عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

ناجي الفتلاوي: الظمأ الأنطولوجي عند عبد الجبار الرفاعي

وعطش الكينونة عند تولستوي وهِرمان هِسّه وساراماغو

ابتداء اسمح لنفسي بصياغة مكثفة لمفهوم الظمأ الانطولوجي عند المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي ويمكنني القول: إن الظمأ الأنطولوجي هو شعور الإنسان الدائم بالنقص الوجودي الذي يدفعه إلى البحث عن المعنى والحقيقة والسكينة الروحية، بوصفه حاجةً أصيلةً في الكينونة الإنسانية لا تقل أهمية عن حاجاته البيولوجية. يرى الرفاعي أن الدين في جوهره التاريخي والروحي نشأ، استجابةً لهذا الظمأ، أي بوصفه محاولةً لإرواء عطش الإنسان إلى المعنى، لا مجرد منظومة من الأحكام والطقوس.

 وانطلاقًا مما تقدم، وولوجًا إلى مقاربة رباعية يحضر فيها ليو تولستوي وجوزيه ساراماغو وهرمان هِسّه، فضلًا عن الرفاعي، يمكن أن ننتهي إلى تعريف مكثف "للظمأ الأنطولوجي" بأنه "صرخة الروح للاستيقاظ"، أو أنه "عطش الروح إلى المطلق، ذلك العطش الذي لا ترويه مباهج الدنيا، وإنما يرويه المعنى حين يستقر في أعماق الكينونة". فليس الجوع إلى الخبز وحده ما يحرك الإنسان، ولا العطش إلى الماء وحده ما يدفعه إلى البحث، ففي أعماق الكائن البشري عطش آخر أشد خفاءً وأكثر إلحاحًا، عطش لا ترويه الثروة ولا السلطة ولا الألقاب الزائفة ولا أوهام العظمة والشهرة، ولا لذة التعرف إلى تضاريس الحياة وتجاربها المتنوعة. إنه ما يسميه الرفاعي "الظمأ الأنطولوجي"، هو ذلك الشوق العميق إلى المعنى، والشعور بالحاجة إلى ما يمنح الوجود قيمة تتجاوز حدود اليومي والعابر. يرى الرفاعي أن الإنسان، فضلًا عن كونه كائنًا بيولوجيًا واجتماعيًا، هو أيضًا كائن معنوي وروحي يعيش قلقًا وجوديًا دائمًا، يمكن وصفه بالقلق النبيل، لأن في داخله فراغًا لا تستطيع المادة وما يترشح عنها أن تملأه. الظمأ الأنطولوجي عنده هو الحاجة الأصيلة إلى المعنى الخلاق، وإلى اكتشاف أسرار ما وراء الحياة والموت والألم والحب والمصير. إنه سؤال البدايات، والغوص بحثًا عن الجذور.

 وعندما ننتقل إلى الروسي ليو تولستوي، الكاتب والمفكر والروائي المتوفى سنة 1910، نجد أنفسنا أمام تجربة مشابهة، وإن اختلفت اللغة والمصطلحات. فقد بلغ تولستوي قمة المجد الأدبي والاجتماعي، ثم وجد نفسه فجأة أمام سؤال مرعب: لماذا أعيش؟ وما جدوى هذا النجاح كله إذا كان الموت ينتظر الجميع؟ في كتابه "اعتراف" يصف تلك الأزمة الوجودية التي كادت تدفعه إلى الانتحار. لم يكن ينقصه شيء من متاع الدنيا، غير أن روحه كانت تصرخ طلبًا للمعنى. هنا يتجلى الظمأ الأنطولوجي في صورته الحادة؛ المشكلة ليست في فقدان الأشياء، وإنما في فقدان دلالتها.

 أما هرمان هِسّه، الروائي الألماني السويسري وأحد أبرز كتّاب القرن العشرين، فقد عبّر عن هذا الظمأ بلغة أكثر شاعرية وروحانية، ففي "سدهارتا" و"دميان" و"ذئب البراري" تتكرر صورة الإنسان الذي يشعر بالغربة عن ذاته والعالم، فينطلق في رحلة داخلية بحثًا عن الحقيقة. والأزمة الوجودية عند هِسّه ليست لعنة، وإنما بداية تحول روحي؛ الروح لا تستيقظ إلا عندما تشعر بعدم كفاية الأجوبة الجاهزة، وتدرك أن الامتلاء الحقيقي لا يأتي من الخارج، وإنما من رحلة اكتشاف الذات.

أما جوزيه ساراماغو، الروائي والكاتب والصحفي البرتغالي المتوفى سنة 2010، والحائز جائزة نوبل للآداب سنة 1998، فيقارب المسألة من زاوية مختلفة. ففي أعماله الروائية تتجلى هشاشة المعنى عندما تفقد المؤسسات قدرتها على إقناع الإنسان، ويجد الفرد نفسه وحيدًا أمام أسئلة المصير والحرية والمسؤولية. تبدو شخصياته وكأنها تعيش في عالم فقد يقينياته الكبرى، لكنها لا تتوقف عن البحث. إن الظمأ عند ساراماغو ليس بحثًا عن أجوبة نهائية، بقدر ما هو مقاومة للفراغ وإصرار على أن الإنسان لا يكتمل إلا بالسؤال، فهو كائن خُلق ليسأل.

وعلى الرغم من اختلاف الخلفيات الفكرية لهؤلاء الأربعة، فإن ثمة خيطًا عميقًا يجمع بينهم. الظمأ الأنطولوجي عند الرفاعي، وأزمة المعنى عند تولستوي، والرحلة الروحية عند هِسّه، والبحث القلق عند ساراماغو، كلها تعبر عن حقيقة واحدة مفادها أن الإنسان أكبر من حاجاته المادية، ففي داخله توق دائم إلى ما يتجاوز الواقع المباشر، وإلى ما يمنحه إحساسًا بأن حياته ليست حادثة عابرة في كون صامت.

 غير أن الاختلاف يتجلى في مآلات هذا الظمأ؛ فتولستوي انتهى إلى الإيمان بوصفه جوابًا عن سؤال المعنى، ورأى هِسّه أن الطريق يمر عبر التجربة الروحية الفردية واكتشاف الذات، أما ساراماغو فظل أقرب إلى أفق السؤال المفتوح، حيث لا توجد إجابات نهائية بقدر ما توجد مسؤولية إنسانية مستمرة في مواجهة العبث. في حين يحاول الرفاعي أن يؤسس لرؤية ترى في الدين مجالًا لإرواء العطش الوجودي، كما يعرفه بوصفه: "حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة الإنسان الوجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياته الفردية والاجتماعية"، شريطة أن يتحرر من الجمود والتوظيف الأيديولوجي، وأن يستعيد بعده الروحي والأخلاقي والإنساني.

***

د. ناجي الفتلاوي – كاتب عراقي