تجديد وتنوير
ابتهال عبد الوهاب: متى تستعيد الإنسانية وجهها المفقود؟
منذ فجر التاريخ، والإنسان ممزق بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، بين نداء الغريزة ونداء المعنى، بين شهوة الامتلاك وتوق التحرر. وما التاريخ كله إلا سجل طويل لهذا الصراع الوجودي. غير أن نضج الإنسانية يبدأ عندما تكف عن البحث عن أعدائها في الخارج، وتبدأ بمواجهة الظلال الكامنة في أعماقها؛ لأن الشر ليس دائما في الآخر، والتعصب ليس دائما في الجماعات الأخرى، والقسوة ليست دائما في الأنظمة وحدها، بل هي احتمالات تسكن النفس البشرية ذاتها. وعندما يمتلك الإنسان شجاعة معرفة نفسه، تتهاوى أوهام التفوق، ويتبدد غرور اليقين، ويولد ذلك التواضع المعرفي النادر الذي يجعل من الحقيقة رحلة لا امتلاكا، ومن الحكمة بحثا لا ادعاء، ومن الإنسانية أفقا مفتوحا لا هوية
تستعيد الإنسانية وجهها المفقود، وتخرج من ركام هذا التشظي الهائل أكثر وعيا بذاتها، وأكثر جدارة باسمها العظيم: الإنسان، عندما تدرك أن التقدم ليس في ارتفاع الأبراج، بل في سمو الضمائر، وأن الحضارة ليست ما نبنيه من حجر وحديد، بل ما نزرعه من رحمة وعدالة وجمال في القلوب.
تستعيده حين تتوقف عن عبادة الأشياء، وتعود إلى اكتشاف قيمة الكائن، حين يكف الإنسان عن قياس نفسه بما يملك، ويبدأ في قياسها بما يمنح، وبما يتركه من أثر طيب في حياة الآخرين
وتستعيده حين تنحسر ضوضاء المصالح لتسمع من جديد همسات الضمير، وحين تتراجع الأنانية التي جعلت العالم ساحة صراع مفتوح، ليحل محلها ذلك الإدراك العميق بأن مصير البشر واحد، وأن جراح أي إنسان هي ندبة في جسد الإنسانية كلها.
تستعيد الإنسانية وجهها المفقود عندما تتصالح مع حقيقتها الأولى، تلك الحقيقة البسيطة التي ضاعت وسط ضجيج المصالح والصراعات، وهي أن الإنسان لم يخلق ليكون ذئبا لأخيه الإنسان، بل شريكا له في رحلة الوجود، وعابرا معه فوق هذا الكوكب الهش الذي يتسع للجميع.
تستعيد الإنسانية وجهها المفقود عندما تتحرر من عبودية المادة التي حولت الإنسان من غاية إلى وسيلة، ومن روح إلى رقم، ومن كائن يحلم إلى آلة تنتج وتستهلك. عندها فقط تستعيد الأشياء أحجامها الحقيقية، ويستعيد الإنسان مكانته التي سلبتها منه أسواق لا تعرف سوى الربح، وعصور لا تعترف إلا بالقوة.
تستعيد الإنسانية وجهها المفقود عندما يصبح العقل فضيلة لا تهمة، والسؤال طريقا إلى المعرفة لا سببا للإدانة، وعندما يتوقف الخوف عن مصادرة الفكر، فتولد الأفكار الحرة القادرة على توسيع أفق الإنسان بدلا من تضييقه داخل أسوار اليقين المغلق.
تستعيد الإنسانية وجهها المفقود عندما تدرك أن الاختلاف ليس لعنة حلت بالبشر، بل حكمة أودعتها الحياة في نسيجها العميق. فالتنوع ليس شرا ينبغي القضاء عليه، بل ثروة وجودية تمنح العالم ألوانه المتعددة. وعندما يتعلم البشر الإصغاء بعضهم إلى بعض، يكتشفون أن ما يجمعهم أوسع بكثير مما يفرقهم.
تستعيد الإنسانية وجهها المفقود عندما يصبح التسامح تعبيرا عن القوة الأخلاقية لا عن الضعف، وعندما ينظر الإنسان إلى الآخر بوصفه مرآة أخرى لذاته، لا خصما يجب هزيمته. فكل كراهية هي اعتراف ضمني بالعجز عن الفهم، وكل تعصب هو خوف مقنع من اتساع الحقيقة.
تستعيد الإنسانية وجهها المفقود عندما تتحرر الأديان من صخب الصراعات التي أحاطت بها، وتعود إلى فضائها الروحي الرحب. عندما يصبح الإيمان شأنا يخص الضمير، لا ساحة للمنافسة والفرز والإقصاء. وعندما يتوقف البشر عن تعريف بعضهم بعضا من خلال الطوائف والمذاهب والعقائد، ويبدؤون في التعارف بوصفهم بشرا يحملون الآمال نفسها والآلام نفسها والأسئلة نفسها. عندها يتراجع الانقسام، ويولد شعور أعمق بالانتماء إلى الأسرة الإنسانية الكبرى.
تستعيد الإنسانية وجهها المفقود عندما تصبح الحرية حقا أصيلا لا امتيازا يمنح أو يسحب، وعندما يمتلك كل إنسان حقه في أن يفكر ويعتقد ويعبر ويختار مساره في الحياة دون خوف أو وصاية. فالكرامة الإنسانية لا تكتمل إلا في فضاء الحرية، ولا يزدهر العقل إلا حيث تتنفس الإرادة بلا قيود
تستعيد الإنسانية وجهها المفقود عندما تدرك أن العدالة ليست بندا في الدساتير، بل روحا تسري في العلاقات بين البشر. فعالم بلا عدالة هو عالم فاقد لتوازنه الأخلاقي، مهما بلغ من التقدم العلمي أو الازدهار الاقتصادي.
تستعيد الإنسانية وجهها المفقود عندما تتعلم أن الأرض ليست إرثا نملكه، بل أمانة نحملها، وأن الأجيال القادمة ليست ظلا بعيدا في المستقبل، بل شركاء غير مرئيين في كل قرار نتخذه اليوم
تستعيد الإنسانية وجهها المفقود عندما تنتصر على أوهام التفوق، وتتخلى عن غرورها التاريخي، وتفهم أن عظمة الإنسان لا تكمن في سيطرته على الآخرين، بل في قدرته على الارتقاء فوق نوازعه البدائية، وعلى تحويل القوة إلى رحمة، والمعرفة إلى حكمة، والحرية إلى مسؤولية
تستعيد الإنسانية وجهها المفقود عندما تعي أن وجودها نفسه ليس حقيقة مكتملة، بل مشروع دائم التشكل. فالإنسان ليس ما هو عليه الآن، بل ما يستطيع أن يصير إليه. إنه الكائن الوحيد الذي يتجاوز نفسه باستمرار، ويقف على تخوم الممكن باحثا عن معنى أرحب لحياته. وحين يفهم البشر أن الرحلة أهم من الأجوبة النهائية، وأن الأسئلة الكبرى أكثر خلودا من العقائد الجامدة، وأن الحقيقة بحر لا شاطئ له، عندها يتحررون من أوهام الكمال ومن غواية امتلاك الحقيقة المطلقة، ويصبح التواضع أمام اتساع الوجود بداية الحكمة
وعندئذ فقط، لن يكون الأمل مجرد مقاومة يائسة للعتمة، بل سيصبح أفقا جديدا للوجود. وعندئذ فقط، ستنظر الإنسانية إلى مرآتها من جديد، فلا ترى وجها أنهكته الحروب والأحقاد والانقسامات، بل ترى وجها أكثر صفاء ونبلا واتساعا، وجها يليق بالإنسان الذي حلمت به الفلسفة، وبشرت به الأخلاق، وانتظرته الإنسانية طويلا.
وستنهض من تحت أنقاض قرون طويلة من الخوف والكراهية والاغتراب، وقد تعلمنا أن الإنسان أثمن من كل العقائد حين تتحول إلى سجون، وأبقى من كل الأيديولوجيات حين تتحول إلى أصنام، وأعمق من كل الحدود التي رسمتها السياسة أو التاريخ أو المصالح.
وعندئذ فقط، سوف يسقط كل ما هو زائف، وتبقى الحقيقة البسيطة التي حاولت الإنسانية نسيانها طويلا: أننا لم نولد لنتقاتل على طرق الوصول إلى النور، بل لنسير معا نحوه.
***
ابتهال عبد الوهاب







