أقلام فكرية

اشكال المواطنة (1-3)

1ـ المواطنة: أيّ حدود للمفهوم؟

2ـ أيّ مفهوم للمواطنة نريد؟

3ـ المواطنة الحديثة وصلتها بتقاليد المدنيّة الجمهوريّة

أ) المواطنة: أيّ حدود للمفهوم؟

مستهلّ:

ماذا تعني المواطنة؟ ما الذي يفترض وجود الفرد ليكتسب صفة مواطن بالفعل؟ أين تقع حدود المواطنة إن كانت للمواطنة حدود؟ جوابا عن هذه الأسئلة ستتناول هذه الدّراسة مفهوم المواطنة وتبني تصوّرا عن ممارستها فعليّا داخل حدود علم الاجتماع السّياسيّ، لمقاربة ذلك سأبدأ بالسّؤال الأوّل.

ما معنى المواطنة

يعتبر المفهوم مثل أغلب مفاهيم النّظريّة السّياسيّة محلّ خلاف إذ هناك تأويلات تحمل قواعد مختلفة حول معنى المواطنة، لذلك يتطلب الأمر تعيين حدودٍ لمفهومها لأجل توضيح ما الذي تعنيه ابتداءً. لا شكّ أنّ في الوضعيّة الوجوديّة والقانونيّة للمواطن أساسا موضوعيّا للمفهوم ومبرّرا عمليّا لممارسة مضمونه، لكنّ هناك اختلاف حول مستلزمات هذه الوضعيّة، ولأغراض الجرأة في مقاربة هذا البحث سأستعمل بكلّ وضوح المفهوم الجمهوريّ للمواطنة فأقول: يعتبر المفهوم اللّيبراليّ الذي يعرّف المواطنة بوصفها مجموع الحقوق والواجبات التي تنطبق بالتّساوي على كافّة الأفراد في المجتمع السّياسيّ منافسا رئيسا للمفهوم الجمهوريّ للمواطنة.[1] فأنْ تكون مواطناً يعني أنْ تتمتّع بحقوق الأمن الشّخصيّ، حرّيّة التّعبير، حقّ الانتخاب ... وهكذا، وبتماثل الحقوق مع الواجبات تفيد ممارستها الخضوع للقانون، وتجنّب الاصطدام بحقوق الآخرين.

فالنّقطة المركزيّة في المفهوم الليبراليّ للمواطنة هي الموازنة بين الحقوق والواجبات، يبدو ذلك واضحاً مع الكلاسيكيّة المحدثة متمثلةً في تفسيرات ت.هـ. مارشال[2] وفي أعمال راولز ويونغ مؤخّراً.[3] بالمقابل لا ينكر المفهوم الجمهوريّ أهمّيّة حقوق المواطن إلاّ أنّه يُعطي وزنا أكبر لفكرة المواطن الفعًال الذي يشارك الآخرينَ في النّقاش السّياسيّ وفي تشكيلِ الأطر المجتمعيّة. حيث تحتلّ المكانة القانونيّة لوضعيّة المواطنة هنا الموقع الثّاني، لأنّ الأولويّة هي للدّور الذي يتولّى المواطن القيام به كعضو عامل كامل الأهليّة في المجتمع. ومن ثمّة يغدو واجبا على الفرد ليكون مواطناً أن يفكّر ويتصرّف بطريقة محدّدة، أي أن يمتلك بشكل كافٍ مقياساً لما يدعوه التّقليد الجمهوريّ القديم الفضائل العامّة.[4]

يحدّد المفهوم الجمهوريّ صفة المواطنة بأربعة عناصر يشترك بالأوّلين منها مع المفهوم اللّيبراليّ ويتميًز بالعنصرين الأخيرين، وهذه العناصر هي:

أولاً: حقوق متساوية بالنّسبة لكافّةِ المواطنين على حدّ سواء لضرورتها في تحقيق الأهداف والأغراض الخاصّة وفي ممارسة الدّور العموميّ أيضاً. فكثير من الحقوق لها وجه مزدوج كالتّملّك وحرّيّة التّعبير مثلا، لها وجه تعتبر فيه حقّا طبيعيّا يمكّن الأفراد من إنجاز المشاريع الشّخصيّة أو الخاصّة، ووجه تعتبر معه شرطا مؤسّسا بدونه يتعذّر أن يكون المواطن فعّالاً؛ ففي غياب الاستقلال الاقتصاديّ وحرّيّة التّعبير عن الرّأي لا يسع الفرد أن يشارك بفاعليًة في النّقاش العامّ.

ثانيا: واجبات توازي هذه الحقوق كدفع الضّرائِب واحترام القانون (مع أنّه ليس ضروريّا لتحقيق العدالة الاجتماعية الخضوع في مطلق الأحوال لقانون مجحف مهما كان ظالماَ وبشكل كالح) وهكذا.

فالمواطنة من وجهة نظر الرّأيً الجمهوريّ تتضمّن بالإضافة إلى هذه الحقوق والواجبات شروطا أخرى أكثر من هذه، إنّها تتضمّن:

ثالثاً: الرّغبة في أخذ خطوات عمليًة وفعًالة للدّفاع عن حقوق الأعضاء الآخرين في المجتمع السّياسيّ، والقيام بخطوات عموميّة تعزّز المصالح العامّة، فالفرد المستعد للتّطوّع تحت عنوان الخدمة العامّة كلّما تطلّب الأمر ذلك هو مواطن بالفعل. فالتّقليد الجمهوريّ القديم يؤكّد على الخدمة العسكريّة انطلاقا من فكرة الاعتماد على المواطنين في بناء القوّات المسلّحة بدلا من المرتزقة أو من التّجنيد الإلزاميّ، لكنّ التّطوّر الرّهيب الذي حصلَ في تكنولوجيا السّلاح والحرب جعل هذه الفكرة تـفـقد قيمتها، لذلك أخذت الخدمة العامّة أهمّيّة أكبر داخل المجتمع المدنيّ.

رابعا وأخيراً: التزام المواطن تجاه المجتمع الجمهوريّ بأداء دور فعّال في الميدانين الرّسميّ وغير الرّسميّ، وكذا بمباشرة مهامّ المشاركة السّياسيّة لمناهضة الفساد تعزيزا للمصالح المحلّيّة. ويتعيّن عليه ليكون التزامه تجاه المجتمع صحيحا على العموم أن يكون ممأسسا عبر الانتماء إلى تكتّل يتضامن فيه ويعمل من خلاله مع نظرائه من المواطنين لخدمة قضايا الشأن العامّ على أساس برنامج محدّد الأهداف، وآليّات متعارف عليها، ووسائل مشروعة ليكون نضاله باسم الصّالح العامّ ومن أجل المجتمع، وتعتبر هذه الصّيغة صيغة مثلى بالتّأكيد إذ من المتعذّر أن يتّفق المواطنون كافّة على قرار معيّن إلاّ عبر تجمّعات مصالح أو ما يسمّى اليوم أحزابا. لكن إذا حصل توافق سياسيّ على أهدف محدّدة فإنّه يصبح من الممكن الوصول إلى سياسات مرضيّة تحظى بمصادقة أغلبيّة المواطنين، لاسيما وأنّ هؤلاء لا يدافعون عن سياسات مختلف بشأنها عندما تكون هناك الخيارات البديلة والأكثر ملائمة ممكنة.

إنّ المواطنة الجمهوريّة بالمعنى الذي وصفت مثاليّة وغاية عليا تواجه ممارستها العمليّة أو تطبيقها الميدانيّ قصورا في التّحقّق أو ضعفا في التّطابق مع المثال. ويدور السّؤال بهذا الخصوص ليس حول تصور مجتمع يتصرّف فيه كلّ عضو كمواطن كامل لأنّ الجواب واضح بما فيه الكفاية، ولكن السّؤال هو حول إمكانيّة إدارة الحياة السّياسيّة على مثال النّموذج الجمهوريّ في الدّيمقراطيّة الحديثة، بمعنى هل يمكن اللّجوء لهذا النّموذج كمعيار عند تقييم أداء المؤسّسات وتقويم الممارسات؟ إنّ النّقاش يتناول هنا فحص ما إذا كان عموم النّاس يفهمون بالفعل معنى أن يكونوا مواطنين من ناحية التّمثّل والاستجابة للنّموذج الجمهوريّ.

ينظر بعض النّاس إلى المواطنة من ناحية الحقوق والواجبات أساساً، بينما ينظر آخرون إليها كصفة تشمل كافّة أعضاء المجتمع وممارسة تسهم في دعم رفاهيته وتعزيز مصالحه،[5] فليست المكانة القانونيّة للمواطن بالنّسبة للأغلبيّة شيئا هامشيّا أو معزولا بل إنّها تشكّل الجزء الأساس من هوّيّتهم،[6] فالمسألة إذن لا تتعلّق بمجرّد شعور النّاس بأنّهم مواطنون ولكن بما إن كانوا يسلكون في حياتهم اليوميّة طبقا لذلك الشّعور. تتخوّف بعض الدّراسات الحالية من ضعف المواطنة في الدّيمقراطيّات اللّيبراليّة لكنّه تخوّف مبالغ فيه، فالنّاس يمارسون نشاطهم السّياسيّ كما هو من قبل ولكن بطريقة مختلفة بعد الذي حصل من تغيير في الانتماء للأحزاب وظهور أشكال غير مؤسّساتيّة من المشاركة السّياسيّة كالمظاهرات وغيرها من الأفعال المباشرة.[7]

ليس الغرض هنا هو مطارحة الكيفيّة التي تمارس المواطنة عبرها اليوم، ولكنّ الغرض هو التّركيز على متطلبات المواطنة الجمهوريّة من ناحيتين:

الأولى: تتعلّق بافتراض أنّ المواطن لديه من الحوافز ما يكفي لتنفيذ المهامّ السّياسيّة وغير السّياسيّة التي تشملها المواطنة على الرّغم ممّا تكلّف هذه المهامّ من وقت وجهد، ومن احتمال عدم الحصول على الخبرة المطلوبة أو الوصول إلى نتيجة مرضية.[8] لأنّ النّفع العامّ يُـنتج من خلال الدّور الذي يقوم به المواطن النّشط وليس بخمول ذاك الذي لا يُرى له أثرا ولا يعرف له تأثيراً.

الثّانية: تتعلّق بمقتضيات المواطنة الجمهوريّة التي تحفّز المواطنين على التّصرّف بمسؤوليّة في الفضاء العامّ والعمل على تعزيز المصالح العامّة فتحول دون أن يقتصر دورهم على المشاركة في صناعة القرار. وهو ما يتطلّب امتلاك تصوّر راشد يسعى لإدارة وتدبير الاختلاف، وإحداث التّوازن المطلوب للاستفادة من تعدّد وتنوّع الأهداف لأنّ المطلوب هو توفّر إرادة تنجز توافقا ديمقراطيّا بعيدا عن التّحيّز للمصالح الفئويّة والرّغبات الوضعيّة. فللمواطن المسلم مثلا قناعة دينيّة راسخة حول قداسة يوم الجمعة تقضي بإقامة طقوس مخصوصة فيه، ويتعيّن عليه ــ وإن كان من الأغلبيّة ــ بدلاً من أنْ يحاول فرضها عنوة على الفضاء العموميّ لمجتمع متعدّد الملل والثّقافات أنْ يجد طريقة ملائمة تستدرج كلّ الجماعات إلى توافق مقبول وتسوية منصفة، أي أن يعمل تلك القاعدة التي وضعها روسّو التي مفادها: "لا تسأل ما هي إرادتي أو إرادة جماعتي حول هذه المسألة، ولكن اسأل ما هي الإرادة العامّة حولها!" ويتطلّب تحقيق هذا المسعى تدرّبا ذاتيا وعملا فعليّا في الميدان.

لسوء الحظّ قد يقف الحافز ضدّ المسؤوليّة مع أنّهما معا شرطان للمواطنة، فالمواطن الذي يقوم بدور عموميّ عليه أن ينهض بهذا الدّور بصرف النّظر عن الكلفة الشّخصيّة، لكنّه قد يستسلم للغايات الخاصّة فيكون غير مسؤول بالمعنى الذي أشرت إليه آنفا. إنً تعصّب الشّخص لرأيه واعتقاده بصواب أفكاره قد يمنعه من الإصغاء إلى رأي أولئك الذين لا يشاركونه نفس المواقف والأفكار، لذلك فهو لا يتحرّك للبحث عن أسس الوفاق أو الاتّفاق معهم، وهو إن أبدى ظاهرا بعض المرونة والاستعداد للتّفهّم والتّقبّل استبدّ به واقعا إغراء الرّكوب على إرادة الآخرين بتكييف مطالبهم مع أهدافه الخاصّة. لذلك كان من متطلّبات العمل بمسؤوليّة الحصول بدرجة معقولة على تأكيد وثقة بأنً الآخرين سيقومون بالشّيء نفسه.[9]

وهذا هو ما يُبـرّر تشدّد التّقليد الجمهوريّ في التّشجيع على الفضائل العامّة، وسعيه إلى أخذ خطوات باتّجاه دفع الأذى النّاتج عن الفساد الذي يضرّ المصالح الخاصّة قبل العامّة. فالأمر يتطلّب ولاء وطنيّا قويّا حسب روسّو في "العقد الاجتماعيّ"، فإذا ضعُـفَ هذا الولاء وأقتصر السّعي على تحقيق المصالح الخاصّة أخذت الدّولة في التّفسّخ وفقد النّاس دور المواطنة الفعًالة.[10] لأنّه عندما يخفت وهج الولاء للميثاق الاجتماعيّ في القلوب تصبح الإرادة العامة صامتة فيُقاد الجميع من قبل حوافز غامضة لا يبدي معها الفرد رأيه كمواطن، وتكون ماجريات الأمور والأوضاع كما لو كانت الدّولة غائبة أو غير موجودة فتُجاز المراسيم الجائرة باسم قانون لا يحقّق غير المنفعة الخاصّة.[11] تبرز الحجّة التي قدّم روسّو في "خطاب حول الاقتصاد السّياسيّ" من خلال السّؤال: (هل نريد أنً يكون النّاس أفاضل؟ وإذا كان ذلك كذلك فعلينا أنْ نجعلهم يحبّون وطنهم، ولكن كيف سيحبّونه إن كان الوطن لا يقدّم لهم أكثر ممّا يقدّم للأجانب، ولا يمنحهم سوى ما يرفض منحه للآخرين؟)[12] يقدّم روسّو قائمة مفصًلة من الاقتراحات عن كيفيّة تصميم دستور لدولة واسعة تجبر على تقليد أو ارتداء زيّ قوميّ في المناسبات، ويؤكّد بشكل خاصّ على أهمّيّة النّظام التّعليميّ.[13]

ويرى بعض الباحثين أنّ كتاب "حكومة بولندا" يعبّر عن تحوّل في تفكير روسّو من جمهوريّة دولة المدينة إلى جمهوريّة دولة العقيدة القوميّة،[14] فهل تنفع القوميّة فيما لم تنفع فيه الوطنيّة؟ وهل يصلح أن يكون الولاء لها بديلاً عن الولاء الوطنيّ لدولة المدينة أساس المواطنة الجمهوريّة؟ لقد ظهرت الأمّة في المشهد السّياسيّ بتصاعد حركة النّقل وتطوّر وسائله وتطوّر الطّباعة التي جعلت من الممكن لمجموعات كبيرة من النّاس أن يتصوّروا أنفسهم أعضاء في مجتمعات لها سمات ثقافيّة مشتركة. ويفترض أنْ يجمع مفهوم المواطنة النّاس وجها لوجه من أجل تشريع القوانين طبقا لروسّو، لكنّ أوضاع المجتمع الحديث تجعل اجتماعهم هذا غير ممكنٍ فكان من اللاّزم ابتكار وسائل أخرى تخلق الثّقة والولاء الذي تتطلّبه المواطنة.

ليس المقصود بهذه المناقشة استحضار ما للهوّيّة الوطنيّة باعتبارها فوق الهوّيّات الطّائفيّة سواء كانت دينيّة أو إثنيّة أو فئويّة من دور فاعل في إنجاح التّوافق السّياسيّ عندما تكون الهوّيّة المهيمنة في الدّولة هي هوّيّة الجماعة التي تمثّل الأغلبيّة، أو عندما تسعى الفئات المختلفة في ظروف وأوضاع التّجاذب السّياسيّ إلى تشكيل الوعي باتجاهات متضاربة فتكون المواطنة عـنوانا يبرّر سعيها وشعارا يلفّ مطالبها مثلما حصل إبّان الثّورة الفرنسيّة حينما توسّل الفرنسيّون الوطنيّة مصدرا لشرعيّة الحراك باعتبارها مناطا سياسيّا يحدّد العضويّة في المجتمع والدّولة بعدما لم تعد في هذا السّياق الجديد منزلة خاصّة لأولئك الذين ادّعوا لأنفسهم المنزلة السّامية في الأمّة.[15]

إنّما المقصود هو إظهار الهوّيّة الوطنيّة باعتبارها نتاجا عقلانيّا لذاك التّفاعل الإيجابيّ بين جماعات مختلفة تتنافس على السّلطة، ولحمة توطّد وجودها وتدعم علاقاتها لتستقـرّ أوضاعها فتتمكّن من إعداد أفرادها لأن ينظروا لأنفسهم وأن يعملوا سويّا كمواطنين. لم ينجح التّوحيد القسريّ للهوّيّات سواء بشكل كلّيّ كالذي حصل في الإتّحاد السّوفيتيّ ولا بشكل جزئيّ على نحو ما تمّ في ظلّ الحكم الإمبراطوريّ، ولم يساعد أيّ من المثالين على ازدهار المواطنة كما في نموذجها الجمهوريّ. وبذلك أستطيع الجزم بثقة أنّ الدّولة الدّيمقراطيّة أوجدت لمواطنيها هوّيّة وطنيّة مشتركة تحضن مشاركتهم السّياسيّة على الرّغم من اختلاف أجناسهم وأصولهم العرقيّة، واختلاف لغاتهم ومعتقداتهم الخاصّة، وبذلك تكون الدّيمقراطيّة اختبارا يؤكّد صدق حجّة المواطنة الجمهوريّة.

تعرّضنا لمفهوم المواطنة كما حدّدته دولة المدينة ابتداء ولاحقا ضمن نطاق ثقافة الدّولة الأمّة، ومن المفيد في هذا السّياق المقارنة بين النّموذجين الفرنسيّ والألمانيّ للمواطنة. فهذان النّموذجان يشكّلان التّطوّر التّاريخيّ لسياسة المواطنة على الرّغم من أنّ التّشريع الألمانيّ يكشف راهنا عن تحوّل باتّجاه مفهوم أكثر شموليّة[16] بمنح المواطنة على أسس واعتبارات إثنيّة في الحين الذي يشتغل فيه النّموذج الفرنسيّ على معيار الإقامة فيمنح كلّ مقيم في الإقليم الفرنسيّ صفة المواطنة ضمن سياسة تسعى لاستيعاب المهاجرين، ولضمان مستوى رفيع من الوعي بالثّقافة الوطنيّة الفرنسيّة يتمّ تكريسه من خلال نظام التّعليم. فالنّموذج الألمانيّ يقصر المواطنة على الألمان بمعيار إثنيّ، بينما يوسّع النّموذج الفرنسيّ من دائرتها لتشمل المهاجرين كما اشتغل في وقت سابق على إدماج الفلاّحين كفرنسيّين.[17]

لا تستهدف هذه المقارنة الحكم على النّموذجين الألمانيّ والفرنسيّ مع ما يحظى به النّموذج الفرنسيّ من تأييد في الغالب الأعمّ، ولكن هدفها النّظر إلى المواطنة كوضع قانونيّ لتتأتّى بعد ذلك إثارة أهمّيّة تعيين صفاتها طبيعيّا لأولئـك الذين يعتبرون أنفسهم جزءاً من شعب، ويطالبون في الوقت ذاته بحقوق الهوّيّة الثّقافية. ففي هذا ومثله يمكن القول: إنّ المواطنة في الممارسة العمليّة تكون أقرب للنّموذج اللّيبراليّ حتى في بلدان لها تقليد جمهوريّ راسخ مثل فرنسا؛ ولكنّ هذا المعنى اللّيبراليّ للمواطنة يعتمد على مستوى معيّن من التّبادليّة يلزم بالمسؤوليّة عند التّصويت وأثناء القيام بالواجبات العامّة المطلوب تنفيذها لاعتبارات المواطنة.

قد تكون هناك ظروف يستعصي معها أن تكون الهوّيّة الوطنيّة المشتركة أساسا للمواطنة في دولة يرى الأفراد فيها أنفسهم طوائف وإثـنيّات متـنازعة، أو أقلّيّات توحّد نفسها مع جماعات في دول مجاورة، فتكون الحلول المطروحة لهكذا أوضاع إمّا بتشكيل هيكل سياسيّ يسمح لجماعات مختلفة بالتّعايش والانسجام في صيغة إتّحاد ديمقراطيّ مثلا، أو بإعادة رسم حدود الدّولة.

***

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

............................

[1] هذه ليبراليّة التّعدّديّة الثّقافيّة التي تُعرًف من خلال كتاب مثل راز وكاميلكا أنظر:

Raz.J., ‘Multiculturalism: A Liberal Perspective’, Dissent,41(1) ( winter 1994).67-79; and Kymlicka,W., Multicultural Citizenship (Oxford, Clarendon Press, 1995), ch.5.

[2] Marshall, T.H., Citizenship and Social Class, (ed) Bottomore, T. (London, Pluto press, 1992).

[3] Young. I.M., Justice and the Politics of Difference (Princeton, Princeton University Press, 1990), p. 116.

[4] افضل مناقشة لهذه المسألة كانت في:

Phillips A., The Politics of Presence, Political Representation of Gender Race and Ethnicity (Oxford University Press, 1998).

[5] Young. I.M. Justice and the Politics of Difference, p.176.

[6] Young. I.M. Justice and the Politics of Difference, p. 184

[7] وجهت يونغ نقداً مشابهاً للنظريات الحالية حول الدّيمقراطيّة التّشاوريّة في:

Communication and the other: Beyond Deliberative Democracy’ in Benhabib, S(ed), Democracy and Difference (Princeton, Princeton University Press, 1996).

[8] Young. I.M Justice and the Politics of Difference  ص 119

[9] لمزيد من النقاش حول هذا النقطة أنظر:

Elster J.’The Matket and the Forum’ in Elster and Hyllan, A.(eds), Foundations of Social Choice Theory (Cambridge, Cambridge University Press, 1986),P.115.

[10] Rousseau J.J The Social Contract in Rousseau’s Political Writing ed.. Ritter. A and Bondanella. J.C.(New York,Norton,1988),p.143.

[11] Bondanella. J.C.( p. 149.

[12] Rousseau J.J Discourse on Political Economy in Rousseau’s Political Writing, , ed Watkins, F., (Edinburgh, Nelson, 1953, P.70

[13] Rousseau .J.J Consideration on the Government of Poland in Rousseau’s Political Writing, P. 176.

[14] Viroli. M., For Love of Country (Oxford, Clarendon Press, 1995), pp. 90-4.

[15] Sieyes. J.J What is the third Estate? (London, Pall Mall Press, 1963)

[16] أنظر على سبيل المثال:

Brubaker R. Citizenship and Nationhood in France and Germany (Cambridge, Mass Harvard University Press, 1992)

[17] Weber,E., Peasants into Frenchmen (London, Chatto and Windus,1979).

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5938 المصادف: 2022-12-08 05:16:30


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5996 المصادف: السبت 04 - 02 - 2023م