أقلام ثقافية
صابر الحميدي: ثلاث روايات ازدانت بهنّ مكتبتي
ليست الكتب التي تستقرّ على الرفوف أوراقًا مجلّدة فحسب، بل هي أعمار أخرى نعيشها، ومدن نؤثثها في الداخل قبل أن نؤثث بها زوايا المكتبة. وحين أتأمّل هذه الروايات الثلاث مصطفّةً في هدوء، أشعر أنّها لا تتجاور فوق الخشب بقدر ما تتحاور في أعماق الروح.
«مدينة تسكنني» ليست رواية عن مدينة، بل عن ذلك المكان الخفيّ الذي يظلّ يقيم فينا مهما ابتعدنا عنه. فبعض المدن لا تُرسم على الخرائط، بل تُنقش في الذاكرة، وتتحوّل إلى نبضٍ سرّيّ يرافقنا كلّما ظننّا أنّنا غادرناها.
أما «أقحوان منتصف الليل» فهي شهادة على قدرة الجمال على أن يزهر في أكثر اللحظات عتمة. فليس الليل نقيض الضوء دائمًا، بل قد يكون رحمًا للحلم، ومساحةً تكتشف فيها الأرواح هشاشتها وقوّتها في آنٍ واحد. وكما تتفتّح الأقحوانة في صمت، تتفتّح المعاني العميقة بعيدًا عن ضجيج النهار.
ثم تأتي «أجنحة الشوك» لتذكّرنا بأن التحليق الحقيقي لا يولد من الراحة، بل من الألم. فالشوك ليس دائمًا عائقًا، بل قد يكون الدرس الذي يمنح الأجنحة صلابتها. وما من إنسان بلغ سماءه الخاصة إلا وحمل في قلبه بعضًا من جراح الطريق.
هذه الروايات الثلاث ليست مجرد عناوين في مكتبتي؛ إنها محطات من رحلة البحث عن الذات. واحدة تسكن الذاكرة، وأخرى تنير العتمة، وثالثة تعلّم القلب كيف يحلّق رغم الجراح. لذلك أراها كلّ يوم كأنها مرايا صغيرة تعكس وجوهًا مختلفة من الحكاية ذاتها: حكاية الإنسان وهو يعبر الحياة بين الحلم والحنين والأمل.
وحين يزورني الصمت، أجدها هناك، متراصّةً في وقارٍ جميل، لا تزيّن مكتبتي فحسب، بل تزيّن شيئًا أعمق من ذلك بكثير: تزيّن روحي.
***
د. صابر الحميدي







