أقلام حرة

دولنا بين الحكم والحوكمة؟

كفاح محمودفي معظم الدول ذات النظم الشمولية، بحزب واحد او قائد أوحد، تتكثف اضواء التوصيفات في وسائل الدعاية والاعلام والتوجيه على (المنقذ والمخلص والمحرر ورمز الامة والقائد الضرورة والزعيم الأوحد) وهو دائما الحاكم المطلق باسم الشعب أو الرب أو الامة، مستبعدة او مهملة  جوانب او عناصر أخرى في تركيبة النظام، هي الاساس في صناعة التفرد والاستبداد، ويبدو ذلك واضحا وجليا في معظم دول الشرق الاوسط، حيث شماعة الدكتاتور العملاقة التي تتحمل اوزار كل ما يحصل في تلك المجتمعات، وكأنما منظومة الحكم وملحقاتها وثقافتها الاجتماعية والسياسية التي تتحكم في كل مفاصل المجتمع والاقتصاد بريئة مما يفعله الدكتاتور، وبذلك تجري عملية تقزيم لمأساة تمتد لعشرات أو مئات السنين وتكثيفها في فرد بذاته، هو في الاصل نتاج نظام بدوي قبلي في الفكر والسلوك، حتى لكأنك تشعر وأنت تقرأ التاريخ الغابر، ما زلتَ تعيش في أجواء وفضاءات خلفاء بني أمية والعباس وحتى ورثتهم من بني عثمان؟

في دمشق وبيروت كما في بغداد قبلهما، وما يحصل اليوم من صراع دموي عنيف في اليمن وليبيا، ليس كما تسوق له بعض وسائل الإعلام من انه صراع بين الزعماء وبين الشعوب، بل هو صراع بين الشعوب ومنظومة الدكتاتوريات الفردية والاجتماعية ونظمها الفكرية والثقافية والمذهبية، التي كثفت كل مساوئ التاريخ في السلطة التي استقطبت حولها شتى مظاهر التسلط الاجتماعي والقبلي والديني المتطرف والفردية والنرجسية وإلغاء الآخر وتكميم الأفواه وإشاعة العبودية، وسخرت لأجل ذلك كل ما على الأرض وباطنها من كفاءات واموال وثروات وقوة وسلاح، حتى غدت إمبراطوريات بوليسية تحكمها مجاميع من انصاف المثقفين ومدعي الخبرة والمعرفة وافواج من الانتهازيين والوصوليين.

لقد شهدنا سقوط هيكل نظام صدام حسين، لكننا لم نشهد سقوط منظومة الانتهازيين والفاسدين التي سرعان ما كيفت وضعها مع المستجدات الادارية الجديدة بعد السقوط مباشرة، حتى تغولت واصبحت تمتلك وتهيمن على مفاتيح الثروة والحكم في البلاد وعلى كل المستويات الحكومية والبرلمانية والفعاليات السياسية، بل وغدت ظاهرة اجتماعية تتكثف في مفاصل مكونات المجتمع القبلية والعشائرية والدينية، وبدلا من دكتاتور واحد اصبح لدينا العشرات الذين تطوف حولهم حلقات الانتهازيين والوصوليين واللصوص والطبقات الرثة التي اعادت تدويرها لتبدأ مرحلة جديدة من الفساد والافساد ليس في العراق وحده بل في سوريا ايضا التي تعوث في الارض فسادا، فصائلا وميليشيات ومرتزقة،  حيث أدرك السوريون بكل انتماءاتهم ومكوناتهم ان المشكلة ليست بشخص رئيس النظام فقط، بل في المنظومات الثقافية والسلوكية التي أنتجها النظام السياسي منذ عشرات السنين من الحكم المطلق، واصبحت سلسلة حلقاتها متصلة ببعض وبرأس النظام وتنظيمه ومؤسساته، وهي مجاميع كبيرة من اللصوص والقتلة والانتهازيين ونكرات المجتمع.

حقا لقد أسقطت مجموعة انظمة في منطقتنا، وبصرف النظر عن الكيفية والالية التي أسقطت فيها هياكلها، فان سقوط صدام حسين لم يكن على أيدي الأمريكان وقواتهم  فحسب، بل حصل ذلك الانهيار قبل سنوات طويلة من التهريء، يوم قرر إهانة شعبه وقتله، سواء في كوردستان أو في الأهوار أو في الرمادي أو مع جناح من أجنحة حزبه، وكذا الحال في سوريا واليمن وليبيا ولبنان وإيران فقد سقطوا تماما في ذاكرة شعوبهم قبل أن تسقط هياكل انظمتهم ورموزها.

إننا اليوم بأمس الحاجة إلى حوكمة قبل حاجتنا الى حكومة، وإلى عدالة ومعرفة أكثر من حاجتنا الى استنساخ تجارب شعوب اخرى لتصنيع نظام سياسي هجين وعملية تداول تمثيلي للسلطة!.

***

كفاح محمود

..................

* الحوكمة أو الحكمانية: هي تدعيم مراقبة نشاط المؤسسة او الحكومة ومتابعة مستوى أداء القائمين عليها، وهي مصطلح جديد في العربية وُضِع في مقابل اللفظ الإنجليزي (governance)، وهي ايضا الحكم إلى أفضل الأشياء بأفضل العلوم.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5748 المصادف: 2022-06-01 01:43:10


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5867 المصادف: الاربعاء 28 - 09 - 2022م