 أقلام ثقافية

عقيل العبود: مقصلة موت مؤجل.. مشاهد تسعينية مضطربة

كان عائداً من وحدته العسكرية بإجازة دورية، ولم يكن يكترث لحالة الذعر التي ارتبطت بمصير وطن، افترست روحه أجنحة الموت، بعد أن تساقطت جسور العابرين، وعُطلت حركة السير بين المدن، لتطفو الأرض وسط خلاء يقطنه برد الخوف، والجوع، والألم، وينسف احشاءه ليل الروع.

**

نُسِفَت محطات الكهرباء، والوقود، ومخازن الغذاء؛ السايلو، وتحطمت معالم البنى التحتية، بما في ذلك مركز الطاقة الكهربائية، والمستشفيات، والمدارس، ومراكز الخدمات المدنية، والمؤسسات الحكومية.

**

باتت حركة السير أشبه بشريان جسد ينخر روحه الهلع؛ جنود يرتدون بزاتهم العسكرية بطريقة مبعثرة، سيطرات الانضباط العسكري اختفت تماماً، انقطعت الاتصالات الخاصة بخدمات شبكات الهاتف ، سيارات النقل القلاب حلت محل الباصات، أوالحافلات، لنقل مَن يريد الوصول إلى بيته، أو وحدته العسكرية.

**

ابتدأت المنشورات التي كانت تقذف بها طائرات قوات التحالف إلى ضباط الجيش، والمعسكرات، تدعوهم فيها إلى ترك معسكراتهم، تؤثر في نفوس الناس؛ ذلك تزامناً مع دعوتهم إلى استلام المؤن، والمساعدات الغذائية، والماء تحت ظل حصار شامل.

**

افترش نهر الفرات ذراعيه بعد انقطاع مياه الشرب، بينما حل خشب الأشجار محل الوقود، وعلى غرار ذلك تحولت قناني الزجاج إلى مصابيح، على نمط الفوانيس حيث تمرر قطعة قماش منقوعة بالنفط عند حافة تمر، أو عجينة خبز تمسك نهايتها البائسة، لتطلق الضوء باهتاً.

**

أصبحت العبارات، والزوارق النهرية وسائل نقل معتمدة للمسافرين، والقادمين من ثكناتهم العسكرية.

**

غدا الانتقال من مدينة إلى أخرى يحتاج إلى يومين وثلاثة، هذا لمن يمتلك القدرة على التزاحم مع المسافرين، أو لمن يحالفه الحظ؛ ذلك بعد أن أضحت معالم الحياة أشبه بمقابر تتوسطها أطلال كيانات هشة.

**

الناصرية في ذلك اليوم اختفت معالم ملامحها، وتغيرت صور شوارعها، ومحلاتها وسط عتمة من السواد لا نظير لها حتى في عالم الأشباح، أو في المنام حين يجد الإنسان نفسه قد ضل الطريق وهو يمشي في غياهب ليل بلا عيون، لولا وميض طائرة حلقت، لتعقبها صفارات إنذار، ثم انفجار بناية مجاورة ، لما يسمى بدائرة الدفاع المدني.

**

واصل السير باتجاه الشوارع المتاخمة لمكان سكناه، مع شتاء يوم ممطر، مثل معوق حرب يتكئ على صولجان جراحه في شوارع مقفرة، يستل بقايا أنفاسه وقد أجهده التعب، والجوع والعطش، أملًا بلقاء محبيه، وزوجته التي تركها حاملاً تحت رعاية أهلها قبل أن يغيب.

***

عقيل العبود

.....................

* يوم فرضت قوات التحالف سيطرتها على المدن، وما سبق "انتفاضة شعبان".

* أضطر الناس إلى تسخين الماء، وتنقيته بقطع قماش بعد انقطاع مياه الشرب، واستعمال القناني الزجاجية للإضاءة.

* التكملة ستأتي إن شاءالله. 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5682 المصادف: 2022-03-27 03:58:15


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5776 المصادف: الاربعاء 29 - 06 - 2022م