أقلام ثقافية

محسن الأكرمين: الهوية الثقافية في تراث مدينة مكناس

يستمد نقاش الهوية الثقافية كنموذج مكناس أسسه اللازمة من النظريات الاجتماعية المتنوعة، والتي حتما تتوزع من حيث مكونات البنية الإثنية، وكذا من وضعيات أصناف الطبقات الاجتماعية. لكن، وازع القيم والمعتقدات المشتركة التكاملية قد وحدت المدينة بالجمع لا الإفراد. فالمدينة انطلقت قديما وحاضرا من الهوية الانفرادية (الفهم الذاتي الإثني) إلى الهويات المشتركة، وتطويق غياب التجانس والاختلاف.

فأنساق الهويات الجماعية قد نقلت المدينة من الهويات الخشنة الثقيلة نحو الهوية الناعمة والخفيفة، سواء في سلاسة اعتناق الهوية الوطنية الموحدة (تمغربيت). من تم نصل بدا نحو مفهوم الحديث عن الهوية والتطابق والاختلاف (علم التاريخ النقدي)، وهي مسألة نقاش الذات والهوية، التي يكون فيه الزمان صيرورة بين حاضر منفصل عن الماضي وعن المستقبل، مع حتمية الخوف من إمكانية ضياع الوعي من داخل الذاكرة التاريخية المشتركة.

حقيقة، لم يعد تراث مدينة مكناس رؤية عين مجردة واصفة، فاليوم أُحب الحديث عن مسألة تراث مدينة، ولن أنجر نحو حد التأصيل، وذكر التقسيمات والتعريفات، بل أرغب في مناولة تراث ماضي المدينة كخصوصية حضارية ولما لا تحويل الزمان الماضي إلى حاضر متحرك، وجعل الاختلاف في خدمة التطابق (عبد السلام بنعبد العالي / كتاب هايدغر ضد هيجل التراث والاختلاف).

من صدق الدفوعات، أن تاريخ مكناس تجده موشوما (التراث المادي) على جسم الساكنة وسمع آذانهم (التراث اللامادي)، من خلال ألقاب وأنساب تلتصق بشواهد المدينة العتيقة، وهذا طرح تقليدي لمفهوم التراث الذي يبحث عن التأثيرات والاستمرارية والامتداد. وقد يكون نفسه غائبا في وعي أحفاد السلف، من خلال النسيان الذي قد يسببه التقادم في مُركبات ذاكرة مدينة مكناس.

مسألة التراث تنتعش شدة في ملابسات سياسية وفكرية تخلط الحق بالباطل، ويمكن أن تكون ذات قيمة تحليلية وتفكيكية لقضايا مكناس التاريخية، و يمكن أن ترتعش الملابسات عند شط تقويض وتكسير ماضي المدينة باعتبار أن تراث نُخلفه من ورائنا، والحاضر يَسرقنا ضمن الذاكرة المضادة للمستقبل، حينها يتم التطويح الصريح بالمدينة في المستقبل بلا سند من  المرجعية التاريخية الذي ما ينفك يمضي.

 إن خلخلة تلك المركزيات المنهجية (الملابسات السياسية والفكرية) من تاريخ الماضي، وتهميش المدينة في الحاضر ما يفتأ يحضر بالمنغصات الشديدة، وهي خلخلة مَعيبة من حيث حساب الهوة السحيقة بِأُبَّهَة التاريخ الحقيقي بالمدينة، وهذا لا يتم كذاتية تعويضية لتقوية الوهم بخلود الحقيقة (نقد خرافة التراث)، وكسب رهانات الاختلاف والانفصال والتباعد في الزمن الحاضر والمستقبل كفرص مضادة، وتهديدات تدمر امتداد تراث المدينة.

فمحاربة التضخم في المفاهيم الماضوية (خرافة الوهم بالخلود)، وجعل المدينة تلتصق بالماضي فقط (الزمن الذهبي)، يُعتبر مدخلا أساسيا لتجفيف مستنقع العلاقة الفارقة بين ماضي المدينة وحاضر مكناس التي تبحث بُدا في امتلاك التنمية الذكية، وقد يغيب مفهوم الوحدة التاريخية (التقليد والحداثة)، لهذا لا زال تراث مكناس ينطوي على الخواء رغم امتلائه كقيمة مادية حضارية وطنية.

إن قراءة تاريخ المدينة بنيويا لا يقوض حاضرها ولا مستقبلها بالترهل، لذا يجب أن تمتد القراءة نحو كشف اللامنكشف، و تأصيل الذات قراءة بنيوية، لا يَنْخرها التباعد ولا الفراغات في الزمان و لا بياضات الأمكنة، ولا حتى الاختلاف المنصهر بلا معالجة صادمة للشوائب. فإذا كانت معايير القيم المتحركة تتجدد ضمن حوض المدينة المتحول اجتماعيا ووظيفيا، فإنه من الحتمي الاستفادة من الطاقات والإمكانات الكامنة ضمن مسألة التراث الصامت، في أفق نظرية إعادة التوظيف والتسويق المتكلم. ولما لا، محاولات ترتيب عمليات الإصغاء للأصوات المتعددة (التنوع والاختلاف) لتقوية خلود تراث مدينة مكناس في الحاضر والمستقبل، على اعتبار التراث يمثل ميزة الثقافة العالمة.

 نعم، هنالك قناعة بإمكانية التغيير على المدى القريب (تثمين المدينة العتيقة لمكناس، وإعادة التوظيف النموذجي) في حاضر ومستقبل مكناس، وذلك على مستوى المعرفة التامة بالسياسات العمومية للمدينة. فالنجاح في هذا الصنف من التحول يتمسك بجدوى نواجذ الدراسة الاستشرافية، ويمكن اعتبار هذا  الموجه الأساس لصناعة مكناس الجديد.

***

محسن الأكرمين

في المثقف اليوم