قراءات نقدية

نورالدين حنيف: قراءة آثمة في حكي ماكر

1 – القراءة

- مكرُ العتبات:

في مستهل المتن تتبدى علامتان، واحدة تفضح تيمة الضياع، وثانية تمكر بالتجنيس. وفي كلا العلامتين نحس شجْب الراوي هذا الماحولَ المادي والفكري وإدانته. ونقصد بالمادي تيمات الضياع واليباب والموت، في حين نقصد بالفكري رؤية الراوي لفن الحكي عبر قراره البائن بينونةً كبرى وهو يسائلُ جنساً أدبياً وينفي عنه خاصية الامتداد في وصمِهِ إيّاهُ بـ (ليست قصيرة) اعتباراً لسلطان الحجم والكمّ في تحديد الماهيات الأدبية. وهو السلطان الذي يبدو من خلال السياق أن صاحبنا لا يرضى عنها أبدا.

و من هذين المكرين نكتفي بواحد في هذه التوطئة، وهو المتعلق بالتجنيس، لحاجةٍ بعيدة عن المفاضلة بقدر ما هي لصيقة بمنهج التداول لهذا الموضوع في جرأته الأدبية العامرة داخل سياقٍ يروم التعتيم والتعميم وتسمية المتون بغير أسمائها هروبا من مسؤولية التجنيس أو تهريبا لعجزٍ واضح عن فعلِ التجنيس.

أصرّ السارد على وضع العنوان في وضعية ماكرة لا تبدو براءتُها التلقائية بقدر ما يبدو إثمُها المشروعُ في نقد الخطاب السردي. قال: (كتاب حب ضائع في أرض يباب.. ومقصلة). وهو عنوان مُذيّل بمكرٍ آخر. قال: (قصة ليستْ قصيرة). فما الدّاعِي إلى هذا الهجوم الأدبي على النوع القصصي متلبّساً بمفهوم( القصيرة) ؟ والجواب في نظري القاصر موجود في رؤيتيْنِ، واحدة عامة وأخرى خاصة. فأما العامّة فترتبط باستنكار السارد لتغوّل ما يُدَّعى أنه ينتمي إلى فن السرد، وفنّ القصّة. وقدْ سمّاهُ أصحابُهُ في يقينٍ غريبٍ تسميةً مُكثّفة وأقحموه في جسد السرديات، وبنوا له عالماً من الخرجات مشفوعةً بتراكمات تأليفية غمرتِ الساحة الثقافية وجنّدوا له ترساناتٍ من المقاربات والندوات والمحافل.. وأما الخاصّة فترتبط بميثاق براءة من هذا الجنس الأدبي إن جاز نعته بذلك. فالسارد يؤمن بالامتداد النفسي والزمني للإبداع، وهو لا يقدر على تصوّر خطفِ الحدث الذاتيّ أو الغيْرِيّ في مساحةٍ قوليةٍ مركّزَةٍ مسْروقَة وسريعة لا تُوفّر للقارئِ فسحةً زمنية من التفاعل المنساب مع صيرورة السرد في عمقه الوجودي وفي عمقِه الفنّي. ناهِيكَ عن إحساس السارد بعمق وغور ما يحدث له في صميم الحياة المتنكرة له، وبالتالي إحساسه بالغبْنِ وهو يغرف من سيرته الطويلة العميقة ثم يصبّه في إناءٍ نوعيٍّ لا يقدر على استيعاب دفق الروح المجروحة والمطروحة هنا. فالصورة في آخر المطاف تشبه من يروم صبّ مائة لترٍ من بنٍّ في فنجانٍ لا يتّسعُ لثلاثِ رشْفات، ولكم أن تتصوروا هُزءَ المشهدِ ووخْزَهُ  والروحُ العارمة تتدفق هدراً خارج هذا الفنجان المسكين. السارد هنا يشجب النعت( قصيرة) وكأنّه أيضا يصرخ في وجهِنا أنْ نُسمّي ما قَصُرَ في تصوّر مشّائي هذا النوع باسم آخر غير القصة، توقِيراً واحتراما لهذا الجنس الأدبي التاريخي والمارد.

- مكرُ السرد:

يتجلى هذا المكرُ الأدبيّ في بنيتيْن سرديتيْن تُسيِّجان مسار السرد، ويتعلق الأمر بفعل (أغلق) المتصدّرِ لصيرورة الحكي، وفعل (واصل) الخاتِمِ لهذه الصيرورة في تجدّد وانفتاح مُشْرعٍيْنِ على الممكن واللاممكن من عمليات اجتِراح السرد. فكيف نستوعبِ هذا الانشطارَ السردي بين نسقيْنِ: واحدٌ مغلقٌ والثاني منفتح؟

يتحرّك السرد في هذه القصة المستشكلة في حجمها داخل قدر البحث عن شكلٍ مناسبٍ لكتاب الحب، مادام الساردُ مقتنعاً جدّاً بأن الحبّ مستحيلٌ خامسٌ مضافٌ إلى الأربعة القابعة في استحالة الجمال القيمي كما سطّره همسٌ قديمٌ في التراث:

لَمَّا رَأَيْتُ بَنِي الزَّمَانِ وَمَا بِهِمْ  \\\ خِلٌّ وَفِيٌّ، للشَّدَائِدِ أَصْطَفِي

أيْقَنْتُ أَنَّ المُسْتَحِيلَ ثَلَاثَةٌ \\\ الغُولُ وَالعَنْقَاءُ وَالْخِلُّ الوَفِي – صفيّ الدين الحليّ

وهذا الهمسُ يتكرر في سياق آخر حداثِيٍّ موسوم بفكرة النوع الحاكي لا المترنّم. وبفكرة السرد المكتوي بسطحية الماحول وقسوته وتنكره لذاتٍ أجمعتْ كلُّ تفاصيلِها على تبنّي فلسفة العطاء في غير منٍّ ولا أذىً أو انتظار شكرٍ أو مقابل. وعِوضَ أن تُتَوَّجَ الذاتُ الساردة باعترافٍ جميلٍ وجليلٍ من قِبلِ هذا الماحول، نجد هذا الأخير يُسارِعُ في إعدامِ هذه الذات والتنكيل بها في غير رحمة أو حتّى شفقة، فيبْني لها مقصلة ويدعو الدهماء إلى الاحتفال بلحظة الشنق والفتك والقتل.

السردُ هنا لا يفتكُ بالإنسان وحده، بل يفتك بالقيمة، فالإنسانُ ماضٍ في تخومِ السديم فيما القيمةُ باقيةٌ ما بقيَ المعنى. من هنا قسوةُ السردِ في هذه القصة المستشكلة، لأن الأتّهامَ لا يستهدفُ الأنامَ في هبوطهِ بقدر ما يستهدِف الفكرةَ في تردِّيها وفي أفولِها واندحارِها. وهو لعمْرِي أقسى وأشدّ مضاضةً على الوجود الإنساني في مشروعِ كينونتِهِ وهو لا يدرِي كمْ يفتِك بهذه الكينونة خارجَ مقولاتِ التناغم والحب.

يتقدّمُ السرد إلى المتلقّي في بنيتيْنِ أخْريَيْنِ، واحدة مثبتَةٌ وأخرى منفية لحاجةٍ في نفس السارد. (أغلق – خرج – تعب – جلس .. نفت – واصل) في مقابل (لم يجد – لم يعرف – لا تعرفه – لا يعرفونه – لم ينتبه – لم يلاحظ). وهنا بالذّاتِ لا تهمُنا الأفعالُ في تعبيراتها المباشرة عن معناها الثاوي في وجودها القاموسيّ بقدر ما يهما سكونها وحركيتها، انغلاقها وانفتاحها، استسلامها وشجبها، مكرها وبراءتها، دناءتُها وكرمها.. ولنأخذ مثالاً لذلك، ففعل (أغلق) لا يرتبط في المحكي بعملية حسية فيزيائية ترتبط بوجود حسي لباب أو ما جاور، بقدر ما يرتبط بمدخل يتجلي في أبعاد غزيرة منها البعد المعرفي (أغلق ملف الدراسة النقدية) والبعد النفسي (لم يكملها بعد) والبعد الانتظاري المرتقب بقافيْنِ واحدةٌ مفتوحةٌ وأخرى مكسورة. وهكذا فكل الأفعال هنا لا تتحدد ماهيتها إلا داخل السرد في مكره الباني للأنساق المعرفية والنفسية والوجودية بشكل عام.

داخل هذه النسقية الواخزة، يتبدّى محورُ النفيِ قويّاً ومؤلماً لأنه ورد في سياق الآخر المتنكّر. وهو نفيٌ دلاليٌّ لا يقف عندحدود السلوك المجانب لقواعد السلوك البينية في مجال الاجتماع. إنه نفيٌ فلسفيٌّ من جهة الذات المستقبلة يستبطن القيمةَ في وجهَيْها: الوجه المعترف والوجه المتنكر. داخل هذه الثنائية ترقد المعاناةُ التي تتجاوزُ الإحساس بالغبنِ إلى الإحساس بالعبثية. وفي ذلك ما فيه من فلسفة تُلغي الفعل وردّ الفعل لتثبِتَ القيمة واللاقيمة.

والانغلاق في مقابل الانفتاح، هما أكبر من نسق سردي ينظّمُ عين القارئ وذهنه داخل مسار الحكي. إنهما إذانةٌ قاسيةٌ لفعل غير مسؤول، وشجبٌ وجوديٌّ لسلوكٍ جانبَ المعقول. وفي آخر المطاف، فهما مسارُ حكي يصرخُ في وجهِ الرّداءة القيمية التي تتغوّل في الماحول وتُملي على الذواتِ قراراتها العطنة وكأنها محاكم تفتيشٍ تعود من أزمنة الظلام القروسطي لتمارس سطوتها على الفن والإبداع والإنسان، تتسلطنُ وتتمادي في سلطانها لتحكم قبضتها على عنق الساحة الإبداعية، تؤشّرُ للمرور على ما أرادتْ هي في غير معيار.

- مكر الكمّ والحجم:

يُعْفينا السارد من البحث عن مبطّنِ حكيهِ فيما يخصّ شكل المتن الذي نتنزّه في عمقه المؤلم. والمتتبع لهذا المسار يدركُ مورفولوجيا الرسم، وأقصد الكتابة الطباعية للنص. وهي الموسومة بكثيرٍ من نقط الحذف. وهي علامة سيميائية شكلية تنطوي على أكثر من دلالة. وأقربُها إلى محطّتنا التحليلية هو تعبيرُها عن قناعة تجنيسية للمتحدّث هنا باسم السارد. إنه يعترف في مكر الحدث وسرد الحدث وتشكيل الفضاء بشيء واحد وأساسيّ، هو النوعُ الأدبي. فالسارد يقدّمُ في نقط حذفه رواية كاملة بتفاصيلها وجزئياتها ومتاهاتها وتلميحاتها وتصريحاتها. في لبوس جنس القصة القصيرة، مع العلم أن الافعال السردية هنا فاضحة لمشروع الرواية العميقة في مكر هذا السارد. والمتتبعُ باجتهادٍ لهذا الصوغ القصصي سيدرك لا محالة كم هو مختزلٌ هذا الحكيُ لعوالم أخرى معلنٍ عنها في قبضة الإشارة بدل العبارة الثواية في مستقْبَلِ الرواية.

- ختم مفتوح:

الباحثُ والناقدُ والشاعرُ والروائيُّ (عبدالرحمن بوطيب) علامة إبداعية مثقّفة كبيرةٌ جدّاً على وصفنا أو تقريضنا أو مدحنا أو تحليلنا. وهو رجل لمْ يحظَ بعدُ بأيّ اعترافٍ أو تقديرٍ أو حق. وعيبٌ ، كلُّ العيبِ أن يُتركَ هذا المبدعُ في الظل فيما هو يُزِيحُ باستمرارٍ قويٍّ الستائر عن المغمروينَ والمغموراتِ في ساحتنا الثقافية الموسومة بالتناقض القيمي الغريب.

***

بقلم نورالدين حنيف أبوشامة

............................

2 – المتنُ المقروء:

حب ضائع في أرض يباب.. ومقصلة

أغلق ملف دراسته النقدية التي لم يكملها بعد.. خرج يبحث عن كتاب الحب في دروب المدينة.. لم يجد ضالته في الدكاكين والأكشاك والحمّامات والمقاهي.. لم يعرف طريقه إلى مكتبة في دروب لا تعرفه.. كل الوجوه التي يصادفها في طريقه لا تعرفه.. كل الوجوه لا تعرف الحب الضائع الذي يبحث عنه رجل لا يعرفونه.. وصل إلى مركز المدينة.. سأل كلَّ الناس عن مكتبة.. لم ينتبه إلى أن فرقة من الناس كانت تتغامز من وراء ظهره.. لم يلاحظ أن فرقة من الناس كانت تشفق على رجل يبحث عن كتاب حب ضائع في دروب أرض يباب.. تعب.. جلس على رصيف قديم.. أخرج من جيبه ورقة وقلماً.. كتب "هذا كتاب الحب والضياع".. بدأ يسرد.. يسرد.. يسرد.. يتعرق.. يتعرق.. يتعرق.. يرتجف.. أحس بحركة حوله.. رفع رأسه.. شاهد مقصلة منصوبة أمامه.. وعديد جلادين بألف قناع وقناع.. أشعل آخر سيجارة سوداء متبقية في علبته القديمة.. نفث من صدره سحابة دخان أسود كثيفة.. واصل سرده.

***

قصة.. ليست قصيرة. عبد الرحمن بوطيب.

الدار البيضاء / المغرب: الخميس 11 أبريل 2024.

في المثقف اليوم