أقلام فكرية

د مصْـطَفَى غَلْمَان: الوجه الخفي للأخلاق والثقافة الدينية

(الديانة التي تخاف العلم لا تحترم الله، لا .. بل تنتحر)... رالف امرسون

مثلما يطالب قوم، بضرورة انتهاج تربية قائمة على الحرية الشخصية وبناء المعارف بشكل ذاتي، وتصحيح نظرتنا للحرية والتقائيتها بالتعبير والرأي والتناغم العقلي والوجداني، يؤسس آخرون مبدئيتهم الفكرية في الاكتساب الثقافي الديني الأولي، خلال الانخراط المدرسي الابتدائي والثانوي، على اعتبار أن ذلك يجسد البناء العميق للمجتمع المتناغم، وشرطا أساسا في إنجاح مهمة التعليم والتربية كسلوك وبيداغوجيا إنسية أخلاقية.

والحقيقة أن المذهبين، يمثلان جدارا صلبا لمدى أهمية الدرس التربوي الديني في تمكين المتعلمين من تصحيح علاقة المعرفة بالدين، أو ما تعتمله مضامين الدستور والقانون المؤطر له، في علاقة بالمرتكز الاعتقادي للدولة والأمة، وتوفير الحماية الثقافية والتوعوية تجاهها.

يشيع المنخرطون في الانكشاف على التجارب التربوية الرائدة في المجال، على أن الواجهة الجوهرية التي يجب الالتحاف بها، والامتداد بإزاء قيمها وآثارها في التوجيه والتأطير، هو إيثار ذائقة النقد والوعي بتنظيراته على كل التشويهات الذهنية المقابلة، على اعتبار أولوية البناء الشخصي والسلوكي للمتمدرسين، واعتماد قيم التسامح واحترام الآخر داخل هذا المرمى.

وقد سبق لبيداغوجي فرنسي، يدعى إريك كورنلييه ، أن أثار هذه الخاصية التربوية، ودعا إلى تحريرها من الأيديولوجيا والتقوقع الفكري الديني. بل طالب بتحييدها عن مناهج التدريس، عبر تضمينها في مقررات الدراسة وما يلزم من انفتاح على التجارب الأخرى في الحوار والتوجيه المتدرج.

وكان كورنلييه قد دافع مسبقا على اعتماد مادة الأخلاق والثقافة الدينية، كدورة يخضع لها جميع طلاب المدارس الابتدائية والثانوية. متسائلا : هل توفر دورة الأخلاق والثقافة الدينية معلومات جيدة لأطفال المدارس الابتدائية ومراهقي المدارس الثانوية وهل تقدم تعليمًا في قيم التسامح؟

المشكل في طرح هذه النظرية، أنها تربط الطفرة النقدية على الأديان أو ما يسميها ب "الأساطير أو المذاهب الموجودة في العالم " بما هي تأسيسات حقوقية مرتبطة بالواقع الحديث للدولة الحداثية. وهو ما يعطي انطباعا خاطئا كون جميع الأديان يمكن تجميعها في سلة واحدة، ما دام جوهرها الأصيل يضمن احترام الآخرين والصالح العام ؟.

ومع أن إريك كورنلييه، يطرح سؤال "الوجه الخفي للأخلاق والثقافة الدينية" انطلاقا من تحصين مفهوم الحرية من كل أنساقها التاريخية والمرجعية، على اعتبار أن تلقين احترام العيش المشترك يولد أخلاق احترام الآخر وعقيدته وسلوكه، دون الالتفات إلى خصوصية الأديان وموقعها الثقافي والتربوي والمجتمعي، فإنه يواجه بكم هائل من التأسيسات المسبقة لتلكم الخصوصيات واصطدامها بالشعارات المحمولة على شرطية الدولة الجديدة، كمسائل المساواة بين الرجل والمرأة ، والحريات الفردية بما فيها حريات الاعتقاد، وكذا التسامح مع اللا أدريين والملحدين ، حتى في حالات انتقادهم للرموز الدينية من الكتب المقدسة والأنبياء وغير ذلك.

إنه لا يمكن تقديم الدين كمنتج ثقافي ، مهما كان ذلك مناطا للتحفيز التاريخي لحال العلم والفلسفة والشعر أو الصناعات العلمية والاجتماعية والفكرية المماثلة، وهو بالطبع لا يمكن أن يرقى إلى الاغتيال الصريح لجميع الأديان. وإلا ضاقت الرؤية وانفلتت وجاهتها وانخرمت تحت وطأة السؤال الأخلاقي والقيمي الذي يرفع السمت الديني ويوطنه في النظام البشري ككل؟.

الأولى في هذا السياق التقاطعي المضطرب، أن نعمل على التفكير في إنتاج أساليب جديدة، لتأطير قضية "الأخلاق والثقافة الدينية" وجدوى تطوير علاقتنا بمنهاج التربية الدينية في مقرراتنا الدراسية ومناهجها الضعيفة.

وهو الشكل الملائم لإدارة علاقة اكتساب الثقافة الدينية تلك بباقي المناهج الدراسية والتربوية الأخرى، خصوصا تلك التي تشتبك في جوهرها مع الدرس الفلسفي والتاريخي والأدبي، وذلك من خلال رفض السماح بانتقاد خطابات الديانات المختلفة ، وهو ما لا يسمح به مقرر الأخلاق والثقافة الدينية بإبطال الحقائق التي يزعمون أنها تبطل. ولهذا لن يكون بمقدور مسؤولينا في التربية والتكوين، أن يعملوا على إلغاء هذا النمط من التفكير، والاستعاضة عنه بدورة عن تاريخ الأديان تمنح لمتمدرسينا الفرصة لتنمية تفكيرهم النقدي واعتقادهم المبني على الاقتناع والحجاج الخطابي الرصين والمبادرة المبنية على التميز والتفوق والاقتدار.

***

د مصْـطَـــفَى غَـــلْمَــان

في المثقف اليوم