جعفر نجم نصررؤية في ضوء الحداثة وجدلية التنميط الساخر

لقد تعرض المجتمع العراقي وعلى مدى عقود من الزمن لصدمة الحداثة ومتغيراتها المتسارعة والتي طالت جوانب حياتيه هائلة ومتنوعة، الا انها ورغم هذه المتغيرات ظلت فئة واسعة من قطاع المثقفين في العراق ولاسيما هؤلاء الذين يضعون قدما في الحداثة تارة وفي النزعة الماضوية/ الدينية تارة اخرى، ظلوا يسلكون المفاهيم والمصطلحات والمناهج والتوجهات المعرفية الجديدة، ويستمتعون بنتاجات الحداثة في شتى جوانبها الاقتصادية- والاجتماعية وآخرها (السياسة) دخول الديمقراطية الى العراق الا انهم ظلوا في سباتهم القديم ومنازعهم الفكرية القديمة التي ترى في الدين الحصن المنيع الذي لاينبغي الولوج له الا لتأدية فروض التقديس والولاء التام، اما جانب النقد الديني وتفكيك منظومة الخطاب الديني والبناء الحوزوي يجب ان تظل بعيدة عن كل مايشوش عالم المؤمنين/ المثالي،لانه عالم متكامل لا تنطبق عليه مقولات الحداثة ولامناهج المعرفة المعاصرة.

بوجه عام فان الكثير من مقولات او نتاجات الحداثة قد تحدت هذا العالم المثالي الذي يحيا به هكذا مثقفين، ولاجل تقريب الصورة بمنظار مكثف ينبغي لنا بيان انماط او اشكال المثقف الديني [الذي يستهلك الثقافة ويعيد انتاجها بمنطق الثبوتية او السكونية المطلقة] اذ ان هذه الانماط التي نعتقد وجودها هي على النحو الاتي:

اولا: النمط الحوزوي الذي تخرج من النجف الاشرف: ثم انتقل الى المدن الاخرى، وظل اسير المقولات الحوزوية الرئيسية والتي تمثل حرفية النصوص الفقهية المغرقة بالقدم، ولكنه رغم ذلك ظل دؤوبا في الاطلاع على نتاجات المعرفة (الحداثوية)، ولكنه يقرؤها لكي يقارعها بالرد والافحام الفقهي ويثبت بطلانها بحسب زعمه لانها تجنح الى العقلانية والعلمانية بطبيعة الحال.

وهذا النمط نستطيع ان نقول عنه انه يعاني من تقمصه الدور الماضوي/ الديني بكل حييثاته من جهة، ومن ضرورات معرفة ما يجري من تحولات معرفية وفلسفية/ هي نقدية بالضرورة فهنا يحدث لديه حاله [الهذيان الفكري] او يصاب بهذا الداء المرضي بسرعة هائلة مما يجعله بالتالي يتقمص دور الحامي/ الامين والمدافع الرصين عن حمى الدين واسواره المنيعة، فيأخذ بالهذيان عبر مقولات معاصرة: التغريب، الغزو الثقافي، المؤامرة الدولية، الخ. ويظل في خانة هذا المرض طويلا لاسيما اذا كان واقعه الاقتصادي مرهون الى الرواتب التي يستحصلها من الحوزة او مؤسساتها المتحذلقة معرفيا؟.

ثانيا: النمط الايديولوجي/ التائب: والذي نقصد به ذلك النمط الذي يحيا طويلا في مقولات الادلجة التي صاغها له حزبه او صاغها هو لنفسه او للحزبه بعد ان تماهى معه طويلا، ولكن لنتيجة تضارب المصالح لعدم اعطائه منصبا ما، او جراء صدمته بقيادة الحزب التي تدعي المثالية امام الجماهير المؤدلجة وتنغمس حتى اذانها في متع الحياة، او جراء قراءته او اطلاعه المعرفي الذي جعله يعبر نحو افق معرفي غير مؤدلج ولكنه افق ديني رغم ذلك، نتيجة هذه الامور وماسواها دعت المنتمي لهذا النمط لكي يكون تائبا خارجا على حزبه طاعنا له وناقدا له فيما بعد.

وهذا النمط يمكن ان نقول عنه انه يعاني من ازمة نفسية اكبر من النمط السابق، وذلك لانعدام موارده المالية من جهة، فضلا عن العداء المستمر له من قبل اعضاء الحزب السابقين، واستمراره في التذوق المعرفي لغة العصر/ النقدية، يجعله يشعر بانه لايستطيع الا ان يجعل من معارفه/العصرية اداة لحماية دينه ومذهبه على حد سواء، مما يجعل منه مصابا بأزدواجية فكرية/ نفسية عميقة، فهو من جهة لايستطيع ان يتنازل عن انتمائه الديني او لنقل بعبارة تخفيفية لايستطيع ان ينتقد معالم دينه ومذهبه من جهة، ومن جهة اخرى فهو اصبح تواقا وبأستمرارية لمعارف العصر ومنهجيته ولكونه لايستطيع ان يحدث القطيعة المعرفية مع بعض مركبات او مكونات عقيدته ومذهبه، فيصاب جراء ذلك بعته فكري اسميه (التوفيقية) بين الدين والعلم والذي هو بالحقيقة عبارة عن (تلفيقية) فكرية ليس الا، مما يجعله يقدم نفسه بوصفه [مفكرا اسلاميا] وهو ليس اكثر من (مغفلا اسلاميا) يروج لعقيدته بطريقة عصرية (حداثوية)!؟ كما يعتقد ، عبر التركيز على اهمية الدين في حياة الناس؟.

ثالثا: النمط الاكاديمي/ المتدين: اذ يسعى هذا النمط لكي يكون اقرب الى شاكلة النمط السابق اي النمط الثاني، الا انه جراء ضغوطات التحولات السياسية، وسباق المناصب الذي غدا عرسا عراقيا يرقص به الكثير من اصحاب الشهادات العليا، يجعله هذا الوضع الجديد اي بعد عام [2003] يقع ضحية الادلجة، فأذا كان النمط الثاني انسحب من حزبه الفلاني، نجد ان الكثير من اصحاب الشهادات العليا يصطفون زرافات ووحدانا على ابواب مكاتب الاحزاب او من لف لفهم.

كيما يقدمون انفسهم على انهم الشخصيات الامينة على المؤسسات الاكاديمية او البحثية او نحوها من مؤسسات اخرى، فيدوس على معارفه سريعا كيما ينال الحظوة لدى الحزب او الحركة الفلانية.

وهذا النمط مصاب بمرض نفسي خطير اخطر من [مرض النفاق الاجتماعي] كما انه تجاوز حالة المرائي، اذ هو يبرر لنفسه تلك الفعلة عبر محاكاة ذاته المريضة بأنه يقدم خدمة للدين وللمذهب، وان معارفه يجب ان تكون تحت طوع تلك الاجزاب لانها احزابا دينية تحامي عن الدين والمذهب، وهو بذلك يكون مصاب [بهلاوس فكرية] تكون مرئية ومسموعة لديه، مما يجعله يحاكي هذه الهلاوس عبر تغيير مظهره الجسدي بأن يكون صاحب جبهة عليها اثار السجود ووجها عليه اثار الخشوع، وعيون عليه اثار التضحية وبذل الغالي والنفيس في خدمة دينه ومذهبه.

ان روح الحداثة وتدفقاتها الحيوية المستمرة لاتدخر وسعا في كشف البناءات التقليدية واطرها الاجتماعية المعرفية الحاضنة لها، بعبارة اخرى ان الحداثة تسهم هي بحد ذاتها في كشف هؤلاء الذي يدعون انهم مثقفون عبر مشروعها العقلاني/ العلماني المتماسك الذي يسعى دائما لتحرير عالم الدين من سطوة المتسولين بأسمه، وذلك عبر اذرعة العلمنة التي تصنع الترابطات المنطقية بين الاشياء والافكار ضمن اطرها السليمة، وتكشف منطق المتشبثين بالنطاقات اللازمنية [الاخروية بحسب أدعائهم ] الساعين نحو فضاءات معرفية محكومة بالتسيس المتعمد لكل شيء، لصالح مشروعهم السلطوي، ولذلك وجدنا بأن عمليات العلمنة تقدم للدين خدمة كبرى عبر عزله عن مناخات الواقع البشري/ المصلحي/الفئوي، ذلك كيما يظل يعبر عن معالم تجربة روحية/ فردية غير ملوثة بأيدي الفاسدين الذين يدعون الوصال الدائم مع المقدس، وهو بريء منهم دائما وابدا.

 

أ. د. جعفر نجم نصر

أستاذ انثروبولوجيا الدين وعلم أجتماع الدين في الجامعة المستنصرية

 

زهير الخويلدي"كل نص هو في موقع انجاز الكلام"

بول ريكور، من النص إلى الفعل،

الوحي هو كلام الله المطلق المتعالي وقد تم إرساله إلى البشر تنزيلا وينتظر التبليغ والتفصيل والتطبيق، ولم يتم تدوينه والانتقال به من المستوى المقروء الشفوي إلى المستوى المكتوب والسجل المرقون إلا بعد الحفظ في القلوب والذكر بالأبصار والترتيل بالألسن والتجويد بالأنفس والتدبير بالأفهام والتفسير بالوقائع.

يوجد فرق كبير بين الوحي والنص، فليس كل وحي تم حفظه في نص وليس كل نص هو وحي منزل، بل هناك وحي تحطمت ألواحه التكوينية وهناك نصوص بشرية تضمنت أشياء طبيعية وعدة معطيات دنيوية.

لكن النص هو حكاية مترابطة وقصة مهيكلة تتكون من مجموعة من العناصر اللغوية التي تم نسجها وفق نظام لكي تعبر عن عالم متماسك ويشهد الارتفاع من جهة والانخفاض من جهة أخرى والحركة والسكون والإظهار والصمت وتوجد فيه كذلك القوة والضعف ويتم إسناده تارة وإلحاقه بغايته ويبلغ منتهاه طورا.

المعنى الحرفي هو عبارة النص، وما يقصد من السياق الذي يتنزل فيه يعد إشارة النص، أما المعقول منه بالروح والمدرك بالفكر منه فيسمى دلالة النص، بينما ما يستقيم الكلام عنه إلا بتقديره فهو مقتضى النص.

يجوز الحديث عن مكونات ثلاثة للنص: المكون اللفظي وما يتضمنه من الأصوات والمكون الدلالي وما يحيل إليه من معان والمكون التركيبي وما يقتضيه من تشبيك متسق للعلاقات والروابط اللغوية والمنطقية.

ليس هناك نص بكر يمثل اللحظة التأسيسية للكتابة وإنما كل نص هو تناص أو تقاطع بين نصوص سابقة، ولا يمكن الحديث عن ولادة نصية تامة دون كتابة وتدوين ودون انتقال الوجود من الشفوي إلى المرقون.

إن الوحي خطاب مقروء وبيان للناس بينما النص فضاء يختزن الوقائع والمفاهيم ناتج عن سبك وحبك. يكشف التأويل عن مقامات الوحي وأسباب نزوله وقصده ومستوى القبول به وطاقة الإخبار والإعلام فيه بينما يظهر التفسير عن توافق النص مع الواقع ومستويات التخيل وأشكال التداول وطرق الاستعمال.

ينبني الوحي على التكرار والاستمرار والإعجاز البياني والتفاعل مع المتلقين ضمن فضاء التجربة وآفاق  انتظار، على خلاف ذلك يتجدد النص من خلال الترابط والتواصل وإعادة الإنتاج عن القراءة والاقتباس.

لا يتجدد الوحي إلا بانقطاع التراسل بين الفوق والتحت وبتدبير العقل للنقل واعتبار النظر للتجارب العملية فيه، بينما يفقد النص خزائنه الدلالية وهالته الجمالية وطاقته الإبداعية ورونقه بمرور سياقه وأفول مؤلفه وتبدل الحقبة التاريخية والظروف الاجتماعية المحيطة وإنهاك القوى المادية والرمزية التي أنتجته. هكذا الوحي حمال أوجه وتصارع الناس حول تنزيله وتأويله بينما النص يفقد صلته بمؤلفه يوم ينتهي منه.

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

عزالدين عنايةبموجب سكناي في روما في حي شعبي متاخم لحاضرة الفاتيكان، اعتدت أن أتوجّه صبيحة أيام الآحاد وأيام الأعياد إلى ساحة القدّيس بطرس في روما في جولة روتينية، رفقة أفراد عائلتي أو بمفردي، فأصغي إلى ما تيسّر من عظة البابا، وأتمعّن في الحشود الآتية من كل فجّ عميق، ثم أعرّج باتجاه المسرح الروماني، لأزور موضع المعتقَل الذي هلك فيه النوميدي يوغرطة. غير أن ما يسترعى انتباهي مع كل جولة، قلّة الزوار في ساحة القدّيس بطرس، كبرى ساحات الكاثوليكية في العالم. فعادة ما يتوافد الزوار بالألوف عند أداء قداس يوم الأحد، لكن كثيرا ما صادف أن لاحظت الساحة مقفرة على غير عادتها، خالية من الوفود الحاشدة، إلا بضعة مئات من الحضور، فقد تمثّل لي البابا يعظ التماثيل والأوثان التي تزدحم بها الساحة لا المؤمنين برسالته.

والواقع أن تقلّص أعداد الوفود التي تفد على ساحة القديس بطرس، انطلق منذ اعتلاء البابا جوزيف راتسينغر كرسي الحبرية في 19 أبريل 2005. فقد قُدِّر التراجع على مدى السنة الماضية بما يربو عن نصف مليون، وهو نزيف هائل في أعداد القادمين إلى كنيسة القديس بطرس، كنيسة البابا، ذلك ما تجلّى بحسب المعلومات الرسمية الأخيرة الصادرة عن القصر الرسولي بالفاتيكان. فخلال العام 2008 توافد على اللقاءات العامة مع البابا، سواء في كنيسة القديس بطرس أو في كاستل غاندولف، مقرّ الإقامة الصيفية للبابا في ريف روما، مليونان ومئتا ألف من الزوار والأتباع والحجيج. ولتتضح الأمور بشكل أفضل، يستدعي الأمر العودة إلى أرقام السنوات الماضية. فخلال الاثني عشر شهرا الأولى من حبرية راتسينغر توافد للاستماع لعظة البابا أكثر من أربعة ملايين شخص. تراجعت أعداد الوافدين على الساحة للعام الثاني على التوالي، من مليونين وثمانمئة ألف سنة 2007 إلى مليونين ومئتي ألف خلال العام 2008، وقد كان العدد خلال العام 2006 زهاء ثلاثة ملايين ومئتي ألف.

الملاحظ أن حشود الوافدين الكاثوليك على ساحة القدّيس بطرس، تأتي أساسا بغرض زيارة ضريح البابا السابق كارول ووجتيلا، وليس انجذابا إلى عظة البابا راتسينغر. وهو ما يدعمه إقبال الزوار والسياح على اقتناء البطاقات البريدية، والروزنامات، والألبومات، التي تضمّ صور البابا السابق أكثر من اقتناء مثيلاتها التي يرد فيها البابا الحالي.

تفوق أعداد الكاثوليك المليار ومئة ألف نسمة، لكن هذا العدد الهائل ما عاد يحفزه الانجذاب الكافي إلى رأس الكنيسة في روما. لا بد من النظر إلى هذا التراجع ضمن بعدين: الأول ماكرو مسيحي، ونعني به التراجع العام للمسيحية في الغرب وتطوّرها خارج الغرب، خصوصا في إفريقيا، حيث تضاعف العدد ثلاث مرّات خلال ربع قرن، وهو الازدياد الأكثر ديناميكية في العالم الكاثوليكي. كان العدد خلال 1978 55 مليونا تقريبا، وبلغ مع حلول 2004 149 مليونا؛ والثاني ميكرو مسيحي، وهو فقدان رجل الدين الكاثوليكي لدوره الروحي في المجتمع، وتحوله إلى حرس لنظام اجتماعي ليبرالي، فما عاد المؤمن يعنيه احتكار الكنيسة للقداسة في زمن ما بعد الحداثة.

ففي قارة عتيقة، صارت حتى الكنيسة عتيقة، أو بالأحرى في قارة هرمة غدت حتى الكنيسة هرمة. فالأب المقدّس، أو الحبر المقدّس، أو رئيس الكنيسة الكاثوليكية، أو خليفة المسيح، بحسب نعوت المؤمنين له هو ظلّ الربّ على أرضه، غير أن هذا التجلي ما عاد يجلب المؤمن، فأين الخلل؟ ثمة من يفسر ذلك الأمر بمحدودية كاريزما راتسينغر، وقلة شمائل جذبه، التي تمتد من لسانه الإيطالي الركيك، رغم مضي ما يناهز ثلاثة عقود على عيشه في إيطاليا، إلى ما يميزه من خجل مفرط.

قد تكون تلك من جملة العوامل التي تنفر الناس من راتسينغر، ولكن ما العوامل التي تجعل المجتمع ينأى عن الكنيسة، وبالمثل تبتعد الكنيسة عن المجتمع؛ أو بحسب القول الشائع الذي يلخص النزيف المتواصل: "الساحات عامرة والكنائس خاوية"؟ يحصل ذلك حين تتحول الأديان إلى هياكل تفتقر للروح، حين يصير المعبد أقدس من البشر، حين يتحول السدنة أنفذ سلطانا من الربوبية، وحين يصير بهرج الطقس أعلى شأنا من الشعيرة، عندها يدخل الدين حالة الموات.

لقد صارت الكنيسة مرفوضة حتى في فضاءاتها التقليدية، فأعتى الدول الكاثوليكية إيطاليا وإسبانيا، تشهدان مواسم "مقامع الصلبان"، فبعد حكم القاضي في إيطاليا بقانونية إنزال الصلبان من قاعات التدريس، في حال مطالبة أحد أولياء التلاميذ بذلك، ها هي إسبانيا في الثالث والعشرين من نوفمبر من العام الماضي، يقضي فيها القاضي أليخاندرو فالنتين بقانونية إنزال الصليب من جدران مدرسة عمومية، بعد أن كان من المقدسات، منذ أن عدّ فرانكو الكاثوليكية دين الدولة.

 

د. عزالدين عناية

 

محمد ممدوحبدا التساؤل لى منذ سنوات، هل ثمة فلسفة فى مصر؟ أخذت أقلب حينها الصفحات والتصريحات والحوارات، يممت وجهى شطر مملكة الكتب لعلى أجد فيها دليلاً أو أتخذها ذاتها دليلاً على شئ، ولكن دون جدوى، قرأت تصريحًا للدكتور مراد وهبه يؤكد ألا فلسفة فى مصر ولا فكر؟ واختلفت حينها كثيرًا مع من يذهبون هذا المذهب وهو عدمية الفلسفة، لكننى شيئًا فشيئًا كوّنت شبه قناعات بصحة رؤاهم، فكبتت "فشل المفكرين العرب" كمقال نشر بالمجلات الثقافية ثم تطورت فكرته إلى كتاب يحمل ذات الاسم.

واليوم يتجدد السؤال إذ بدت لى قناعات جديدة، وأدلة جديدة، ويكأنى أقدم صياغة- أزعم- جدتها كل الجدة، وجرأتها فى التعبير عن واقع أليم، ولعل البداية من التساؤل أولاً لم الفلسفة، وثانيًا لم مصر وهما عنوان المقال وثالثًا كيف أزعم الجرأة فى التناول؟!.

هذه الأسئلة جزء من الفكرة الرئيسية، فالفلسفة هى عقل الأمة، دليل تقدم أو تأخر أى وطن، ودليل خلود أو اندثار أى وطن، فما اشتهرت آثينا ولا خُلدت عبر التاريخ إلا بمدد من سقراط وأفلاطون وآرسطو، لولا الفلسفة ما كتب لآثينا الخلود عبر الزمان وإلى اللازمان، أما  لم مصر، فباعتبارى مصرى قد ذُبحت وقُتلت فى أقسامها وجامعاتها، فهى نموذج دلالى لا اختزالى، ومن معرفة ظروفها وأحوالها فكريًا يمكننا مدَّ المحاور ذاتها إلى واقعنا العربى، أما لم نحكم بجرأة التناول، فذاك لسببين، الأول أننى لم أعين فى أقسام الفلسفة بمصر حتى الآن وأنا ابنٌ شرعى لها، حصلت على اثنين دكتوراه فى الفلسفة وليست واحدة، وهذا كان أحرى بالجامعات على تعيينى، ومن ثمَّ فإن نقد الواقع الفلسفى يعنى المذيد من العداءات لدى أصحاب العقول الضيقة، والكثير من المتاعب التى تتضاعف إلى حملى، والثانى أننى أقدم رؤية متجردة عن الذات تمامًا، تقدم الأسباب والنتائج والحلول على صفحات مياهها النقية، بلا عبث، ولا غبش، ولا ذاتية، فقط أملاً فى الإصلاح ومواجهة للذات بالعيوب.

عادةً ما تبدأ هذه المشكلة بتناول الواقع السياسى، إذ يظن الكثير من الفلاسفة والمفكرين على مر العصور بأن الإستبداد ضد الفلسفة، هما ضدان وليسا صنوان، ومن ثمَّ فلن ينمو فكر أبدًا فى بيئة مستبدة.

وهذا الرأى فيه جزء يسير من الصواب، لكنه ليس الصواب كله ولا نصفه ولا حتى رُبعه، بل هو الجزء الأيسر من المشكلة، فكم أثبت التاريخ وجود فلسفة بنت عقول وشيدت أوطان فى بيئة مستبدة، أفلاطون ذاته ابن تلك البيئة المستبدة، بيع كعبد مرتين، وفرَّ هاربًا غير مرة من أرباب السياسة، وآرسطو فر من مصير سقراط وقال مبررًا الفرار "لم أشأ أن أدع لهم الفرصة ليجرموا فى حق الفلسفة مرة أخرى بعد سقراط" .. وفولتير وروسو أيضًا عانيا من ظروف استبدادية قهرية، لكنهم كتبوا ما يثقفوا به شعوبهم، ما يساهمون به فى رفع الوعى والفكر وهو المطلوب.

ليس مطلوبًا من الفيلسوف والمفكر أن يغير واقع سياسى، ولكنه مطالب بتغيير واقع بئيس فكريًا و اجتماعيًا وثقافيًا وعلميًا، مطالب ببناء وعى، بناء نفوس، ثم الوعى والنفوس يبنون أوطانًا حقيقية، ليس على الفيلسوف حتمًا أن يكون أحمد عرابى، ولكن عليه أن يغير فكر المجتمع لا رأسه السياسى، عقله ووعيه كأفراد لا عقله السياسى، هذا هو دور الفيلسوف الحقيقى، أما أن يبرر البعض أزمة التأخر الفكرى بوجود استبداد سياسى أو كبت للحريات فهذا مبرر غير منصف بالمرة، وغير مقبول عقلاً، وإلا فلتأتوا بحادثة واحدة كتب فيها مفكرًا رؤية لتطوير التعليم وحاز بسببها الإضطهاد، أو رؤية للنهوض بالثقافة وواجه فى سبيلها المتاعب، لا يوجد !! وهذا هو الطريق، البدء بإحداث نهضة تعليمية وثقافية وفكرية، فإذا تم بناء نفوس واعية، فإنها بعد مستقبل قريب ستحكم بوعيها سياسيًا، ستميز بين الخبيث والطيب، ستعرف كيف تعبر عن مطالبها وتطالب بحقوقها، وهذا ما ينبغى أن يفكر فيه أرباب الثقافات.

ليس الاستبداد السياسى إذن عائقًا فى وجه الفلسفة حال وجوده، ولكن أسبابًا أخرى كثيرة تسببت فى الإنهيار، لا للفلسفة وحدها ولكن لمنظومة التعليم فى مصر، لعل من أهمها :

1- تقديم المجاملات والمحسوبيات فى كل شئ فى حياتنا التعليمية والثقافية على الموضوعية، بدءً من تعيين معيد – والذى يتم اختياره نسبًا وصهرًا على أعلى مستوى- ومرورًا بالتعيين عبر الإعلان الذى عادةً ما يفصَّل لأجل شخص بعينه، فالدرجة الجامعية تنزل فى الجرائد الحكومية بأموال الشعب ولكنها قصدت شخصًا بعينه لولا الملام لتم تعيينه بلا إعلان، وولوجًا على المناقشات العلمية التى سار تقدير مرتبة الشرف الأولى تقديرًا شعبيًا لها.

وبند الأهواء وحده كفيل بهدم الوطن، كفيل بإهدار كرامة العلم وشرف الفكر، كفيل بتخلف أمة، فما بالك وهو المسيطر على الحياة التى تُدعى – علمية- .

2- أضف إلى ذلك ما يسيطر على الجامعات المصرية من عقم فكرى، فلا إبداع ولا تجديد ولكنها مجرد وظيفة لأكل العيش لا أكثر، يدلل على ذلك بوضوح أن عدد المفكرين من خارج الحقل الفلسفى، والذين لم يدرسوا الفلسفة كتخصص وإنما تخصصوا فى الطب والهندسة والأدب ثم برزوا كفلاسفة ومفكرين يزيد كثيرًا عن أعداد المفكرين المتخصصين بالفلسفة فى الأقسام العلمية بالجامعات المصرية، وهذا دليل على أن فئة قليلة للغاية فقط من داخل الحقل الفلسفى هى التى تؤدى عملها كرسالة، أما الآخرون فيؤدون مجرد وظيفة، وفارق كبير بين الطائفتين.

3- وجود عناصر سلفية بالأقسام العلمية تُحرم الفلسفة وتظنها إلحادًا وكفرًا وتغلق منافذ الفكر تمامًا، فعقولهم تابعة لابن تيمية وابن عبد الوهاب وغيرهما من أئمة السلفية المزعومة- غير ما كان عليه السلف الحق- وإذا واجهتهم بالسؤال لماذا يعملون فيها إذا كانوا يُحرمونها، أجابوا بالكلمة المعتادة ( أكل عيش)، وكأن الأقسام العلمية باتت أسواقًا تجارية لا مهمة لها سوى (أكل عيش)، تضيع العقول، وتضيع الثقافات، ويتأخر بناء النفوس إلى المرتبة ما بعد الأخيرة بحجة (أكل العيش)!!!

ويا له من طعام حرام، لأنه يُبدل كل شئ، يقدم المباح على الواجب،يقدم المادة على العقل، الجسد على الروح، الشكل على المضمون، الخارج على الذات.. فأولى لهم أن يبحثوا عن مادياتهم خارج محراب العقل، خارج الحرم القدسى لبناء النفس الإنسانية، بدلاً من أن يبنوا سعادتهم الذاتية على حساب أرواح ونفوس غيرهم!!

4- بعض الجامعات (بأقسامها العلمية) تخشى من تعيين أصحاب الفكر والإنتاج العلمى بحجة أنهم يصعبُ توجيههم، وهم بذاك الإتهام الباطل والخاطئ معًا يظلمون أنفسهم، ويظلمون العلم، ويضيعون الأمانة التى أقسموا فى عالم الذر على أدائها، ومن ثمّ تتدخل الأهواء والمحسوبيات فى الإعلانات والتعيينات بالسلك الجامعى، هذا لا يحدث سوى فى وطننا، أما فى البلدان التى أشرقت عليها شمس التقدم منذ زمن فإنهم يشترطون الإبداع والأصالة الفكرية لدى من يقع عليه الإختيار لشغل كرسى الفلسفة بالجامعة، وكم دلت سير المفكرين الأعلام على مثل هذا الإختيار، ومثل ذاك التنقيب.

5- بعض البلدان العربية – للأسف- لا زالت تعترض تدريس الفلسفة وتعتبرها حرام شرعًا، وتُصدر لأجل ذلك الفتاوى وتُطيع المطبوعات ويتبارى المتنافسون عليها تأليفًا ودعمًا، وهو ينعكس على مستقبل الفلسفة فى مصر أيضًا، سواء بنظرة أولى الأمر لها أو بوجود تيارات سلفية متشددة معادية لتدريس الفلسفة.

هذه السوءات الخمسة تمثل جزءًا من الواقع الفلسفى والعلمى الأليم فى مصر، والتفكير فى حلول لها لا يتعدى أيضًا خمس أطروحات تتمثل فيها يلى :

أولاً: تحقيق الموضوعية التامة فى التعيين بدءًا من عدم تعيين معيدين بالجامعات، واستبدال هذا التعيين بمنحة جامعية للأوائل، فمن يستمر تفوقه عقب الماجستير يتم تعيينه، ومن لم يتفوق لا يُفوت على الدولة فرصة استثمار غيره ممن يملكون ملكات التفوق الحقيقى، لأن بعض الطلاب يجيدون الحفظ فقط، ومن ثمّ يُحصلون أعلى الدرجات بحفظ المناهج، إنهم مجردون عن كل موهبة وقدرة إبداعية، وسرعان ما تنكشف سوءاتهم أثناء الحياة البحثية، إذ تجد عقولاً جامدة لا ابتكار لها ولا إبداع، فيكون الحاصل على تقدير ممتاز فى المرحلة الجامعية الأولى غير مستحق لتقدير مقبول فى الماجستير، وغير مميز فكريًا أو علميًا فى حين أنه كان يُشار إليه بالبنان أثناء الدراسة الجامعية كونه من أصحاب المراتب الأولى.

وفكرة عدم تعيين معيدين هى التى تضمن تحقيق العدالة، إننا نميز الأوائل بمنحة دراسية بحثية، فمن يستمر على كفاءته وإبداعه يُعين عقب الماجستير، كل ما فى الأمر أن الدولة تؤخر تعيينهم فقط دون أن تتركهم بالكلية فإما أن يثبتوا استحقاقهم وإما أن يُعين المبدعون الحقيقيون.

أضف إلى ذلك ضرورة ضمان الموضوعية والتجرد عن الأهواء فى الإعلانات الجامعية التى صارت الوظائف خلالها ذات صفة "ملاكى"، فبمجرد نزول الإعلان تجد مصر كلها على علم بصاحب الحظ السعيد الذى نزل هذا الإعلان لأجله، وهذه حقيقة كثيرًا ما يتم التندر بها، وكثيرًا ما نضحك على أنفسنا من فرط ما وصلنا إليه من خنوع وعبثية وسفاهة لا نظير لها.

ولو أرادت الجامعات تحقيق موضوعية وحيادية فى هذا الأمر، لبحثوا احتياجات الأقسام العلمية بنزاهة وشرف حقيقيين، ثم تعلن الجامعات عن التخصصات الشاغرة بها، ليقوم كل متخصص بتدريس تخصصه فقط، ويُسند إليه الساعات القانونية بلا زيادة، على أن يتم الإختيار بين المتقدمين بحيادية وشفافية مطلقة، كلٌ حسب إبداعه، وحسب إمكانياته الحقيقية التى صار عليها يوم الترشح للإعلان، وهو ما يتطلب إجراء تعديلات جذرية على قانون تنظيم الجامعات خاصة فى بنود تعيين مدرس مساعد ومدرس، لأن اللجان العلمية التى تشكل لفحص ورق المتقدمين لوظيفة مدرس كثيرًا ما تفصل فى الأمر – حسب أهواء السادة المحكمين – عبر الليسانس، وما شأن الليسانس بمدرس فى الجامعة؟! الليسانس انتهى منذ عشر سنوات أو يزيدون، فكيف يكون حدَّا فاصلاً بين المتقدمين، الأولى الخبرات التدريسية والبحثية، والأولى مدى ملائمة المتقدم للوظيفة المتقدم لها علميَّا وفكريًا وأن يتم فحص ذلك عبر لجان حيادية لا رغبة لها ولا هوى.

ثانيًا: إدخال الأعمال الإبداعية والفكرية ضمن مسوغات التعيين والترقية، سواء كانت كتب أو مقالات فكرية فى دوريات ثقافية محترمة، أما اعتماد التعيين على الرسالة العلمية فقط فهو يهدر كثيرًا من الحقوق ويضيع كثيرًا من المبدعين واعتماد الترقية على الأبحاث المنشورة فقط أيضًا يُهدر الكثير من الحقوق ويساوى فى النهاية بين الذين يفكرون ويبدعون ويعملون والذين لا يعملون.

ثالثًا: غلق مكاتب فبركة الرسائل العلمية المنتشرة أمام الجامعات المصرية والتى يعلم بأمرها الجميع، وهذا دور الدولة والأفراد الأكاديميين أرباب الضمائر سويًا، فالدولة تُحرم هذا العبث وتجرمه تشريعيًا، والأساتذة العلماء بحق يحاربونها معنويًا وماديًا، لأن الكثيرين من الباحثين يعتمدون عليها فى إنجاز أبحاثهم ثم ينالون الدرجة زورًا وبهتانًا، وما قيمة ألف درجة علمية بلا مردود فكرى وبنائى؟!!

رابعًا: يستتبع ما سبق ضرورة تعيين لجنة علمية لكل تخصص، لا رقيب عليها سوى العلم والضمير، لإعادة النظر فى الرسائل العلمية للأكاديميين وغير الأكاديميين، خاصة للذين لم ينتجوا شيئًا علميًا يثبت اكتسابهم للمهارات الإبداعية والفكرية غير رسائلهم التى حصّلوا بها الدرجة العلمية المزيفة، واستبعاد كل من يتقدم للتعيين أو للترقية خالى اليدين من كل إبداع، فهذا يُحفز الجميع على العمل والفكر من ناحية، ويضمن تحقيق العدالة والموضوعية من ناحية ثانية، ويصنع جامعات علمية حقيقية من ناحية ثالثة.

خامسًا: فى الأخير نرجو من كل أحد أخذ شيئًا ليس من حقه أن يعيده للدولة حتى تعيد التصرف فيه وفق الضوابط الحيادية والموضوعية والعقلانية وهذا هو معنى حديث النبى الكريم (ص) : " إنكم تختصمون إلىّ، وإنما أنا بشر، فلعل أحدكم يكون ألحن فى حجته من أخيه، فإن قطعت لأحدكم حقًا ليس له فإنما أقطع له من النار فليأخذ أو فليدع".

إنه حديث الضمير، حديث القلب، سر الفؤاد الذى لا يعلمه القاضى ولا الناظر ولا الرئيس ولا المدقق، لا يعلمه إلا الله وصاحبه، وهو منبعث من وحى الضمير لا غير، فالذين يشغلون مواقعًا علمية ليسوا أهلاً لها فليدعوها لمن يؤدى حقها، والذين صارت الجامعة لهم مجرد وظيفة، فليدعوها لأرباب الرسالات، والذين ليست الجامعة سوى وجاهة اجتماعية فليدعوها لمن يملك ملكات العلم والإبداع الحقيقيين، لتثمر أوطاننًا عزًا ومجدًا، ولن يبنى ذلك سوى الضمير.

تلك هى أهم معوقات الفلسفة فى مصر، ويمكن قياس بقية التخصصات العلمية على الفلسفة، كما يمكن قياس الأقطار العربية على مصر، فالنتائج واحدة تقريبًا، وتلك هى الحلول أيضًا أضعها أمانة فى رقبة الجميع، يمكن تلخيصها كلها فى كلمة " الموضوعية"، فالحرب على الفساد تبدأ من مخالفة الأهواء، لنضمن عدالة حقيقية تضع كل شخص فى مكانه الطبيعى، وتعيد الحقوق إلى أصحابها وتستبعد من الحياة العلمية كل من لا علاقة له بالعلم، بل كل أمنياته التجارة والمادة، أما الجامعة فهى الشئ ذو الوجاهة الاجتماعية التى لا يمكن التفريط فيها.

أوجه هذه الرؤية وتلك النداءات إلى كل ذى ضمير ومبدأ من داخل السلطة أو خارجها، ومن داخل الجامعة أو خارجها، تلك هى آليات بناء جامعات علمية حقيقية، ومن ثمّ بناء الوطن، والله بما يعمل الجميع محيط وعليم.

 

د. محمد ممدوح

 

جواد بشارةسبق أن ذكرنا أن ثقل أو كتلة الكون المرئي المرصودة، مع توفر برهان ودليل نظري رياضياتي ورصدي بشأنها، لا تتجاوز الـخمسة بالمائة 5% من محتويات الكون المرئي الآتية من مكونات مادية موجودة في المادة العادية المرئية ـ بروتونات ونيوترونات وإلكترونات في حين ثبت أن 25% بالمائة من المادة هي مظلمة أو سوداْ أو معتمة وإن 70% بالمائة هي طاقة سوداء أو مظلمة أو معتمة ، إلا أن المعضلة تتمثل في غموض طبيعة وماهية هذين المكونين الطاغيين . فهل المادة السوداء أو المظلمة مكونة هي الأخرى من بروتونات ونيوترونات وإلكترونات لكنها لم تنجح في تشكيل المجرات والنجوم والكواكب الباعثة أو العاكسة للضوء على غرار المادة العادية؟ الحسابات النظرية والرياضياتية تؤكد على أنها غير مكونة من نفس العناصر والمكونات المعروفة في المادة العادية ، أي البروتونات والنيوترونات والإلكترونات وغيرها. ولقد رشح العلماء بعض العناصر كالآكسيونات والزينوات والنيوتريونات ولكن لم يعثر عليها لحد الآن في التجارب المختبرية ومصادمات الهدرونات الكبيرة . الأمر الأكيد هو أنه المادة والطاقة المعتمتين أو المظلمتين منتشرة في كافة أرجاء الكون المرئي . بينما رشح عدد من العلماء جسيمات فائقة التناظر مثل الفوتينو والزينو والهيغزينو، وهي قرائن للفوتونات وجسيمات زد Z وبوزونات هيغز المكتشفة حديثاً في مسرع الجسيمات الكبير LHC سنة 2012 ، وهذه الجسيمات الأخيرة فائقة التناظر هي الأكثر ميلاً للانعزال وعدم التفاعل مع نظيراتها في المادة العادية، ولا تزال المادة السوداء أو المعتمة أو المظلمة والطاقة السوداء أو المعتمة أو المظلمة، من أكثر ألغاز الكون غموضاً إلى جانب الثقوب السوداء، وأكثرها إثارة للحيرة لدى العلماء المعاصرين. ولقد أثبتت الأبحاث حول المستعرات العظيمة " السوبرنوفا" أن هناك معادل للثابت الكوني الآينشتيني يتمثل بالطاقة المظلمة أو المعتمة أو السوداء والتي تشكل نسبة 70% من كتلة الكون المرئي هي التي تدفع بالنسيج الكوني وبالزمكان إلى التوسع والتمدد وبتسارع مضطرد. وتؤكد قياسات ونتائج مرقابات COBI و WMAPو PLANCK أن هناك تطابق مع النماذج الكونية التضخمية ومع نتائج تحليل ودراسات المستعرات الكبيرة السوبرنوفا وبأن كثافة المادة الحرجة في الكون المادي المرئي العادي تكون متطابقة فقط مع نتائج الرصد في حالة إضافة نسبتي المادة السوداء أو المظلمة والطاقة السوداء أو المظلمة.

نفس الشيء بالنسبة لمعرفة وفهم الثقوب السوداء والثقوب الدودية ومعرفة ماهية الزمن والمكان أو الزمكان ، ما سيساعدنا على تطوير التقنيات اللازمة للسفر بين النجوم والمجرات والسفر نحو الماضي والمستقبل بحثاً عن بدائل للأرض التي ستستنفذ يوما ما قدرتها الاستيعابية للعدد المتزايد من البشر. فسهم الزمن أو اتجاهه ، على سبيل المثال، يخبرنا أنه ثابت لايمكن عكسه لكن النظريات العلمية لاتقر بذلك ولم تثبته مختبرياً لأن ذلك على الضد من المعادلات الفيزيائية الجوهرية إذ أنها جميعاً قابلة للارتداد والعكوسية. هناك مسار للزمن ولكن لايوجد اتجاه ثابت وابدي . وعلى هذا المسار تحدث الظواهر الزمانية. وكما قال فرويد " أن اللاوعي يتجاهل الزمن" و لا يتحمل تاثيرات الزمن ومروره كما في الأحلام حيث ينعدم الزمن التقليدي وتتداخل الأزمنة والأحداث. وفي الأحلام فإن سهم الزمن لايتجه بالضرورة إلى الأمام ، من القبل إلى البعد فقط. فبدلاً من التفكير بالزمن على نمط التدفق المتجانس المتسق المحكوم بالسببية والعلية ، فإن خطاب اللاشعور أو اللاوعي يضع أمامنا حالة زمانية مفتتة ومبعثرة بدلاً من التسلسل والتعاقب الخطي فالحوادث والحقب تتراكب وتتداخل وتمتزج بدون الخضوع لنظام التعاقب الزمني التقليدي .

التقدم العلمي مستمر والتكنولوجيا التطبيقية تتقدم بسرعة مذهلة ففهم النظريات هو الخطوة الأولى نحو التحكم والإتقان التقني والتكنولوجي . ففهم القوة الكهرومغناطيسية في القرن التاسع عشر قادنا إلى اختراع التلغراف والمذياع والتلفزيون ، والفهم العميق للميكانيك الكمومي أو الكوانتي قادنا إلى اختراع الحواسيب أو الكومبيوترات والليزر وأجهزة كهربائية وإلكترونية عديدة كالستلايت والهواتف الذكية مثلما قادنا فهم النسبية الخاصة والعامة إلى غزو الفضاء تصنيع القنبلة الذرية والطاقة النووية لتوليد الكهرباء وتقنية تحديد الأماكن والعناوين الجي بي اس الخ .. وبإمكان البشر في المستقبل القريب توفير الطاقة اللازمة لاحتياجاتهم مجاناً من خلال السيطرة على الطاقة الشمسية وطاقة المياه والهواء والطاقة النووية ، إنها مسألة وقت فحسب، أي مازلنا محكومين بالزمن.

يتبع

 

د. جواد بشارة

..............................

المصطلحات

 المادة السوداء أو المظلمة (Dark Matter):

وهو الاسم الذي تمّ إعطاؤه لكمية المادة التي اُكتشف وجودها نتيجة لتحليل منحنيات دوران المجرة، والتي تواصل حتى الآن الإفلات من كل عمليات الكشف. هناك العديد من النظريات التي تحاول شرح طبيعة المادة المظلمة، لكن لم تنجح أي منها في أن تكون مقنعة إلى درجة كافية، و لا يزال السؤال المتعلق بطبيعة هذه المادة أمراً غامضاً. المستعرات الفائقة (السوبرنوفا) (supernovae): 1. هي الموت الانفجاري لنجم فائق الكتلة، ويُنتج ذلك الحدث زيادة في اللمعان متبوعةً بتلاشي تدريجي. وعند وصول هذا النوع إلى ذروته، يستطيع أن يسطع على مجرة بأكملها. 2. قد تنتج السوبرنوفات عن انفجارات الأقزام البيضاء التي تُراكم مواد كافية وقادمة من نجم مرافق لتصل بذلك إلى حد تشاندراسيغار. يُعرف هذا النوع من السوبرنوفات بالنوع Ia. المصدر: ناسا الانفجار العظيم (Big Bang): نموذج للكون مقبول بشكلٍ واسع، ويفترض هذا النموذج أن التوسع المرصود للكون بدأ منذ 13.7 مليار عام عندما كان الكون ساخن جداً وكثيف جداً. يقوم هذا النموذج وبشكلٍ ناجح بتفسير الخلفية الكونية الميكروية ونسبة الهيدروجين، والهليوم، والعناصر الخفيفة الأخرى، بالإضافة إلى توسع الكون. المستعرات الفائقة (السوبرنوفا) (supernova): 1. هي الموت الانفجاري لنجم فائق الكتلة، ويُنتج ذلك الحدث زيادة في اللمعان متبوعةً بتلاشي تدريجي. وعند وصول هذا النوع إلى ذروته، يستطيع أن يسطع على مجرة بأكملها. 2. قد تنتج السوبرنوفات عن انفجارات الأقزام البيضاء التي تُراكم مواد كافية وقادمة من نجم مرافق لتصل بذلك إلى حد تشاندراسيغار. يُعرف هذا النوع من السوبرنوفات بالنوع Ia. المصدر:

 

حيدر الحدراوي1) الابداع: يختلف منظور الابداع من مفكر الى اخر، كلا حسب رؤيته الخاصة له، فكان من الطبيعي ان تختلف تعاريفه، فنختار من تلك التعاريف:

‌أ) الإبداع لغة مشتق من الفعل أبدع الشيء أي اخترعه، أبدعت الشيء وأبدعته أي استخرجته واستحدثته . ونقول فلان بدع في هذا الأمر، أي كان أو من فعله، و الإبداع يعني الإيجاد أو الخلق أو التكوين أو الابتكار."1"

‌ب) إذا كان الذكاء هو البحث عن حل صحيح واحد لمشكلة ما، فأن الابداع يتضمن السير في عدة اتجاهات في محاور لا يكتفى فيها بحل صحيح واحد، بل قد يتطلب الامر الى عدة حلول صحيحة، كما هو الحال في التجارب العلمية وكتابة القصة وما شابه.

‌ج) عمل ذهني يقوم به الفرد باستخدام قدراته للوصول إلى أفكار جديدة أو استعمالات غير مألوفة أو تفصيل خبرات محدودة إلى ملامح مفصلة . "2"

‌د) الإبداع: هو الوحدة المتكاملة لمجموعة من العوامل الذاتية الموضوعية التي تقود إلى تحقيق إنتاج أصيل جديد ذي قيمة من قبل الفرد و الجماعة ."3"

‌ه) الإبداع: هو عملية عقلية يستطيع الفرد من خلالها الوصول إلى أفكار أو نتاجات جديدة أو إعادة ربط أفكار و نتاجات موجودة بطريقة جديدة مبتكرة ."4"

‌و) الإبداع: هو القدرة على التعامل بطريقة مريحة مع المواقف الغامضة أو غير المحددة و إيجاد مداخل جديدة و تجريب أساليب و تطبيقات جديدة تماما ً ."5"

‌ز) الإبداع: هو طريقة جديدة في حل مشكلة ما بطريقة منطقية . "6"

‌ح) نشاط إنساني ذهني راق و متميز ناتج عن تفاعل عوامل عقلية و شخصية و اجتماعية لدى الفرد بحيث يؤدي هذا التفاعل إلى نتاجات أو حلول جديدة مبتكرة للمواقف النظرية أو التطبيقية في مجال من المجالات العلمية أو الحياتية و تتصف هذه المجالات بالحداثة و الأصالة والمرونة والقيمة الاجتماعية ."7"

‌ط) هو مزيج من الخيال العلمي المرن، لتطوير فكرة قديمة، أو لإيجاد فكرة جديدة، مهما كانت الفكــرة صــغيرة، ينتج عنها إنتاج متميز غير مألوف، يمكن تطبيقه واستعماله. "8"

الى غير ذلك من الكثير من التعاريف للإبداع، في هذا المقدار الكفاية، يستنتج من كل ذلك بأن الابداع هو الاتيان بأفكار جديدة شريطة عدة امور:

اولاً: ان تكون هذه الافكار ذات فائدة .

ثانياً: ان تحظى هذه الافكار بالقبول.

ثالثا: ان تكون هذه الافكار فعالة ويمكن تنفيذها.

العملية الابداعية:

هي عملية ذهنية معرفية خالصة، ينشط فيها الفرد وينظم خبراته لمواجهة الموقف الجديد الذي يواجهه.

الابداع والخيال:

يرتبطان إرتباطاً وثيقاً، يعملان معاً بشكل منسق أحياناً، و ممنهجاً في أحيان أخرى، وفي كل المجالات، فينتج من تلاحمهما التأثيرات السحرية.

الخيال هو الدافع او هو سر الإبداع، فلا معزل للإبداع عن الخيال، ولا يمكن للمبدع ان يبدع دون خيال خصب، بل يعتمد ابداعه على آفاق خياله وسعته، فابتداع الوسائل التكنلوجية والاعمال الادبية والفنية وغيرها ناتجة عن مخيلة إبداعية .

معاني الخيال:

معاني ومفاهيم الخيال مختلفة، وفقاً للرؤية والمنهج، لذا نختار منها على سبيل الايجاز:

1- لغةً: الخيال هو الظن والوهم وما تشبه لك في اليقظة والحلم من صورة، يذكر ويؤنث. "9"

2- علم النفس: عمليتين مميزتين الأولى استرجاع الصور الحسية في الذهن ويطلق عليها التخيل الاستحضار أو التصور، والثانية ربط هذه الصور بعضها ببعض بحيث تستحدث مركبات ذهنية جديدة ويطلق عليها التمثيل الإنشائي. "10"

3- المفهوم الإجرائي للخيال: هو عبارة عن تنظيم لأفكار مختزنه في الذاكرة من أجل صياغتها في صورة جديدة لأجل غاية محدده.

4- التشبيه وما يرى كالظل لشيء وما يراه النائم من صور وفي الشعر العربي القديم تشير عادة الخيال إلى معنى الخيلاء والصورة المتخيلة، والصورة المنامية والشبح والظل. كما تشير إلى اقترانه بالطيف والتذكر. "11"

2) الموهبة:

للموهبة تعاريف كثيرة، تعتمد على وجهات النظر، الا انها جميعا تتفق على ان الموهبة هي استعداد فطري لدى الفرد، هذا الاستعداد الفطري يصب في مجريين هما:

أ‌) فطري قبل التعلم: حيث يكون الفرد موهوبا فطريا في مجال ما كالغناء، الموسيقى، الحساب، الشعر او أي فنا من الفنون الاخرى بدون سابق تعلم، فكثيرا ما تقابل اناسا يملكون شيئا من الموهبة في الحياة اليومية لم يسبق لهم ان دخلوا المدرسة او لم يكتسبوا موهبتهم عن طريق التعلم .

ب‌) فطري بعد التعلم: في احايين كثيرة يكتشف الفرد انه موهوبا في مجال ما بعد التعلم، فبعد دخول المدرسة قد يكتشف انه موهوبا بشكل مميز في مادة ما كالحساب او الرسم او الموسيقى او أي شيء اخر، ما يضفي عليه سمة التفرد.  

مهما كان نوع الموهبة وتعريفاتها تبقى هي الوازع الخفي للأبداع، والهاجس المحفز الذي يقف وراء كل عملية ابداعية أياً كان نوعها .

سر الطاقة:

ينبغي معرفة ثلاثة امور ضرورية عن الطاقة لشدة ارتباطها بأي عمل إبداعي مهما كان نوعه، وهي كما يلي:

1- التسخين او الحرارة: حيثما وجدت الحرارة وجدت الطاقة، فلا طاقة بدون حرارة، ارتباط الطاقة بالحرارة ارتباط طردي، فكلما زادت هذه زادت تلك .

2- الايجابية والسلبية: للطاقة قطبين (موجب وسالب)، لابد ان يتوازنا في الفرد السوي، وإن طغى احدهما على الاخر ظهرت علامات التفرد والتميز .. والابداع، فإن طغت الطاقة الايجابية على الطاقة السلبية ظهرت على الفرد علامات مميزه له لا يمكن ان تكون في غيره، كالاستيعاب والفهم، وقوة الحافظة، وسرعة البديهة، والاهم الثقة بالنفس، فيبرع في مجال ما بطريقة ملفتة للنظر، براعته تعتمد على مقدار زيادة طاقته الايجابية، وتعتمد ايضاً على مقدار انخفاض الطاقة السلبية في نفس الوقت.

اما ان طغت الطاقة السلبية على الطاقة الايجابية ايضاً سوف تظهر علامات التميز على الفرد، لكن بصورة سلبية وغير محبذة، فقد تظهر علامات نفسية، شرود ذهني، النسيان، عدم القدرة على استرجاع المعلومات، وايضاً تظهر علامات كالغضب والحزن، تعتمد على مقدار زيادة الطاقة السلبية وعلى مدة انخفاض الطاقة الايجابية .

هذا لا يعني ان ارتفاع الطاقة السلبية خالٍ من الابداع، كلا .. بل هناك ابداعات مصدرها الطاقة السلبية المقننة نفسها، وبدونها لا يمكن ان يكتب لها ان تكون، فمثلا، الاشعار والغناء والموسيقى الحزينة، تكون احيانا غاية في الدقة وملفتة للنظر وجاذبة للمهتمين، فتنال الاعجاب ويكتب لها النجاح، شريطة ان تكون هذه الطاقة السلبية مقننة، أي تحت تحكم الفرد ولا تخرج عن إرادته وطواعيته .

3- الذبذبة: حرارة، طاقة، إذاً لابد من ذبذبة، هنا يأتي دور الاثير في نقل الذبذبات، للطاقة ذبذبة او تردد معين، تنتقل (الذبذبات) عبر الاثير، بذا تخرج الطاقة على شكل ذبذبات من الجسد لتسبح في الفضاء، الافكار، الانفعالات النفسية، الاحاسيس، المشاعر، الحزن، السعادة كل ذلك ينبعث على شكل ذبذبات .

السعادة، الانشراح، الخير، ذبذبات الطاقة الايجابية.

الحزن، الاكتئاب، الشر، ذبذبات الطاقة السلبية .

يتبع

 

حيدر الحدراوي

......................

الهامش:

1- المعجم الوسيط.

2- فاخر عاقل (1975).

3- الابداع من الفكر الى الممارسة، ديب أبو لطيف.

4- حسين عبدالحفيظ الكيلاني، الموهبة والتفكير الإبداعي في التعليم.

5- نفس المصدر.

6- نفس المصدر.

7- نفس المصدر.

8- د. علي الحمادي.

9- بطرس البستاني، 1987م.

10- محمد علي الكامل، 1996م.

11- إبراهيم عبد الرحمن الغنيم، 2000م

 

فراس زوينلقد كان الاعتقاد السائد في خمسينيات القرن الماضي وخصوصاً بين الباحثين في نظريات النمو الاقتصادي ان المعرقل الأكبر الذي يواجه العملية التنموية في الدول الناشئة هو ضعف السوق المحلية والذي يوفر السيولة المالية اللازمة للنهوض بالواقع التنموي لهذه الدول، والاعتقاد الجازم ان التدفقات المالية التي يمكن ان توفرها الموارد الطبيعية المكتشفة في هذه الدول تمثل الحل الأمثل لهذه القضية، ولاتزال طبقة واسعة من الناس في هذه البلدان تنظر الى الوفرة المالية المتحققة من ذلك الطريق على انها اسهل الطريق واقصر المسافات لبناء بلدانهم وتحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي المنشود.

ومن جهة ثانية هناك نظرة مغايرة تبناها العديد من الأساتذة والخبراء والباحثين الاقتصاديين ترى خلاف ذلك التوجه حول مدى فاعلية الإيرادات التي تدرها الموارد الطبيعية في تحقيق التنمية الاقتصادية المنشودة، محذرين من وقوع هذه الدول (ومنها العراق ومنذ فترة ليست بالقصيرة) في فخ هذه الموارد الطبيعية والتي اطلق عليها (الريع) بسبب الاعتماد المطلق عليها وبشكل حولها تدريجياً الى قيد قصم ظهر الاقتصاديات المحلية لهذه الدول خلال عقود طويلة بالرغم من الآمال التي عقدت من قبل غالبية الناس ورهانهم على هذه الموارد .

ولعل من المناسب الإشارة السريعة الى معنى الريع من جهة والدولة الريعية من جهة أخرى والذي قد يكون خافياً على العديد من الناس، وقد عرفت النظرة الكلاسيكية الريع بأنه الجزء الذي يدفعه المستأجر الى المالك من غلة الأرض نظير استغلال قواها الطبيعية. اما النظرة المعاصرة فقد اعتبرت الريع هو نمط اقتصادي يعتمد على الموارد الطبيعية دون الحاجة الى الاهتمام بتطويرها، ومن امثلة هذه الموارد المعادن، والمياه، والنفط، والغاز، اما الاقتصاد الريعي فأنه اعتماد دولة ما في اقتصادها على مصدر طبيعي مستخرج من الأرض فيصبح بذلك الاقتصاد معتمداً على التبادل التجاري الذي يؤدي الى ظهور مجتمع استهلاكي مرتبط بالاستيراد ولا يهتم بالزراعة او الصناعة.  ويعود الفضل في بيان وتأسيس المعنى الاصطلاحي للريع للباحث حسين مهدوي في بحثه (نمط ومشاكل التنمية الاقتصادية في الدول الريعية) عام 1970 والذي يعد اول من أشار ال مفهوم الدولة الريعية على انها الدولة التي تعتمد بالدرجة الأولى على دخل ريعي يتأتى من مادة أولية، في حين عمل حازم البيبلاوي على تحسين وتطوير هذا المفهوم من خلال تحليل الدولة الريعية الى أربع سمات رئيسية هي :

1- ان يكون الدخل الرئيسي للدولة هو الريع المتأتي من مورد طبيعي (نفط او غاز).

2- تشكل الايدي العاملة المنخرطة في الإنتاج نسبة ضئيلة من القوى القادرة على العمل.

3- الدخل الناتج عن الريع يتأتى من الخارج.

4- تكون الدولة هي الجهة المتلقية لأموال الريع وهي المسؤولة عن أوجه انفاقه .

وقد عرف الأستاذ صبري زاير السعدي الاقتصاد الريعي بانه "الاقتصاد الذي يعتمد على الريع المتولد من انتاج النفط او الغاز المملوك كلياً للدولة" ، ان الخشية من الأموال السهلة التي توفرها الموارد الطبيعية رافقت العديد من الاقتصاديين وان كانت هذه الخشية قد اختلفت باختلاف التجربة الاقتصادية للدولة الريعية كما بين الدكتور عامر جميل والدكتور مانع حبش في بحثهما الموسوم (إشكالية التناقض بين الريع النفطي والتنمية المستدامة في العراق) حيث أشاروا الى ان  هذه المخاوف تمثلت في بداية خمسينات القرن الماضي من التبادل غير المتكافئ للتجارة الخارجية بين الدول المتقدمة والدول النامية، أي بين تجارة السلع الصناعية المنتجة وتجارة المواد الأولية ، اما في سبعينات القرن المنصرم فان المخاوف كانت من الفشل الاقتصادي لبلدان الموارد الطبيعية والتي صارت تحال الى تأثير تذبذب الصادرات النفطية على البلدان المصدرة للنفط ، وبعد ذلك كانت المخاوف في الثمانينات كانت تدور حول المرض الهولندي ومشاكله الاقتصادية والذي يشير "الى ارتفاع قيمة العملة المحلية بسبب تدفق العوائد المالية الكبيرة من العملة الاجنبية نتيجة ازدهار الموارد الطبيعية" ، ثم تحولت الخشية الى مراقبة السلوك الاجتماعي والسياسي للحكومات النفطية وتحولها نحو الديكتاتوريات وكبح الحريات العامة نتيجة توفر السيولة المالية في تلك الدول .

ومن الملاحظ استمرار المخاوف والخشية المتواصلة من الاثار السلبية للموارد الطبيعية بسب الاستغلال المفرط والانغماس في الفخ الريعي الذي وقع به العديد من الدول النفطية ومن ضمنها العراق، ويمكن حصر واختزال الاثار السلبية للأموال السهلة المتحصلة من الموارد الطبيعية بمحورين رئيسيين:

- الاثار الاقتصادية: والتي تتمثل بالابتعاد عن القطاعات الإنتاجية المختلفة واهمالها، والاكتفاء بالموارد الطبيعية والتركيز عليها بما يضمن المزيد من الإيرادات، وان كان ذلك يؤدي الى التجاوز على حقوق الأجيال القادمة من الموارد الطبيعية التي يتم استنزافها بشكل مفرط لتغطية الالتزامات الانية، مع غض النظر عن التقلبات في أسواق الطاقة العالمية وتأثيراته السلبية وتراجع واهمال قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والتجارة الخارجية وغيرها من القطاعات التي تعتبر القاعدة المتينة لأي اقتصاد حقيقي، والتحول التدريجي الى مجتمع استهلاكي يقوم بأنفاق ثرواته الطبيعية على استهلاك السلع والخدمات المستوردة وبشكل يؤدي في نهاية المطاف الى ارتفاع نسب البطالة بين أبناء البلد، ومن الملاحظ ارتفاع نسبة البطالة في معظم الدول الريعية مثل السعودية والذي وصل معدل البطالة فيها 12‎%‎  و الامارات 14‎%‎ والكويت 6‎%‎ و عمان والبحرين 8‎%‎ ، وهذا تحديداً ما حصل للعراق ابتداء من ثمانينات القرن الماضي وتجلى بكل وضوح بعد عام 2003 ولغاية الان حيث هجرت الالف المعامل والمصانع الصغيرة والمتوسطة مع تراجع الزراعة وتخلفها وموت الالف الدونمات من الأراضي الزراعية بسبب توقف الإنتاج المحلي والاعتماد المطلق على الاستيراد، وتحول البلاد الى مكتب صيرفة كبير كل همها هو بيع النفط وتوزيع ايراداته على المواطنين من خلال موازنات هزيلة يصل الجانب التشغيلي فيها الى قرابة 79‎%‎ من القيمة الكلية للموازنة بعيد عن أي خطة تنموية وتطويرية حقيقية او الية عمل للنهوض بالواقع الاقتصادي المتهاوي منذ عقود، وارتفاع نسبة البطالة فيه لقرابة 22.6‎%‎ كما اعلن الجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط في 23/8/2018 في الوقت الذي اعلن صندوق النقد الدولي في أيار 2018 ان معدل البطالة في العراق بغ اكثر من 40‎%‎ ، مع غياب التخطيط الحكومي لخلق فرص عمل للعاطلين وعجزه عن استيعاب مئات الالف من خريجين الجامعات والمعاهد بسبب ضعف القطاع الخاص وهيمنة التوجه الاقتصادي الريعي، والاعتماد على التعيينات الحكومية كحل ترقيعي لهذه المشكلة المتجذرة في المجتمع فشلت في توفير فرص عمل جديدة تضمن لأبنائها الحياة الكريمة

 

- الاثار الاجتماعية: ان من اخطر نتائج الاقتصاد الريعي هو الاعتماد المطلق من قبل الحاكم على الأموال السهلة التي توفرها الموارد الطبيعية والاستغناء عن باقي القطاعات الإنتاجية والزراعية والسياحية والتحويلة والاستخراجية وغيرها واهمالها، بل ان الحاكم في هذه الدول قد يجدها العائق الرئيسي امام تفرده بالسلطة حيث ان نشاط هذه القطاعات وتطورها يمكن المواطن من توجيه أصابع النقد والتحليلي للخطط الحكومية وسياساتها الداخلية وحتى الخارجية، لكون المواطن سيكون هو المصدر الرئيسي للإيرادات الحكومية من خلال الضرائب والرسوم التي تفرضها الدولة عليه وهو المصدر الاساسي لمليء الخزينة المركزية من خلال كونه دافع الضرائب التي تخوله المطالبة بالخدمات وتوفير فرص عمل حقيقية تمكنه من دفع الالتزامات المالية المفروضة عليه، ولن يكتفي بالوعود الزائفة، لذا فأن النهج الريعي للاقتصاد والاكتفاء بالأموال السهلة كفيلة بخلق نظام ديكتاتوري يعمل على تسخير الأجهزة الأمنية والاستخبارية والعسكرية لخدمة الحاكم وطبقته الحاكمة ومحاولة شراء الناس بعد ان تفيض خزائن الدولة من أموال الريع، مع الاعتماد على طبقة من المرتزقة والفاسدين ومحترفي التملق لتدعيم أساس الحكم وتثبيت جذور الحاكم الذي يتحول شيئاً فشيئاً الى  ديكتاتور يستلهم قوته من الواردات الطبيعية السهلة، فليس من مصلحته ظهور طبقة صناعية وزراعية ذات نفوذ مستقل تصبح فيما بعد منافساً له، والامثلة على هذا النموذج لاتعد ولا تحصى وتكفي ان نفتح اعيننا على ما يحيطنا من فوضى لنفهم الاثار الاجتماعية للريع في ماضيها وحاضرها .

ان التجربة الاقتصادية والاجتماعية التي عاشتها معظم الدول النفطية ومنها العراق اثبتت من خلال الواقع ان الاموال السهلة المتحصلة من الموارد الطبيعية لهذه الدول والتي تأخذ طريقها للخزينة المركزية كانت احد اهم الأسباب في تدهور اقتصاده المحلي وارتفاع نسب البطالة بين أبنائها وقد تكون الحافز الأكبر لنشوء اعتى الديكتاتوريات وأكثرها تسلط كما كان الحال في العراق وليبيا والسعودية وفينزويلا والمكسيك والعديد من الدول النفطية التي عانى شعوبها الامرين بسبب هذه الأموال التي لم يحسن استثمارها او استغلالها وترك الامر نحو انفاقها فقط مع توجه المجتمع نحو الاستهلاك والتكاسل عن بناء اقتصاد متين يستمد قوته من صناعته المحلية واكتفائه الذاتي، بل ان التجربة العالمية التي خاضتها العديد من الدول مثل النرويج وماليزيا اثبتت ان النمو الاقتصادي المنشود لا يكون الا من خلال الابتعاد عن الأموال السهلة واعتبار إيرادات الريع ضمان للأجيال القادمة من خلال تأسيس صندوق سيادي يوضع فيه الفائض من هذه الأموال بعد استقطاع جزء يسير منه اما باقي الالتزامات المالية الحكومية فتتم من خلال تشغيل المصانع والمعامل وزراعة الأراضي والاهتمام بباقي القطاعات التي تعتبر العماد الحقيقي لأي اقتصاد حر وسليم.

 

فراس زوين

 

محمد عرفات حجازيفيما مضى كان بوسع أفراد الأسرة الالتفاف حول وسائل الإعلام بمحتوياتها وبرامجها ومتابعتها دون أدنى تحفّظ، وتدريجيًا مع بعض التطورات الدخيلة، أصبح على الأسرة أن تختار أوقات مناسبة لتلافي مواجهة مشاهد أو محتويات تخدش الحياء بجرأتها، والإعلانات وما فيها من أساليب الإثارة والجذب عبر الإيحاءات الجنسية.. وبدورنا تتساءل هل من سبيل لمواجهتها حتى لا يصبح الإعلام سلاحًا ذو حدًّ واحد؟!..

إن الإعلانات فن، ويجب أن يراعي أسلوبها القاعدة المشتركة للشريحة الكبرى في المجتمع. وفي الوقت الذي بدأت فيه مدرسة الإثارة تتراجع في أمريكا على سبيل المثال لتحلّ مكانها مدرسة الفكاهة، نجد أن العكس قد حصل لدينا، وأصبحت بعض الحملات الدعائية تلجأ إلى هذا الأسلوب المرفوض والذي لا نراه انفتاحًا أو تطورًا كونه يتعارض مع ديننا وقيمنا.

وتتنوع الدعايات التجارية بين أنواع المياه الصحية عالية الجودة للشرب، وأشهى الوجبات والمقبلات في المطاعم، مرورًا بألعاب الأطفال، والمنشطات الجنسية، والفوط الصحية، والملابس الداخية، إلى جانب الدعايات الترويجية للأفلام السينمائية والمسلسلات والأغاني بشتى صورها..

وفي الوقت الذي يرى فيه الألسني الأمريكي "نعوم تشومسكي" أن (وظيفة المنظومة الإعلامية الأمريكية هي أن تسلّي وتُلهِي وتعلّم.. وكذلك أن ترسّخ لدى الأفراد القيم والمعتقدات، وقوانين السلوك، التي تجعلهم يندمجون في بنى المؤسسات داخل المجتمع الموسّع. وحتى يكون بالمستطاع القيام بهذا الدور، في عالم تتمركز فيه الثروات، وتشتدّ وتقوى فيه النزاعات بين مصالح الطبقات يجب القيام بدعاية منظمة). يبيّن المفكر الفرنسي "روجيه غارودي" في بداية التسعينات من القرن المنصرم أن فلسفة الإعلام في الغرب تنطوي على تحريض دائم وحاسم، من أجل تجنيد المشاهدين بالإغراء، ودعوة إلى الغوغائية، وإلى الخمول الدائر تجاه رأي عام تتلاعب به الدعاية والإعلانات. ووفقًا لرأي غارودي، فإن ما تسعي له القنوات الفضائية العربية والأجنبية، من خلال دعاياتها، هو تكوين جيل من الشباب لا يدرك ولا يشعر بما يقوم به من سلوكيات في حياته اليومية، وكأنه مخدر بما يصله يوميًا من ومضات مسموعة ومرئية.

إن هدف الإعلانات جذب الانتباه لشيء ما قد يكون رأيًا أو فكرة أو شخصية كما في الانتخابات، ولكن الغرض الأكثر شيوعًا من الإعلانات التجارية هو الترويج للسلعة، وجذب الانتباه بأي وسيلة كانت، وكأنها تطبق المبدأ الميكافيلي: الغاية تبرر الوسيلة، وقد تفننت شركات الإعلان في تبني هذا المبدأ متجاوزة المعقول والمقبول إلى خانة الخطوط الحمراء، وقد ساعدتها على ذلك وسائل الإعلام المختلفة، والتي تهتم فقط بالعائد الإعلاني الذي تحصل عليه نظير مساحات زمانية أو مكانية تشغلها تلك الإعلانات.

إن تكرار بعض الدعايات سالفة الذكر ستنزع شعرة الحياء المتبقية لنا، كما أن لهذه الدعايات أثرًا كبيرًا في زعزعة الثوابت الدينية في نفوس الشباب والأطفال، وكذلك في الترويج لصور مرفوضة، وذلك من خلال امرأة متبرجة مثلًا في الترويج للعطور، أضف إلى ذلك، كونها تأجج مشاعر الشباب، فلو قمنا بتشريح خلايا مخ المراهقين لوجدنا أن أغلبها منشغلة بالعلاقات العاطفية والجنسية وهي نتيجة طبيعية لتكريس هذه الأفكار في أذهانهم من خلال الإعلانات.

وإذا كانت الصورة ـ كما يقول الكاتب الفرنسي الشهير ريجيس دوبريه: تتضمن قدرة هائلة على الاستحواذ على وعي الناس وانتباههم وأذهانهم، وتنفذ إلى زمانيتنا الخاصة، وأنها اجتياح لحميميتنا الفردية، فهذا يعني أن الإعلان المرئي مثلًا، رسالة اتصالية إقناعية مؤثرة، تكون في بعض الأحيان ذات طبيعة مزدوجة، إحداها متعلقة بالسلعة، والأخرى متعلقة بالقيم والسلوك.. فمثلًا إذا اقتنع المشاهد بشراء السلعة أو لم يقتنع، فإنه يتأثر بشخصيات الإعلان (مظهرها، طريقة حديثها، حركاتها...) وذلك بصورة مستقلة عن المنتج أو الخدمة المعلن عنها، ومع تكرار العرض يترسخ هذا التأثير، مما يجعل من تلك الدعايات واحدًا من أقوى وسائل الإقناع والتأثير والتغيير الاجتماعي، وذلك بصورة موازية لوظيفته الاقتصادية الأصلية.

إن ما يشاهده الشباب العربي من ومضات إعلانية متنوعة، عبر الفضائيات خصوصًا، والتي يغلب عليها طابع الترفيه والتسلية المبالغ فيهما، والإغراء والإغواء من خلال إظهار مفاتن النساء، وظهور النساء مع الرجال في أفلام إعلانية خليعة تروج للمارسات الجنسية، وفي ظل تزايد بث هذا النوع من الومضات والبرامج المغرية قد يكون لذلك انعكاس خطير على حياة الشباب، يدفع بالكثير منهم إلى الانفصال التدريجي عن الواقع الذي يعيش فيه؛ إذ قد يعتقد الشباب أن الحياة تجري على أساس النمط المعروض أمامهم، وهذا في حقيقة الأمر عزل اصطناعي للشباب عن واقع الحياة كلها بكل ما فيها.

فضلًا عما سبق، فإن لتلك الإعلانات تأثير سلبي على الطفل في تنشئته على السلوك الاستهلاكي، إلى جانب زيادة تطلعاته بشكل يؤدي إلى رفضه لواقعه الأسري، مما يؤدي إلى أشكال مختلفة من الصراع داخل الأسرة، وداخل الطفل ذاته، وإصابته بالإحباط، أو لجوئه إلى ممارسة سلوكيات غير سوية للحصول على المال الذي يحقق له تلبية ما يشاهده ويسمع عنه من سلع ومنتجات، أيضًا تأثيرها على ثقافته وقيمه، ولغته، وتحديده أولويات احتياجاته، وتشكيل ذوقه.

وفي ظل تزايد الفترات الإعلانية في الفضائيات العربية، وخصوصًا الإعلانات المستوردة من الدول الأجنبية، أصبح شبابنا تائهًا قد يقلد كل ما يشاهده عبر هذه الومضات، والتي على الرغم من قصر مدتها الزمنية فإن أثرها قد يكون عميقًا، خاصةً عندما يتكرر عرضها، حيث تصبح مطبوعة في ذهن المتلقي، وهذا ما يؤكده المفكر الجزائري "عزي عبد الرحمن" قائلًا: "إن التأثير يكون إيجابيًا إذا كانت محتويات الرسالة الإعلانية وثيقة الصلة بالقيم، وكلما كانت الوثائق أشد كان التأثير إيجابيًا، وبالمقابل يكون التأثير سلبيًا إذا كانت المحتويات لا تتقيد بأي قيم، أو تتناقض مع القيم، وكلما كان الابتعاد عن القيم أكبر، كان التأثير السلبي أكثر". وقد يكتسب الشباب، نتيجة تلك المشاهدات، العديد من السلوكيات والعادات الغربية، سواء أكانت مفيدة أو ضارة، وذلك تحت شعار الموضة، ومواكبة تطورات العصر، وواقعنا الحاضر خير دليل على تلك التغيرات السلوكية والقيمية.

ومن هنا يأتي سؤالنا الرئيس: كيف هو السبيل لمواجهة تلك الدعايات حتى لا يصبح الإعلام سلاحًا ذو حد واحد؟!.. ومن يحمي المواطن من الدعاية التجارية المضللة؟، وهل الأجهزة الرقابية كافية لتحقيق هذه الحماية؟!.

ينبغي على شركات الدعاية والإعلان أن تراعي المكان والزمان الذي تبث فيه نوعية الإعلانات الخادشة للحياء، والمثيرة لتساؤلات الأطفال وشهوات المراهقين، ومن جهتنا كمشاهدين، يجب أن نعلن رفضنا لهذه النوعية من الإعلانات وذلك عبر المقالات والندوات والمنتديات، ومقاطعة الشركات والمنتجات التي تعتمد على الخلاعة كأسلوب ترويجي، ولسنا مع ما ذهب إليه البعض من تشفير بعض القنوات، أو منع الفضائيات في المنزل؛ فمثل هذه الحلول تسبب نوعًا من الصدمة الحضارية للنشء بسماعهم عن الوسائل المحرمة عليهم عن طريق الأصدقاء، مما قد يدفعهم إلى اللجوء لأساليب خفية لمتابعتها بعيدًا عن الأهل، بل يجب أن نقابل الانفتاح الإعلامي بانفتاح فكري من الجميع، وهو ما يعني القدرة على التعامل مع جميع الأدوات والمهارة في استخدامها وتطويعها بما يتلاءم مع ثوابتنا عن طريق الحوار والإنصات والتفهم والصبر، إلى جانب ممارسة المؤسسات الحكومية المعنية الرقابة على الجهات المقدمة للخدمات والسلع المختلفة للمواطنين، وتطوير معايير قياسية لكل قطاع، وأخيرًا، فباعتقادي أنه لا بد من تشريعات تتضمن قواعد قانونية تُعنى بحماية المواطن من التضليل والخداع والتدليس، وإيجاد تكييف قانوني يجرم الدعايات الخادشة للحياء والمثيرة للفتن والجرائم، وذلك لحماية المواطن الذي هو رأسمالنا الحقيقي..

 

محمد عرفات حجازي/ كاتب من مصر

.............................

أهم المراجع

1- روجيه غارودي، ثقافة اللامعنى، فصل من كتابه الهدامون.

2- عزي عبد الرحمن، الثقافة وحتمية الاتصال، نظرة قيمية، مجلة المستقبل العربي، عدد 295، سبتمبر، 2003م.

3- محمد شطاح، التلفزيون والطفل، مجلة المعيار، قسنطينة، عدد 7، ديسمبر، 2003م.

 

 

الحديث عن الأدب الفلسفي يعني الحديث عن حقل من حقول الثقافة تجمع بين حقلين يكاد تواصلهما حاضرا ومؤثرا منذ زمن طويل، إلا إن المفهوم من المفاهيم المعاصرة، التي حاولت البحث عن حقل يجمع بين الأدب والفلسفة بنسب متفاوتة، إذ ارتبطت الفلسفة ومازالت ترتبط بمجالات فكريّة متعددة من ضمنها مجال الأدب.

على الرغم من الاختلاف الكبير بين المجالين من حيث اللغة والهدف ومجال الرؤى هناك سمات مشتركة تجمع بين هذين العالمين أهمها: أولا البحث عن الوجود وماهيته، والذات وسبر أغوارها، وثانيا في مدى ارتباطها بالكون وبأحداث عصرها المتغير.

على مستوى التعريف

1-  كلمة الأدب عبارة عن كتابة ''إبداعيّة'' أو ''تخيليّة'' ومنها الكلام البليغ الذي يؤثر في نفوس القرّاء سواء كان شعراً أم نثراً، ولقد تطوّر هذا المفهوم على مر العصور واتّخذ العديد من المعاني حتى تكوّن بهذه الصياغة وهذا المعنى.

2-  فيما مفهوم الفلسفة مصطلح الفلسفة هو مصطلح يونانيّ، إذ تعني الفلسفة حب الحكمة، وهي النظرة العقلانيّة والفكرة التجريديّة، والمنهجيّة في الواقع بشكلٍ عام، فضلاً عن الأبعاد الأساسيّة للوجود البشري والخبرة، وهي عنصر أساسيّ في التاريخ الفكري للكثير من الحضارات كما أنها دراسة لفهم كيفيّة الوجود، ومعرفة ما هو حقيقي وصادق، وجميل، ويشار إلى اهتمامها بكيفيّة تواجد البشر لمعرفة الحقيقة والأمور الصحيحة. إذ يعد القلق الوجودي، جسراً رابطاً بين الأدب والفلسفة، وقد جعل من رابطتهما، أكثر ثراء وحيويّة، في سياق البحث والسؤال، على صعيد التخيل الجامح أو التأمل العميق الراسخ سواء في أعماق الذات الإنسانيّة أم الموجودات .وفي كل هذا يستعين بجماليّة الصور وبراعة الاستعارة بعيداً عن المباشرة في التناول .

3-  فالأدب الفلسفي هو المنطقة الوسطى الجامعة بين مضامين فلسفيّة وأشكال تعبيرية تخيليّة شعراً أو نثراً . إن التكامل بين الأدب والفلسفة، يعد ظاهرة ملموسة في سياق ما هو منجز من الواقع الفلسفي، بوصفه علامة دالة على إنهما وجهان لعملة واحدة، مهما تباين الأفق بينهما؛ إلا إنهما في تواصل وتكامل: توصيفاً، وتشخيصاً، ونقداً؛ لما هو إنساني ثقافي على صعيد متخيل يأخذ بجماليّة المكان والمشاعر والعواطف الشفافة؛ عميقةً برموزها واستعاراتها وتناصاتها التي تفتح أفقا كبيراً، للقراءة والتأويل لتكشف ما هو مسكوت عنه وإنه ليس من الممكن البوح فيه .

ويمكن دراسة العلاقة بين الأدب والفلسفة من خلال نظريّة الأجناس الأدبيّة إذ يعزى الاهتمام في استعمال مصطلح الجنس الأدبي في الدراسات الغربيّة الحديثة إلى ظهور أجناس جديدة من التأليف الأدبي في اللغات الأوربيّة، وذلك في بواكير النهضة الأوربيّة في القرن الثالث عشر الميلادي في ايطاليا،ليتوسع فيما بعد إلى نظريّة الأجناس الأدبيّة التي تترجم بالفرنسيّة genres liter Aires يقابلها في الانكليزيّة literary speiesثم عدلوا عنها إلى  literary genres

ويعد نورثروب فراي التقسيم الثلاثي الذي وضعه القدامى ( الملحمي والدرامي والغنائي) هو المنطلق لنظريّة الأجناس الأدبيّة، وهكذا أصبحت نظريّة الأجناس المكان الذي يتحدد فيه مجال الأدب وتعريفه.

وهذا يقودنا إلى مفهوم الجنس الأدبي بوصفه مجموعة من الخصائص التي تحكم الممارسة الإبداعيّة .

أما نشأة الجنس الأدبي فهي قضيّة قديمة حديثة، تبدأ بالحديث عنه بوصفه رغبة فرديّة، ناتجة بصفة أساسيّة عن رغبة اجتماعيّة. وقد ظل الجدل دائرا حول إمكانيّة تحديد ضوابط معينه يمكن أن تسجلها من خلالها إن مهمة تمييز خصوصيّة جنس أدبي معين من غيره عسيرة ولكن يمكن الوقوف على مرحلتين أساسيتين:

المرحلة القديمة: التي بلغت ذروتها بالكلاسيكيّة الجديدة التي دعت إلى فصل الأنواع الأدبيّة بعضها عن بعض، إذ ينكفئ كل نوع من ضمن أسوار مغلقه لا يتراسل فنياً مع غيره وهذا هو المذهب الشهير ب”نقاء النوع” .

المرحلة الوصفيّة: التي ظهرت حديثاً والتي تفترض بإمكانيّة المزج بين الأنواع لتوليد أنواع جديدة . وهي المرحلة التي تميّزت بها الكتابات الحديثة التي تعطي انفتاحاً للنوع الأدبي كي لا يبقى منغلقاً على نفسه، بل تنظر إليه بوصفه نظاماً منفتحاً قابلا للتجدد والتكيف مع المستجدات.؛لذلك يمكن القول إن الجنس الأدبي الذي يزاوج بين أجناس متغايرة هو من أبرز منجزات الحداثة، التي تعلن إمكانيّة التلاقح بين أجناس مختلفة مما يدعو إلى إعادة النظر في توسيع حدود الجنس الأدبي وتكييف محدداته مع ظهور كل نتاج جديد بل والأكثر من ذلك الكشف عن الطرق التي تنتج وفقها النصوص وتستقبل وتتداول في المجتمع، ولاسيما أن الضغوط المستمرة التي تمارسها الأفكار المتصلة بالخلق والابتكار والذوق،ومتطلبات التلقي، تؤدي إلى تعديل تطوير هذا الدور باستمرار.

لعل في ظل هذه الظروف ظهر أيضاً الأدب الفلسفي الذي يدرس العلاقة بين الأدب بأشكاله الثلاثة والفلسفة من خلال التمييز بين الشكل / والمضمون إذ يعرف الأدب بشكله الجمالي فيما يتناول المضمون البعد الثقافي الفلسفي .

فدراسة الأدب في الأشكال الثلاثة: (الملحمي والدرامي والغنائي)، وتداخله مع الفلسفة ولد الأدب الفلسفي

أما المرحلة القديمة:

فالبحث عن التمايز بين الطرفين نجده من الناحية التاريخيّة يظهر في الثقافة اليونانيّة لدى كل من أفلاطون وأرسطو، إذ كان أفلاطون قد أكّد على التمايز والاختلاف بينهما على الرغم من انه كان كاتباً عظيماً في مجال الأدب كما يظهر في المحاورات، إلا انه على الرغم من هذا الأمر؛ إلا إننا نجده يعبر عن حالة من التضاد بين الأدب والفلسفة كونه رفض وجود الفن والشعر والشعراء في مدينته؛بحجة أن الفن عموماً والشعر خصوصاً يقومان على مفهوم المحاكاة واتخذ مفهوم المحاكاة مفهوماً دونياً؛ لأنه يحاكي العالم الحسّي والشعر عنده إيهام بالحقيقة، بينما الفلسفة ترتبط بالعلم أي بالحقيقة فأخذ مفهوم الأدب مفهوما دونياً قياسا على هذا المفهوم الذي بقي تأثيره في الفكر الإنساني لمدّة زمنيّة طويلة. يقول أفلاطون عن الشعر: (أن الشعر الجميل ليس من صنع الانسان ولا من نظم البشر، لكنه سماوي من صنع الآلهة . وما الشعراء؛ إلا مترجمون عن الآلهة).

فيجب أن تكون الملهاة "الكوميديا" متجهة إلى السخريّة من الأخلاق الذميمة، ولا يجب أن تظهر فيها إلا الطبقة الدنيا، أما الطبقة الارستقراطيّة، فيجب أن إلا تتمثل معلقاً في الملهاة، أما المأساة "التراجيديّة" فيجب أن تمثل العواطف النبيلة، وأن يكون كل أشخاصها ممن ينتسبون إلى الطبقة الارستقراطيّة لكل تمثلهما فيها من عواطف نبيلة .

إما أرسطو فقد نظر إلى الأمر من زاويّة أخرى في كتابه " فن الشعر"، عندما قدّم تصنيفاً إلى أشكال التفكير جعل البرهان في المقدمة ثم الجدل وتأتي السفسطة والتخيل في المرتبة الأخيرة فهذا التوصيف الأرسطي قد اثر كثيراً في الفكر الوسيط بعد أرسطو وقد تمت محاكاته .

واستناداً على هذا التصنيف تكون التراجيديا، أولا لأنها تحاكي بوساطة اللغة،وثانيها عملاً جليلاً لأنها تحاكي أناساً فضلاء وتظهرهم بأخير مما هم عليه،وثالثاً: دراما لأنها تقوم بتصوير الشخصيّات، وهي تفعل وتنشط دونما تدخل من قبل الأدب . ونجد أن التأثير اليوناني ترك أثرا في الفلسفة الإسلاميّة؛ فان مفهوم المحاكاة فقد فهم نقاد العرب المحاكاة أنها مرادفة للمجاز إي: (التشبيه والاستعارة والكنايّة) يقول ابن رشد " والمحاكاة في الأقاويل الشعريّة تكون من قبل ثلاثة أشياء من قبل النظم المتفقة ومن قبل الوزن ومن قبل التشبه نفسه وهذا قد يوجد كل واحد منها مفرداً عن صاحبه مثل وجود النغم في المزامير والوزن في الرقص ، والمحاكاة في اللفظ . وقد تجتمع هذه الثلاثة بأسرها ، مثلما يوجد عندنا في النوع الذي يسمى الموشحات والأزجال .

أما البحث عن المشتركات بين الأدب والفلسفة نجد إن العلاقة بين هذين المجالين المعرفيين قديمة قدم بدايات التفكير الإنساني وإدراك الفكر قضايا الوعي بالذات والعالم . مثلما نجد إن الإنسان قد مارس التفلسف منذ القدم، وذلك سعياً منه لفهم أبعاد وجوده بكافة مستوياته الأخلاقيّة والمعرفيّة والاجتماعيّة، بالمقابل نجد أيضا، أن الأدب احتفظ لنفسه بإيقاع ومنطق خاص به، فالكتابة الأدبيّة باعتبارها شكلا خاصا من أشكال التعبير، سواءً كانت شعراً أو مسرحاً أو روايّة، لها تراثها ورموزها وأشخاصها الذين صاغوا معالم الفكر الإنساني بجانب الفلاسفة . وبالآتي يصح القول أن هناك تداخلاً بين المجالين على الرغم من اختلافهما في مجال التعبير فالأدب يعتمد التخييل في التعبير عن موضوعاته معتمداً على " الكلام الإشاري" كلام دال على المجاز أو مضمر لفظه أو مشتبه معناه" نجد بالمقابل أن الكتابة الفلسفيّة تعتمد على كتابة العبارة، فالعبارة هي "لفظ محكم تركيبه ودلالته"، فالعبارة - هي أساساً-  كلام يلتزم بضوابط العقل المجرد، وهذه اللغة العباريّة ذات الدلالة المحدّدة والواضحة هي مدار اشتغال الفلسفة، في حين أن الإشارة التي هي بالأساس "كلام ينفتح على رحاب الخيال المجسد"، هي مدار اشتغال الأدب والشعر.

وعلى الرغم من هذا الاختلاف بين الأدب التخيلي الاشاري المجازي والفلسفة بكلامها المعتمد على العبارة ذات الدلالة المحددة والواضحة؛ إلاإننا نجد التواصل حاضراً وعميقاً بين الفلسفة والأدب، إذ الفلسفة باعتبارها بحثاً عن الحقيقة تتوسل باللغة والأدب يبني عالمه على اللغة أيضا.

فاللغة هي القاسم المشترك بين المجالين ولكن ليست اللغة فقط وإنما هناك علاقة أخرى تجمع بينهما وهي علاقة معرفيّة فما تتوصل إليه الفلسفة يجسّده الأدب بأجناسه المختلفة من: (شعر وقصة وروايّة ومسرح) فقد تأثّر الأدب بالرؤى الفلسفيّة على مرّ العصور كما استعمل الفلاسفة بعض الأجناس الأدبيّة للتعبير عن نظرياتهم الفلسفيّة كما تمثّل في محاورات سقراط مع تلاميذه وفي غيره من الأعمال الفلسفيّة التي اتّخذت من الأجناس الأدبيّة حقلها المعرفي .في الدراسات المعاصرة والظرف الذي انبثق فيه مصطلح الفلسفي في ظل الحداثة وسعيها إلى البحث عن العقلانيّة في الخطاب، ويحاول البحث الكشف عن نقاط مشتركة بين الطرفين وأشكال العلاقة والتداخل بين عالم الفلسفة وعالم الأدب فهناك أشكال متنوعة بين الطرفين فهناك تداخل كلي وآخر جزئي مثال على هذا في الشعر مثلا نجد هناك تداخلاً جزئياً في الشعر الذي يعتمد على مقولات ومفاهيم مستقاة من الفلسفة ما نجدها في شعر المتنبي مثلاً، يقول المتنبي:

"خليلك أنت "لا من قلت خَلّي    وَإنْكًثُرَ التَمدّحُ والْكَلامُ

وهناك تداخل أعمق مثلما نجده في شعر المعري (973- 1057)م،الذي اتّخذ بعداً أعمق حتى وصف بالموقف الوجودي، من مؤلفاته "سقط الزند: وهو مجموعة قصائد و" اللزوميات " في الفلسفة العلائيّة و"رسالة الغفران "في قصة إلهيّة طريفة ، كان يقول:

فإني وجدتُ النفسَ تبدى ندامةً /على ما جنته حيناً يحضرها النقلُ

وإن صدئت أرواحنا في جسومنا /فيوشك يوماً أن يعاودها الصقلُ

ونجد التداخل يزداد فيضعف جماليّات الشكل ويزداد المضمون هيمنةً في الشعر الصوفي فهو يعتمد الشعر في التعبير عن تجربة باطنيّة روحيّة تحاول التعبير عما لا يمكن التعبير عنه من رؤيّة روحيّة حدسيّة، لننظر إلى هذا القول للبسطامي:في (الأحوال)

- آخر نهايات الصديقين أول أحوال الأنبياء،وليس لنهايّة الأنبياء غايّة تدرك .

- للخلق أحوال، ولا حال للعارف؛ لأنه مُحيت رسومه، وفنيت هويته بهويّة غيره، وغُيبت آثاره بآثار غيره .

- نهايّة الصديقين أول أحوال الأنبياء .

ثم يزداد الأمر إذ يهيمن المضمون على الشكل في قصيدة ابن سينا في " العينيّة "؛ إلا أننا هنا نلمس أن الشكل الأدبي غدا ( وعاءً لشرح فكرة فلسفيّة ويكون العمل فلسفيا قبل كل شيء)

هبطتُ إليك كم المحا الأرفعُ        ورقاءُ  ذاتُ  تعززٍ  وتمنّعُ

محجوبةٌ عن كل مقلةِ  عارفٍ       وهي التي سفرتْ ولم تتبرقعُ

اما المرحلة الثانية:

إذ يعزى الاهتمام في استعمال مصطلح الجنس الأدبي في الدراسات الغربيّة الحديثة إلى ظهور أجناس جديدة من التأليف الأدبي في اللغات الأوربيّة، وذلك في بواكير النهضة الأوربيّة في القرن الثالث عشر الميلادي في ايطاليا،ليتوسع فيما بعد إلى نظريه الأجناس الأدبيّة التي تترجم بالفرنسيّة genres liter Aires يقابلها في الإنكليزية literary speiesثم عدلوا عنها إلى literary genres

ويعد نورثروب فراي التقسيم الثلاثي الذي وضعه القدامى:ا(لملحمي والدرامي والغنائي) هو المنطلق لنظريّة الأجناس الأدبيّة، وهكذا أصبحت نظريّة الأجناس المكان الذي يتحدد فيه مجال الأدب وتعريفه.

وهذا يقودنا إلى مفهوم الجنس الأدبي بوصفه مجموعةً من الخصائص التي تحكم الممارسة الإبداعيّة.

أما المرحلة الثانية أي الوصفيّة:

التي ظهرت حديثا والتي تفترض بإمكانيّة المزج بين الأنواع لتوليد أنواع جديدة . وهي المرحلة التي تميزت بها الكتابات الحديثة التي تعطي انفتاحا للنوع الأدبي كي لا يبقى منغلقا على نفسه، بل تنظر إليه بوصفه نظاماً منفتحاً قابلا للتجدد والتكيف مع المستجدات.لذلك يمكن القول إن الجنس الأدبي الذي يزاوج بين أجناس متغايرة هو من أبرز منجزات الحداثة، التي تعلن إمكانيّة التلاقح بين أجناس مختلفة مما يدعو إلى إعادة النظر في توسيع حدود الجنس الأدبي وتكييف محدداته مع ظهور كل نتاج جديد بل والأكثر من ذلك الكشف عن الطرق التي تنتج وفقها النصوص وتستقبل وتتداول في المجتمع، ولاسيما إن الضغوط المستمرة التي تمارسها الأفكار المتصلة بالخلق والابتكار والذوق،ومتطلبات التلقي، تؤدي إلى تعديل تطوير هذا الدور باستمرار.

لعل في ظل هذه الظروف ظهر أيضاً الأدب الفلسفي الذي يدرس العلاقة بين الأدب بأشكاله الثلاثة والفلسفة من خلال تميز بين الشكل / والمضمون إذ يعرف الأدب بشكله الجمالي فيما يتناول المضمون البعد الثقافي الفلسفي .

فدراسة الأدب في الإشكال الثلاثة: (الملحمي والدرامي والغنائي )، وتداخله مع الفلسفة ولّد الأدب الفلسفي وهذا يظهر أيضا في دراسة القصة والشعر والمسرح إذ نلمس مضامين فلسفيّة على مستوى الموضوع رافقت ظهور تلك الأجناس ونموها وخصوصاً الروايّة .

وقد ظهرت اتجاهات حديثة في العلاقة بين الشكل والمضمون منها ما جاء به " كانط "(1724- 1804)م وتعد آخر المحاولات الفلسفيّة الكبرى لإرساء قاعدة نظريّة (منطقيّة ) للفن الخاص أو " الفن للفن " .أساسا كل خبرة جماليّة في رأي كانط هو الانسجام القائم بين الفهم والمخيلة . لكن لو نظرنا للعمل الفني في ضوء ثنائيّة الفردي والجماعي (سوف نجد العمل الفني فردياً وجماعياً فالوقت معاً فهو تنظيم لتجارب لم تقع الا لهذا الفنان لكنه تنظيم في سياق الإطار ذي الأصول اجتماعيّة الذي يحملها الفنان ويتخذ منها عاملا من أهم عوامل التنظيم)

لكن الحديث عن الأجناس يجعلنا نتوقف عند مشكلة التجنيس بوصفها ظاهرة في التاريخ الأدبي المعاصر،وعاملا نصياً بصورة خاصة تبقى قائمة مع انتشار ظاهرة ما بعد الحداثة التي شكلت خرقاً واضحاً لكل معطيات الحداثة ولا سيما التداخل بين الأدبي والثقافي واللغوي؛ لأن “ما بعد الحداثة صورت اختلاط الأجناس،واختلاط النصوص،واختلاط القراء والنصوص” ولاسيما أن تشكل الأجناس النظريّة في مخيلة الناقد هي جزء مما يمكن تسميته بالمنطق البراغماتي للتجنيسHmogeneisa،هذا المنطق يشكل ظاهرة إبداعٍ وتلقٍ نصيّة تختلف من ناقد إلى أخر، إلاأنّ أي معالجة لإشكاليّة الهويّة الأجناسيّة في خضم الأعمال الأدبيّة ينبغي إن تأخذ بنظر الاعتبار عاملين أساسيين:

احدهما: إمكانيّة الاختلاف بين سياقات عملين أدبيين،حتى وإن كانا يحملان التسميةالأجناسيّة الواحدة .

ثانيهما: يتجلى في إمكانيّة تجدد النص عبر سياقات مختلفــة ومتباينة . ولذلك يمكن القول ان " الهويّة الأجناسيّة لنص ما تعد أحياناً والى درجة معينة قابلة للتغيير سياقياً بالمعنى الذي ترتهن في المجال غير النصي، وبشكل أوسع بالمحيط التاريخي الذي يحكم ولادة النص،والذي يحكم إعادة نسيجه كفعل تواصلي ".

من الممكن أن نجد جذوراً لهذا الموقف عند الفيلسوف الألماني الشهير فيردريك نيتشه، الذي أشار في كتابه الذي حمل عنوان "ولادة التراجيديا" إلى أنه من الضروري على الفلسفة أن تحدّ من التفكير المنطقي الصارم، وتعود إلى الجانب الوجداني الذي يمثله أسلوب السرد الروائي، داعياً إلى (العودة إلى ما يعتمل في أنفسنا من عناصر بدائيّة للارتساف من نبع العاطفة.. حتى ولو أدى ذلك إلى تحطيم الفكر التحليلي).

فلسفة ما بعد الحداثة:

جاء التحول في الفكر الغربي مع بعد الحداثة بتحول مهم في جدليّة العلاقة بين الفلسفة، فقد تحوّلت الفاصلة بين المجالين المعرفيين الفلسفي والأدبي قد شهدت ذوباناً وتلاشياً مع فلاسفة ما بعد الحداثة، الذين عُرفوا بنقدهم الشديد للثنائيات التي هيمنت على تاريخ الفكر الفلسفي من قبيل: ثنائيّة الروح والجسد، والفرد والمجتمع، والحريّة والحتميّة. وجاء هذا بعد نقد ليوتار للعقل والذات العارفة . تجاوز فلسفة مابعد الحداثة، التمركز حول دوائر العقل لتهتم بالأطراف والهوامش، فتصبح هذه المطالبات شاغلاً فلسفياً يرتبط بتجاوز التقليدي وخلخلة يقينياته . فقد احتلت اللغة مكان مهم إذ أصبحت (المفتاح السحري لأغلب الفلسفات المعاصرة، ومنها البنيويّة)، فقد مثلت اللغة النبع الصافي للفلسفة والأدب، وهما يحققان الكثير من الأحلام البشريّة، ويؤكدان على، أدبيّة السرد الفني في مراميه عبر التخيل والعاطفة عبر تماسكهما وانسجامهما؛ وصولا إلى مقاصد عميقة تعبر عن رهانات عقليّة ورمزيّة.

على الرغم من تمردهما على أشكال التعبير الفلسفي، فإن طاقة استعمالهما للغة تبقى ذات أفق إبداعي فلسفي .وهذا اخذ أبعاداً جديدة في ظل تحولات ما بعد الحداثة التي قامت على الانتفاض على كثير من المعايير العقلانيّة الصارمة، وكان من بين تلك التحولات خصوصا في مجال الأدب إذ تم كسر الحواجز بين الأجناس وقد تم المزج بين أسلوب السرد الروائي واللغة الشاعريّة من جهة، وبين اعتبارات السؤال والمقاييس الفلسفيّة من جهة أخرى .فأصبح النص (سلسلة من العلاقات مع نصوص أخرى)، قائمة أساساً على أساس مفهوم الاختلاف وهو (مفهوم متجذر في صلب ديناميّة رحك الكائن الواحد).

ولعل هذا جعل تلك الرؤية الجديدة تنفتح على النصوص المعرفيّة كالتصوف الذي عرف (المتصوفة قد نزعوا نزعة ذاتيّة عميقة، وأنهم يتّصلون بعالم ماوراء الحسً ويحاولون أن يصلوا بقلوبهم ومشاعرهم الى ما لايتسنى للعقل والحواس الوصول إليه، او قد اطمئنوا إلى ما وافقهم به أذواقهم من معاني وما صورت به عالم مافوق الواقع من صورة أن يدللوا عليه إن عالمهم هذا العالم الحق وان ماعداه هو الباطل) فهذا الانفتاح نلمسه في نيتشه الذي مهد الطريق لما بعد الحداثة عندما كان قد قدم فلسفته بصورة سرد روائي في عمله الشهير "هكذا تحدث زرادشت"، وهكذا جاءت التحولات تلك إلى دفع الفلسفة إلى انتهاج مسار مختلف هذه المرة عندما عمدت إلى تجاوز حالة السكون والثبات صوب ما هو معاش من حياة الراهن بكل تحولاته وصيرورته مما دفع الفلسفة إلى إن تدخل في النقد الذاتي وتتورط بالمراجعة لذاتها من أجل تجاوز غربتها عما هو معاش، وقد أسهم هذا إلى حد كبير في بلورة فهم معقول للواقع وتحولاته .ونقد الدوغمائيّة العنيفة المتطرفة .وكان لابد لهذا التحول الذي أصاب الفلسفة أن يصيب الأدب ومن الشعر الذي كان يمثل لغة خاصة به . إلا إننا نلمس ذلك على الرغم من إن التعارض بين الشعر إذ الاستعارة الشعريّة هي (ليس مجرد تغيير في المعنى، أنها تغيير في طبيعة أو نمط المعنى انتقال من المعنى المفهومي إلى المعنى الانفعالي)، لكن على الرغم من هذه التحولات العميقة؛ إلا أن هناك من يرى أن الأدب يبقى متأثراً بأنماط التفكير (وهذا ما يفتح أمامنا ملف تطور أساليب النثر الحديث التي مازالت الآن تتنوع لا بحسب الحاجات الفعليّة، وانما بحسب نمط التفكير السائد خلفها) .

 

د. عامر عبد زيد الوائلي

 

عزالدين عنايةيوم أطلّت جماعة سانت إيجيديو الكاثوليكية في الساحة الإيطالية في السابع من فبراير 1968، كانت عبارة عن فصل جديد من فصول الأصولية المسيحية التي تمور بها الساحة الدينية في أوروبا والأمريكتين. في تلك الحقبة كان قد ألمّ بالمحرك الديني الرئيس في روما، شيء من العطل وباتت تعوزه المبادرة التاريخية، جراء غلبة الطابع التقليدي والمحافظ عليه. تلخّص ذلك العطل في عدم قدرة الكنيسة على التلاؤم مع تحولات الناس، على غرار تواصل تحريمها للطلاق، وموقفها المناهض لمساواة المرأة مع الرجل في الترقي الكهنوتي، وهو ما لا يزال جاثما على صدر الكنيسة حتى اليوم. لم تجد كنيسة روما سبيلا للخروج من مأزق التأقلم مع الحداثة سوى التعجيل بعقد مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965) في محاولة لمواءمة رسالة الدين مع روح العصر والبحث عن مصالحة مع الزمن، بقصد الإمساك بمجريات الواقع الديني الذي بدأ ينفرط عقده وما عاد للبابا سلطان عليه.

لم تضع تلك العملية الاستباقية حدا للأزمة الدينية المستفحلة. وجاءت أبرز الانشقاقات حينها من جنوب العالم، مع انعقاد التجمّع الأسقفي بمادلين في كولمبيا سنة 1968م، وبروز تيار لاهوت التحرر، الذي جنح نحو الانتقاد الجذري للكنيسة وإلقاء اللائمة عليها لانخراطها في لعبة الرأسمالية الجشعة، لكن روما لم تجد سبيلا سوى رفع سوط الحرمان وعقد المحاكمات لمواجهة عصاة لاهوت التحرر، أمثال غوستافو غوتيراز وليوناردو بوف. تبدو هذه المقدمة ضرورية حتى نضع جماعة سانت إيجيديو داخل إطارها التاريخي. فالجماعة اختارت منذ البدأ موالاة الكنيسة، رغم سعيها الحثيث لتأسيس حيز نشاط اجتماعي-سياسي-ديني خاص بها. فحين أقدم أندريا ريكاردي، المتحدر من عائلة بورجوازية وابن مدير البنك، سنة 1968، على بعث جماعة سانت إيجيديو رفقة ثلّة من دعاة الانبعاث الكاثوليكي، كان يحدوه أمل لتغيير المجتمع بواسطة الإنجيل. وكان قد راكم خبرة طيلة مشواره النضالي الديني تحت تنظيم "جوفنتو ستودينتيسكا" (الشبيبة الطلابية) الذي أسسه الأصولي الإيطالي لويجي جوساني. وبفطنة قيادية تنبه ريكاردي مبكرا إلى أفول عصر "الديمقراطية المسيحية"، حزب الكنيسة العتيد الذي تربع على المسرح السياسي الإيطالي على مدى عقود.

فقد بدأ يخيم تململ في أوساط النخبة الكاثوليكية على مصائر السياسة المتديّنة. وكانت الحاجة ماسة إلى تواجد هيأة مسيحية المنشأ وعلمانية المنشط، تتولى الشأن العلماني بمرجعية كنسية، وتكون واسطة مع الداخل والخارج، لكن ذلك الأمر لن يتأتى بلوغه سوى باستقطاب رموز سياسية وفكرية ودينية وحشرهم في بوتقة موحَّدة. هذا الدرس التقطه مؤسس سانت إيجيديو وحوله إلى واقع فعلي داخل أخويته، فشرع باستقطاب المتنفذين والفاعلين إلى صفّه، لعل من أبرز الوجوه وقتها -1975- الكردينال مارتيني عميد الجامعة الغريغورية الحبرية.

في الحقيقة لم يبدأ الظهور الفعلي لسانت إيجيديو في الساحة الإيطالية سوى مع حلول العام 1973، بعد أن غنمت الجماعة مقرا لها في دير تابع للرهبنة الكرملية في المدينة العتيقة في روما، وشرعت في إسداء خدماتها الاجتماعية للمهمَّشين، مع الانحياز يسارا في السياسة الإيطالية، وهو ما جعل صحيفة "الجورنالي" تتهم الجماعة بالسعي لتشكيل لوبي أحمر موظِّفة ما تسديه من خدمة للمعوزين.

لكن هذا الانفتاح الاجتماعي على الخارج لم يحُلْ دون الانغلاق الدغمائي لسانت إيجيديو، فالجماعة تنطبق عليها مواصفات النِّحْلة الباحثة عن نقاوة طوباوية، والقُدّاس الذي يُعقَد عشية السبت في كنيسة الجماعة يبقى مغلقا في وجوه الغرباء ولا يرتاده سوى الأتباع. ما دفع الكنيسة إلى التدخل ومنع ريكاردي من تقديم العظة بدل الراهب المكرَّس. وتحذيره من مغبة إلحاق تحويرات بالليتورجيا، بعد أن بدأت الجماعة تضيف من وحيها طقوسا شرقية.

لكن إلى جانب انشغال سانت إيجيديو بالمهمَّشين في الداخل، أوْلت اهتماما بالغا للوساطة "الدبلوماسية الصامتة" لحل النزاعات في بلدان العالم الثالث أيضا، بحثاً عن دور في الساحة الدولية، لا سيما وأن العصر تجاوز التبشير بالإنجيل وغدا التبشير بأدوات مستجدة فاعلة في السياسة الدولية.

صحيح أن الجماعة كانت تتدخل بين الصغار وتخشى الكبار، لكن ذلك راكم لديها خبرة عالية تطورت مع السنين. وكان لا بد في هذا المسار من مباركة علنية من الفاتيكان نالتها مع العام 1986. واستطاعت أن تحافظ على ذلك الوجه العلماني في الخارج والكاثوليكي في الداخل. باتت الجماعة تربطها علاقات وثيقة بالمتنفذين تحت قبة بطرس، وتراجعت الخشية من تشكّل كنيسة داخل الكنيسة. وأمام براعة الوساطة الدبلوماسية التي صارت بحوزة سانت إيجيديو، ولا سيما في العالم الثالث، لم تر كنيسة روما مانعا في تكليفها بتنظيم ملتقى أسيزي الشهير الذي حشدت له جملة من قادة أديان العالم، نالت على إثره الجماعة لقب "أمم المتحدة الفاتيكان". وقد كان اللقاء فرصةً ناجحة لترويج رسالة الكنيسة وأسلوباً مستحدَثاً للتبشير بالإنجيل، في وقت كان فيه البابا الراحل كارول ووجتيلا مهووسا بالظهور الإعلامي.

توالت عمليات الوساطة للجماعة في البلقان وبوروندي وغواتيمالا وساحل العاج وليبيريا، وكان الإنجاز الكبير لسانت إيجيديو في حل مسألة الصراع الدائر في الموزمبيق وتوقيع معاهدة السلام في روما بين الأطراف المتنازعة (1992). وأبرز ما تم من الجانب العربي، ترتيب لقاءات للقيادي الإسلامي حسن الترابي مع الزعيم جون غارنغ، بقصد تسوية المسائل العالقة بشأن جنوب السودان. وتوقيع وليد جمبلاط والبطريرك الملكاني مكسيموس الخامس اتفاقا (سنة 1982) بشأن مسيحي قضاء الشوف في لبنان.

غير أن فشل مبادرة رعاية الحوار المتعلق بالجزائر، إبان العشرية السوداء، يوم قالت الجزائر كلمتها لا للتفاوض في ظل الصليب، كان ضربة موجعة لسانت إيجيديو. في وقت كانت فيه الجماعة حريصة على خلق شخصية اعتبارية تغدو بموجبها نافذة في الساحة الدولية. والحال أن القضية الجزائرية حينها ما كانت سوى درجة في السلّم تودّ سانت إيجيديو تخطّيها أو الصعود عليها إلى أعلى.

لا يزال دأب الجماعة اصطياد المتنفذين، أكانوا عاملين في المؤسسات الإعلامية، أو ناشطين في الأحزاب السياسية، أو أشخاصا مؤثرين في السياسة الدولية، وتحرص على جلبهم إلى روما وإدخالهم دير تراتستيفيري. لكن من يهوِي منهم يقلّ مجيئه، وتلك حال الشيخ حسن الترابي من الجانب العربي، ناله حظٌّ عظيم وزار قداسة الحبر الأعظم يوحنا بولس الثاني، غير أنه منذ أن صار من رواد السجون قلّ عبوره من روما، فالجماعة لا تحبّ الآفلين.

 

د. عزالدين عناية

 

جواد بشارةشكل الزمن لغزاً كبيراً ومحيراً لدى الكثير من رجال الدين والفلاسفة فالجميع كان يبحث في طبيعة الزمن وماهيته وأصله واتجاهه وتدفقه. وكانت المسألة الأساسية هي معرفة ما إذا كان الزمن هو خلفية مطلقة وثابتة للأحداث الكونية دون أن تؤثر الأحداث وتعاقبها على الزمن نفسه، باعتباره مستقلاً عنها وكأن له كينونة مستقلة. أو أن الزمن ليس سوى مفهوم ثانوي أو مجرد تعبير لغوي ناجم عن الوعي البشري يمكن حرفه عن العمليات الفيزيائية، ما يعني أن هذا الوعاء يتأثر بالأحداث. فلو تبنينا الوصف الأول للزمن يمكن لنا أن نتحدث عن عملية " خلق الزمن الفيزيائي" ومناقشة مسألة الزمن. والحال إن الحديث عن أحداث سابقة لخلق الكون وما يمكن أن يحدث " بعد اختفائه، لن يكون له معنى. فالزمن في هذه الحالة مفهوم يتعالى على الواقع، ليس له بداية ولا نهاية قابلة للتصور. وهذا الطرح ينتمي للمفهوم الأفلاطوني عن الحقائق الأبدية أو الخطوط والمخططات المسيرة التي يستقي منها الواقع الزمني خصائصه. من هنا نجد أن هذا " الزمن" يتمتع بصفات تنسب عادة للكينونة الإلهية . أما المفهوم الثاني فهو مفهوم أرسطوطاليسي، ينتمي لكتابات فلاسفة الطبيعة الإسلاميين واستلهمها القديس أوغسطين وفيلون الاسكندراني وقالا بأن الزمن ولد مع ولادة الكون ولم يكن موجوداً قبل ظهور الكون لأن التفكير بذلك يكون عبثي بقدر عبثية التفكير بمفهوم الــ "قبل " لأنه ذريعة أو حجة أو تبرير سكولائي قروسطي للالتفاف على صعوبة وغموض الألغاز المتعلقة بإشكاليات ماقبل خلق العالم والنشاط الرباني قبل وخلال تلك الفترة، إذ أن تلك المفاهيم تعتبر عامل الزمن بمثابة ظاهرة منحولة ومزاحة وترتبط عضوياً بخصائص الكون وبالتالي فإن بداية الزمن هي اللحظة التي ظهرت فيها ثوابت وقوانين الطبيعة من العدم في حالة من الاتقان القصوى، فآرسطو يعتبر المكان محدود في حين لايعدو الزمن أن يكون سوى " رقم" في حالة حركة وبالتالي فهو لامحدود، أي بإمكاننا دائماً أن نزيد ونظيف عليه وحدة قياسية للدرجة أو المستوى الذي بلغه الزمن، خاصة وإن آرسطو يعتقد أن حركة الأجرام السماوية أبدية وفق تعريفه لمفهوم الحركة، فالزمن بالنسبة له هو أحد خصائص الحركة . لا يجب أن ننسى أننا نقيس الزمن بالساعات اليدوية أو الجدارية وهي مصنوعة من المادة التي تخضع لقوانين الطبيعة. ونستخدم الحركات النظامية المنتظمة سواء دورات الأرض أو الكواكب وذبذبات رقاص الساعة وغيرها والتي تؤشر مرور الوقت . فلايمكننا إضفاء أي معنى للزمن خارج الأدوات والعمليات التي تقيسه أي تبني وجهة نظر عملياتية يعرف فيها الزمن من خلال طريقة قياسه. في حين أن هناك إمكانية لتحديد الزمن من خلال حركة الأشياء . في المفهوم الأول نعرف بالضبط أين نتواجد وإن الزمن ثابت لايتغير فهو نفسه في كل الأحوال والأوقات، اليوم والأمس ودائماً، في حين أن الفرضية الثانية أو المفهوم الثاني للزمن تظهر تعاريف جديد ومفاهيم جديدة للزمن من شأنها أن تلغي مفهوم الزمن التقليدي، إذ أن المضمون المادي للكون يعيق على نحو متنوع، طبيعته، وبالتالي، في كون يتوسع ويتمدد، ويتغير باستمرار، يمكن للمفهوم العملياتي للزمن أن ينطوي على مفهوم حاذق وماكر ومتقن ومتنوع أو متغير.

يقودنا ذلك إلى إمعان النظر في طبيعة الزمن وماهيته مرة أخرى، ومحاولة إدراك واستيعاب مفهوم المكان والزمن المطلقين، والنسبيين، أو الزمكان المطلق والزمكان النسبي. لم يغفل إسحق نيوتن عن معضلة الزمن . فصورة زمن " مطلق" ومتسامي غير مقيد بالأحداث الكونية، لانهائي وثابت، يشكل أسس الوصف النيوتني للعالم. فعندما نعرف المعادلات التي تدير التحولات الزمكانية للعالم، عندها يمكننا تحديد كيفية وقوع الحوادث المستقبلية، إنطلاقاً من الظروف البدئية.

الفهم الجديد للزمكان الآينشتيني، الذي حل بديلاً عن المكان والزمن النيوتني، قلب على عقب موقفنا من الشروط والظروف البدئية الأساسية الأولية للنشأة الكونية، وإمكانية وجود بداية للكون. وبفعل الجمع بين بنية الزمكان والمادة، فإن كل " فرادة" في المحتوى المادي للزمكان( على سبيل المثال، الكثافة اللانهائية للمادة التي تتجلى في المفهوم ألتقليدي للبغ بانغ الانفجار العظيم) تشير إلى أن هذا الزمكان بلغ أوجه. وبات علينا أن نتعاطى مع " فرادات" للزمن والمكان، بدلاً من " فرادات" في الزمان والمكان . بمعنى أن " الزمكان" الذي اقترحه آينشتين يغطي الكون المرئي برمته، على عكس النظرية النيوتنية عن المكان والزمان المنفصلين والتي تصف وجود الأجسام والأشياء في مشهد ثابت لفضاء أو مكان خارجي . وتبعاً لذلك فإن " فرادات" النسبية العامة تمثل خواص أو خصائص الكون المرئي بمجمله، وليس فقط موقع معين منه، وفي لحظة زمنية من تاريخه.

فلو درسنا الكون المرئي المتوسع والمتمدد حسب هذا الوصف الآينشتيني ونعرض ماضيه وتاريخه السابق فمن الممكن اعتباره ناجم عن " فرادة" وهذا الاستنتاج يثبت أن للكون المرئي بداية وعمر محدد. إن هذه الخاتمة الاستنتاجية، كأي حدس منطقي، تنجم عن عدد من الفرضيات التي تحتاج إلى فحصها وتدقيقها بعناية. إحدى تلك الافتراضات تقول أن " الثقالة " دائماً جاذبة . وإن نظريات الجسيمات الأولية المعاصرة تدرس عدد من أنواع الجسيمات المختلفة، وأشكال متعددة للمادة، والتي لم يتم بعد التحقق من صحة هذه الفرضية حيالها. والحال إن نموذج " الكون التضخمي univers inflationnaire مبني على مطلب أن تكون تلك الفرضية غير صحيحة ففي هذه الحالة فقط إن فترة التوسع التضخمي الهائل القصيرة وما شابها من تسارع، هي التي تتجلى، وبالتالي فإننا بتفادينا للفرادة يمكننا التخلي عن مفهوم بداية للزمن لكن ذلك لا يعفينا من التفكير وتحديد الشروط الأساسية والظروف الأولية البدئية التأسيسية في لحظة ما من الماضي، لو تعين علينا أن نختار كوننا المرئي الحالي إنطلاقاً من تعدد لانهائي من العوالم الممكنة الناجمة كلها عن " فرادات خاصة بكل واحد منها "، وحتى في حالة وجود " الفرادة" فعلينا أن نأخذ بالاعتبار أنها تختلف من عالم لآخر فهناك أنواع متعددة ومختلفة من الفرادات . فتحديد خصائص تلك الفرادة يعتبر من الشروط الأولية الأساسية التي يجب الإشارة إليها بحدود فضاءنا وزمننا في الكون المرئي.

عود على بدء:

هل نستطيع فصل الزمن عن عناصر الكون التكوينية الأخرى؟ ولو كان ذلك ممكناً فبماذا نفسر عمر الكون الذي يقدر حالياً بــ 13.8 مليار سنة ؟ فنحن نتأمل في هذا الأمر الذي نسميه " الزمن" دون أن نعرف على وجه الدقة أي نوع من الكينونات هو. هل هو جوهر؟ هل لديه وجود فيزيائي ملموس، سائل أو هلامي أو أي حالة أخرى؟ هل هو وهم أم حقيقة فيزيائية؟ أم هو مجرد نتاج لحالة سيكولوجية، أم بنية مجتمعية؟ هل هو ثمرة لــ اللاشعور أو اللاوعي، أم مفهوم ثقافي أم جانب من جوانب السيرورة الطبيعية؟

من يستطيع أن يؤكد، إنطلاقاً من معرفة يقينية، أن الزمن وعاء يحتوي وقوع الأحداث وتعاقبها، أم بالعكس هو نتاج وقوع تلك الأحداث؟ هل يتوقف الزمن إذا " لم يحدث أي شيء في الكون، أو لا يتغير أي شيء موجود؟ أم إن الزمن مستمر في مروره وتدفقه حتى لو لم يحدث أي شيء في الكون؟ وهل هناك إيقاع ثابت للتدفق الزمني أم يمكن أن يحدث تسارع زمني على غرار التسارع المكاني في حالة التوسع والتمدد؟ وهل يمكننا أن نعتبر الزمن حقلاً من حقول العلم ومجال تخصصي علمي كما هو حال الفضاء أو المكان الهندسي؟ كيف يبدو الزمن للإنسان العادي؟ هل هو كما تصفه لغتنا اليومية أو كما نعتقد أننا ندركه ونفهمه ونعيشه، أو كما يفرض الزمن نفسه علينا حاملاً الموت والنهاية النسبية لكل واحد منا في أفقه ؟ هناك ثلاث فئات من البشر ممن تصدوا للإجابة على مثل هذه التساؤلات. العلماء والفلاسفة ورجال الدين. فقد استحوذ الزمن على لباب واهتمام الفلاسفة منذ العصور القديمة إلى يوم الناس هذا، ومن هؤلاء آرسطو، والقديس أوغسطين، وكانط، و هوسرل، وبيرغسون، وهيديغر الخ، ممن وضع أسس التفكير والتحليل والتعريف للزمن ومفارقته، بيد أن الإكتفاء بما قدمه الفلاسفة بخصوص الزمن من نصوص ومقاربات لا يحل مشكلة ومعضلة ومفارقات الزمن، خاصة وإن الفلاسفة ليسوا متفقين حول مفهوم الزمن وماهيته وطبيعته، فلكل واحد منهم مفهومه وفهمه الخاص . بعضهم لديه خطاب يجعل من الزمن مجرد مبدأ للتغيير، أو مغلف لايتغير لأي تعاقب في الأحداث الخ، البعض الآخر يعتبره كينونة فيزيائية مستقلة، أو مجرد منتج للوعي والشعور البشري. البعض يعتبر الزمن مجرد نظام لــ " ما قبل وما بعد "، دون الإشارة للحاضر، و لا حتى لوعي المراقب بل و لا حتى حضوره، الشيء الوحيد الموجود حسب منطقهم هو العلاقات الزمنية القائمة بين الأحداث وبذلك يبدو الزمن بمثابة نظام للتعاقب يستخدم التسلسل الزمني الموضوعي على نحو نهائي وقطعي. فيما يعتبره البعض الآخر الزمن مجرد " معبر" للحظة معينة إلى لحظة أخرى أي الناقل من الحاضر للماضي ومن المستقبل للحاضر. أي تعاقب موضوعي للأحداث، وربما لن يكون فقد مجرد تسلسل زمني فقط بل ديناميكية لا تتوقف يكون محركها الشعور الذاتي. فالعلماء حددوا زمنياً عمر الكون بــ 13.8 مليار سنة وإن الكرة الأرضية تشكلت قبل 4.45 مليار سنة وإن ظهور الكائن البشري عل سطح الأرض يعود إلى 2 أو 3 مليون سنة ما يعني أن الكون كان موجوداً بدون أن يكون بحاجة لوجود البشر على الأرض ومستقلاً عنهم وبالتالي فهو ليس بحاجة لوجودهم لكي يوجد خاصة وإن هناك فرضيات بخصوص وجود كائنات بشرية أو غير بشرية أخرى عاقلة ومتطورة منتشرة في أرجاء الكون ومنها ما هو قديم جداً يعود تاريخ ظهور إلى بضعة مليارات من السنين. فالأوميون ظهروا على كوكب أومو قبل البشر بخمسة ملايين سنة . تطلب الأمر كما قال الشاعر بول فاليري " عملية تنظيف للموقف اللفظي أو الكلامي، والتحول إلى لغة أخرى تتعاطى مع الزمن وهي لغة الرياضيات والفيزياء أي لغة العلم وأول من قام بذلك هو إسحق نيوتن الذي أدخل عامل الزمن في معادلاته الرياضياتية سنة 1687 وأصبح يعرف بالمتغير t في معادلات الديناميكية وأعطاه سمة " الزمن" ويقصد هنا به " الزمن الفيزيائي" وليس الزمن النفسي أو الفلسفي أو اللغوي أو الديني. وهو نفس المفهوم العلمي الذي قصده آينشتين في صيغته المعروفة بإسم ّ الزمكان l’espace-temps" وما علينا سوى إضفاء خصائص فيزيائية لهذا المصطلح الذي نحته آينشتين واعتبار زمن الفيزيائيين هو الزمن الحقيقي وأكثر أصالة من باقي المفاهيم الزمنية الأخرى والأكثر اتصالاً وارتباطاً بالواقع الفيزيائي للعالم. وعلينا أن نفهم معنى تدفق ومسار الزمن وسهم الزمن أو اتجاهه وقابلية عكس الزمن وتحوله إلى مكان، وحقيقة الزمن خارج الأفق الكوني وفي الثقوب السوداء والثقوب الدودية، وذلك في الحلقة القادمة.

 

يتبع

د. جواد بشارة

 

حسن العاصيالهزائم التي تمنى بها الأحزاب اليسارية والاشتراكية الأوروبية، تدفع للتساؤل مرة أخرى عن درجة عمق الأزمة التي تعانيها هذه الأحزاب سياسياً وتنظيمياً، والجفاف الذي أصاب افكارها وعلاقتها مع الناس، بعد أن فقدت توهجها ونفوذها في عصرها الذهبي خلال الستينيات حنى نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، وتستوجب التوقف أمام أوضاع اليسار بصورة عامة في عصر تصاعد القوى اليمينية واتساع رقعة الأفكار العنصرية المتطرفة في أوروبا. 

في عصر غاب عن المشهد الشخصيات اليسارية التي تمتع بالحضور والمهارة والبلاغة، والمقدرة على خوض المعارك السياسية. بل أن بعض قادة اليسار الأوروبي أصبح يتبنى بعض الأفكار والمواقف اليمينية التي كان يحاربها في الأمس القريب. في وقت تفرض فيه الأحزاب والجماعات اليمينية هيمنتها على المشهد السياسي والانتخابي في مختلف بقاع القارة الأوروبية، ويسعون لترويض الناخب بواسطة القوة الناعمة وإحضاره إلى صناديق الاقتراع.

أدرك هذا اليمين الأوروبي مبكراً طبيعة التحولات والتغيرات التي تحصل في المجتمعات، وأن سمة العصر هي الاستهلاك والفردية واندثار القيم التضامنية بين البشر، عصر الثورة الرقمية والتطور الهائل في وسائل الاتصال، والشركات العملاقة، والمؤسسات الإعلامية المرعبة. مجتمع فيه كل واحد يسعى للحفاظ على مصالحه الخاصة.

أمام جميع هذه التحولات السريعة والكبيرة وشديدة التأثير والمتواصلة، فقدت ليس فقط الأحزاب اليسارية والاشتراكية الأوروبية البوصلة، بل يشمل هذا التحليل اليسار العربي وأحزابه وجماعاته، الذين يلهثون خلف تسارع الأحداث، بحثاً عن الحقائق في السراب والأوهام التي تسببها الأيديولوجيا والأفكار التي لم تتجدد، والمفاهيم والمعايير التي لا تصلح للعصر الحالي، وحالهم كحال المستجير من الرمضاء بالنار، وهو ما يعلل هزائمهم المتكررة.

الأسئلة الحرجة

يسعى هذا المقال إلى طرح الأسئلة النظرية حول مفاهيم اليسار العربي والأوروبي، وعلاقته بالحرية، وكيف يكون المرء يسارياً في الزمن المعاصر؟ وهل هناك يسار تحرري ويسار ستاليني جائر؟ ما هي علاقة اليسار بالحرية؟ هل يستطيع اليسار في الوقت الراهن تغيير الواقع، وتقديم أجوبة على أسئلة الجماهير؟

لا أدعي امتلاك الحقيقة، لكنني أتمنى أن أساهم في فتح النوافذ المغلقة، في محاولة تلمس صياغة الأسئلة الحرجة المركبة، وهي مهمة صعبة وشاقة. قد لا يتفق معي بعض اليساريين، لكن رهاني أن يجدوا ما يدفعهم للقراءة والتفكير والنقد والتفاعل والحوار، وهذا غاية ما أسعى إليه هنا.

عوضاً عن إجراء المقاربات والمراجعات الفكرية والسياسية الحقيقية لتجربتهم الشيوعية ودورهم وواقعهم الراهن، ينبري غالبية اليساريين العرب للرد المتشنج غير الموضوعي، على أي نقد لهم ويكيلون الاتهامات المرتبطة بالانحرافات الفكرية والتروتسكية، ومحاباة الرأسمالية الغربية.

 ليست لدى هؤلاء رغبة في التوقف ورؤية ما يجري في الكون من تحولات غيرت الكثير في ملامح هذا العالم على كافة المستويات. كل ما يفعلونه هو خطاب تبريري قاصر عن ملاحظة أن لا أحد سواهم ما زال يطالب بتحقيق الاشتراكية بمفهومها الماركسي، ولا أحد غيرهم يرغب في القضاء على الامبريالية المتوحشة عبر إقامة "ديكتاتورية البروليتاريا" التي لم تعد موجودة غير في الكتب الحمراء.

الامتحان الشاق

طويت صفحة الحرب العالمية الثانية العام 1945 بانتصار الولايات المتحدة الأمريكية التي بسطت نفوذها على دول غرب أوروبا، فيما روسيا الستالينية سيطرت على أوروبا الشرقية. وانتصرت الثورة الصينية العام 1949، وتبلورت القوى اليسارية في أوروبا الغربية وانتعشت بفعل إسهامها في مقاومة النازية والفاشية، وتأثرت بهذه التطورات حركات التحرر الوطني في الدول النامية، التي تحالفت فيما بعد مع الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي لتحقيق استقلالها السياسي.

استمرت التجربة الماركسية بوجود الاتحاد السوفيتي ومنظومة المعسكر الشرقي الذي ضم دول شرق أوروبا لغاية العام 1991، ثم جاءت مرحلة الانهيار السريع والتفكك إلى دويلات انفصلت عن الاتحاد، وبذلك انتهت مرحلة الحرب الباردة مع الولايات المتحدة والغرب.

إن كانت مادية ماركس التاريخية تقوم على صراع النقيضين الذي يؤسس لتقدم التاريخ، هي مادية صحيحة، فإن نهاية الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية، وانتصار الديمقراطية الليبرالية وهزيمة المشروع الماركسي، يعني أننا في مرحلة نهاية التاريخ، ونهاية صراع الطبقات، وأن المرحلة المقبلة سوف تكون صراع الثقافات كما يذكر منظر صراع الحضارات المفكر الأمريكي "صامويل هنتغتون".

أم أن نظرية ماركس الاقتصادية صمدت بعد أفول شمس الاشتراكية، وهو الذي اعتبر أن السوق الرأسمالية لا تضبط نفسها تلقائيًّا، بل تُنتج بفعل تناقضاتها الداخلية أزمات دورية تؤدي إلى انهيارها. فهل هذا ما حصل في الأزمة الاقتصادية المالية العام 2008؟

حسناً، ماذا لو أجرينا مقاربة بين ما يجري في العالم العربي في هذه المرحلة، من تناقضات وتناحر وصراعات بين الجماهير والأنظمة، بين شرائح وطبقات اجتماعية فيما بينها، وبين ما جرى في الحالة الأوروبية خلال فترة تحولها من الإقطاع الزراعي نحو الثورة الصناعية، فماذا ستكون نتيجة هذه المقاربة، وإلى أية استخلاصات تصل بنا؟ إن اتبعنا المنهج الماركسي والذي يعتبره الشيوعيين الصيغة الأرقى في دراسة التحولات الثورية، فإن حالة الصراع بين نقيضين واضحة جلية في الحالة العربية. إذن ما الذي يفسر وقوف معظم الشيوعيين واليساريين العرب في وجه الجماهير، وانحيازهم للأنظمة. ألا يعني هذا أنهم يقفون في وجه التطور؟

هل كان ماركس المفكر والفيلسوف والثوري مخطئاً في نظرية المادية التاريخية التي تقوم على صراع بين نقيضين وهو ما يؤدي إلى تطور وتقدم التاريخ، أم أن معظم اليساريين العرب الفاشلين العاجزين المنافقين اختاروا أن يكونوا خارج التاريخ؟

الأزمة المبكرة

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عمد ستالين إلى ترسيخ نظام قيصري أبوي قمعي يرتكز على الولاء الشخصي وعبادة الفرد في روسيا المنهكة من الحرب. وتسبب انتصار الجيش الأحمر في دول وسط وشرق أوروبا إلى تعزيز سلطة الشيوعيين. وأدت عمليات التطهير التي جرت وطالت الأحزاب غير الشيوعية إلى اضطرابات كبيرة، ظهرت بداية في برلين العام 1953، ثم في بولندا العام 1956 وتم معالجتها بصورة سلمية. ثم في نفس العام واجهت موسكو تحدياً تمثل في الثورة المجرية، حيث تم تشكيل مجالس عمالية مستقلة عن سيطرة روسيا بعد إضرابات عامة واحتجاجات شهدتها المدن المجرية، لكن موسكو تعاملت مع هذه الأزمة بطريقة مختلفة، حيث تم قمع وسحق الانتفاضة بالقوة العسكرية والاعتقالات والإعدامات.

 أدت هذه الأحداث إلى انشقاق مثقفين شيوعين في أوروبا عن أحزابهم وعن توقف عدد من الأحزاب الشيوعية في العالم أمام هذا الحدث، نتيجة خسارتهم لبعض عضويتهم، لكن اليساريين العرب كان الولاء لديهم ضريراَ بحيث لم يتوقفوا عند هذه الأحداث. ولم تستوقفهم جرائم ستالين التي جرى نقاشها في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي العام 1956 أي بعد ثلاث سنوات على وفاة ستالين، حين ندّد "نيكيتا خروتشوف" الأمين العام للحزب بعبادة شخصية ستالين، وأساليبه الديكتاتورية التي جعلت منه طاغوتاً، حيث أقدم على إعدام ونفي مئات الآلاف من معارضيه، وتم الإعلان عن القطيعة مع الستالينية، لكن مع ذلك استمر الشيوعيين العرب في دفاعهم عن مواقف وأفكار ستالين.

ولم يتغير الوضع نسبياً إلا مع اشتداد الصراع الناعم السوفيتي الصيني في ستينيات القرن العشرين، لا سيما خلال المرحلة التي قادها كل من الزعيمين "نيكيتا خروتشوف" في روسيا و"ماو تسي تونغ" في الصين، حيث انتهت الأحادية القطبية، والمرجعية النظرية للحركة الشيوعية العالمية، وصار بالإمكان فتح أبواب السجالات والنقاشات والحوارات الفلسفية والنظرية فيما يتعلق بالفكر الشيوعي برمته، داخل الأحزاب الشيوعية أو فيما بينها. وهو ما أسهم في انتعاش الفكر الماركسي النقدي الغربي، الذي تحرر من سطوة الأحزاب الشيوعية وخطابها الحجري.

ظهور ماريشال البيروقراطية

تم عزل خروتشوف عن زعامة الحزب الشيوعي السوفيتي ورئاسة الدولة في واحد من تجليات الأزمة الداخلية المتصاعدة التي كان يعيشها الحزب، وصعد ماريشال الاتحاد السوفيتي البيروقراطي "ليونيد بريجنيف" لقيادة الحزب.

كانت أزمة الحزب الشيوعي السوفيتي واضحة ومع ذلك استمر اليساريين العرب في التنظير الذي يفيد أن الاتحاد السوفيتي كان حينذاك في مرحلة الانتقال من طور الاشتراكية إلى الشيوعية!. ولم يكن أحداً غيرهم يعتقد ذلك حتى أعضاء الحزب الشيوعي السوفيتي. كما واصل اليسار العربي نشر النظرية البائسة حول مقدرة الدول النامية – ومن ضمنها الدول العربية- على التطور غير الرأسمالي، بواسطة دعم البرجوازية الصغيرة الراديكالية، وهي غالباً تعني دعم الانقلابات العسكرية في العالم العربي.

لقد قضى قيام جيوش حلف وارسو بسحق انتفاضة براغ العام 1968، على كل أمل للإصلاح داخل الحزب الشيوعي السوفيتي وداخل مؤسسات الدولة، وأدى هذا الفعل إلى اعتراضات من عدة أحزاب شيوعية أوروبية، لكن الولاء المطلق لموسكو أبداه اليساريين العرب وأحزابهم، وبعض القوى الشيوعية في دول العالم النامي. وما زال للآن الكثير من غلاة اليساريين العرب يعتبر أن أي نقد للأرثوذكسية السوفيتية يعود إلى واحدة من اثنتين، إما مؤامرة امبريالية، وان صدقت النوايا فهو مرض المراهقة اليسارية. حتى الثورة الثقافية في الصين نظر لها اليساريين العرب على أنها إجراء وقائي من خطر الرأسمالية. ومن المفارقات أن صعود "دنغ شياو بينغ" بعد وفاة ماو تسي تونغ في العام 1978 شكل انعطاف حاسم في توجه الصين نحو الرأسمالية في ثمانينيات القرن الماضي، وهي التي جعلت الصين على ماهي عليه الآن.

ومع كل التطورات وتصاعد الأزمات الداخلية في الحركة الشيوعية العالمية في السبعينيات، لم يرغب أحد في التوقف والتقييم. لقد كان معظم الأحزاب الشيوعية العربية مصابة بعمى عقائدي حال دون أن تدرك أن ميزان القوى العالمي يشير إلى انحسار الأيديولوجية الماركسية وتحولها من كونها أداة التغيير الثوري، إلى حالة من البيروقراطية وعبادة الفرد الزعيم منذ منتصف السبعينيات.

وحين انهار جدار برلين العام 1989 وسقطت الأنظمة الاشتراكية، تسابقت شعوب دول أوروبا الشرقية التي كانت تحكمها أنظمة يسارية، إلى تبني الرأسمالية والاستمتاع ببعض منافعها، واقتنعت شعوب أوروبا الغربية أن النظام الرأسمالي مهما كان سيئاً فهو أفضل من جنة الاشتراكية.

ماذا حل بالشيوعيين العرب

في مرحلة ما بعد انهيار المعسكر الشرقي، بعض اليساريين العرب تمسك بشيوعيته مسروراً، ومعظمهم ارتد إلى الأفكار القومية المتطرفة أو الدينية المتشددة، والقلة اليسيرة منهم تبنوا الليبرالية المدنية الغائمة المائعة الملتبسة. أما اليساري الكلاسيكي فهو منكفئ عن الجميع، يتأمل حائراً في عزلته هذا الواقع العربي بأبعاده المختلفة، التي لا يجد هذا اليساري في الكتب التي قرأها ما يكفي لفهم وتحليل الارتدادات الطاحنة للمتغيرات المهمة التي يشهدها هذا الواقع خلال العقدين الأخيرين.

فخلال السنوات الثلاثين التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الثانية، كان اليساريين العرب مؤمنين أن تحقيق الانتصار على الرأسمالية مسألة وقت، وأن الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في الدول الغربية قادرة على تحجيم الرأسمالية ثم تفتيتها.

ولم يدرك اليساريين العرب كما غيرهم أن الفكر اليساري كان يعاني من أزمة عميقة المنشأ، متشعبة وشائكة، اشتدت حدتها بعد سقوط النظام الاشتراكي، وهيمنة الأيديولوجية الليبرالية الحديثة على العالم.

لا يمكن ليساري حقيقي، الإنكار أن الأزمة المركبة التي أصابت الاتحاد السوفيتي وبقية دول المنظومة الاشتراكية، وانتقلت عدواها إلى الأحزاب الشيوعية في بقية أنحاء العالم بما في ذلك الأحزاب العربية، كانت أزمة عميقة وجادة وخطيرة في البنية والقيادة والتطبيق والأدوات والنقل وسفر النظرية وتصدير الثورة والعلاقة بين الاتحاد السوفيتي وبقية دول المنظومة، وبينه وبين الأحزاب اليسارية، وبينه وبين الحزب الشيوعي الصيني. لكن أولوية التصدي للرأسمالية الاستعمارية وتغولها في أماكن مختلفة من العالم، والتأييد غير المشروط للحزب الشيوعي الروسي ومواقفه ورؤيته للصراع في العالم، أعاق اليساريين العرب عن التوقف لحظة والتقاط الأنفاس، وإجراء نقد عميق وحقيقي للتجربة ومقاربتها وتحليل نتائجها، والجواب على السؤال المركزي فيما إن كانت الاشتراكية والنظرية الماركسية تتوافق مع الواقع العربي بكافة أبعاد مشهده المعقد الشائك والمتداخل الذي يختلط فيه الدين بالأعراف، والجهل بالعالم، والأساطير بالحقائق، ويتسم بالسكينة وغير معتاد على أفكار تأتي من خارج موروثه الثقافي، ولا تساءل اليساريين العرب إن كانت الاشتراكية تنسجم مع غاية نضالهم وأهدافهم التي يسعون لتحقيقها، ولم يمنحوا أنفسهم فرصة الاطلاع على الأفكار والأدبيات اليسارية المخالفة للرؤية الشيوعية الروسية. وإن ظهرت بعض المقاربات السطحية حول البيروقراطية الستالينية على سبيل الذكر، والتنديد بجرائمه بحق المعارضين. ومر البعض على الأدبيات التروتسكية مروراً، والبعض كان أكثر جرأة في التناول النقدي للتجربة اللينينية ومجمل أحداث الثورة البلشفية. ومما أسهم أيضاً في إحجام اليساريين العرب عن المضي بعيداً في نقد التجربة الروسية، هي شبكة العلاقات الرفاقية التي كانت تجمعهم مع الشيوعيين في العالم أفراداً وأحزاباً ومؤسسات ونقابات.

انحسار اليسار الأوروبي

في القارة الأوروبية معقل الرأسمالية والبروليتاريا، تواجه الأحزاب اليسارية خطر الاندثار، حيث كانت المنافسة تاريخياً في الدول الأوروبية الغربية بين الأحزاب اليمينية الوسطية، وأحزاب اليسار الوسط، وهي أحزاب ديمقراطية اجتماعية، ولكن تغير الحال خلال السنوات الأخيرة، إذ تكبدت هذه الأحزاب خسائر انتخابية كبيرة لصالح الأحزاب اليمينية المتطرفة، في عدد من الدول الأوروبية وأبرزها في فرنسا وهولندا وألمانيا وإيطاليا والمجر وسلوفينيا والنمسا والسويد والدانمرك.

كثيرة هي الأسباب التي أدت إلى تراجع اليسار في أوروبا، لعل أهمها اختفاء الطبقة العاملة بصورتها التقليدية، والأثر الذي خلفه انهيار الاتحاد السوفيتي على مجمل الأحزاب اليسارية العالمية، والانقسامات الداخلية في هذه الأحزاب نتيجة الخلافات على قضايا غالباً غير مبررة، وغياب الشخصيات القيادية التي تتمتع بالكاريزما عن الأحزاب اليسارية، ثم أن العديد من تلك الأحزاب تحول تدريجياً خلال العقدين المنصرمين من اليسار إلى الوسط، وهناك أيضاً الأثر الذي تركته العولمة والنظام العالمي الحديث بعد الثورة الرقمية، النظام الذي كسب أنصاراً له على حساب الأيديولوجيات ومفهوم العدالة الاجتماعية. ومن الأسباب المهمة أيضاً لتراجع الأحزاب اليسارية الأوروبية، تمدد الأفكار اليمينية في المجتمعات واتساعها، وقدرتها على اكتساب المزيد من المؤيدين، الذين استطاعت القوى اليمينية المتشددة من استقطابهم عبر دغدغة مشاعرهم القومية، واستغلال الوضع الاقتصادي السيء في عدد من الدول الأوروبية، ثم ظهر خلال السنوات الأخيرة عامل جديد مرتبط بالموقف من الهجرة ومن اللاجئين في هذه الدول، إذ أن عدد الناخبون الأوروبيون الذين يعارضون الهجرة في ازدياد، وهؤلاء لا يعتقدون أن اليسار قادر على وقف الهجرة أو الحد منها.

ولا تستطيع الأحزاب اليسارية الأوروبية أن تجري تغييراً جذرياً في خطابها ومواقفها، وبات من الواضح أنها لا تمتلك الجرأة -للآن- على نسخ وتبني الوصفات والمقاربات القومية المتشددة لليمين العنصري، لأن من شأن هذا لو حصل، أن يكون له آثار اقتصادية على المجتمع، وفيه تناقض صارخ مع قيم العدالة الاجتماعية، وسوف يؤدي إلى سقوط أخلاقي تام لهذه الأحزاب.

يسار جديد

منذ سقوط الاتحاد السوفيتي وكثير من المفكرين اليساريين طرح قضية "يسار جديد"، فهل نحن فعلاً بحاجة إلى يسار جديد، وما الذي فعله اليسار القديم حتى نراهن على آخر جديد؟

بظني أن الناس كانت وماتزال تخوض صراعها للحصول على حقوقها بدون حاجتها لليسار، فالناس قبل الشيوعية كانوا يدافعون عن مصالحهم وهويتهم وحقوقهم، وسوف يظلون هكذا بعد انهيار الاشتراكية. ناهيك عن أن لا أحد الآن في هذا العالم يفكر ويناضل من أجل استبدال النظام الرأسمالي بأخر اشتراكي، ثم أن الكثير من القضايا المطلبية التي تناضل من أجلها اليوم الهيئات والمنظمات والجماعات، لا تحتاج مطلقاً أن يكون الإنسان خبيراً بالمادية الديالكتيكية.

من جانب آخر يلاحظ اندثار المعاني الكونية الأممية للفكر اليساري، الذي كان يجعل الناس في أفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا وأوروبا شركاء في الصراع ويتضامنون فيما بينهم. جميع الصراعات في الوقت الراهن تأخذ طابع المحلية، وتكون مقتصرة على قضايا محددة، ليس لأن القضايا الكبرى التي آمن بها اليساريين وغيرهم من المفكرين والمثقفين لم يعد لها وجود، إنما لم يعد هناك صراعاً يمكن قياسه بلغة اليسار الماركسي، واختلطت مسببات وغايات الصراع وتعقدت، بحيث أنك أصبحت تتحالف مع أحد يساري على قضية ما، ثم تتصارع معه على قضية أخرى، إذ لم يعد هناك معيار مرجعي.

في العالم العربي لم يعد لليسار أي دور في المشهد السياسي الذي تسيطر عليه قوى سياسية فاعلة شديدة التأثير في المشهد من خارج أطر الدولة، وهي التي تحدد هوية الصراع، مثل الشركات العملاقة عابرة القارات متعددة الجنسيات، والمنظمات المدنية الأممية، وكذلك القوى وجماعات الإسلام السياسي. وفي مجتمعات تتسم بالتعدد القومي والعرقي والطائفي والمذهبي يصبح الفكر اليساري أشبه ما يكون بقبعة أكثر منه انتماء وأيديولوجيا، حيث يُقدم عليه العديد من أبناء الأقليات العرقية العربية لارتدائه كدرع واق في مواجهة الأغلبية التي يجمعها عرق ودين ومذهب واحد.

آمن ماركس بأن مهمة الفلسفة تغيير العالم، لكن الفكر اليساري لم يعد صالحاً لرؤية العالم ولا فهمه وشرحه ولا تغييره، وأصبح الفكر الماركسي بمثابة موروث نضالي وقيمة ثورية يتم الاحتفاظ بها في صندوق نعود إليه حين يغلبنا الحنين.

لم يعد الصراع السياسي بظني بين اليسار واليمين، ولم يعد التمييز قائماً وواضحاً بين اليمين واليسار كما كان أيام الثورة الفرنسية، فاليوم نرى أصحاب فكر يساري وأصحاب فكر يميني يجتمعون على مواقف عديدة في هذا العالم.

قيادة معصومة

لا زال اليسار العربي -أحزاباً وأفراداً- عاجزاً عن القيام بمقاربات نقدية حقيقية لتجربته، وللتجربة الشيوعية التي انهارت في موطنها، فيما يظهر اليساريين العرب أشبه باللاهوتيين في مقاربتهم للماركسية ولبعض الأفكار التي لم تعد ترتبط بواقع الناس في ظل التغييرات والتحولات العالمية، ولا يزال هذا اليسار متخبطاً حائراً، دون مقدرة على صياغة مشروعه السياسي في ظروف تاريخية عاصفة هائجة تموج في البحر العربي، وتهدد حاضر ومستقبل المنطقة وشعوبها.

البعض من المفكرين الماركسيين أشاروا بوضوح إلى المأزق الذي وصل له الفكر الماركسي في مرحلة ما قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث أصيب بالجمود نتيجة قناعة الماركسيين بأن الفلسفة الماركسية ألغت ما قبلها من فكر فلسفي، ولم تتمكن أية فلسفة أخرى من التفوق عليها. هذا تماماً جوهر الخطاب السلفي، وهنا يلتقي هؤلاء اليساريين في خندق واحد مع الأصولية الدينية التي ترفض التحديث والتنوير.

اليسار العربي، وخاصة قيادته ورموزه لم يتمكنوا من فهم واقعهم سابقاً وقراءته قراءة صحيحة، واليوم هم أنفسهم لم يغادروا مربعهم، وبالتالي عاجزين ما زالوا عن مقاربة الواقع الراهن، ورؤية التحولات الهائلة التي حدثت في العالم خلال ربع القرن الأخير، ولم يكلف أحداً منهم نفسه بالاطلاع على الفكر والفلسفة الحديثين.

الكارثة أنهم القيادة نفسها التي كانت تؤمن وتنظّر بأن الاتحاد السوفيتي السابق في طور الانتقال من الاشتراكية إلى طور الشيوعية، في ثمانينيات القرن العشرين، بينما كان الفكر الماركسي وأحزابه يعانيان من أزمات عميقة، هؤلاء المحاربين القدامى اليساريين الذين تربعوا على قمة القوى والأحزاب اليسارية العربية طيلة نصف قرن، ما زالوا غارقين في أوهام إمكانية لوي عنق التاريخ وإرغامه على العودة إلى الوراء.

أدركت شعوب الأرض أن للرأسمالية الامبريالية جانبها المضيء، اعترف اليساريين بهذا أم رفضوا. وفي عصر التقنيات الحديثة والثورة المعلوماتية والرقمية الذي أصبح واقعاً حقيقياً وليس افكاراً راقدة في الكتب، على اليساريين العرب أن يدركوا هذه الحقيقة ويقوموا بإجراء مقاربات واقعية معها. في الراهن الزمني لم يعد مطلب تغيير العالم مهمة الطبقة العاملة التي فقدت ملامحها في الغرب، نتيجة التغيرات والتطور في وسائل الإنتاج والتحولات الاقتصادية والاجتماعية.

في هذه التحولات أرى أنه من الفطنة ملامسة الواقع بصورة حقيقية هذه المرة، وتقديم قراءة جديدة تسهم في بلورة رؤية مختلفة، ومن ثم صياغة أهداف تتوافق مع التغيرات العالمية، وتحظى بواقعية والتفاف الناس حولها، مثل قضايا الديمقراطية والحقوق العامة ومواجهة الاستبداد السياسي للأنظمة، والديني للحركات المتطرفة، والدعوة لبناء الدولة المدنية التي تكفل قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

لا مهرب من الاعتراف بأننا

لم نعد نلحظ أي نشاط وفاعلية وتأثير للأحزاب والقوى اليسارية العربية، ولم يعد لها أي دور سياسي ولا اجتماعي، وستظل هذه الأحزاب في انسحال اندثاري ما لم تدرك طبيعة التحولات العالمية التي بدّلت الطابع الاجتماعي للبشر، وكلما تأخرت ومكثت أكثر في مثلث الكتب والنظريات الفلسفية، والغرف المغلقة، وحالة الاغتراب عن الجماهير، كلما تراكمت فوق مفاصلها المتغيرات، إلى أن يأتي يوم -ليس بعيداً كثيراًـ سوف تصاب فيه هذه الأحزاب بالشلل التام قبل أن تصبح شيئاً من الماضي البهيج.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

صالح الرزوقبقلم: ستافروس د. مافرودياس*

ترجمة: صالح الرزوق

شقت ما بعد الحداثة في العقود الأخيرة طريقا لها نحو حقل الاقتصاد. وهذا ليس غريبا لأنها تضع بعين الاعتبار أن للاقتصاد أولوية في دراسة العلاقات الاجتماع اقتصادية لأنه أساس جوهري في اقتصاد ما يسمى خطابات الحداثة (الكلاسيكية الجديدة، الماركسية، إلخ...). ولكن من الصعب أن تصنف اتجاهات اقتصاد ما بعد الحداثة، لأن هذا التصنيف بمعنى من المعاني، هو "بعد حديث" ومختلف بأصوله وتحليلاته ومجاله. وقد اقترح سكريبانتي (2000)* انطلاقا من رؤية بعد حداثية، تصنيفا خاصا به. وأكد أن كل النظريات الاقتصادية السابقة( الكلاسيكية، الماركسية، والكلاسيكية الجديدة) هي حداثية لأنها تشترك بنفس الافتراضات، فهي:

1- أنطولوجيا إنسانية، ذلك أن الاهتمام الشاغل للعلوم الاقتصادية يشمل "الوسيط العقلاني" وهو الذات الفاعلة في العمل الاجتماعي. وتقترح الكلاسيكية الجديدة الإنسان الاقتصاديhomo economicus ، بينما تقترح الماركسية النشاط البشريhomo faber .

2- نظرية قيم مادوية، ذلك أنه وراء مشكلة الأسعار الظاهرة (بالمصطلح الماركسي للظواهر) يوجد دوافع وأسباب حتمية خفية، وهي القيمة (جوهر أو مادة). وبالنسبة للكلاسيكية الجديدة، هي قيمة الميول الذاتية؛ ذلك أنه بالنسبة للماركسية والكلاسيكية، هي القيمة الموضوعية للعمل.

3- تحليل التوازن.

4- ما وراء السرديات الخاصة بالجنس البشري، حيث يسود اعتقاد أن الذات الإنسانية قادرة على قيادة الواقع باتجاه هدف كوني يمكن استيعابه منطقيا.

وبالنسبة لسكرابانتي يمكن تلخيص كل ذلك في توأم الخطيئة الأصلية: وهما الحتمية والجوهرية. فأفضل أمل برأيه لإعادة بناء الاقتصاد موجود في التيارات المختلفة التي تتضمن باقة  ناشئة من اقتصاديات ما بعد الحداثة . وهي تشترك  في رفض توأم الخطيئة الأصلية هذا. ويضع في هذا الحقل  المدرسة النمساوية الجديدة،  وأساليب معالجة الأنظمة المعقدة، وما بعد الكنزية. ثم يضع المؤسساتية الجديدة وما بعد الماركسية في حقل آخر ينم عن التفاؤل والتبشير. ومن السهل أن تفهم أنه يهدف لبناء مؤسسة جديدة، وهي على ما يبدو تحتوي  كل الاتجاهات المختلفة تقريبا. وينفي سكريبانتي بلا تردد عن المؤسسة الكلاسيكية الجديدة أنها تمثل  ميول ما بعد حديثة محدودة فقط. ويؤكد أن المؤسسة الراديكالية الجديدة هي نتاج لجهود تأتي من اقتصاديات الماركسيين وما بعد الكنزيين وناشطي المؤسسات التقليدية، وهي كلها ضد القداسة الأنطولوجية الأصلية لتقاليدهم، ومتقبلة لرؤية تشاركية جديدة. وأساسها أنطولوجيا ضعيفة وجديدة تعتمد على ملاحظة الناس، حيث أن الأفراد يكونون وسائط مقصودة ولكن لديهم عقلانية  وانضباط، أو أن أساسها مؤسسات هي أخطاء تبسّط اختيارات البشر وترعى تثبيت العلاقات الاجتماعية. وباتجاه مماثل، ذكر غرانيت (1999) أن ثورة ما بعد الحداثة في الاقتصاد ترتكز على حوار متعدد الأطراف بين المؤسسات الماركسية والشيوعية. وجدول هذا الحوار ينطلق من رفض نظرية قيمة العمل واستبدالها "بالقيمة الاجتماعية" التي قامت على المؤسسات الاجتماعية العارضة (النقود، الثقافة، إلخ...). وذلك حسب رؤية ميروفسكي (1991) لبنية المؤسسة. ولو هناك شيء بحاجة مؤكدة للتفكيك، فهذا تجده في مخطط سيكريبانتي.

لقد تسرع في خلق وسيط لثورته الاقتصادية الجديدة - وهو وسيط أكثر راديكالية من ثلاثة أنماط سابقة (الماركسيون الكلاسيكيون، الهامشيون، والكنزيون) - وذكر اتجاهات مختلفة تماما ووضعها في ما بعد الحداثة.  بعض الاتجاهات كانت غير هامة وتعمل مثل الترويج لمساحيق تجميل وليس مثل "وسائط" حقيقية. وكان أيضا متسرعا في خلق "العدو". وعليه، وضع معا تحت معاييره الحداثية الأربع: الكلاسيكيات، الماركسية، والكلاسيكية الجديدة بغض النظر عن الفروقات التي لا يمكن غض النظر عنها.

أولا، المفهوم الماركسي عن العمل الاجتماعي (و لحد معين الكلاسيكيات) لا يمكن تخفيضه إلى عمل بشري لأنه قريب من الإنسان الاقتصادوي الكلاسيكي الجديد. وأرى أن سكريباني يرتدي بلا مبرر الماركسية بحلة أفراد ينتمون للكلاسيكية الجديدة وذلك بدوافع شخصية. وفوق ذلك، كما سنرى أدناه، إن ما بعد الحداثة تشترك بالكثير مع استقلالية أفراد الكلاسيكية الجديدة.

ثانيا، ديالكتيك الماركسية بين الشكل والمضمون ونظريته الموضوعية عن قيمة العمل لا علاقة لها بتجريدات الكلاسيكية الجديدة ونظرية التوظيف الذاتي للقيمة اللتين تفتقران للمضمون (انظر مافرودياس: 1999-أ).

الأول يضفي مادة على فضاء الانتاج وشكلا على فضاء الدورة الطبيعية. ويوظف التجريد للانتقال من ظاهرة يمكن ملاحظتها (فضاء دورتها الطبيعية) إلى مسبباتها غير المرئية (في فضاء الانتاج). وبالعكس، إن نظرية استعمال القيمة تتأرجح بين الأسعار والأذواق الفردية. ولكن ينقصها التفريق الواضح بين الفضاءات، وإن تجريداتها تكون حقا بلا محتويات لأنه هناك تجد مشاكل معروفة جيدا تواجهنا خلال تعريف أو تحديد معنى وشكل الوظيفة. أضف لذلك، أن منهجية التجريد الديالكتيكي تكون مختلفة راديكاليا عن التجريد النشيط (الفعال أو الموجب). وأخيرا، ولكن ليس آخرا، إن الاقتصاد الكلاسيكي الجديد توقف من فترة طويلة عن استعمال أي نوع من أنواع نظرية التوظيف. وما أن باشر مفهوم الانتاجية الهامشية لم تعد هناك حاجة لمرجع يحيل إلى أي نظرية عن القيمة (انظر غراهام 1998).

ثالثا، إن نقد سكريبانتي للتوازن مناسب على وجه الاحتمال لأنماط التوازن العامة في الكلاسيكية الجديدة ولكنه ليس ذا علاقة مع استخدام الماركسية لتحليل التوازن داخل مجال عمل النماذج الديناميكية.  والاقتصاد الكلاسيكي الجديد يقلل من ميول الاقتصاد للتوازن. وعليه، يفترض أن تحليل التوازن يعكس آلية الاقتصاد الحقيقية. وحتى إن معظم نماذج اللاتوازن الكلاسيكية الجديدة هي ببساطة نسخ دقيقة وحساسة من هذه المقاربة. وبالمقابل، إن تحليل الديالكتيك الماركسي يستعمل التوازن بمعنى مختلف تماما. ويعكس مراكز جاذبية طويلة الأجل (بمعنى قوى توازن) ظهرت نتيجة نظام في اللاتوازن. ولكن التوازن ليس قضية حقيقية، وإنما العكس. وتعامل ماركس مع علاقة القيمة - السعر لها معايير: فالقيم تحدد الأسعار(وهي لفترات طويلة مراكز جاذبية للأسعار). ولكن التسعير في الحقيقة لا يتوافق معها فعليا. ومنه، حيثما بحثت أنماط الكلاسيكية الجديدة عن توازن مفترض مسبقا (استقرار)، إن النماذج الماركسية تحلل بالعادة الأزمات والاضطرابات (اللاثبات وعدم الاستقرار).

وأخيرا، انتهى سكريبانتي إلى ما وراء سرد من عندياته: قدم لنا فكرة اقتصاد بعد حديث بشكل مشروع تحليل راديكالي للاقتصاد يستوعب ويعكس ضمنا أخطاء ما قبله. وبمقاربة أكثر توازنا تكشف أنه هناك أساس ضعيف ولكن شائع ويخدم مختلف اتجاهات الاقتصاد بعد الحديث.  وهذا يتوفر في رفض (أو إضعاف راديكالي) للسببية، أو أولويات الخطاب، ورفض ( أو إضعاف راديكالي) لفكرة البنية. وهذا يدعمه استعادة لفردانية منهجية أو مؤسساتية.  ويمكن تصنيف طرق ما بعد الحداثة في الاقتصاد في ثلاث فئات نظرية عريضة:

1- اتجاه في وسط الطريق، مرتب في قطاع الاقتصاد السياسي الثوري حول بقايا بعض النظريات الأحدث "متوسطة المدى" وغير الأرثوذوكسية: الضبط ( أغلبتا 1979، لايبيتز 1983)، والتخصص المرن ( بيور وسابيل 1984).

2- تيار مشتق من التقاليد الألتوسيرية (أماريغوليو وروكيو 1994، كالاري وكولينبيرغ وبيوينير 1994).

3- مضيفون يأتون من الكينزية وما بعد الكنزية والنظم المؤسساتية، ولكنهم أيضا خليط من تيارات كلاسيكية جديدة (صامويلز 1990، 1991، ميروفسكي 1991، مكلوسكي 1985، كالمير وماكلوسكي وسولو 1998، واينتروب 1991).

 

..........................

* المقصود هو سكريبانتي E. Screpanti ودراسته عن أزمة ما بعد الحداثة المنشورة عام 2000 في مجلة Rethinking Marxism  ، مجلد 12، عدد 1. 

ستافروس د. مافرودياس Stavros D. MavRoudeas يعمل في قسم الدراسات الاقتصادية، جامعة مقدونيا، سالونيك، اليونان.

 

 

الوعي هو اعمال العقل في جميع شوؤن الحياة، بل هو غائية الوجود. فهذا ديكارت يثبت الوجود الانساني بمقولة" انا افكر اذا انا موجود"، اما انسان العصر فيقول" انا استهلك اذا انا موجود" وشتان بين الوجودين.

فلا يشك عاقل في ان التحلي بالوعي بات ضرورة ملحة، فالكوارث التي نحياها والهزائم التي نكتوي بنارها انما هي بسبب غياب الوعي المناسب للتحديات المفروضة والامال المعلقة.

فنحن اليوم نعيش حالة من التأزم على مختلف المستويات سياسيها واجتماعيها واقتصاديها وفكريها، إلا أن أقل الأزمات عناية بها أزمتنا على مستوى الفكر والوعي، فبلد كالعراق بضخامة موارده، واستراتيجية موقعه، يستغرب المرء من تأزم حاله وتردي أوضاعه، كما أن أغلب الحلول تتجه إلى معالجة أعراض الداء دون أصله، فسبب وصولنا لهذه الحالة من التزعزع والاختلال ليس الصراع على السلطة، وإنما سببه قلة الوعي.

ولذا شكا الغزالي من غياب الوعي عند الامة، فقال: الضمير المعتل والفكر المختل ليسا من الاسلام في شيء، اذ الغباء في ديننا معصية.

ولكي يباع الغباء ويسوق الشقاء يكفي ان نجد لذلك صيغة. هكذا غنى الغرب سمفونية الحداثة على وجه القمر.

والشمس التي رافقت ابن رشد الى ان تجاوز وادي الشرق الكبير تركته في مغيب الغرب يغرق في التنوير ويتمتع بنعومة الحداثة السائلة.. جعلته يحاور الوجود بلغة الوعي، ولذلك يتعين علينا استعادة هذه اللغة ومنحها الكلمة من اجل الشهادة على جرائم التيار الظلامي الذي قام بتخريب روح العصر. فقد ظل سؤال الوعي مقلوبا لان العدمية مزقت الكينونة ولم يعد الوجود سوى مصدر للوهم والفزع.

   ففي عالم مشحون بظواهر الظلم التي تمزق كبد العاقل كما يتمزق قلب المؤمن من دلالات الفسوق والتفريط في المقدسات على مذابح الشهوات، يستهلك الضمير ويصبح العرى الفكري والأخلاقي سمة العصر بامتياز.

تحول العالم إلى لعبة كونية خطيرة تحكمها القوانين السائلة ونهايات اللايقين.  بيع الضمير العالمي في العلن، وحين سرق رغيف الجوع اجمع الساسة على استباحة طينه واجزموا بمصيره إلى سجون العذاب.

وها هي الارض تفرش عناءها على منصة الزمن تتقصى خطى الضمائر وتحمل الإنسان فينا أمانة.

فحين رمى عقل الحداثة الغربية موقفه من الوجود استيقظ نتشة قائلا:

أين الإله؟ أنا سأقول لكم ذلك! لقد قتلناه أنتم وأنا!! لكن كيف فعلنا ذلك؟ ألم نندفع في منحدر لا قرار له؟ ألسنا نتيه صوب عدم لانهائي؟

لذلك تبدو العودة إلى مراجعة الوعي بالذات ضرورة ملحة لبحث جذور الازمة التي نعانيها.

فمعظم الرؤى والتصوران التي يتبناها خطابنا الفكري متطرفة وغير مكتملة بل ومثيرة للسخرية..

 لذلك بقيت انسانيتنا مهدورة من قبل الطاغية المتسلط. وهذا كله تحركه الخلفية المعرفية للغرب بكافة ابعادها السلطوية وتغذيها النزعة الامريكية العابرة للقارات.

وهكذا نتيجة الشعور بالياس يحاول وعينا المؤدلج ان يخضع حياتنا للمصادفة وينفي لدينا الشعور بالمسوؤلية والوعي بحقيقة الوجود.

كل هذا ادى الى انهيار المستقبل ذلك البعد الانساني المهم واصبحنا نحكم الظن والاحتمال.. وهذا ما يفسر عداواتنا وحروبنا الطائفية وقلة وعينا وحيلتنا وهواننا على العالم.

هكذا تنتصر العقلية الامريكية وايديولوجياتها... اما نحن فبقينا نجتر نفايات الفكر الغربي ونعمل على تسويق بضاعته المستهلكة. ولو تم رفع هذه الوسائل والتقنيات لانكرنا الزمن ذاته ولثبت شرعا وعقلا اننا لا نستحق العيش.

فمن دموع ضحايا القتل والتهجير تغتسل الحرية لتصلي صلاة الغائب على العقل الشرقي..

من دماء الشهداء والمعذبين ترسم خارطة العرب والمسلمين... من حيرة المثقف الناظر في وجه السياسة البغيض يكتب مستقبل الامة..

كما ان واقعنا الغائب اللاجيء الى الغرب مرجعيتنا فيه جحافل النازية وخليفتها الفاشية، نتقمص على اسواره بشاعة الشوفينية ووظاعة الليبرالية الصهيو أمريكية...

ونحن في وسط هذا التيار العنيف نتنفس الالم من بشاعة الكوارث التي سببتها اسطورة اللاوعي المدمر.. فمن الصعب ان نعقل في حضارة الجنون الوحشي المستعر.

ونحن امام المسرح العالمي المخيف نشاهد على خشبته الاحداث المرعبة من تطرف وعنف وارهاب... جماعات وعصابات منظمة وممولة لاثارة الفتن والمشاكل، شركات احتكارية عابرة للقارات، شعوب مهددة بالابادة والتهجير.

وهكذا تتبدد أوهامنا في قصة الحضارة، حتى النظام الأخلاقي والروحي تزيحه فوضى اللاحتمية، فالكون عقلاني بنسبة ضئيلة جدا.

اما التقنية والتكنولوجيا المعاصرة والتي افلتت من كل السلطات بدأت تستهدف جينات الانسان الحقيقي ، تستهدف كل ما هو اخضر وجميل..

وليس مستغربا ان يكون التكبر والتجبر والظلم شعار الأخر، لكن المستغرب والأغرب وعينا المعطل بحقيقة الواقع. نغني الحرية وصدورنا تتشظى أنينا من أعظم أنواع القهر والأسر والعبودية. تنهشنا وحشية الإيديولوجيات بأفكارها الهدامة المحظورة إنسانيا. والتي لا يمكن النيل منها وكشف أسرارها وأبعادها ومخططاتها إلا عندما نحمل شعار " فلنتفكر" بمداد " العقل والايمان"، الوعي والانسان.

إذا نحن بحاجة الى الوعي روحيا وماديا لنتمكن من اليات النهوض، نستثمر الذات الانسانية في الوجود فنتوسع داخل فلك الحضارة.

وبذلك نتخلص من حتمية السقوط والانحدار الى حتمية النهوض في مسار الحياة العالمية.

هذا التحول يتزامن مع رؤية عقلية عالمية تمتلك بصرا حادا يغوص في الاعماق لينتشل سر كينونتنا الغامض ...

خاصة ان الوعي حالة من الاستنفار العقلي والذهنية الثائرة التي تتجاوز الاعتبارات الظرفية إلى رحاب المسائل الكلية..

إن الوعي الحقيقي هو ذلك المرتكز على الشمولية والعمق التفسيري, إنه ذلك الذي يبحث عن النواميس والسنن الناظمة لهذا الكون, ويربط بين العلل ومعلولاتها.

نعم العقل الواعي القادح لزناد فكره لا يملك تجاهل دهشته ومناهضة حب الفضول المغري باقتحام المجاهيل ومقاومة التوق الجبلي نحو سبر أغوار الأشياء ، لكن ان لم يضبط ويقنن فمصيره إلى التيه والتخبط.

فطعم الحقيقة المطلقة أسعد وألذ من طعم الحيرة المعذبة مهما طرء على الحيرة من التمجيد.

 إنها دعوة للخروج بالعقل الغربي من ازمة اللاوعي، حين يكون العقل انتقائيا حين يكون عقلا للاحتلال، والبحث الدؤوب عن عقلنة التوسع من أجل السيطرة والأسواق، بل حين يتحور العقل إلى ملكة وأداة باعثة على التدمير والتخريب.

ولهذا فان علينا أن نسعى دائما إلى تفحص برامجنا وقراءة أحوالنا وإقامة علاقات نقدية مع ذواتنا ومع العالم.

لنقلب صفحات العالم ونقراها من جديد علنا ننتج في قاموس الحضارة. انبعاث ونهضة تحتضن الحياة وتجعل من الإنسان وعيا جديدا يحتمل سعة العالم اللاواعي اللامنتمي وثقله المطرد... لا بد من تحديد بعدنا الذاتي في ارض الواقع، وننسى أثرنا المعكوس تحت الوصاية سنين طويلة.

 لنتذكر ان مصادر طاقتنا موجودة في منظومتنا الفكرية. فنشهد عندئذ وعي وانسجام تام مع سائر مفردات الحياة.

لنتذكر اخيرا اننا امة واعية قادرة على النهوض رغما عن جميع ما يعتريها من عارض المحنة الحاضرة.

 

ا. م. د. سامي محمود ابراهيم

رئيس قسم الفلسفة/ كلية الاداب/ جامعة الموصل/ العراق

 

وليد كاصد الزيديبدأ جاري بالقول: هل تؤمن بالروح؟ أنا أشكك في وجودها.

أجبته: أنا أؤمن بها كما جاء بها القرآن، وهي التي لم تنكرها الاديان السماوية كالمسيحية واليهودية.

فالمسيحية ترى الروح هي الكينونة الخالدة للإنسان، وأن الخالق بعد موت الإنسان إما أن يكافئ الروح أو يعاقبها، وفي العهد الجديد من الكتاب المقدس وعلى لسان السيد المسيح ذكر الروح وشبهها برداءٍ رائعٍ أروع من كل ما كان يملكه الملك سليمان.

أما لدى اليهودية فإن أهم تفاسيرها هو "كبالا" Kabbalah، الذي قسّم الروح الى ثلاثة أقسام، ويرى البعض أن هناك تشابهاً كبيراً بين هذا التقسيم، وما سار عليه "سيغموند فرويد" في وصفه لللاوعي حينما قسمه إلى الأنا السفلى، والأنا، والأنا العليا.

قاطعني متلهفاً، وكأنه نصب لي فخاً لأقع فيه، قائلا: ماذا قال عنها القرآن؟

قلت له: هنالك عدة آيات عن الروح في القرآن تثبت وجودها، منها: قول الله " فاذا سويته ونفخت فيه من روحي ".

عاد ليقاطعني: أسألك تحديداً عن ماهية الروح في القرآن.

فعرفت ما يروم اليه، وأجبته دون تردد، يجيب القرآن عن سؤالك: " ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ".

فابتسم صاحبي، وهو يقول: هذا يعني أن ماهية الروح غير مُعرّفة في الاسلام ولاسيما في كتابه.

رددتُ عليه: ألستَ تؤمن بأّن الكثير من الاشياء يكشفها العقل والمنطق وليس فقط الماديات الملموسة؟

قال: بلى.

فأردفتُ في حديثي: هل تذكر جيداً حوارنا الأول عن الامام علي وصاحبك باسكال؟

قال: أذكر ذلك جيداً، ومازلت أحمل صورة طيبة عن شخصية (علي) من خلال حجته التي سبقت باسكال بعدة قرون، وما أرسلتَ لي من حكم رائعة له.

فقلتُ له: حسناً، مادامت لديك قناعة بهذه الشخصية فدعني أروي لك ما قاله للملحدين في زمانه حينما سألوه عن الله، فتطرّق في حديثه الى الروح أيضاً.

قال: كلي آذانٌ صاغية، فأنا أستمع لك.

بدأت بالقول: سأل الملحدون الدهريون الامام علي:

في أيّ سنة وُجـِد ربّك؟

قال: الله موجود قبل التاريخ والأزمنة لا أول لوجوده.

وأردف: ماذا قبل الأربعة؟

قالوا: ثلاثة.

قال: ماذا قبل الثلاثة؟

قالوا: إثنان.

قال: ماذا قبل الإثنين؟

قالوا: واحد.

قال: وما قبل الواحد؟

قالوا: لا شئ قبله.

قال: إذا كان الواحد الحسابي لا شئ قبله فكيف بالواحد الحقيقي وهو الله ! إنه قديم لا أول لوجوده.

قالوا: في أي جهة يتجه ربك؟

قال: لو أحضرتم مصباحا في مكان مظلم إلى أي جهة يتجه النور؟

قالوا: في كل مكان.

قال: إذا كان هذا النور الصناعي فكيف بنور السماوات والأرض؟

قالوا: عرّفنا شيئا عن ذات ربك؟ أهي صلبة كالحديد أم سائلة كالماء؟ أم غازية كالدخان والبخار؟

فقال: هل جلستم بجوار مريض مشرف على النزع الأخير؟

قالوا: جلسنا.

قال: هل كلمكم بعدما أسكته الموت؟

قالوا: لا.

قال: هل كان قبل الموت يتكلم ويتحرك؟

قالوا: نعم .

قال: ما الذي غيره؟

قالوا: خروج روحه.

قال: أخرجت روحه؟

قالوا: نعم.

قال: صفوا لي هذه الروح، هل هي صلبة كالحديد أم سائلة كالماء؟ أم غازية كالدخان والبخار؟

قالوا: لا نعرف شيئا عنها!

قال: إذا كانت الروح المخلوقة لا يمكنكم الوصول إلى كنهها فكيف تريدون مني أن أصف لكم الذات الإلهية.

وهكذا فان الروح غير مرئية ولا ملموسة بل ولا معلوم كنهها. لذلك فإن جوابي هو ليس سوى جواب الله في الآية القرآنية التي سبق لي وأن ذكرتها لك، حينما قال:"ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا".

بدا لي ان جاري حاول التهرب من إجابتي أو لم يستطع الرد عليها، فقال لي: إن كبار مفكري الغرب المتنورين لا يؤمنون بالروح، فماذا تقول في ذلك؟

وكنت قد قرأت ملياً عن الخلافات حول الروح من وجهة نظر عدة مفكرين غربيين، فأجبته:

أنت تعرف جيداً "ديدرو" أحد أبرز مفكري عصر التنوير في فرنسا.

فقاطعني قائلاً: بالـتأكيد قرأت له كثيراً وأنا من المعجبين بكتاباته وآرائه.

فقلت له: ألم تقرأ ما قاله عن الروح؟ حينما قال: " الروح هي الكهف الذي تسكنه جميع الحيوانات النافعة والضارة، والرجل الشرير يفتح باب الكهف ويسمح الحيوانات الصارة وحدها بالخروج، اما الرجل صاحب الإرادة الطيبة فهو الذي يفعل عكس ذلك" . بل وحتى من سبق من المفكرين مثل هلفشيوس من مؤلفاته " عن الروح" De l'esprit، المنشور في 1758.

فرد جاري: ولكنه مُنِعَ من النشر في حينه وأُتهم مؤلفه بالهرطقة وحرقت نسخ مؤلفه هذا في شوارع باريس.

فأجبته: نعم، لقد اتهم بالالحاد الذي لم يكن مسموحا به في تلك الفترة، ولكنه رد على مهاجميه ومنتقديه بالقول: "بأي لون من الإلحاد والكفر يتهمونني؟ أنا لا أنكر في أي جزء من الكتاب التثليث أو ألوهية المسيح أو خلود الروح أو بعث الموتى أو أية ناحية أخرى من نواحي العقيدة البابوية، ومن ثم فإني لم أهاجم الديانة بأي شكل من الأشكال". وهو بذلك يؤكد عدم إنكاره للروح.

أجابني جاري: هناك من يؤمن بتناسخ الأرواح أيضاً، وهو رأي جاء منذ الحضارات القديمة كما لديكم في بابل ولدى المصريين القدماء واليونانيين وحتى الهندوسية والبراهمانية، جميعها كانت تؤمن بذلك، وجاءت بعدها في ايطاليا المدرسة الفلسفية الفيثاغورية وغيرها.

قلت لجاري: إذن، أنت ترى أن الأمم التي تؤمن بوجود الروح هم الأغلبية عبر القرون، فلماذا تنكرها.

فرد: ليست العبرة بالأغلبية، بل بما توصل اليه العلم الحديث.

بعد هذا الرد الذي لم يأت بجديد، بقدر ما هو أحد أسلحة جاري في التهرب من الحوار، لذا فضلت انهاء حوارنا هذا المساء، فإستأذنت من صاحبي وعدت الى داري بعد أن أسدل الليل ستاره وجاء البرد بما لا يأتي به مثيله في بلداننا.

 

د. وليد كاصد الزيدي – باريس

28 يناير 2017

 

حسين سرمك حسنعبر أربع مقالات سابقة عن معجزات الطب العراقي القديم (السومري الأكدي البابلي الآشوري) وكان عنوانها (حول أكاذيب وتلفيقات هيرودوتس "أبو التاريخ" عن بابل ، وكيف شوّه الأغريق منجزات الطب العراقي القديم) ، قدّمتُ للسادة القرّاء شذرات ذهبية من مخطوطة كتابي الذي أنجزته مؤخرا عن "موجز تاريخ الطب العراقي القديم والطب العربي الإسلامي" والذي تمنيتُ على السيّد وزير التعليم العالي والبحث العلمي النظر في إقراره للتدريس في الصفوف الأولى من كليات الطب في جامعاتنا لأنني وضعته أصلا لهذا الغرض عرضاً وأسلوباً ومحتويات ولأننا كأطباء تخرّجنا من كليات الطب ونحن نعرف كل شىء عن الطب الغربي ولا نعرف أي شىء عن الطب العراقي القديم الرائد في تاريخ البشرية وعن الطب العربي الإسلامي الذي أنار سماوات العصور المظلمة.

وقد انتقلتُ بعد ذلك إلى عرض شذرات ذهبية من المنجزات المذهلة للطب العربي الإسلامي الذي علّم الغرب أسس الطب في عصوره المظلمة وحتى أسس النظافة الشخصية (كانت الملكة إيزابيلا ملكة اسبانيا تفخر بأنها لم تغتسل سوى مرّتين في حياتها عند التعميد بعد الولادة وقبل ليلة الزواج!!) .

وفي القسم الأول عرضتُ جانباً من المنجزات المذهلة للطب العربي الإسلامي ، وأواصل في هذا القسم الثاني عرض منجزات عجيبة أخرى مع ملاحظة ذكرتها في القسم الأول وهي ان مصادر هذه المعلومات مُثبّتة في مخطوطة الكتاب:

* أول عملية قيصرية في العصور المظلمة

ملاحظة مهمة:

في كل الصور أدناه لاحظْ من أي مكان من بطن الأم يُخرج الطبيب المسلم الطفل.

لقد ذكر بعض المؤرخين الطبيين في القرن الماضي خطأً أن العملية القيصرية محظورة تماماً بين المسلمين. وقد تم اقتباس هذا الرأي مراراً دون فحص صحته أو مصداقيته. يمكن أن يؤدي البحث في المصادر العربية القديمة المُتاحة إلى أدلة مخالفة لمثل هذا الرأي. في الواقع ، كان علماء الإسلام في العصور الوسطى أوّل من كتب ليس فقط عن هذه العملية ، بل ليوضحها في الصور ويصفها بالشِعر. بالنظر إلى طبيعة العصور القديمة التي عاشوها ، من غير العدل مقارنتهم بالعلماء في تاريخ لاحق ؛ لكن يجب تقييم إنجازاتهم.

626 سرمك 1

(صورة منمنمة من شاهنامة الفردوسي تشير إلى ولادة رستم بطل الملحمة بالعملية القيصرية. المصدر: مكتبة قصر توبكابي)

- الأدلة من المصادر التاريخية الإسلامية

لكن أهم وأثرى وأثبت الأدلة المتعلقة بالعملية القيصرية في الأدب العربي تأتي من البيروني الذي توفي عام 1048 م عن عمر يناهز 78 عاما والذي كان مؤلف العديد من الكتب حول التاريخ والطب والفلسفة. أحد مخطوطاته الفريدة المعروفة باسم "الأثار الباقية من القرون الخالية" ، وهو موجود في جامعة أدنبرة ، رقم MS 161. وقد تم تحريره وترجمته إلى الألمانية والإنجليزية من قبل البروفيسور إي. ساشاو في عام 1879.

في هذا التاريخ الزمني للأمم ، أعطى البيروني ثلاث إشارات إلى الولادة القيصرية. وكتب أن قيصر أوغسطس (63 قبل الميلاد - 14 ميلادية) وُلد بعملية قيصرية بعد وفاة والدته. هذا هو عكس الاعتقاد الخاطئ بشكل عام أن يوليوس قيصر وُلد بهذه الطريقة ، حيث كانت والدته لا تزال على قيد الحياة عندما غزا بريطانيا. 

626 سرمك 2

(الولادة القيصرية كما هو موضح في مخطوطة البيروني ، الأثار الباقية من القرون الخالية، 160، جامعة أدنبرة)

- أول تفسير صحيح للنبض ورائد قياس النبض عند الرسغ

كان ابن سينا من روّاد دراسة النبض بعد أن صقل نظرية جالينوس في النبض وأعطى أوّل تفسير صحيح للنبض. ففي كتابه “القانون” في الطب كتَبَ ما يلي:

(كل نبضة من النبض تضم حركتين واثنين من توقف. وبالتالي فإن مراحل متابعة: التوسع، وقفة، انكماش، وقفة. […] النبض هي حركة في القلب والشرايين … والتي تأخذ شكل التوسع المناوبين والانكماش)

وكان ابن سينا أيضا رائدا في المفهوم الحديث لأخذ النبض عند الرسغ من خلال اللمس الذي لا يزال يُمارس في العصر الحديث. والأسباب التي دفعته لاختيار المعصم كمكان مثالي لأخذ النبض هو لأنه يمكن الوصول إليه بسهولة، ولا يحتاج المريض للكشف عن جسده.

طريقة جس النبض والقرع بإصبعه فوق جسم المريض، وهي الطريقة المتبعه حاليا في تشخيص الأمراض الباطنية، والتي نُسبت إلى “ليوبولد أينبرجر” في القرن الثامن عشر، هي الطريقة التي ابتكرها إبن سينا قبل أكثر من الف سنة.

626 سرمك 3

(تمثال الطبيب والفيلسوف المسلم ابن سينا في مكتب الأمم المتحدة في فيينا)

 - منجزات إبن سينا المسلوبة واسم الطبيب الغربي الذي نُسبت إليه

(1)  وصف تغيير شكل المنكب وامتناع رفع اليد في حالة الانخلاع نُسِب إلى Cervia de Theodore 1288_1205

(2)  تدریب المفصل على الحركة بعد حل الربط نُسِب إلى Chaulac de Guy 1368 _1300

(3)  كسر العظم وإعادة تسویته في كسر العثم نُسِب إلى Dalchamp J 1588 _ 1513

(4)  الفحص السریري للعضوالمريض نُسِب إلى Leopaul In Berger (XVIII eme siècle)

(5)  عزل علاج الكسور وإصابات الأطراف عن باقي الجراحات نُسب إلى Andry Nicol 1741_1668

(6) قطع العظام المتعفنة وإزالة الشظایا العظمية في الكسر المفتوح نُسِب إلى Moreau Victor 1800 _ 1749

(7) ربط العضو العلوي إلى الصدر في حالة كسر العضد نُسِب إلى Desault Jacqu 1800_1749

(8) كسر قاعدة الإبهام نُسِب إلى Edward Bennett 1837-1907

(9) رد المنكب المتخلع نُسِب إلى Theodor Emil Kocher (1841_1917

(10) علاج القروح نُسِب إلى    Erb Heinrich W 1921_1840

(11) التجبير المتأخر نُسِب إلى George Perkins 1892-1979

626 سرمك 4

(صفحة من نسخة إيطالية لكتاب ابن سينا، القانون في الطب)

- أول من أسّس طب العيون كمنهج جديد بالبحث العلمي

هو الطبيب علي بن عيسى الكحال المتوفي 430هـ/1039م الذي اشتهر إلى جانب حذقه مهنة الكحالة بكتابه المعروف "تذكرة الكحّالين" ، الذي يعتبره المستشرقون أكبر طبيب للعيون أنجبته العصور الوسطى، وترجموا كتابه إلى اللاتينية مرتين. واعتُبر كذلك أوّل من أسّس طب العيون كمنهج جديد بالبحث العلمي. وكتاب علي بن عيسى يحتوي على ثلاث مقالات: الأولى في حد العين وتشريحها، وطبقاتها، ورطوباتها، وأعصابها، وعضلاتها، ومن أين يأتي غذاؤها. أما الثانية ففي أمراض العين الظاهرة للحسّ ، وأسبابها وعلاماتها وعلاجاتها. والثالثة في أمراضها الخفية عن الحسّ وعلاماتها وعلاجاتها ونسخ أدويتها. أما مجموع ما ألفه من كتب في طب العيون فيبلغ 32 كتابًا. وبلغ مجموع ما وصفه من أمراض العيون في (تذكرة الكحالين) وحده 130 مرضًا. وهو أول من وصف التهاب الشريان الصدغي والقحفي والعلاقة بين هذين الالتهابين واضطراب الرؤية في مرض الشقيقة. ولقد سبق الكحال (جونثان هجتنسن 1980م) بما يزيد على ثمانية قرون، كما ذكر (د. هاملتون)، وبيّن في تذكرته المشهورة هذه العلاقة في بحثه عن سلّ الشرايين وكيّها والذي قال ((أنها يمكن أن تعالج أوجاع الشقيقة والصداع والذي تعرض لهم نزلات مزمنة في الأعين أو نزلات الأصداغ، حتى ربما خيف على البصر من التلف)). ووصف كما يؤكد د. هاملتون في بحث عن التهاب الشريان في الخلايا العملاقة مراحل التهاب الشريان الصدغي والذي نشره في مجلة الطب الأمريكية العدد الأول سنة 1971. 

626 سرمك 5

- أقدم كتاب في طب العيون

بعد قيام المترجمين بتشجيع من خلفاء الدولة العباسية لترجمة ما وصلهم من كتب طب العيون، ألّف حنين بن إسحاق المتوفي عام 873م (260هـ) تلميذ الطبيب والمترجم ابن ماسويه، كتاب "العشر مقالات في العين" ، الذي يُعد أقدم كتاب في طب العيون أُلّف بطريقة علمية.

والكتاب موسوعة علمية كبيرة مطبوع باللغتين العربية والانجليزية وربما كان يُستخدم في مدارس الطب في ذلك الوقت، ويتكون الكتاب من عشر مقالات. المقالة الأولى في طبيعة العين وتركيبها، والثانية في طبيعة الدماغ ومنافعه، والثالثة في أمر البصر، والرابعة فيها جملة ما يُضطر إلى معرفته من أراد شيئاً من علاج الطب، والخامسة في علل الأمراض الحادثة في العين، والسادسة في علامات الأمراض التي تحدث في العين، والسابعة في جميع قوى الأدوية المفردة عامة، والثامنة في أدوية العين وأجناسها وفنون استعمالها، والتاسعة في علاج أمراض العين، والعاشرة فيما ذُكر من الأدوية المُركبة المذكورة في المقالة التاسعة على ما ألفها القدماء للعلل الحادثة في العين.

626 سرمك 6

(صورة لصفحة من مخطوطة تصف تشريح عين الانسان رسمها عام ١٢٠٠م العالم المسلم ابوزيد حنين بن إسحاق العبادي)

626 سرمك 7

(رسم المقطع العرضي للعقل والعيون الذي قام به في القرن الثالث عشر خليفة بن أبي المحاسن الحلبي (من حلب) في كتابه "الكافي في الكحل").

... وإلى الحلقة المقبلة

 

الدكتور حسين سرمك حسن - بغداد

19- كانون الثاني- 2019

 

نايف عبوشلا ريب أن الإنسان بحكم طبيعته البشرية، ومحدودية أفقه العقلي، على قاعدة (وما اوتيتم من العلم إلا قليلا)، يظل شديد التعلق، والتيقن بالمحسوس، بما هو منظور أمامه، من عوالم الكون المشاهدة، حيث تترسخ مرئياتها بتجلياتها المختلفة بسهولة في ذهنه، وبدرجة يقين أعلى من نظيراتها غير المرئية،خاصة وأن إدراكه لحقيقية وجودها،بما هي متجسدة موضوعيا، وماثلة أمامه عيانا، لا يحتاج منه لمزيد من البحث الفلسفي، والتنظير العلمي، للبرهنة على إثبات حقيقة وجودها .

 ولذلك فإن الإيمان بحقيقة موجودات الكون، والحياة فيما هو منظور، ومتجسد منهما، على الصورة التي أوجدهما الله تعالى عليها، تأتي في حكم البداهة، لاسيما وأن النصوص القرآنية، قد كفت الإنسان بالإخبار الإلهي، مشقة استكناه حقيقة الوجود، وبالتالي فلم تعد هناك ثمة حاجة للخوض في جوهر ماهيات الوجود، سواء تمكن العقل الإنساني من إدراك تلك الحقيقة بما يتاح له من إمكانات، أم لا.

 ومن هنا فإن إحكام الربط العضوي، بين عملية الخلق الإلهي للموجودات المحسوسة، في العالم المشهود، وبين التفكر في كيفيات خلقها، باعتبارها آية لذوي العقول اللبيبة، يظل أمرا مطلوبا، ليس لمجرد ترسيخ اليقين بإلهية الخلق المحسوس، والتسليم بتلك الحقيقة الملموسة، وحسب، بل ولترسيخ الإيمان بقدرة الخالق المطلقة في الايجاد الحسي، والغيبي معا، بالكيفية التي يشاؤها كموجد لكل الموجودات، على قاعدة( افلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت)، حيث يظل المطلوب من الإنسان، إمعان النظر في كيفيات الإيجاد،وليس إضاعة وقته في البحث في جوهر الماهيات .

ومع أن معطيات العصرنة بتداعياتها المادية الجارفة، قد بلدت الحس الروحي، وجففت البعد التأملي عند الإنسان المعاصر، يوم اختزلت رؤاه باليقين، بحقائق العالم المشهود فقط، وحرمته من نفحات التطلع، الذي يتجاوز حقائق مرئيات الوجود المحسوس، إلا أن الوحي الإلهي القائم على حقيقة علم الله تعالى المطلق بالغيب، وما هو مشهود، يظل، مع كل ذلك، أفضل وسيلة لإعانة الإنسان، وهدايته إلى تلمس صراط الله المستقيم، للوصول إلى حقيقة الوجود الحسي، والغيبي معا، ومن دون حاجة إلى مماحكات فلسفية، او تنطعات كلامية، قد تكون مع محدودية العقل الإنساني، وعجزه عن سبر كل حقائق الوجود، نوعاً من العبثية المقرفة .

ولذلك فإن المطلوب من الإنسان المعاصر اليوم، والمسلم بالذات، تفعيل استثمار معطيات النصوص القرآنية الجلية، في التعامل مع المنظور من حقائق الوجود الكونية، وتنشيط التفاعل مع حقائق الوجود الغيبية في نفس الوقت، وذلك من خلال ترسيخ اسلوب البحث في كيفيات الايجاد، واعتماد النظر في طرائقيات الخلق، والعمل على استنتاج القوانين التي تحكمها، بما يحقق تعزيز الإيمان بحقائق الغيب، كفضاء لعالم الشهادة، وبما يرسخ التواصل مع آفاقه، بيقينية مطلقة، تناظر يقينية الوجود الحسي، وبالشكل الذي يفيد في إنقاذ الإنسان من تداعيات ضياع العصرنة، وينتشله من عبثية استلابها الروحي له .

 

نايف عبوش

 

عزالدين عنايةتبدو الكنيسة في تونس، التي ينطبق عليها بحقّ نعت الكنيسة العابرة جراء التبدّل الدائم لرأسها ولقاعدتها، قد تخطّت مرحلة التوجّس، بعد أن مرّ زهاء العام على تسنّم "حركة النهضة" ظهر السلطة في تونس. فبعد أن أدمنت الكنيسة ريبة من بلوغ حزب إسلامي مقاليد الحكم، وعملت على إشاعة تلك الريبة في الغرب، ها هي تتخلّص من مخاوفها، وتشهد تغيرا في الخطاب يتجه نحو الرصانة، بعد تبنّيها طويلا رؤية التقتْ فيها مع مقول نظام بن علي. مع أن الكنيسة في تونس لم تشهد أي مظهر من مظاهر التلاسن أو التصادم، مع الحركة الإسلامية في تونس، أو مع رموزها، بشأن قضية مّا، منذ مطلع السبعينيات، تاريخ طفْو تلك الحركة على الساحة.

ويمكن القول إن الكنيسة في تونس، التي تأتمر بأوامر المؤسسة الأم حاضرة الفاتيكان، قد اتخذت موقفا نافرا مبكرا من الحركة الإسلامية في تونس، تجلى بالخصوص في النأي عن رموز حركة النهضة، طيلة العهد الدكتاتوري. فمثلا لم تدع أي من رجالات تلك الحركة إلى مؤسسات الكنيسة العلمية أو منابرها الأكاديمية في روما، مثل "المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية" التابع لتنظيم الآباء البيض، للحديث عن المسألة الدينية في تونس، رغم حرص الآباء البيض على تمتين صلاتهم بالأكاديميين التونسيين، أكانوا من مجموعة "إسلاموكريستيانا" البائدة أو مع مجموعة أساتذة الزيتونة النوفمبريين.

وحتى تتضح الصورة أكثر، ما هي أهم مفاصل النشاط الكنسي في تونس؟ تنتظم علاقة الكنيسة الكاثوليكية بالجمهورية التونسية وفق اتفاقية "modus vivendi" التي تنظّم علاقة حاضرة الفاتيكان بتونس، في بلد يبلغ عدد الكاثوليك المقيمين فيه في الوقت الراهن 22 ألف نفر، جلّهم من الأجانب يتوزعون بين ستين جنسية. كما توجد على التراب التونسي أبرشية واحدة على رأسها أسقف وحيد، يسنده 40 قسّا، وتعضدهم أكثر من 100 راهبة. ليس هناك قساوسة من أصول تونسية ولكن هناك ثلّة من العرب، وأما باقي القسّيسين فهم أوروبيون. ويبلغ عدد الراعويات 11 راعوية، أربع منها متواجدة في العاصمة. وبشكل إجمالي تتوزع الخدمات التي تقدمها الكنيسة بين مشفى في العاصمة وعشر مدارس كاثوليكية خاصة، يؤمها ستة آلاف تلميذ مسلم من أبناء العائلات الميسورة لا من ذوي الفاقة.

في مطلع صائفة 2012، يومي 18 و 19 جوان، انعقد المؤتمر السنوي لمركز الواحة الكاثوليكي في تونس تحت شعار: "الدين والمجتمع في مرحلة انتقال، تونس تسائل الغرب"، وقد هدف المؤتمر الذي جرى في أجواء مغلَقة إلى متابعة مسارات التحول العميق في تونس. شارك فيه رئيس الجمهورية المنصف المرزوقي، وعن حركة النهضة كل من العجمي الوريمي ورياض الشعيبي، إلى جانب مدعويين تونسيين آخرين. أعرب المؤتمرون الكاثوليك عن انشغالهم بمجريات الأحداث في تونس وحرصهم على متابعة تطوراتها عن كثب. ولأن المؤتمر وقع في ظل حكومة يغلب عليها الطابع النهضوي، يمكن القول إن المبادرة كانت للنهضويين في احتضان الكنسيين بعد سنوات من الجفاء والقطيعة، رغم أن المؤتمر كان متواضع النتائج بما هدَفَ إليه بالأساس لتبادل الآراء، حيث تحدث فيه كل من منظوره عن مستقبل تونس.

وقد جاء مؤتمر الواحة في أعقاب انعقاد اللقاء السنوي لمجلس أساقفة شمال إفريقيا في تونس، للتباحث بشأن الأوضاع الاجتماعية والسياسية للبلدان المطلة على أوروبا. بمشاركة أساقفة من تونس والجزائر والرباط ونواكشوط والقاصدين الرسوليين بطرابلس وبنغازي، فضلا عن أسقف مازارا دِل فالّو في صقلية. ففي بلاد المغرب الكبير يعيش زهاء الخمسين ألف مسيحي، السواد الأعظم منهم من الرعايا الأجانب.

لقد ميزت سمتان بارزتان تاريخ الكنيسة في تونس في الزمن المعاصر: الصمت أمام الطغاة –كما كان الشأن مع زين العابدين بن علي- تحت مبرر التزامها بـ"دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، فتغاضت بشكل مفزع عن انتهاكات النظام البائد؛ وفي الآن نفسه المساهمة الفعّالة في نشر الرعب في الغرب من الإسلام السياسي الذي تنتمي إليه النهضة، إلى أن جاء الفرز من الغرب العلماني، الذي جرّ الكنيسة للتحول. ربما كانت تنقص الكنيسة شجاعة الوجود لتجاوز إرث الدهور. وحتى نيافة الأسقف الأردني مارون لحام، الذي تفاءل كثيرون بتقليده مهام الكنيسة في تونس في العام 2005، غرّته تلك الأجواء وأخطأ التقدير في قراءة مستقبل تونس. ففي مقال منشور له في مجلة "ميسيوني أوجّي" الإيطالية (التبشير اليوم) عدد فبراير 2008 ورد ضمن قوله: "لو ارتقى حزب إسلامي سدة الحكم [في تونس] فسنعود خمسين سنة إلى الخلف، لذلك نعيش بذلك الخوف حيث لا ندري ماذا سيحدث بعد". لكن مما يلاحظ أن تصريحات غبطة المطران قد باتت أكثر اتزانا عقب الثورة، وأعلى جرأة في التصريح بمواقفه وواقع كنيسته، مثل ما ذكره عن عدد المتحولين التونسيين إلى المسيحية بين ثلاثة وأربعة أنفار من البالغين سنويا، يُعمّدون وفق الطقس الكاثوليكي.

يبدو الطريق طويلا أمام الكنيسة في تونس لتتصالح مع هوية هذا البلد، ففي القرن الحادي عشر حين هاجم النصارى النورمان تونس، قادمين من صقلية، كان الصد لهم مسيحيا ومسلما من المهدية (ما فتئ الجنوب التونسي حينها مأهولا بالمسيحيين). فهل تستطيع الكنيسة في تونس أن تبتعد قيد أنملة عن استراتيجية الكنائس الغربية وتكون كنيسة عربية؟ ربما يكون ذلك متيسرا "لو كانت الثقة في الله أكبر"، على حد قول القديس أوغسطين.

 

د. عزالدين عناية

 

لكي يباع الغباء ويسوق الشقاء يكفي ان نجد لذلك صيغة. هكذا غنى الغرب سمفونية الحداثة على وجه القمر.

والشمس التي رافقت ابن رشد الى ان تجاوز وادي الشرق الكبير تركته في مغيب الغرب يغرق في التنوير ويتمتع بنعومة الحداثة السائلة.. جعلته يحاور الوجود بلغة الوعي، ولذلك يتعين علينا استعادة هذه اللغة ومنحها الكلمة من اجل الشهادة على جرائم التيار الظلامي الذي قام بتخريب روح العصر. فقد ظل سؤال الوعي مقلوبا لان العدمية مزقت الكينونة ولم يعد الوجود سوى مصدر للوهم والفزع.

   ففي عالم مشحون بظواهر الظلم التي تمزق كبد العاقل كما يتمزق قلب المؤمن من دلالات الفسوق والتفريط في المقدسات على مذابح الشهوات، يستهلك الضمير ويصبح العرى الفكري والأخلاقي سمة العصر بامتياز.

تحول العالم إلى لعبة كونية خطيرة تحكمها القوانين السائلة ونهايات اللايقين. استخدمت في ذلك آليات التشتيت والتشكيك والاختلاف والتغريب والفوضى والعدمية واللامعنى واللانظام. حداثة مجنونة تعمل في فضاءات اللامعنى تتميز بقوة التحرر من قيود التمركز، والانفكاك عن التقليد وما هو متعارف عليه، وممارسة الاختلاف والتفكيك والهدم والتشريح ، والانفتاح على الغير عبر الحوار والتفاعل والتناص، ومحاربة البنية والانغلاق والتكامل، وتعرية الإيديولوجيات، والاهتمام بالمدنس والهامش والغريب والمتخيل والمختلف، والعناية بالعرق، واللون، والجنس، والأنوثة، وخطاب المابعديات المفتوحة.

يتفق الفلاسفة الالمان على أن مشروع الحداثة لم ينته بعد، حيث يواصل هذا المشروع سعيه لتحقيق أهدافه ، حيث الدور الفعال لوسائل الإعلام. فكل شيء هو النص والصورة ، إقناع المشاهد بكابوس من عالم الخيال العلمي او العالم الافتراضي، فهذا العالم هو بمنزلة استعارة أو مجاز عن حالة الواقع.

كما ترتبط مابعد الحداثة بفلسفة التفكيك والتقويض، وتحطيم المقولات المركزية التي هيمنت على الثقافة الغربية من أفلاطون إلى يومنا هذا. فهي موقف متشكك لجميع المعارف البشرية، وقد أثرت هذه المواقف على العديد من التخصصات الأكاديمية وميادين النشاط الإنساني.

كما تعد مابعد الحداثة عدمية تقوض أي معنى للنظام والسيطرة.... حداثة سائلة بمنتهى السيولة.

لذلك اعتمدت على التناص واللانظام واللاانسجام والنسبية، وإعادة النظر في الكثير من المسلمات التي تعارف عليها الفكر الانساني. ومن ثم، تزعزع ما بعد الحداثة جميع المفاهيم التقليدية المتعلقة باللغة والهوية.

هذا يعني ان نصوص مابعد الحداثة لا تتقيد بالمعايير المنهجية، وليست ثمة قراءة واحدة للنص، بل قراءات مفتوحة.

خاصة ان فكر مابعد الحداثة جاء كرد فعل على المقولات التي تحيل على الهيمنة والسيطرة والاستلاب. كما استهدفت مابعد الحداثة تعرية المؤسسات الرأسمالية التي تتحكم في العالم، وتحتكر وسائل الإنتاج، وتمتلك المعرفة العلمية. كما عملت مابعد الحداثة على انتقاد اللوغوس والمنطق عبر آليات التشكيك والتشتيت والتشريح والتفكيك.

هذا، وقد ظهرت مابعد الحداثة في ظروف سياسية معقدة ، وذلك بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وخاصة في سياق الحرب الباردة، وانتشار التسلح النووي، وإعلان ميلاد حقوق الإنسان، وظهور مسرح اللامعقول، وظهور الفلسفات اللاعقلانية كالسريالية، والوجودية، والفرويدية، والعبثية ، والعدمية… وقد كانت التفكيكية معبرا رئيسا للانتقال من مرحلة الحداثة إلى مابعد الحداثة. ومن ثم، فقد كانت مابعد الحداثة مفهوما مناقضا ومدلولا مضادا للحداثة. ولذلك، احتفلت مابعد الحداثة بأنموذج التشظي والتشتيت واللاتقريرية كمقابل لشموليات الحداثة وثوابتها، وزعزعت الثقة بقوانين العقل والسببية والأنموذج الكوني ، حاربت العقل والعقلانية، ودعت إلى خلق أساطير جديدة تتناسب مع مفاهيمها التي ترفض النماذج المتعالية، وتضع محلها الضرورات الروحية والتغيير المستمر، وتبجيل اللحظة الحاضرة المعاشة. كما رفضت الفصل بين الحياة والفن واتخذت التاؤيل والتاؤيل المضاعف قاعدة ومنهج.

وقد غزت نظرية مابعد الحداثة جميع الفروع المعرفية، كالأدب، والنقد، والفن، والفلسفة، والأخلاق، والتربية، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا ، والسياسة.

تستند مابعد الحداثة في الفلسفة الغربية إلى مجموعة من المكونات والمرتكزات ، ويمكن حصرها في المبادىء التالية:

- التقويض: تهدف نظرية مابعد الحداثة إلى تقويض الفكر الغربي، وتحطيم أقانيمه المركزية ، وذلك عن طريق التشتيت والتأجيل والتفكيك. بمعنى أن مابعد الحداثة قد تسلحت بمعاول الهدم والتشريح لتعرية الخطابات الرسمية، وفضح الإيديولوجيات السائدة المتآكلة، وذلك باستعمال لغة الاختلاف والتضاد والتناقض.

- التشكيك: أهم ما تتميز به مابعد الحداثة هو التشكيك في المعارف اليقينية، وانتقاد المؤسسات الثقافية المالكة للخطاب والقوة والمعرفة والسلطة.

- العدمية: من يتأمل جوهر فلسفات مابعد الحداثة، فإنه سيجدها فلسفات عدمية وفوضوية، تقوم على تغييب المعنى، وتقويض العقل والمنطق والنظام والانسجام. بمعنى أن فلسفات مابعد الحداثة هي فلسفات لا تقدم بدائل عملية واقعية وبراجماتية، بل هي فلسفات عبثية لا معقولة، تنشر اليأس والشكوى والفوضى في المجتمع.

- التفكك واللاانسجام: إذا كانت فلسفة الحداثة أو تيارات البنيوية والسيميائية تبحث عن النظام والانسجام، وتهدف إلى توحيد النصوص والخطابات، وتجميعها في بنيات كونية، وتجريدها في قواعد صورية عامة، من أجل خلق الانسجام والتشاكل، وتحقيق الكلية والعضوية الكونية، فإن فلسفات مابعد الحداثة هي ضد النظام والانسجام، بل هي تعارض فكرة الكلية. وفي المقابل، تدعو إلى التعددية والاختلاف واللانظام، وتفكيك ماهو منظم ومتعارف عليه .

- هيمنة الصورة: رافقت ما بعد الحداثة تطور وسائل الإعلام، فلم تعد اللغة هي المنظم الوحيد للحياة الإنسانية، بل أصبحت الصورة هي المحرك الأساس للتحصيل المعرفي، ومعرفة الحقيقة. لهذا نجد جيل دولوز يهتم بالصورة ، ويعتبر العالم خداعا، كخداع السينما .

- الغرابة والغموض: تتميز مابعد الحداثة بالغرابة ، والشذوذ، وغموض الآراء والأفكار والمواقف، فتفكيكية جاك ديريدا – مثلا- مازالت مبهمة وغامضة، من الصعب فهمها واستيعابها، حتى إن مصطلح التفكيك نفسه أثار كثيرا من النقاش والتأويلات المختلفة في حقول ثقافية متنوعة، وخاصة في اليابان والولايات المتحدة الأمريكية. كما أن فلسفة جيل دولوز معقدة وغامضة ، من الصعب بمكان تمثلها بكل سهولة.

- التناص: يعني التناص استلهام نصوص الآخرين بطريقة واعية أو غير واعية. بمعنى أن أي نص يتفاعل ويتداخل نصيا مع النصوص الأخرى امتصاصا وتقليدا وحوارا. ويدل التناص في معانيه القريبة والبعيدة على التعددية ، والتنوع ، والمعرفة الخلفية، وترسبات الذاكرة. وقد ارتبط التناص نظريا مع النقد الحواري .

- تفكيك المقولات المركزية الكبرى: استهدفت مابعد الحداثة تقويض المقولات المركزية الغربية الكبرى كالدال والمدول، واللسان والكلام، والحضور والغياب، إلى جانب مفاهيم أخرى كالجوهر، والحقيقة، والعقل، والوجود، والهوية...

- الانفتاح: إذا كانت البنيوية الحداثية قد آمنت بفلسفة البنية والانغلاق الداخلي، وعدم الانفتاح على المعنى، والسياق الخارجي والمرجعي، فإن ما بعد الحداثة قد اتخذت لنفسها الانفتاح وسيلة للتفاعل والتفاهم والتعايش والتسامح. ويعد التناص آلية لهذا الانفتاح؛ ، كما أن الاهتمام بالسياق الخارجي هو دليل آخر على هذا الانفتاح الإيجابي التعددي.

- قوة التحرر: تعمل فلسفات مابعد الحداثة على تحرير الإنسان من قهر المؤسسات المالكة للخطاب والمعرفة والسلطة، وتحريره أيضا من أوهام الإيديولوجيا والميثولوجيا، وتحريره كذلك من فلسفة المركز، وتنويره بفلسفات الهامش والعرضي.

- الدلالات العائمة: تتميز نصوص وخطابات مابعد الحداثة بخاصية الغموض والإبهام والالتباس. بمعنى أن دلالات تلك النصوص أو الخطابات غير محددة بدقة، وليس هناك مدلول واحد ، بل هناك دلالات مختلفة ومتناقضة ومتضادة ومشتتة تأجيلا وتقويضا وتفكيكا. وبتعبير آخر، يغيب المعنى ، ويتشتت عبثا في فلسفات مابعد الحداثة.

- التخلص من المعايير والقواعد: ما يعرف عن نظريات ما بعد الحداثة في مجال الفلسفة والنقد والأدب تخلصها من النظريات والقواعد المنهجية، فميشيل فوكو يسخر من الذي ينطلق من منهجيات محددة يكررها دائما، ويحفظها عن ظهر قلب، فيرى أن النص أو الخطاب متعدد الدلالات، يحتمل قراءات مختلفة ومتنوعة، كما أن ديريدا يرفض أن تكون له منهجية محددة ؛حيث لا يوجد المعنى أصلا مادام مقوضا ومفككا ومشتتا، فما هناك سوى المختلف من المعاني المتناقضة مع نفسها كما يقول جاك ديريدا.

- مافوق الحقيقة: تنكر فلسفات مابعد الحداثة وجود حقيقة يقينية ثابتة، فنيتشه مثلا ربط غياب الحقيقة بأخطاء اللغة وأوهامها. وجان بودريار الفيلسوف الفرنسي ينكر الحقيقة، ويعتبرها وهما وخداعا، كما يربط الحقيقة بالإعلام الذي يمارس لغة الخداع والتضليل والتوهيم والتفخيم.

ومن ثم، فقد أدلى جان بوديريار بمجموعة من المفاهيم، كالحقيقة العائمة، ومافوق الحقيقة، والاهتمام بالخيال العلمي، والعناية بالعوالم الافتراضية غير المتحققة. ومن هنا، فقد انتقد العلاقة بين الدال والمدلول عند فرديناند دوسوسير ، حيث أنكر كجاك ديريدا وجود معنى واضح، بل قال بالمعنى المغيب... ، حيث لايمكن لأحد أن يعيش أي تجربة ، وأصبح للعبث لهجة واضحة تلك التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية.

وهو القائل أن حرب الخليج لم تكن حقيقية، بل كانت حدثا إعلاميا ، إنها حرب دون أعراض الحرب. وهذا ماقاد العديد للشك في أن بودريار نفسه قد ابتعد إلى مافوق الحقيقة، ولم يعد يسكن جسدا دنيويا.

وعليه، فقد دفعه مفهوم مافوق الحقيقة إلى الاهتمام بالعوالم التخييلية والافتراضية.. وكما سبق الإشارة إليه وجدت رؤيته للعالم أصداء في السينما، وخصوصا في ذلك النوع من الأفلام الذي يصبح فيه الواقع الافتراضي غير مميز عن العالم الحقيقي.

ونستدعي أيضا من رواد فلسفة مابعد الحداثة  المفكر الفرنسي جان ليوتار، الذي أنكر الحقيقة مثل: نيتشه، فالمعرفة برايه لا يمكنها أن تقدم الحقيقة ؛ لأنها تعتمد على ألاعيب اللغة التي هي دائما ذات صلة بسياقات محددة.

وأهم مايطرحه جان فرانسوا ليوتار في إطار مابعد الحداثة  هو التحرر من الالتزام بالقواعد المنهجية والمعايير المسبقة.

ويعد جاك ديريدا كذلك من أهم فلاسفة مابعد الحداثة ، حيث اهتم بتفكيك الثقافة الغربية ، وتقويض مقولاتها المركزية بالنقد والتشريح، بغية تعرية المؤسسات الغربية المهيمنة. ومن ثم، فقد ثار دريدا على مجموعة من المقولات البنيوية كالمدلول والصوت والنظام والبنية، وغيرها من المفاهيم ، ودعا إلى تعويض الصوت بالكتابة ، وأن المعنى لا يبنى على الإحالة المرجعية، بل على الاختلاف بين المدلولات المتناقضة. كما أن دريدا ينكر القواعد والتعاريف والمعايير والمنهجيات الثابتة. لذا، فالتفكيكية منهجية وليست منهجية، لها خطوات وليس لها خطوات، هي ما بين بين، بين الداخل والخارج. ما يهمها هو تفكيك الفكر والنص والخطاب ، وذلك عبر آلية التشتيت والتقويض والهدم،  لبناء المعاني المختلفة والمتناقضة، والتشكيك في المسلمات اليقينية ، ودحضها عن طريق النقد والتشريح والاختلاف.

هذا، وقد انتقد جاك ديريدا الميتافيزيقا الغربية التي تمثل الحضور واللغة والدال الصوتي. ومن ثم، قوض مجموعة من المفاهيم السائدة، مثل: الهوية، والجوهر، واللوغوس، والعلامة، والمدلول، والظاهرة، والنظام، والكلية، والعضوية، والجوهر، والواقعية، والحقيقة، واليقين.

هذا، ويعد ميشيل فوكو كذلك من رواد مابعد الحداثة ، وقد اهتم كثيرا بمفهوم الخطاب والسلطة والقوة ، حيث كان يرى أن الخطابات ترتبط بقوة المؤسسات والمعارف العلمية. بمعنى أن المعارف في عصر ما تشكل خطابا يتضمن قواعد معينة يتعارف عليها المجتمع، فتشكل قوته وسلطته الحقيقية. هذا، ولقد اهتم فوكو كثيرا بتحليل الخطاب ، ورفض التقيد بالمناهج الجاهزة، واستعمال آليات مكررة ، واعتبرها بمثابة علبة للمفاتيح. فالنص منفتح ومتعدد، لايمكن قراءته قراءة أحادية فقط. ويعني هذا أن فوكو يؤمن بتعدد  القراءات واختلافها من قاريء إلى آخر.

ومن جهة أخرى، اهتم جيل دولوز  بالتعددية والانفتاح على الآخر إدراكا وتفاعلا، حيث اعتبر الفلسفة بأنها فلسفة التعددية. ومن ثم، فقد انتقد الهوية وفلسفة الواحد والتطابق.

بيد أن من أهم سلبيات ما بعد الحداثة اعتمادها على فكرة التقويض والهدم والفوضى، إذ لا تقدم للإنسان البديل الواقعي والثقافي والعملي، فمن الصعب تطبيق تصورات مابعد الحداثة واقعيا لغرابتها وشذوذها. وبذلك، استهلكت مابعد الحداثة قدرتها الإستراتيجية الفعالة في إبراز التحيزات المجحفة دون أن يكون لها موقف أخلاقي أو سياسي أو اجتماعي. ويعجب المرء من المفارقة بين قوتها العدائية ضد التحيزات والنهاية المحايدة التي تنجم عن مثل هذه الحرب الضروس. ولعل مثل هذه النهاية هي التي دعت الكثير إلى توجيه أصابع الاتهام. فهناك من يقول: إن هذه السمة ذاتها هي التي تجعل ما بعد الحداثة متواطئة مع الأشكال الشمولية القمعية التي تسعى إلى الهيمنة والسيطرة والظلم الاجتماعي الاقتصادي. لاغرو والحالة هذه أن تدخل ما بعد الحداثة  مجال العلوم الإنسانية حديثا جدا، وحتى هذا الدخول لم يتسم بالفعالية نفسها التي عرفتها في الفن والأدب والموسيقا والاستعراضات المسرحية وغيرها من مشارب الحياة اليومية التي لايترتب عليها اتخاذ قرارات حاسمة تمس حياة الإنسان مباشرة. ولعل المفارقة القارة التي تجعلها عاجزة هي معاداتها للثنائية الضدية، إذ إن التضاد أساس المعرفة وأساس التحيز، وبدون التضاد لايمكن معرفة ما إذا كان توجه ما أفضل من غيره. ولذلك، فإن دفاع مابعد الحداثة عن الهامش جعلها تتقمص خصائصه، إذ انقلب على أهميتها، فأصبحت هامشية لا تغير من الواقع شيئا. وككل هامشي، أصبحت مابعد الحداثة تتمنى أن يتحقق الوئام فجأة ، فتسود العدالة، وتختفي الطبقية الهرمية، ويختلط المركز بالهامش، وتلغى الفوارق من غير تحيز أو غاية. هذه هي الطوباوية التي تحلم بها كل المثاليات: حداثية كانت أو مابعد حداثية.

ويلاحظ أن نظرية مابعد الحداثة تقوض نفسها بنفسها ؛ نظرا لطابعها الفوضوي والعدمي والعبثي. وفي هذا السياق، يقول دافيد كارتر:" وقد اجتذبت مابعد الحداثة نقدا إيجابيا وسلبيا على حد سواء. فيمكن أن ينظر إليها على أنها قوة محررة إيجابية تزعزع استقرار الأفكار المسبقة عن اللغة وعلاقتها بالعالم، وتقوض جميع لغات الذات التي تشير للتاريخ والمجتمع. ولكن تعد حقبة مابعد الحداثة أيضا أنها تقوض افتراضاتها الخاصة، وتحجب جميع التفسيرات المترابطة. وبالنسبة للكثيرين تعد غير مؤثرة وغير ملتزمة من الناحية السياسية.

الى هذا الحد نجد أن مايهم الإنسان في واقعه العملي هو التأسيس والتأصيل، وليس التفكيك والتقويض، مع السعي الجاد إلى البناء الهادف بدلا عن الانغماس في عوالم افتراضية عبثية وعدمية وفوضوية.

 

ا. م. د. سامي محمود ابراهيم

رئيس قسم الفلسفة/ كلية الاداب/ جامعة الموصل/ العراق

 

مادونا عسكرإنّ سرّ فرح الإنسان هو لقاؤه بالله. ولا يدرك هذا الفرح إلّا الّذين اختبروا عميقاً حضور الله السّعيد في أعماق نفوسهم. الله السّعيد أو الله السّعادة، ذلك هو فرح الإنسان الحقيقيّ والباقي تفاصيل تمهّد لهذا اللّقاء الّذي يستلزم نقاء القلب المحبّ. "طوبى للأنقياء لأنّهم يعاينون الله" (متّى 8:5).

لم يجد الإنسان تعريفاً حقيقيّاً للسّعادة؛ لأنّها غير مدرَكة في هذا العالم. ولعلّ مفهومها هشّ وسطحيّ عند الّذين يربطون السّعادة بالمادّة أو العاطفة أو النّجاح. إنّ هذه السّعادة ليست سوى حالة سرور مؤقّت ما تلبث أن تخمد في انتظار حالة جديدة. وأمّا اللّقاء بالله فهو حالة السّعادة الحقيقيّة الّتي لا تنتهي؛ لأنّ هذا اللّقاء يأسر الإنسان ويخرجه من ذاته ليغرق في القلب الإلهيّ. ومن يلج هذا القلب لا يمكنه العودة. فإذا كان الإنسان يدخل السّعادة في لحظة لقاء المحبوب الإلهي فكيف يمكن وصف السّعادة الإلهيّة؟ الإنسان ينتقل من حالة البؤس إلى حالة السّعادة عند اللقاء بالله، كما هو الحال في لحظة الخلق. بمعنى آخر، كان الإنسان حاضراً في الفكر الإلهيّ ثمّ خلقه الله على صورته كمثاله. وكما أنّه خُلق من صلب المحبّة الإلهيّة كذلك يُخلق من جديد من صلب السّعادة الإلهيّة. حين تلد الأمّ ابنها تشعر بسعادة لا يعرفها إلّا هي، ولا يدرك مكنونها إلّا الأمّ كمانحة للحياة. وترافقها هذه السّعادة كلّما التفتت إلى ثمرة أحشائها، وكلّما أعطت من ذاتها ليحيا ولدها وتظلّ تتنعّم بها إلى أن تلفظ أنفاسها الأخيرة. هذا الشّعور غير الموصوف الّتي تعجز اللّغة عن وصفه ويعجز العقل عن شرحه يمكن أن يجعلنا نتلمّس السّعادة الإلهيّة لحظة الخلق.

لقد خلق الله كلّ شيء بسعادة؛ لأنّه يرى أنّه حسن، أي أنّ فيه جمالاً خاصّاً. لكنّه لمّا أراد أن يخلق الإنسان قال: "لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا" (تكوين 26:1). والقول مرتبط بالصّنع، فدلالة القول تشير إلى أنّ الإنسان كان حاضراً في الفكر الإلهيّ والصّنع دلالة على ارتباط الفكر بالحبّ الإلهيّ، لأنّ الله صنع الإنسان على صورته، بعد أن خلق كلّ شيء بفعل "كن". (ليكن نور...) لكنّه لم يقل ليكن الإنسان، ما يدلّ على ارتباط مباشر وخاص بالصّورة الإلهيّة. وبعد خلق الإنسان نظر الله ورأى أنّ ما صنعه حسن جدّاً. تؤكّد عبارة (حسن جدّاً) سعادة اللّحظة، لحظة الخلق، اللّحظة الّتي خرج فيها الإنسان إلى نور الأرض. إنّها سعادة الله بالحضور الإنسانيّ، ولحظة انفجار الحبّ الإلهيّ الّذي أوجد الإنسان الّذي على صورة الله.

إذا كان في الأبناء شيء من صورة والديهم، فلا بدّ من أنّ في الإنسان صورة خالقه. ولا نقف عند الصّورة الماديّة، بل ندخل إلى عمق الصّورة وتفاصيلها. ففي الإنسان ما هو إلهيّ، وهنا ينبغي التّوقّف عند مفهومنا لله حتّى نتلمّس بعضاً من السّعادة الّتي ملأت الكون لحظة خلق الإنسان. كما يلزمنا أن نبتعد وننسى كلّ ما صُدّر إلينا عن الله  من إسقاط الفكر الإنسانيّ على الفكر الإلهيّ. ويعوزنا أن نرتقي ونرتفع إلى مستوى الكلمة الإلهيّة لندرك معنى السّعادة الإلهيّة.

الله ينظر إلى الإنسان بدهشة (ورأى أنّ ما صنعه حسن جدّاً). إنّها دهشة الحبّ الّتي تنعكس على الإنسان المتعطّش إلى جماله الأوّل (على صورته كمثاله). فيمسي في ذات الدّهشة عندما يلتقي بالنّور الإلهيّ. لذلك نرى كلّ العاشقين لله في حالة صمت وفرح واحتمال؛ وذلك لأنّهم يعاينون الصّورة الأصل والجمال الّذي خُلقوا على صورته. إنّها الدّهشة السّعادة الّتي تنمّي الحسّ الإنسانيّ الحقيقيّ. وإلّا فكيف نفهم سعادة الحلّاج المصلوب الّذي تفنّن في قتله مُعادو الجمال والحبّ؟ وكيف نتبيّن سعادة القدّيس أغناطيوس الأنطاكي وهو يخطو نحو الوحوش كما يطأ الملكوت؟ وكثيرون ممّن غمرتهم السّعادة الإلهيّة وأخرجتهم فعليّاً من العالم فتمازجت أرواحهم بالله، أدركوا السّعادة الّتي يبحث عنها كلّ إنسان. لكنّ الإنسان غالباً لا يعرف كيفيّة البحث، أم إنّه ينجذب إلى سعادة وهميّة فيبني حاجزاً بينه وبين السّعادة الإلهيّة.

الله السّعادة حقيقة يكتمل بها الإنسان وسيظلّ يتخبّط في قلقه وخوفه وفوضويّته ما لم يدرك هذه الحقيقة الّتي تعرّفه على سبب وجوده في العالم، ألا وهو اللّقاء بالسّعادة الإلهيّة.

 

مادونا عسكر/ لبنان