أقلام فكرية

سامي البدري: المدونة الفلسفية كأساس للذاكرة الثقافية

رغم ازدحام الذاكرة الثقافية العربية بالمهيمنات والكوابح، تبقى مهيمنة الماضوية هي الأنصع أثراً على طول تأريخنا الحديث، عصر ما بعد ثورة التنوير التي بدأت مع بداية انقشاع الاحتلال العثماني عن الأراضي العربية.

ولعل أنصع صور تلك المهيمنات الماضوية، التي كان لها أفدح الأثر في ذاكرتنا وتكويننا الثقافيين، كان الموقف المتصلب، بل والعنيف الرافض للفلسفة، والتصدي لها عبر كافة المنابر المتاحة، وأولها الكتب التي ألفها الفقهاء في نبذها وتهافت أصحابها… بل وحتى تحريمها.

لسنا هنا بصدد استعراض تأريخي لمراحل بناء هذه المهيمنة، بل نحن بصدد استعراض حجم أثرها في بناء وتكوين المدونة والذاكرة الثقافية العربية، بمردوداتها الزجرية والتحجيمية للرؤية والتفاعل وبناء الفعل الثقافي، وبالتالي الفكر والفعل الحضاريين.

وبعيداً عن البنى والتصنيفات المرحلية، وكذلك بعيداً عن البنى المفهومية والاصطلاحية، نقول إن الهجمة ـ هجمة النبذ والتحريم ـ التي وجهت إلى الفلسفة من قبل فقهاء عصر ازدهار الإمبراطورية الإسلامية ومن تلاهم، قد عمل على حصر تأسيس الذاكرة الثقافية العربية ضمن الإطار الفقهي وحرمها ـ ترهيباً ـ من أهم قواعد بنائها، ألا وهي الفلسفة، التي تمثل المنطلق والركيزة الأساسيتين في التأسيس الثقافي، فعلاً ومدونة وذاكرة.

ولا يختلف اثنان اليوم على أن ما نعانيه من تخلف ثقافي مرده عدم وجود القاعدة الفلسفية الراسخة في بنيتنا الثقافية، التي هي أساس توجه ونضوج كل مشروع ثقافي وطريق صيرورته وصيرورة جهده الفكري وصيغة بناء إنسانه ومشروعه الحضاري.

الذاكرة الثقافية العربية، ورغم كل ما يحاول البعض تلميع واجهتها، إلا أنها فعلاً لا تحكمها غير المهيمنات الترهيبية من فعل التفلسف والرؤية الحصرية لمقتضياته وأهدافه؛ ولهذا، وبعد مضي ما يقرب من ثمانية قرون على سقوط بغداد على يد هولاكو، وبعد خمسة قرون من الهيمنة الثقافية العثمانية، نجد أنفسنا بلا مرجعية فلسفية تسندنا ونعود إليها من أجل تأسيس مشروع ثقافي نعيد استنهاض أنفسنا من خلاله، ونعاود وقوفنا، على ساحة الوجود الثقافي والحضاري، ويعبر عن أصالة فكرنا وتجذره الواقعي في خريطة الفكر والتحضر الإنسانيين.

صورة فعل التفلسف مفزعة في الذاكرة الثقافية العربية، وهي، ورغم كل محاولات التشخيص والمداواة لها، خلال القرن العشرين، من قبل نثار كتابات المثقفين والمدونة والدرس الأكاديمي العربي، إلا أنها مازالت تقف أو تنزوي داخل ذلك الإطار العتيق الصلد من كوابح النبذ والهجر، ولهذا ظل فعل التفلسف وعملية تأسيس رؤى ومناهج ومدارس فلسفية عربية خالصة، مطلباً بعيد المنال، إن لم نقل يعجز العقل العربي عن الإتيان به وإنضاجه، كأساس ومرجعية فكرية وثقافية.. وربما لهذا السبب، بالدرجة الأولى، نجدنا أمام حالة نكوص (كي لا أقول فراغ) ثقافي، وبالتالي حالة التخلف الحضاري التي نعيشها الآن، والتي تفصلنا بقرون، علمية وتكنولوجية وحضارية، عن باقي دول العالم، في شماله وجنوبه. ولعل مثال النهضة الأوروبية، بعد تخلف القرون المظلمة التي مرت بها أوروبا، والتي قامت ـ النهضة ـ على جذر الفلسفة اليونانية، خير مثال على ما نقول . ولننظر بالمقابل إلى ما جوبهت به ترجمات مسلميّ عصر ازدهار الدولة الإسلامية لكتب الفلسفة اليونانية من هجمة (أغلب المترجمين كانوا من المسلمين غير العرب، وكذلك من تصدوا لشرح كتب الفلسفة وأول محاولات التفلسف وإرساء قواعدها المعرفية والمنهجية والرؤيوية في الحياة الثقافية للمجتمع المسلم) من قبل بعض الفقهاء، الذين سعوا لتحصين اعتراضاتهم وهجماتهم باجتهادات تحريمية وترهيبية، من أجل قطع الطريق على عملية تأصيل الفلسفة في الفكر والثقافة العربيتين، كقاعدة انطلاق للنظر والمعرفية والثقافية.

ولعلنا لا نغالي إذا ما قلنا إن محدودية نظر العربي، في بداوة ما قبل الإسلام، وبالتالي محدودية واقتصار وسائل تعبيره الذاتية على جنس الشعر، قد كانت من بين أهم أسباب عدم نضوجه الفكري ووصوله إلى عتبة النظر الفلسفي، إلا أن انفتاح ما بعد انتشار الإسلام، وما رافقه من أوجه المثاقفة والتلاقح والانفتاح على ثقافة الآخر (المسلم وغير المسلم)، الذي كان من المفروض أن يهيئ العقل العربي لمخاض فلسفي/تنويري يوازي حجم النمو السياسي والاقتصادي الذي رافق اتساع رقعة الإمبراطورية الإسلامية، لم يكسر وضع الانغلاق المثخن الذي رسبته قرون عزلته البدوية في شبه جزيرة العرب، وتقوقع رؤيته، وانغلاق وعيه على حدود معيشه اليومي شبه البدائي.. وبالتأكيد فإن هذا ما أثخن الوعي العربي، حتى بعد الغنى والنمو التجاري الذي حققته الفتوح الإسلامية، على حالة من الركود والتعصب لكل ما يهز القناعات الراسبة والمتجذرة، التي كان عنصرا الشك والاختبار، اللذان يقوم عليهما النظر الفلسفي، من بين أول أعدائهما المزعجين والمقلقين.

وهذا يعني، بطريقة غير مباشرة، أن الوعي الثقافي العربي (إذا جاز لي التعبير)، كان ينوء تحت أحمال مضادة، بما يمنع التوسع لبناء وعي جديد، له القدرة على تقبل ثقافة جديدة ومغايرة، تخرجه من حالة الركود الارضائي إلى حالة من قلق النظر التي تقوم على الشك وإعادة الاختبار لكل مألوفاته، من القناعات، وهدم كل صروح مسلماته من أجل إعادة بنائها من جديد، وربما تركها معلقة في الهواء، وبالتالي تركه بلا سقف يراه.. وعليه فإن هذا هو ما ترك الذاكرة الثقافية العربية بلا مرجعيات ومدونة فلسفية تنزع وتدفع لتأسيس مشروع ثقافي نتطلع إليه منذ اللحظة الأولى لبدء مشروعنا التنويري، الذي يتراجع كل يوم خطوة إلى الخلف.

***

سامي البدري

في المثقف اليوم