أقلام حرة

غيتو الخضراء.. مفارقات تاريخيّة

يعود تاريخ أوّل غيتو في اوربا الى إيطاليا وتحديدا مدينة البندقية في العام 1516، لأجبار اليهود على العيش فيه بمعزل عن بقيّة سكان المدينة. وقد تطوّر مفهوم الغيتو كمعازل بشريّة لاحقا ليمتد الى بلدان أوربيّة عديدة، بأوامر من ساسة وأباطرة ورجال دين. وكانت الغيتوات ومنذ وصول هتلر للحكم وخلال الحرب العالميّة الثانية، الأكثر عزلا وقسوة. وقد طبّقت الأنظمة العنصرية في بعض البلدان مفهوم الغيتو بشكل أو بآخر بحقّ السكان الأصليين، كما الأمريكيون الذين أقاموا غيتوات تحت مسمى مناطق إيواء لحصر الهنود الحمر فيها، وكما كانت الغيتوات الجنوب إفريقية والروديسية "زيمبابوي اليوم"، ومثلها الإسرائيلية التي عزلت الأحياء العربية والمختلطة بالأسلاك الشائكة بعد تأسيس دولتها في العام 1948 !!!!

بالعراق حيث كل شيء بالمقلوب والهرم يقف على رأسه لا على قاعدته، فالغيتو هو الآخر يجب أن يكون مختلفا شكلا ومعنى ومضمونا عن جميع غيتوات العالم السابقة والقادمة. فالغيتو تُنشئه السلطات لعزل مجموعة بشرية لأسباب عرقية أو دينية أو طائفية، عن طريق بناء جدران عالية تحيط بها أو أحاطتها بالأسلاك الشائكة كما ذكرنا قبل قليل، أمّا الغيتو العراقي فسيكون نموذجا جديدا للغيتو المتعارف عليه وسيدخل التاريخ كأوّل غيتو تقيمه سلطة لعزل نفسها عن بقيّة السكّان أي الشعب.

في سابقة غير معروفة لدى أكثر السلطات قمعيّة وهمجيّة وتخلّفا في العالم اليوم، دخلت حكومة المحاصصة الطائفية القومية وهي تهرب من غضب شعبنا، التاريخ من "أوسع" أبوابه وهي تبني بوابّات حديدية وأسمنتية لتحيط بها المنطقة الخضراء وجسرين يؤديان اليها، ونحن على أعتاب الذكرى الرابعة للمارد التشريني وهو يقضّ مضاجع الطغاة ومن يحميهم من خارج الحدود. وكعادتها وهي المؤمنة بكتاب الله وسنّة نبيّه والأئمة من آل بيته، فقد واجهت أي (السلطات) التذمر الشعبي الواعي"لتميّزه عن القطيع غير الواعي الذي لا يتذمر" بكذبة من أكاذيبها التي تُضحك الثكلى، وهي أنّ أسباب قيامها ببناء الجدران الحديدية والأسمنتية التي خنقت شوارع العاصمة بغداد جاءت لـ "إجراء أعمال صيانة" على جسرين يؤديان الى الغيتو الأخضر!!!

من مفارقات الغيتو العراقي اليوم، هو أنّ ساكني الغيتو يعيشون حياة مرفّهة وليس كما سكنة الغيتو الفقراء كما هو متعارف عليه سابقا، وأنّهم يعملون بالربا الذي كان أحد أسباب عزل اليهود والذي وصل أي الربا العراقي الأسلامي الى برنابيّو حيث دعايات البنك الإسلامي العراقي تملأ جنبات الملعب الأسطوري في مدريد!! ومن المفارقات الأخرى هو أنّ السلطات كانت وهي تنشأ الغيتوات تفرض العمل القسري على سكّانه، فيما يفرض ساكنو غيتو الخضراء البطالة على أبناء شعبنا والتي هي أشبه بالعمل القسري حينما يعمل خريجّو الجامعات عتّالين وباعة على أرصفة الشوارع والطرقات.

أحدى الحقائق ونحن نعيش عصر الغيتو الأخضر، أنّ الغيتو العراقي هو كما بقية الغيتوات يعتبر حيّ للأقليات. فالحكومة العراقيّة وأحزابها وبرلمانييها وميليشياتها ومافياتها وهم يسجنون أنفسهم في غيتو، أقليّة فاسدة بنظر أبناء شعبنا الواعين ولهذا إنتفض شعبنا في تشرين لمواجهتهم. والشيء الوحيد الذي منحته سلطة الغيتو لشعبنا هو قيامهم بالشعائر الدينية على أن يتم تغذيتها بالطائفيّة، لأنّها أي تشرين الوحيدة القادرة على إزالة الجدران الحديدية والأسمنتية من حول غيتو الخضراء بمواجهتها للطائفية ومحاربتها علنا من خلال شعار (نريد وطن)..

كانت السلطات النازيّة تجبر اليهود على إرتداء شارة صفراء فيها نجمة داوود، والسلطات العراقية في الغيتو تضع شارة الطائفية والقومية السوداء على فوّهات بنادق ميليشياتها الموجّهة الى صدور شابّاتنا وشبابنا الثائر وعموم شعبنا، وعلى الجدارن التي تقيمها لحماية سلطتها الفاسدة المجرمة ...

لنعمل جميعا على هدم الغيتو العراقي الأخضر، فبهدمه يتنفس شعبنا هواء الحرية الذي يفضي الى سعادة أبنائه، ولنجعل من تشرين بتحصينه من المندسين، مشعلا نضيء به ظَلمة العراق الأسلامي القومي حالك السواد.

***

زكي رضا - الدنمارك

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5854 المصادف: 2022-09-15 01:56:20


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5928 المصادف: الاثنين 28 - 11 - 2022م