عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

رائد عبيس: وثائقيات صاحب الحكيم.. تجربة عراقية فريدة (2)

في كتابه (تقرير عن اغتصاب، وقتل، وتعذيب، واعتقال أكثر من 4000 امرأة في بلد المقابر الجماعية: العراق) يدوّن السيد صاحب الحكيم قصصاً وثائقية مثيرة، ويستعرض عينات من أقسى نماذج العذاب في التاريخ البشري، مقدماً معلومات عن ضحايا غُيّبت حقائقهم لولا جهوده الاستثنائية في التدوين والتوثيق.

إن هذه المعطيات لا تشكل مجرد كشفٍ لمصير الضحايا، بل تمثل ركيزة حقوقية أساسية لتحصيل حقوقهم المشروعة في التعويض؛ لا سيما أولئك الذين انتهى بهم المطاف في المنافي إثر ملاحقات نظام البعث أو تسفيره القسري لهم.

وتتجاوز أهمية هذا التوثيق إنصاف الضحايا إلى مواجهة حالة "تزييف الوعي" وتسطيح التاريخ التي نراها اليوم لدى بعض العامة ممّن يجهلون طبيعة ذلك النظام، فيرددون عبارات واهية من قبيل "البعثيون كانوا رجال دولة لا يظلمون أحداً!"؛ وهي ادعاءات تُطلق دون فحص للتاريخ أو رغبة في تقصي الحقيقة. ومن هنا، تبرز قيمة ما وثقه الحكيم كأحد أهم المصادر الحية في تعرية الإجرام المتوحش، وتكتسب وثائقياته مصداقية أعمق مع ما تكشفه المؤسسات الأرشيفية العالمية اليوم من وثائق وتسريبات يُرفع عنها الغطاء السري تباعاً.

لقد تميزت جهود السيد الحكيم بنقل الحقيقة إلى الرأي العام العالمي والمؤسسات الدولية، ليفكك أكاذيب البعث وتعميته الممنهجة التي حاول من خلالها صياغة "شرعية زائفة" تحمي سلطته. كما نلمس في كتابه فهماً عميقاً لخطورة النظام، يغاير طروحات المعارضة السياسية في تسعينيات القرن الماضي التي سعت لتغيير الحكم دون تفكيك أيديولوجيته، كما يغاير فكرة "المصالحة" بعد عام 2003 التي استُبدلت بسياسة الاحتواء على الرغم من صدور قرارات تجريم الحزب.

وتترابط مواضع الحقيقة في حين تابعها السيد الحكيم عن ظلم البعث؛ الذي أمتد من دهاليز القصر الجمهوري إلى أكواخ البردي في أهوار الجنوب، وصولاً إلى مخيمات النازحين والمرحلين على الحدود وفي منافي الشتات شرقا وغرباً، إلى الزنزانات المظلمة، مما يعكس إحاطة تامة بتفاصيل وبشاعة ذلك الحكم المستبد في شمال وجنوب العراق على حد سواء.

إن هذه التجربة التوثيقية تتحول اليوم إلى مادة معرفية غنية، على الرغم من ضيق أفق من لا يدرك أهمية هذا الدور التاريخي لهذه المهمة سابقا وحاليا، واستشعاراً لهذه القيمة، شرعنا في محاولات تحليل هذه التوثيقات عبر سلسلة مقالات ضمن سياقين: الوعي الفردي للسيد الحكيم في تصديه لهذه المهمة، والمادة الحقوقية وما تكشفه من أبعاد سيكولوجية للسلطة البعثية وطبيعة إذعان المجتمع لسياسات الطغيان على الرغم من المحاولات الثورية المعارضة.

خلاصة القول: إذا كان هدف السيد الحكيم حينها هو الإدانة السياسية وتعرية النظام البعثي دولياً (وهو ما تحقق بسقوطه وبصدور القرارات الأممية بحقه)، فإن المهمة اليوم قد تحولت إلى هدف جديد، هو تحويل هذه الوثائقيات إلى "حقيقة معرفية" نعتمد عليها في تفكيك سياق الإجراءات الأمنية والإدارية والسياسية التي شرعت للظلم ضد الإنسان العراقي. فإن فهم آليات النظام البعثي هو السبيل لمعرفة حقيقته، وهو الوعي ذاته الذي انطلق منه الحكيم للتصدي لجرائم البعث والتعريف بها.

***

بقلم: د. رائد عبيس