركية العثمانية إلى هدم وتدمير وتخريب شامل للتاريخ العربي الثقافي السياسي. إذ جرى تحويل منطقة الهلال الخصيب إلى أطراف سائبة تدور حول مركز متحلل وخرب منذ قرون! لكنه كان يعمل ويعاني ضمن معاييره من اجل "النهضة" الجديدة. غير أنها لم تكن ذات آفاق بالنسبة للعالم العربي بسبب مركزية الدولة التركية العثمانية وانعدام استعدادها الذاتي على العمل بمعايير الوحدة المرنة والمتغيرة والمتبدلة لمكوناتها. وذلك لأن التركية العثمانية كانت من حيث الجوهر تعبيرا مشوها عن غلبة الأقلية بالمعنى القومي والثقافي. من هنا انسداد طريقها وآفاقها في العالم العربي (بل والتركي أيضا كما كشف عن ذلك تيار القومية الاتاتوركية).

ومهما يكن من أمر هذه الدراما التاريخية، فإن حصيلتها المتناقضة تقوم في مواجهة الاجتهاد التاريخي المستقل للعالم العربي من اجل مواجهة إشكالاته الذاتية من جهة، وصعود التيار الوطني والقومي السياسي. ولعبت هذه العملية المتناقضة دورها الخاص أيضا في مجال الرؤية الثقافية والفكر. فمن جهة نقف أمام تطوير وتأسيس سريع للمدرسة، لكنها كانت تعاني أيضا من خلال الضغط الكولونيالي. فالاحتكاك المباشر بالغرب لم يجر في العراق على أساس تمثل التجربة الثقافية لأوربا آنذاك على صعيد النخب، بل من خلال البحث عن مساومات سياسية. ولم يكن بإمكانها أن تكون مربحة للعراق آنذاك. من هنا كان الإفراط في الترحيب بالتجربة الأوربية أو معارضتها يصبان في اتجاه واحد، ألا وهو سيادة التطرف والغلو والابتعاد عن تقاليد النهضة والإصلاح والاعتدال. وليس مصادفة أن تصبح الراديكالية السياسية القوة الكبرى في كل شيء. من هنا تفجرها في "ثورات" العسكر ذوي الأصول التقليدية الريفية. مع ما ترتب عليه من انتشار وصراع مرير وعداء أهوج بين تياراتها الكبرى - الناصرية والبعثية والشيوعية.

إن انتصار العنصر السياسي على الثقافي، والإرادة على الوعي النقدي، والوجدان على العقل قد أدى إلى سيادة الزمن على التاريخ. ولم يكن بإمكان هذه العملية المقلوبة ألا تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى تدمير البنية الثقافية للوعي النظري والعملي. ومن ثم سيادة وانتشار الوعي السياسي المتحزب بوصفه بوصلة الإنقاذ الوحيدة! أما في الواقع فإنها كانت مؤشرا على ما فيها من خلل. من هنا عشوائية الأفعال والأقوال على مستوى الدولة والسلطة والثقافة. مما أدى بدوره إلى إرساء "منظومة" الخلل والعشوائية في البنية الذهنية والنفسية على السواء. بحيث أدى بقدر واحد إلى تدمير البنية الذهنية والنفسية للعوام والخواص، أو المجتمع والنخب. وقد يكون العراق أكثر من جسّد هذه الحالة في مجرى كل النصف الثاني للقرن العشرين. إذ أدت هذه العملية إلى سحق البنية الثقافية العقلانية وتدمير وتقاليدها السياسية وسحق المؤسسات العلمية. وليس صعود الراديكاليات السياسية الإسلامية (الأصوليات السلفية والمذهبية المتحزبة) في ثمانينيات القرن العشرين سوى الوجه الآخر للخراب والانحطاط المشار إليه أعلاه، أي الوجه الآخر لتجارب الراديكالية الخشنة والفاشلة، التي أكثر ما وجدت تعبيرها في ميدان الفكر والثقافة.

لقد أدت عملية الانحراف التاريخي التي أصبحت جزء من منظومة الرؤية الراديكالية السياسية بعد صعودها إلى سدة الحكم، إلى تعميق خلل الذهنية الثقافية والفكر الحر. بحيث أصبحنا نقف أمام نماذج مهيمنة في مجال الثقافة لا علاقة لها بالفكر والبحث العلمي. لكنها السائدة على مستوى "الثقافة" والسياسة. وكلاهما أتباع لأحزاب ورؤية حزبية، أي لنخب متخلفة أو نصف متعلمة أو شبه جاهلة! وليس مصادفة أن يكون لمعان "المثقف" على قدر احتكاكه بالأحزاب أو السلطة! بينما حقيقة المثقف بشكل عام ورجل العلم بشكل خاص تقوم في العمل بمعايير العلم المجردة ومرجعياته الأخلاقية الصارمة. إذ للعلم أخلاقه الرفيعة والدقيقة والصارمة، أكثر مما تدعيه الأديان جميعا! لكن العلم بلا دعوى. وهو الفرق الجوهري بين إيمان ظاهري لا قيمة له من حيث الجوهر فيما يتعلق بتأسيس القيم الأخلاقية بوصفها منظومة عملية للارتقاء الاجتماعي، وبين معاناة الشكوك المعرفية الملازمة للعلم والبحث العلمي. من هنا محاربة العلم والثقافة الحر والتفكير النقدي بوصفه "شكوكا" بقيم و"حقائق" الأحزاب الراديكالية وشعاراتها "الخالدة". وهو السر القائم وراء التوقف عند تخوم الحداثة دون الدخول في مغامراتها الصعبة. وفي هذا أيضا يكمن سبب هزيمة الحداثة العربية بشكل عام وفي العراق بشكل خاص.

ومن الممكن تتبع اثر ومآثر هذه الحالة الخربة على اغلب رجال "الفكر التقدمي" في العالم العربي. بمعنى انحدارهم من علياء التقدم والحرية والعقلانية والنزعة الإنسانية والحداثة إلى حضيض السلفيات المتنوعة والخنوع أمام الأنظمة المتخلفة والرجوع إلى غريزة البهائم الهائمة! واكتفي هنا بنموذجين فقط. مع أن بإمكان المرء إيراد العشرات بل المئات من الظاهر المشابهة. إذ نرى محمد عابد الجابري يهبط من علياء "نقد العقل العربي" إلى أنواع من التمجيد المبطن والمسطح للرؤية السلفية لابن تيمية والوهابية. بينما يتحول السيد القمني من داعية للنقد العقلي للتدين والإسلام إلى كمية من الخلل فيما يتعلق بجوهرية الفزع الكامن في أعماقه من تهديد السلفيين! وبغض النظر عن تباين الشخصيتين ومستوى تأسيسهما النظري والمعرفي، فإننا نقف أمام ظاهرة مشوهة تعكس طبيعة ما أسميته بتخريب البنية الذهنية والنفسية للعوام والخواص في مجرى عقود طويلة من الزمن أدت من حيث الجوهر إلى إلغاء البنية العلمية والأكاديمية للبحث العلمي. مع ما ترتب عليه من تهشم داخلي للشخصية بشكل عام والمثقفة بشكل خاص وجدت تعبيرها في إمكانية التغير والتبدل المحكوم بكل شيء باستثناء ثوابت البقاء ضمن عالم المغامرة الحرة للعقل النقدي والوجدان الصادق. وبالتالي لم يكن انحدار الجابري صوب السلفيات الميتة تحت حجة "التنوير" الكاذب، وهلع القمني من تهديد الجهلة وعميان العقل والضمير تحت حجة "الحفاظ على النفس" سوى الوجه الحقيقي للخلل الفعلي في بنية الثقافة والفكر والمثقف.

إن ابسط شروط وجود وعمل وموقف المثقف الحقيقي ورجل الفكر تقوم في معرفة الحقيقة القائلة، بأن تراث الأمة والأمم جميعا تقوم في أن رجل العلم والفكر بل والأنبياء أيضا هم أولا وقبل كل شيء أرواح، أي خارج ممسك العوام والجهلة. وحالما يتراجع رجل الفكر إلى مستوى الجهلة وأنصاف المتعلمين أو يخضع لأهوائهم، فإن ذلك مؤشر ودليل قاطع على انه لا فكر ولا علم ولا يقين يقابله بهذا الصدد. وإلا لأدى ذلك إلى سيادة حقيقة مقلوبة تقول بأن صفة الجاهل الصلابة في المواقف والاستعداد للتضحية من اجلها، بينما صفة العارف الهشاشة في الشخصية والمواقف والاستعداد السريع للهزيمة والانهزام! غير إننا نقف أمام ظاهرة تشير إلى وجود أو انتشار هذه الحالة. وبالتالي ينبغي البحث هنا عن مفارقة أو سبب غياب أو انعدام القراءة الفكرية والأكاديمية العلمية.

لكننا حالما ننقل ذلك إلى ميدان المواقف الشخصية (وهي أمور جوهرية بالنسبة للمثقف ورجل العلم) فإن هذا الانحطاط يعكس أولا وقبل كل شيء ضعف بنية الرؤية المنهجية للمثقف والباحث ورجل الفكر والعلم، أي لثقافته الشخصية. مع أن القضية أوسع وأعمق واعقد من ذلك. وعموما أن شهرة الكاتب والمؤلف في العالم العربي والعالم ليست محكومة بالضرورة بقدرته المعرفية الفعلية، بقدر ما هي نتاج صدفة ظاهرة وضرورة قاهرة تقوم في باطنية التخلف التي جعلت من التحزب والأيديولوجية مصدر المعارف النهائية وشكل تأسيسها. وهنا يكمن سبب تخلف وخراب المثقف والباحث "العلمي". ولهذا السبب قلة أو ندرة بل وشبه انعدام الكتابات العلمية الرصينة بهذا الصدد. فما هو موجود أو شائع الانتشار اقرب ما يكون إلى أشياء اقرب إلى الإثارة منها إلى تأسيس الذهنية النقدية والعقلية والثقافية. والسبب يقوم كما يقال في أن فاقد الشيء لا يعطيه! أما الكتابات الجيدة نسبيا، فإنها تضيء بعض الجوانب الجزئية لقضية التوتاليتارية. بل أنني لم أر كتابات جدية أو حتى مقالات جزئية بهذا الصدد. والشيء الوحيد الذي يجري تناوله في العراق هو كمية من الهجوم الصحفي والمغلف أحيانا بكمية من المصطلحات "العلمية" الكاذبة، وذلك بسبب وضعها في غير محلها. لكنها تبقى مع ذلك ضرورية ومهمة من حيث إدراكها (الجزئي) لأهمية هذه القضية الكبرى بالنسبة لتاريخ وعي الذات القومي والثقافي، والاهم من ذلك أهميتها بالنسبة للمستقبل.

غير أن الأمل الأكبر يقوم في الإمكانية الكامنة حاليا في تذليل ثقافة الهيمنة الأيديولوجية. والقضية ليست فقط في أن الثقافة الأيديولوجية مجرد معاناة ميتة وتحجيم للعقل النقدي وإهدار للقوى، بل وفي استمرارها دون وعي في إعادة إنتاج الذهنية التوتاليتارية. وما لم يجر تذليل هذه العقبة الكبرى فان من الصعب توقع صدور دراسات وأبحاث فكرية وأكاديمية عميقة. بمعنى أن الأبحاث العلمية والأكاديمية تبقى جزء من اجتراح الذهنية المتوقدة والكفاءات الفردية. بينما المهمة تقوم في تأسيس ذهنية اجتماعية ثقافية قومية مهمتها ليس تحصين الفرد والجماعة والأمة، بل في إطلاق حريتها الملتزمة تجاه النفس والمستقبل. وفي هذا تكمن المقدمة الضرورية للحرية والتحرر من عبودية الأيديولوجيات السياسية العملية الراديكالية. وفي مجرى تأسيسها في الوعي الاجتماعي يمكن الانتقال إلى عالم التاريخ الفعلي والرؤية المستقبلية. أما المرجعية الفكرية لذلك فتقوم في تناول إشكاليات الوجود الاجتماعي والتاريخي بمعايير التجربة الخاصة والاجتهاد النقدي الخاص. والصيغة الأمثل لهذه المرجعية تقوم في تأسيس ما ادعوه بالفلسفة الثقافية النقدية، أي الاستناد إلى رؤية منظومية شاملة وتلقائية من حيث رؤيتها النقدية وتقديمها للبدائل، أي تذليل وتجاوز ونفي كل ما هو سائد في الفكر السياسي والحزبي والتدوين التاريخي للأحداث.

***

ا. د. ميثم الجنابي