قضايا
علاء جواد كاظم: ظاهرة الاغتراب التعليمي
إن لوحة تراجع التعليم التي تم تناولها لا تعد مجرد عدم توازن سطحي في بنية النظام التعليمي، بل تظهر حالة عميقة من الانفصال النظامي والبنيوي، ويمكن تسميتها بظاهرة "الاغتراب التعليمي" من الناحية الفلسفية. وتتجلى ظاهرة الاغتراب التعليمي (المعرفي) عندما ينفصل الطالب عن انتاج المعرفة، والمعلم عن دوره الحقيقي في عملية التعليم، وبالنتيجة ينفصل التعليم كمنظومة تربوية عن غايتها الحقيقية في بناء الانسان.
يعد الاغتراب مصطلح مهم من مصطلحات الفلسفة، وهو تعتبير عن حالة الغربة او الانفصال بين الذات البشرية وبين ما يجب ان يكون متصلا بها، وهو يشير الى حالة شعور الفرد بأنه "منفصل او غريب" عن محيطه الاجتماعي، او فقدانه السيطرة على قراراته او حياته. ويرى هيجل وماركس أن الاغتراب الفلسفي يكون عندما يغترب العامل عن منتجه لانه لا يجده في نفسه، بل يكون مجرد اداة في ماكنة المعمل.
اما الاغتراب الاجتماعي فهو حالة شعور الانسان بالعزلة عن مجتمعه او عدم الانتماء لقوانينه وقيمه وعاداته وتقاليده، مما يسبب حالة من اللامبالاة. بينما يشير الاغتراب النفسي الى انفصال الفرد عن ذاته الحقيقية ويتصرف كما يريده الاخرون لا وفق قناعاته الشخصية، فيشعر بحالة من الخواء الداخلي.
اما الاغتراب التعليمي مفهوم حديث يشير الى حالة من الانفصال بين مكونات العملية التعليمية الاساسية والتي يفقد بها النظام التعليمي علاقته الحقيقية بالمعرفة، ويفقد المعلم والمتعلم دوره النشط والفعال في التفكير لانتاج المعرفة الجديدة.
ويعد الاغتراب التعليمي (المعرفي) من الظواهر التربوية المعاصرة ويعرف بالشكل الجديد من "اللا تفكير" والذي يعكس حالة من الانفصال بين ما يتعلمه الفرد داخل المدرسة او الجامعة وبين الواقع الحياتي الذي يعيشه، ويظهر هذا المفهوم المعاصر عندما يفقد الطالب الشعور بقيمة ما يحصل عليه من معرفة ولا يجد لها تطبيقا عمليا في حياته اليومية.
ويتكون هذا الشكل من الاغتراب في التعليم بسبب الانظمة التربوية القائمة على الاساليب التقليدية في التعليم البنكي والتي تعتمد على نقل المعلومة بطريقة مجردة دون ربطها بسياقات واقعية او مشكلات حقيقية. ونتيجة لذلك، تتحول المعرفة الى مادة جامدة ومنفصلة عن خبرة الطالب الشخصية واهتماماته واتجاهاته.
ونجد مفهوم الاغتراب المعرفي في السياق التعليمي، عندما تتحول المعرفة من وسيلة للفهم الى "حمل غريب" يفرض على المتعلم، وهو بهذا يمثل فجوة بين ما يتعلمه الطالب في المدرسة او الجامعة وبين واقعه وذاته ومستقبله. ونستدل على هذا المفهوم في التعليم من خلال دلالة انفصال النص الدراسي عن الواقع الحياتي، وعندما يدرس المتعلم فرضيات ونظريات في علم النفس او علم الاجتماع او علم الاحصاء وغيرها من العلوم الانسانية او الصرفة، لكنه لا يستطيع تطبيقها او توظيفها لفهم وتحليل مشكلة ما في بيئته الاجتماعية او مجال عمله الوظيفي، وهنا تصبح المعلومة "كتلة غريبة" تسكن ذهنه لفترة محدودة ومن ثم تتلاشى.
وعندما يتعامل المتعلم مع المنهج الدراسي كعائق يجب التخلص منه مجرد انتهاء الاختبار، تصبح المعرفة سلعة لا قيمة حقيقية لها، وهنا ينفصل الطالب عن المعرفة لان هدفه من التعلم كان مجرد الحصول على الدرجة لا الفهم والتطبيق للاستفادة منها في الحياة. ونجد ايضا الاغتراب الادواتي في حالة استخدام البرامج الاحصائية او ادوات الذكاء الاصطناعي دون فهم المعنى المنطقي او الرياضي ورائها، فحينها يصبح المتعلم مشغلا للالة بدلا من كونه مفكرا ومحاورا وباحثا عن المعنى.
ويعد هذا الاغتراب في التعليم خطرا كبيرا، لانه يشكل ما يسمى بمفهوم "العقل المستقيل" وهو ذلك العقل "اللا رشيد" الذي يمتلك حشو معلوماتي لكنه خالي من الروح والمقدرة على الشك والتفكير والنقد الذاتي، وحينها يصبح الطالب منفصل معرفيا ويسهل انقياده فكريا، لانه ببساطة لم يتعلم كيف يحصل على المعرفة من خلال السؤال والتفكير والشك والنقد، بل مجرد يتعلم كيف يطيعها.
وأن ما طرحه ايمانويل كانط من فكرته حول مفهوم "قصور العقل" يطابق هذا المفهوم المعاصر عندما يكون الانسان "عاجزا عن استخدام عقله دون توجيه من الاخرين"، وفي التعليم عندما يعجز المتعلم عن تدريب عقله على الحوار والتفكير في غرفة الصف، يستقيل عقله، وحين يستقيل عقله، تنهار المعاني والافكار، وتتحول المعرفة الى كلمات محفوظة بلا معاني حقيقية.
لكن يمكن الانتقال من حالة "اللا تفكير" او الاغتراب المعرفي الى حالة "الاتصال والتمكين" اذا غيرنا فلسفة تعليمنا وحولناها من نموذج التعليم البنكي الى الفهم والتحليل والحوار ليصبح الطالب شريكا معرفيا في بناء المعرفة لا مجرد مستهلك لها.
أن وجود حالة الاغتراب التعليمي تمثل تحديا حقيقيا امام نظام التعليم، لانه يفصل المحتوى التعليمي من مضمونه الحقيقي ويحوله الى عملية ظاهرية او شكلية، وأن اعادة تشكيل وبناء العلاقة بين حياة الانسان والمعرفة تعد مهمة اساسية لضمان مفهوم التعليم التحرري وتحقيق هذا الهدف من خلال بناء فلسفة قائمة على مشروع لتحرير العقل المدرسي.
وما يشهده التعليم من تراجع هو نتيجة منطقية لحالة الاغتراب التعليمي، وأن اي محاولة اصلاحية حقيقية يجب ان تنطلق من اعادة العلاقة بين ما انقطع بين التعليم والتفكير، وبين الحياة والمعرفة، وبين المعلم والمتعلم ودورهما الحقيقي في خلق المعرفة الجديدة. ومن هنا فأن كسر حاجز هذا الاغتراب في التعليم يبدأ من مدخل "انسنة التعليم" اي الرجوع الى الجانب الانساني والاجتماعي في عملية التعليم، لان المعرفة التي لا تطابق الواقع الحقيقي للمتعلم او لا تحل ولا تجيب على اسئلته في الحياة، حتما ستبقى معرفة مغتربة وبعيدة عن الواقع.
***
علاء جواد كاظم







