أقلام حرة
مسخرة حرية الرأي والارهاب
ككل المعتقدات ومواثيق حقوق الانسان يمكن لأي منها ان تستغل ليستخدمها البعض للتهجم على معتقد اخر بدون اي احساس بغبن انساني. والحس الانساني هو الحد الاسمى والاوحد بين حرية الرأي وبين التجاوز على معتقدات الآخرين .
يدين او لا يدين اكثر الاوربيين بالديانة المسيحية وليس من اهم مشاغلهم اي من الديانات الاخرى الا ضمن الفهم والاحترام لها عموما والتعرف عليها من اجل التقارب والتسامح .
نرى ونسمع بين حين وآخر من يكتب مقال او يرسم رسوم ساخرة تتجاوز على معتقد ديني اخر ضمن النزوة الشخصية ليس الا، اذ ليس من اهتمام هذه الشعوب الاوربية كالاقتصاد والبطالة وهذه الامور المهمة وليست ضمن حرية الرأي، إلا انها تتجاوز حدود التعامل الانساني.
فما السبب يا ترى؟
خصوصا وأن الديانة الاسلامية بعيدة عن اهتمام هذه الشعوب المغلوبة على امرها اقتصاديا واجتماعيا كالتعامل مع المخدرات والغلاء والبطالة والتفسخ العائلي والآلاف من الامور المهمة للشعوب الغربية اليومية !
والرسوم الساخرة التي تستهزئ بمعتقدات وديانات ورموز شعوب اخرى بعيدة عنهم انما التجاوز هو على حرية المعتقد كالتجاوز على حرية الرأي نفسه، بالاضافة الى أنه تجاوز صارخ غير نافع او منتج على معتقدات شعوب كبيرة بعيدة عنهم .
ان الواقع يقول لنا شيء آخر. ان هناك من هم من وراء الستار يهتم ويثير ويؤجج هذه الإثارات لأسباب اعتدائية بالإضافة الى انها اقتصادية، و اهمها عسكرة الشعوب والبلدان واشعال الحروب المحلية والمناطقية .
لكن السؤال الملح هو: لماذا التجاوز على الرموز العليا في هذه الايام، كالتجاوز على الرسول الكريم محمد، او السيد المسيح ولو باقل؟
عندما اخرج الممثل العالمي مل جبسن (Mel Gibson) فلمه الكبير عن السيد المسيح ومعاناته (عواطف المسيح) (the Passion of the Christ)، اتهمه يهود العالم قاطبة، وقامت الدنيا ولم تقعد بعد وايدهم كثير من اصحاب ودعاة حرية الرأي، واعتبروا ان السيد جبسن لم يتحفظ لمشاعر يهود العالم. لم تكن في الفلم اي اشارة او اساءة الى الديانة اليهودية بل الى شيوخ ورجال دين يهود قاوموا ظهور الديانة المسيحية، وحاربوا السيد المسح بكل الوسائل الى ان تعاونوا مع المحتل الرواني. واضاف نقاد الفلم بان مخرج ومنتج الفلم السيد جبسن قد اتهم رجال الدين هؤلاء بالتعاون مع الرومان على قتل السيد المسيح، وحورب الرجل شخصيا في فنه وعمله الى اليوم، وكانت حججهم انه لم يكن حساس لمشاعر يهود العالم. كما يجب ذكر ان شعوب اوربا مسيحية الديانة وان اليهودية في اوربا لا تتجاوز نصف الواحد بالمئة. بينما يوجد في اوربا اكثر من ثلاثين مليون انسان يدينون بالديانة الاسلامية ويكونون اكثر من ستة بالمئة من شعوبها .
لست داعية اسلامي ولكني حتما احترم الاسلام كما احترم الديانات الاخرى وادعو الى حرية الرأي والمعتقد واصر على احترام مشاعر متتبعيها والمؤمنين بها، على ان لا تتجاوز على حرية الآخرين لتتضمن حرية الاخرين حرية المعتقد .
فلماذا الاستهزاء بها؟
اعتقد، بل ومن المؤكد وبدون أي تحفظ، ان هناك من يؤجج هذه المشاعر على كل المستويات في العالم وفي اوربا خصوصا، لكن! وعندما تفتح الابواب على مصراعيها للتطرف والتجاوز على حرية الاخرين وبهذه الحدة، سيدخل تطرف وارهاب آخر ربما موازي ومعادل للأول سيؤدي الى ضرر سيحرق من سببه ووسعه واشاعه . فمثلا : من حرك الخلايا النائمة؟
يؤرق الشعوب الغربية اليوم بالاضافة الى شعوب العالم قاطبة، هو هذا التوقيت الغريب بإيقاظ الخلايا النائمة في بلدانهم اوربا وعواصمها وذلك من كل فئات التطرف وانواعه، الاسلامية والعنصرية والشوفينية وحتى الفاشية . كما يحدث في شمال شرقي المانيا الانجلو ـ ساكسون، مثل المسيرات الفاشستية في مدينة درزدن المعروفة بتعصب اهلها، وما يحدث في فرنسا خصوصا في جنوبها واليوم في بلجيكا وفي بلدان اخرى من اوربا حيث تحركت خلايا الشوفينيين من الفاشستية ومعادات السامية ضد مواقع ومناطق يسكنها اليهود والعرب. فمن اغرب علامات هذا التصعيد في مجال الحديث عن الارهاب، عندما تبرع وكتب على صفحته الخاصة على الفيسبوك، التايكون الصهيوني روبرت مردوخ صاحب إمبراطورية شبكات الاعلام العالمية، مثل وول ستريت جرنال في نيويورك، وصاندي تايمس اللندنية ومحطة تلفزيون فوكس الأامريكية، ومحطة سكاي العالمية من لندن وغيرها كثير، حين كتب يلوم كل العالم الاسلامي كونه لا يحارب بصدق ولم يوقف او يمنع الاعلام الارهابي في مساجده، ولم تمضي الا ثلاثة ايام حتى احس هذا العجوز الشمطاء بالخطاء (الاعلامي والمادي) فعاد وصحح، فكتب انه لم يكن يقصد الاسلام عموما! (نقلا عن محطة سي ان ان الامريكية) . كما بات سياسو الغرب في حيرة من أمرهم، فما هو العمل؟ وكيف يكون، وفي اي اتجاه تفكيرهم وعلاجهم لهذه المشكلة مع تخوفهم من القادم الخفي والمجهول، من مخاطر تفاعل ونشاط الخلايا النائمة التي ستستيقظ حتما عندهم وفي بلدانهم عاجلا ومن قبل كل فأت التطرف، انهم في حيرة بين القادم المجهول مع معرفتهم التامة أن للارهابين وخططهم الارهابية، وبين حيرتهم لاتخاذ التحضيرات او الحلول لدرء هذا الارهاب الشامل، علما انه هم من اوجده ومن خطط لنقله وتهجيره الى منابعه ومناطق نموه كما كانوا يتصورون. الا ان التطورات الاخيرة اشارت بصوره واضحة الى حجم وسعة ووجود هذه الخلايا النائمة في عقر دورهم وبلدانهم، والتي اخذت تتفتح وتعمل بالتنسيق مع قادة القاعدة ومع الجماعات الارهابية الاسلامية الاخرى، وبتوجيه من السلفية الوهابية والصهيونية العالمية .
و فهم السلفية الوهابية للرسالة الاسلامية فهم بدوي صحراوي عشائري قديم، قائم على السلطة والنهب والسلب باسم غنائم الحرب والفتوحات والغزو، والتهميش والعداء للآخر منذ بدء الرسالة النبوية في زمن الرسول الكريم . فبعد وفاته اخذت قريش السلطة وتركت الدين، وإلا من غير المعقول ان يقتل ثلاثة الخلفاء من مؤسسي الخلافة الراشدية في العقود الأولى من نشأة الدولة الإسلامية وحتى ابا موت ابا بكر فمشكوك بتسميمه .
طلعت علينا اليوم مجلة السياسة الخارجية بعنوان (ARGUMENTS) كتبت، انه من العجب او الغرابة أن يسير اليوم في باريس السعوديون والمصريون والاسرائيليون كتف بكتف لمحاربة (التكفير السلفي التكفيري) ووصفتها على انا مزحة نفاقية ساخرة .
فعندما ندقق النظر في فكرها ووطنها الاصلي ومن اوجدها وخطط لها ومول وساعد في اعداد تنقلاتها ثم اعادة تهجيرها بحجة التخلص من شرها في بلدانهم، نتوصل بكل سهولة الى انحطاط سياسي الغرب المتعطش للمال الصهيوني لحملاته الدعائية الانتخابية، والى مراضاة ارباب الصهوينية.
فالارهاب مصدره على العموم هي المملكة السعودية. منذ تنظيم الافغان العرب لمحاربة الاتحاد السوفيتي في افغانستان، كاول حرب وإن غير مباشرة، بين الغرب والاتحاد السوفيتي في حقبة الحرب الباردة، ثم ايجاد القاعدة وطلبان ومن ثم جبهة النصرة، وداعش وهلم جرا... .
ان معاناة مصر من الاخوان بعد ان سيطرت السلفية الوهابية عليها بلباس الأخون المسلمين، تجعلنا نستفسر عن سر هذا التقارب بين مصر والسعودية العربية، وتناسي اسرائيل، علما انه لا يخفي على القادة المصريين الجدد اين استوطن الارهاب والسلفية والطائفية والعنصرية في ربوع اي بلد منذ البدء.
كما يقلق هذا الفلتان سياسي الغرب وكذلك السياسيين العرب والمسلمين، ومن هذه البلدان العراق، البلد الأكثر تضرراً من الإرهاب الممول من السعودية وقطر .
ان لعبة التهميش ومشاركة الكل في ادارة العراق قد انكشفت بعد فتوى المرجعية الشيعية الحكيمة بدعوتها للتطوع الكفائي، وبانت الاهداف الحقيقة واضحة لمن في فكره وفي ضميره تقسيم العراق، لاي سبب .
ما يهمنا هو ما يحصل اليوم من اعمال ارهابية في مناطق اخرى من العراق متزامنا مع فعاليات داعش الارهابية في الموصل وفي المنطقة الغربية عموما . وهذا ما يؤرق المفكرين والكتاب والوطنين العراقيين عموما .
ففي مجال التسليح لمحاربة داعش، وبحجة مشروع قانون الحرس الوطني الذي يراد منه إدخال البعث الداعشي في العملية السياسة، لا نرى اي سبب في ان لا يتطوع اهل الغربية في طوابير الحشد الشعبي ان كانوا جادين في محاربة الارهاب في مناطقهم .
فمن وجهة نظري أن هناك احتمالان يفسران ما يحدث في اروقة السياسيين العراقيين:
١ـ فإما هم ضالعون في تقسيم العراق ويسيرون بخطى سرية وحثيثة نحو هذا الهدف، او
٢ ـ هم غير ملمون فيما يحصل في العالم عموما وفي العراق خصوصا، وانما يتصرفون في معالجة الامور كما تاتي وعندما تحصل، خطوة بخطوة، يعني غياب النظرة الشاملة والواقعية لما يحصل، وتشخيصها. ثم لا يوجد عندهم حل واضح ولا يسعون الى الحل الناجع لإطفاء الفتنة في البلد. واكتب (الفتنة) اعتمادا على ان اكثر الدواعش في العراق هم من مواطنيه، بأي شكل من الاشكال، باحتضانهم وايوائهم او تمويلهم ومساعدتهم، او السكوت عن افعالهم. وهذه النظرة تنقصم كذلك، فإما خوفا منهم او املا بالاستفادة من نتيجة اعمالهم، اي تقسيم العراق.
هناك في الغرب من احس بالخطر من تصرفاتهم واعترافهم ضمنيا بأخطائهم وعقم جدوى فكرة محاربة الارهاب في موطنه بعد تهجيره ليستوطن في مناطق منابعهم، اي في البلدان العربية والاسلامية .
اصبحت بحق وحقيقة مشكلة الارهاب عالمية وتهدد كل البلدان من اقصاها الى اقصاها، وإن تتمركز عموما في العراق وسورية وتنتقل رويدا لتشمل البلدان المجاورة، الا انها مشكلة عالمية وتوسعت وتشعبت لتشمل كل التطرف العرقي والديني والطائفي .
يتخوف اليوم يهود اوربا وفرنسا بالاخص، لانها تحاضن اكبر جالية يهودية في اوربا، يتخوفون من نوع اخر من التطرف هو معاداة السامية عموما ومعاداة الصهيونية خصوصا، بعد حادث محل المتجر اليهودي في باريس. لقد وقع ما كان احرار العالم ينبهون عنه ويحذرون. وتلاشت حقوق الشعوب المحتلة الى مؤخرة الاهتمامات الاوربية وربما العالمية بسبب سيطرة الصهيونية العالمية على كل مقدرات الشعوب واهمها المالية. هذه الالة التي يحتاجها كل سياسي اوربي في فترات الانتخابات، فاصبح على كل من لهم تطلعات حزبية سياسية ان يؤدي يمين الولاء للصهيونية ليحصل على المال الذي يحتاجه لحملاته الدعائية الانتخابية .و تراجع الحس الانساني في الاهتمامات الاوربية .الا إن ليس كل ما يخطط له يسير كما تشتهي السفن . فالتعصب العرقي والفاشي والديني الذي زرعه ارباب الصهيونية العالمية وبالأخص في اوربا اخذ ينتج تعصبا ضدهم وضد اليهودية والسامية، خصوصا وهم مطالبون عالميا بإنهاء الاحتلال الصهيوني لفسطين، وهناك اكثر من سبعين قرارا أممياً ضد الاحتلال الصهيوني وهم ( دولة اسرائيل) ووصفوها بالدولة العنصرية أسوة بدولة جنوب أفريقيا في عهد النظام العنصري (الأبرتاتيد) المباد .
عبد الصاحب الناصر
لندن في 17/01/2015







