قضايا
قاسم المحبشي: الأجيال والمستقبل بين التحدي والاستجابة
سؤال يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه يخفي وراءه واحداً من أعقد الأسئلة التي واجهت الفكر الإنساني منذ أن بدأ الإنسان يتأمل معنى وجوده في الزمن. فكل جيل يقف عند مفترق طرق بين ميراث ثقيل يأتيه من الماضي، وأفق مفتوح يستدعي منه الفعل والابتكار. وبين هذين القطبين تتحدد مكانة الإنسان في التاريخ: أهو وريث لما أنجزه الأسلاف، أم صانع لما سيتركه للأحفاد؟.
وأنا أتأمل في نظرية المجايلة التاريخية وفلسفة التكوين عند المفكر العربي سيّار الجميل، بدا لي أن التاريخ لا يتحرك بوصفه مجرد تعاقب زمني للأحداث، بل بوصفه منوال لفعل للأجيال المتعاقبة بحسب فيلسوف التاريخ الأمريكي جوزيف هربرت مولر (1905–1980) الذي أكد إن التاريخ نسيخ متشابك ومعقد من افعال مليارات الناس افرادا وجماعات ومؤسسات وافكارهم وعلاقاتهم الاجتماعية اثناء ممارستهم اليومية لحياتهم في كل مكان وزمان فالأجيال ليست وحدات عمرية معزولة السياق الحيوي للمارسة الاجتماعية، وإنما هي جماعات تاريخية تحمل رؤى وقيمًا وخبرات ومصالح مختلفة، وتدخل في حوار دائم مع ما سبقها وما سيأتي بعدها.
إن تعاقب الأجيال في المجتمعات البشرية حقيقة بيولوجية واجتماعية في آن واحد. فالآباء يفسحون المجال للأبناء، والأبناء يصبحون آباءً، والأحفاد يتحولون بدورهم إلى فاعلين جدد في مسرح التاريخ. غير أن هذه الحقيقة الطبيعية لا تفسر وحدها حركة المجتمعات. فالفرد لا يعيش بوصفه كائناً بيولوجياً فقط، بل بوصفه حاملاً لجملة من الأدوار الاجتماعية التي تحدد مكانته ووظيفته وعلاقاته بالآخرين. دور الأب ودور الأم ودور الابن ودور الابنة ودور الزوج / الزوجة ودور الجد، الجدة، ودور، الطفل، ودور، الطفلة ودور التلميذ ودور، الطالب ودور الزميل ودور المدير ودور السجان ودور الجلاد ودور القاضي ..الخ)؟إذ أكدت نظرية الدور الاجتماعي بأن سلــوك الفرد وعلاقاته الاجتماعيـة انمـا تعتمد على الأدوار الاجتماعيـة التـي يشغلهــا فــي المجتمــع. فضــلاً عــن أن منزلته ومكانته تعتمد على ادواره الاجتماعية المعترف بها والمقدرة اجتماعيا خير تقديرا. فلا سلطة الا بوظيفة ولا وظيفة الا بدور اجتماعي ولا دور اجتماعي الا بفاعل اجتماعي يقوم به صاحبه في المجتمع. والدور هو نمط الأفعال أو التصرفات التي يتعلمها الأشخاص أما بشكل مقصود أو بشكل تقليدي عبر المحاكاة والتكرار للهابيتوس الثقافي بحسب بورديو وحينما يتكرر السلوك يصير عادة وحينما تترسخ العادة تصير ثقافة. ويتوزع الرأسمال الثقافي بحسب بيير بورديو الى ثلاثة عناصر هي شكل متجسد في الهابيتوس الثقافي وتكمن وظيفته في جعل الانسان كائنا اجتماعيا ومشاركا في الفضاء العام، وشكل مموضع في مستوى ثان يتكون من منافع ثقافية وخيرات رمزية مثل الكتب والآثار الفنية والأدوات الرقمية وتتمثل مهمتها في حزن وحفظ العناصر الثقافية، وشكل مؤسساتي في مقام ثالث ويتمثل في العناوين المدرسية والمتاحف والمكتبات ودور الثقافة والمسرح والسينما وتتمثل مهمته في عرضه للمنتوجات الثقافية للفرجة والتقبل والتداول التوزيع والاستعراض والاستهلاك وبالتالي تتحول هذه المؤسسات الى سوق ثقافي. وهكذا يمكن القول أن الناس هو الذين يشكلون ثقافتهم بما يبدعونه من علم وفن وأدب ثم تقوم هي بتشكيلهم بما تحتويه من معرفة وقيم وعادات وافكار وانماط الحياة فهي كل ما نفكر به أو نمتلكه ونمارسه في المجتمع وتُعدّ الثقافة، وفق تعريف عالم الاجتماع الأمريكي روبرت بيرستد، ذلك الكل المركب الذي يشمل ما يفكر فيه الإنسان وما يقوم به وما يمتلكه بوصفه عضواً في المجتمع.
والناس يصنعون تاريخهم بقدر ما تصنعهم ثقافتهم. فهم ينتجون المعرفة والفنون والآداب والمؤسسات، ثم تعود هذه المنتجات لتؤثر فيهم وتشكل وعيهم وسلوكهم. ولذلك فإن الثقافة ليست شيئاً ثابتاً، بل هي عملية تاريخية متجددة تتغير بتغير الأجيال وتبدل الظروف. وحيوية أي مجتمع لا تقاس بكمية ما يمتلكه من تراث فقط، بل بقدرته على إعادة تأويل هذا التراث وتجاوزه وإنتاج أشكال جديدة من الحياة والمعنى.
ومن هنا تكتسب العلاقة بين التاريخ والأجيال أهميتها الحيوية. فالتاريخ ليس مجرد سجل للأحداث الماضية، بل هو العلم الذي يدرس العلاقة المعقدة بين الأموات والأحياء إذ إن تعاقب الأجيال المتوالدة هي الصيغة التي ابتكرتها الحياة لتتجاوز نفسها باستمرار. فالموت يفسح المجال للميلاد، والماضي يفسح المجال للمستقبل، والتاريخ يتجدد لأن الأحياء لا يكفون عن إعادة تفسير العالم وصياغته من جديد. ولهذا فإن التاريخ الحقيقي ليس تاريخ الموتى، بل تاريخ الأحياء الذين يحاولون تدبير حاضرهم وصناعة مستقبلهم في ظل شروط ورثوها من أسلافهم ولم يختاروها بأنفسهم.
وتتشكل الجماعات والمجتمعات البشرية وتنمو وتستمر وتستقر وتزدهر في سياق اجتماعي تاريخي ثقافي علائقي تفاعلي يتكون من أربعة انساق أساسية؛ (فاعل، فعل، علاقة، بنية) فضلا عن المكان والزمان بوصفهما إطارنا قبليان بحسب كانط تلك العناصر الأربعة وما ينجم عنها من مظاهر وظواهر وأشكال ورموز وقيم وتمثلات يعاد صياغتها وبناؤها باستمرار في خضم عملية ممارسة الفاعلون الاجتماعيون لحياتهم المتعينة ماديا ومعنويا واقعيا وافتراضيا بمختلف صيغ وصور وأنماط تمظهراتها العلائقية ؛ بين أنا _ أنت، ذات _ أخر _ نحن _ هم وغير ذلك من اشكال العلاقات الاجتماعية المتغيرة باستمرار والتي لا تدوم على حال من الأحوال وتجلياتها المختلفة والتي بدونها يصعب الحديث عن الظاهرة الاجتماعية بوصفها ظاهرة قابلة للرؤية والدراسة والفهم. كتب ابن خلدون "
إنّ اختلاف الأجيال في أحوالهم إنّما هو باختلاف نحلتهم من المعاش»
فلا وجود فعل اجتماعي بدون فاعل اجتماعي ولا وجود لعلاقة اجتماعية بدون تفاعل بين الفاعلين الاجتماعيين وهذا التفاعل الاجتماعي والعلاقة التي يقيمها عبر التكرار المستمر تشكل بنية مؤسسية شبه ثابت في سياقي التفاعلية الرمزية. فالتزاوج بين ذكور البشر وأناثهم ينجب بنية القرابة التي هي العائلة وعبر الاستمرار الدائم لهذه العلاقة تدوم البنية وهكذا هي سائر المؤسسات الاجتماعية فالمدرسة علاقة بين المعلم والمتعلم والجامعة علاقة بين الطالب والأستاذ فاذا كف التلاميذ عن الذهاب إلى المدرسة انتهت المؤسسة. وإذا كف الناس عن التزاوج الشرعي انتهت الأسرة وإذا كف الناس عن التقاضي في المحكمة انتهت مؤسسة العدالة واذا كف الناس عن الرقص والغناء والفرح إنتهت المؤسسات الفنية. وإذا كف الناس عن الالتزام بالدستور والقانون انتهت المؤسسة السياسية وإذا كف الناس عن اتباع قواعد المرور إنتهت المدينة والنظام المدني. وتلك هي خلاصة نظرية التفاعلية الرمزية( فاعل، فعل، علاقة، بنية) غير أن التاريخ الجديد ينظر إلى هذا المجتمع من زواية اشمل وأعمق وقد تبلورت خبرة الإنسان في التاريخ ومحاولة فهمه وتفسيرة في جملة من المنظورات الفكرية نشير إلى أهمها التيار المتمثل بالتاريخ الجديد”
المجايلة التاريخية لا يتعلق بتعاقب الأجيال فحسب، بل بطبيعة علاقتها بالزمن نفسه. فكل جيل يجد نفسه محاطاً بماضٍ لم يصنعه، لكنه مطالب بأن يحيا في حاضر ملموس وأن يفتح طريقاً نحو مستقبل لم يتشكل بعد. ومن هنا نفهم المعنى العميق لقول بنديتو كروتشه إن «كل التاريخ تاريخ معاصر»، أو أن التاريخ كله حاضر. فالتاريخ ليس ما مضى وانقضى، بل هو دائماً فاعلية الناس الأحياء الساعين إلى تدبير حاضرهم وتجاوز ماضيهم في آن واحد.
وحين يكون الحاضر مشبعاً بالحيوية والنشاط والإنجاز والفاعلية الخلاقة، يتراجع الماضي تلقائياً إلى مكانه الطبيعي بوصفه خبرة وذاكرة وعبرة، لا بوصفه ملاذاً نفسياً أو مشروعاً سياسياً أو حلماً بديلاً. فالناس لا ينشغلون كثيراً باستعادة ما مضى عندما يكون حاضرهم زاخراً بالحياة، ومفعماً بالأمل، ومفتوحاً على إمكانات التقدم والتجدد. عندئذٍ يصبح المستقبل هو مركز الجاذبية الذي يشد انتباههم، وتغدو مشاريع الغد أكثر إثارة من بطولات الأمس.
إننا نقصد بذلك تلك الحياة اليومية العادية التي تستغرق تسعة أعشار وجودنا؛ حياة العمل والدراسة والتعلم والإنتاج والاستهلاك والعلاقات الاجتماعية وتدبير شؤون العيش. إنها عالم اللحظة الحاضرة المباشرة، العالم الملموس الذي يعيش فيه الإنسان أكثر مما يعيش في كتب التاريخ أو في تصورات المستقبل. ذلك العالم الذي تتشابك فيه الحاجات والمصالح والرهانات والصراعات والتطلعات، وتتشكل فيه أنماط السلوك والعلاقات والمؤسسات التي تصنع النسيج الحقيقي للمجتمع. إنه ما سماه بعض علماء الاجتماع «الحياة بلا مزايا»، أي الحياة اليومية العادية التي تبدو بسيطة لكنها في الواقع تمثل عصب الجسد الاجتماعي ومصدر حركته الفعلية.
لكن حين يعجز هذا الحاضر عن إشباع حاجات الناس المادية والمعنوية، وحين تضيق آفاق المستقبل وتخبو إمكانات الإنجاز والتغيير، يعود الماضي إلى الواجهة من جديد. لا يعود بوصفه موضوعاً للمعرفة التاريخية، بل بوصفه بديلاً استيهامياً يعوض نقص الحاضر وعجزه. عندئذٍ يتحول التاريخ إلى مخزن هائل للأحلام المؤجلة والتبريرات النفسية والبطولات الرمزية، ويصبح الحنين إلى الماضي تعبيراً غير مباشر عن بؤس الحاضر وانسداد أفق المستقبل.
ومن هنا فإن الاعتقاد بأن تعلق الناس بالماضي ظاهرة طبيعية أو فطرية هو تبسيط شديد للمسألة. فالإنسان لا يحن إلى الماضي لأنه قديم، بل لأنه يشعر بأن حاضره أقل قدرة على منحه المعنى والأمل. ولذلك فإن المجتمعات الحية لا تنسى تاريخها، لكنها لا تعيش فيه أيضاً. إنها تستحضره بوصفه مادة للفهم والنقد والتعلم، لا بوصفه وطناً بديلاً عن الواقع.
إننا نعيش التاريخ كما تعيش الأسماك في الماء؛ لا نستطيع الخروج منه ولا الإفلات من استحقاقاته. فإما أن نستجيب لتحدياته وننخرط في صناعة حاضره ومستقبله، وإما أن نتخلف عن حركته فيتجاوزنا كما يتجاوز القطار المتحرك من يقف على الرصيف متردداً.
تعلمنا نظرية المجايلة التاريخية وجيلنا الراهن يواجه وضعاً غير مسبوق في تاريخ الإنسانية كلها. إذ نقف على عتبة تحول حضاري عميق تعيد فيه الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي تشكيل المعرفة والعمل والتعليم والثقافة والسياسة والاقتصاد وأنماط الحياة اليومية برمتها. لقد شهد التاريخ البشري ثورات كبرى كثيرة، من الثورة الزراعية إلى الثورة الصناعية، غير أن ما نشهده اليوم يتميز بسرعة التغيير واتساعه على نحو يجعل الإنسان نفسه عاجزاً عن ملاحقة التحولات التي ينتجها.
في الأزمنة الماضية كانت الأفكار والمؤسسات والقيم تستمر أحياناً قروناً طويلة قبل أن تتعرض لتحديات جوهرية. أما اليوم فإن الفرد قد ينام على نظرية ويستيقظ على مراجعتها، ويتخرج الطالب من جامعته وقد أصبحت بعض معارفه بحاجة إلى تحديث جذري. لقد دخل العالم مرحلة تتغير فيها المعارف العلمية والتقنيات والمهارات المطلوبة بوتيرة متسارعة تجعل الثبات استثناءً والتغير قاعدة عامة. ولم يعد السؤال المركزي: ماذا نعرف؟ بل كيف نستطيع الاستمرار في التعلم وإعادة التعلم والتكيف مع عالم يتغير أسرع من قدرتنا على استيعابه.
المستقبل لا ينتظر أحداً، ولا يولد من الأمنيات ولا يتحقق بالحنين إلى الأزمنة الغابرة. المستقبل يُصنع هنا والآن، في الحاضر المعيش، من خلال العمل والمعرفة والتنظيم والإبداع. وما لم ينجزه جيل اليوم في لحظته التاريخية قد يصبح مستحيلاً على الأجيال اللاحقة. ولذلك فإن الرهان الحقيقي لأي مشروع نهضوي عربي يكمن في استنهاض الطاقة الشابة وتحويلها من طاقة كامنة إلى قوة فاعلة في المجتمع.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل المستقبل أمام الأجيال أم وراءها؟ بل: هل تمتلك الأجيال الشابة الشجاعة والمعرفة والإرادة الكافية للسير نحوه؟ فالماضي، مهما كان عظيماً، قد انقضى وانتهى، ولا يعود إلا بوصفه ذاكرة وخبرة وعبرة. أما المستقبل فهو المجال الوحيد المفتوح أمام الفعل الإنساني. إنه ليس خلفنا بل أمامنا دائماً، يستدعي منا أن نتجاوزه باستمرار، وأن نصنعه بأيدينا وعقولنا وأحلامنا. فالتاريخ لا ينتظر المترددين، والحياة لا تكافئ الواقفين على أطلال الأمس، وإنما تنحاز لأولئك الذين يملكون الجرأة على تحويل الممكن إلى واقع، والحلم إلى علم.
***
ختاماً: لعلكم سمعتم عن كتاب (الشوامل والهوامل) فقد كان البدو في الصحراء ولا زالوا يطلقون جموع الإبل في الصحراء بحثاً عن الماء والكلأ ويسمونها الهوامل، ويحتفظون بثلاث إلى سبعة من الإبل العتاق بقرب مضارب خيامهم، ويسموها الشوامل . إذ يطلقونها بعد بضعة أسابيع من غياب الهوامل لتقوم بجمع شملها والعودة بها إلى ديارها، والنخب الشابة هي شوامل اليوم ورواد مشاريع بناء المجتمع الجديد التي ستظهر نتائجها المثمرة على المدى البعيد.
***
ا. د. قاسم المحبشي







