أقلام حرة
صادق السامرائي: جيلنا المهضوم!!
الهضيمة: الظلم والغضب
كنا في كلية الطب نداعب أحلامنا الوردية ونحلم بمستقبل سعيد، وألفة ومحبة وأخوة وطنية، ولا نعرف ما يُسمى اليوم بالإنتماءات بأنواعها، كنا أخوة معتصمين يحبل الوطن، وبمستقبله المشرق الواعد الجميل، وكل منا يشحذ همته ويستجمع قوته للوصول إلى ما يريده من أملٍ أثيل.
وما أن تخرجنا حتى أقحمونا في حرب موجعة تأكل الأخضر واليابس، ولا زلت متعجبا من الذي قالها بوجهي : " كلكم أبنائي، وأتمنى أن أضع وراء كل جندي طبيب"!!
وهكذا كان مصيرنا وراء الحجابات، وفي أفواج لا نستطيع فيها عمل شيئ، سوى إنتظار الموت، وفقدت العديد من الزملاء، وكتبت شهادات وفاة لعدد منهم، وكانت دموعي تغالبني، وحيرتي تتملكني، لماذا يموت الشباب المترع بالطموحات بهذه الطريقة القاسية؟
تأسّر زملائي، وغابوا، والتقيت بعضهم بعد الأسر، ولا أدري كيف نجوت من الموت والأسر الذي كاد أن يلتهمني لمرات.
كانت أياما قاسية إرتبطت بالموت أكثر من إرتباطها بالحياة، والمحظوظ منّا مَن خرج منها بلا عاهة أو إصابة موجعة.
لماذا تم رمي مئات الأطباء في سوح الوغى وفي خنادق كأنها أعدت قبورا لهم، وعليهم أن يذعنوا ويستكينوا، فالموت يلتف حول أعناقهم.
زميل لي كان يجالسني وقت العصر في مستشفى العمارة الجراحي للطوارئ، وذهب لمبادلة زميل كان عائدا من إنكلترا قبل ستة أشهر، وحاصل على شهادة الأم آر سي بي، وإذا بي أواجه جثتيهما في اليوم التالي!!
تلك حرب علينا أن لا نطمرها بما تلاها من تداعيات، لأنها من أبشع حروب القرن العشرين، وكنتُ أدوّن يومياتها في كتاب لكنه تطاير مع الريح عندما حاول الموت إلتهامي.
لا أريد أن أسطر أسماء زملائي الذين أصابهم ما أصابهم من وجيع الحرب، لأن الذكريات مؤلمة، ولكل منا صندوقه الأسود، وإستحضارها يثير شجونا ومواجعا ويُذرف دموعا، فهل كنا نتصور مصير زملائنا الراحلين؟
كان الموت يجالسنا في الخنادق، مع الجرذان والفئران، والأفاعي، وأنواع الحشرات التي تساهم في تقليب مواجعنا، وتنافرنا وتقافزنا لنكون هدفا سهلا لقناص يتربص بنا.
لا زلت أذكر ذلك الشاب البريئ الذي تزوج قبل أسبوعين، وكان يحمل أوراق تقديم إجازته لآمر الفوج، فاغتاله قناص قبل أن يدخل خندق الآمر، وذهب بالتابوت إلى عروسته.
وكم مرة نجوت من موت محقق، ومن حصارات ومداهمات، وصولات بشر لا يعرف سوى أن يقتل، ويؤمن بأن القتل يقربه إلى ربه الذي يتعبد في جبته.
عندما تتحول العقائد إلى أوهام تحل الفواجع ويحترق الإنسان!!
ولا زلت أتألم على كتابي (روايتي) الذي سرقته مني رياح الموت الهوجاء، وقد ألقتني في وادٍ تناهبتني فيه النسور، التي خدعت الآخرين بأنها تحتفل بإفتراس جثة هامدة، فشكرا لها لأنها أنقذتني من موت محقق.
تحياتي وإحترامي للزملاء الذين خرجوا أحياءً من خنادق الموت الحتمي، والوجود العبثي خلف حجابات النهايات الداهية.
فهل وجدتم طبيبا في تأريخ البشرية يمارس عمله في خندق يفصله عن قاتله أقل من ألف متر؟
ومعذرة لأن بعض الزملاء بتعليقاتهم فتحوا أنابيق الذكريات.
نحوَ مَوتٍ أخذونا كلّنا
غابَ بعضٌ وتَبقّى بَعْضُنا
يا زميلي ما مَحَوْنا جُرْحَها
إنّها حربٌ أعاقَتْ جيلَنا
كمْ فقدْنا من عَزيزٍ حالمٍ
كانَ يَسْعى كمُنيرٍ بَيْننا
***
د. صادق السامرائي







