أقلام حرة

مضر الحلو: أزمة الخطاب الديني (6): أسباب الإخفاق (4)

سابعا- ظاهرة الازدواجية. اذ يرصد المستمع مفارقات مزعجة، وتناقضات منفرة عند بعض الخطباء، خلقت بين المتلقي والخطاب الديني عموما هوة سحيقة. حين يجلس الخطيب ساعة من الزمن يتحدث فيها عن مفهوم ديني معين وما ان ينتهي من خطابه حتى يمارس خلاف ما تحدث به تماما، بل ربما كان الأسرع إلى مخالفة ما قال، فكان من الطبيعي والحال هذه ان يزدري الناس هذا الخطاب، وينفكوا عنه، كيف وهو قد نصب نفسه اماما للناس وواعظا. فهو يعالجهم ببصاقه وبالادعية والأوراد ولكنه يقصد عواصم الغرب حين يمرض ويحتاج إلى العلاج، أو يكلمهم عن الزهد والتقشف في الحياة، ولكنه من اشد الناس تكالبا وحرصا على حيازة الدنيا وملذاتها، أو يحثهم على أخلاق التسامح والعفو وهو من أكثر الناس ضيقا مع من يختلف معه، أو يحث شباب المسلمين على ما يدعونه (الجهاد ضد الكفار) وهو يرسل ابناءه إلى (الكفار) ليزاولوا اتمام دراساتهم في ارقى جامعاتهم.

"الإنسان بطبيعته لا يهتدي إيمانيا إلا بالقدوة العملية الملهمة، تلك القدوة التي تسقيه الارتواء الروحي، وتمنحه السلام النفسي، وتغمره بالرأفة والشفقة، كي تخلصه من الاغتراب، وتشعره بالحماية والأمن في الحياة. الناس كي يؤمنوا، يفتشون دائما عن نموذج بشري مجسّد للإيمان... يحتاجون إلى من يشعرهم بوجود الله في حياتهم، لا من يثبت لهم وجوده كفكرة مجردة لا صلة لها بحياتهم".

 ثامنا- واحد من أهم الأسباب التي جعلت الخطاب الديني يفرّط بتأثيره في نفوس مريديه، ويخسر من قاعدته الكثير هو انشغاله بالأوامر والنواهي المتعالية على الواقع والتي يتعذر تحققها لتنافيها مع الطبيعة البشرية كالنهي عما يدور في صدر الكائن البشري من خلجات لا سلطة له عليها كالحسد وسوء الظن وغيرهما، وما ذلك الا نتيجة القراءة الخاطئة للنصوص الدينية التي وردت محذرة من هذه الصفات النفسية، والخلجات الداخلية، وناهية عنها اذ لا يتسنى للناس بحكم بشريتهم ان يتحكموا بما يعتمل في نفوسهم بحيث لا يسيؤون ظنا ولا يحسدون أحدا. نعم النهي الحقيقي إنما ورد عن ترتيب الاثر على الحسد أو سوء الظن، ولذا ورد عن النبي (ص) كما في حديث الرفع المشهور، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص‏): "رُفِعَ‏ عَنْ‏ أُمَّتِي‏ تِسْعَةٌ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَمَا لَا يُطِيقُونَ وَمَا لَا يَعْلَمُونَ وَمَا اضْطُرُّوا إليه وَالْحَسَدُ وَالطِّيَرَةُ وَالتَّفَكُّرُ فِي الْوَسْوَسَةِ فِي الْخَلْقِ مَا لَمْ يَنْطِقْ بِشَفَةٍ."، وقوله (ص): "إذا ظننتم فلا تُحققوا، وإذا حسدتم فلا تبغوا، وإذا تطيرتم فامضوا؛ وعلى الله فتوكلوا".

وربما كانت المشكلة عند بعض الخطباء والدعاة الدينيين في فقه النص سواءً كان آية قرآنية، أو رواية، وعدم القدرة على تفكيكه، وقراءته قراءة معاصرة منسجمة مع ظروف الاستشهاد به مما يسبب إرباكا لدى المتلقي يستحثه كي يتخذ موقفا سلبيا من الخطاب الديني عامة. كنت استمع إلى خطيب في دولة أوربية فذكر الحديث المشهور في كتب المسلمين عن النبي (ص) أنه قال: "لا تسلموا على تارك الصلاة ولا تجيبوا سلامه، ولا تسمحوا له، واذا مرض لا تعودوه"، ولم يدر في خلده أن هذا النوع من الخطاب يخلق فضاءً متنافرا مع الاهداف التي يسعى إليها، وبناءً عليه كيف بإمكانه أن يمارس مهمته التبليغية ويحقق النجاح بها وهو يعرض عن إلقاء السلام على غالبية الشباب الذين لم يتلقوا تعليما كافيا على أهمية العبادات ووجوبها على الفرد المسلم؟ ولم يلتفت إلى أنه لم يقدّر ظروف هؤلاء الشباب وكونهم يعيشون في مجتمع غير منسجم معهم دينياً، ثم كيف يتوقع أن يستجيبوا لوعظه ونصحه ويتأثروا به وهو يكف عن السلام عليهم؟ ثم ألا يترك هذا التصرف (الامتناع عن السلام على تارك الصلاة) انطباعا سلبيا عن رجل الدين وربما عن الدين برمته عند هؤلاء الشباب الذين من المفترض أن يكونوا هم هدف المبلغ الديني ومَن يجهد لهدايتهم؟. يتبع

***

مضر الحلو

في المثقف اليوم