عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

محمد بوفلاقة: السينما الجزائرية.. ميلاد ومسار

إن الفن السابع يُعبِّرُ عن الماضي والمُستقبل، ويكشف النقاب عن آلام الماضي وأفراحه، ويُميط اللثام عنه بحلوه ومره وخيره وشره؛ فقد غدا لسان حال العديد من الأمم والشعوب والمُجتمعات، ولذلك يراهُ البعض مرآة لما يُعاش من تجارب، ويُنبه البعض لما قد يشوبه من تزييف وتحريف، وقد انطلق الحديث منذ عدة سنوات عن سينما نوعية لا تقتصر على الحكي التاريخي، وتصوير الحياة الواقعية، أو السعي إلى خلق الخيال الغرائبي في سينما المُستقبل؛ فإذا بنا نُشاهد لدى العديد من الأمم والمُجتمعات سينما تبحث في دواخل المرء، وتُضيء على أبعاد شخصيته، وهواجسه وأفكاره، ومشاعره في مجتمعات همين عليها الجانب المادي، وخفت الجانب الروحي.

وكل من يقرأ كتاب: «السينما الجزائرية: ميلاد ومسار» للباحث والأديب أحمد حمدي فإن ذاكرته ستنتعش؛ فالذاكرة تُوصف بأنها كنز إنساني دفين، كونها تحتفظ بالتجارب السابقة، وتُخزنها ثم تستدعيها مرة أخرى، حيث تتحفّز أطرافها الأخطبوطيّة العائمة دائماً باتجاهين يتسمان بالتناقض؛ فالاتجاه الأوّل هو الغياب في حضرة النسيان، الذي يوصف بأنه غياب المعلومات التي كانت مخزنة سابقاً في الذاكرة؛ سواء كانت طويلة المدى أو قصيرة الأمد، والاتجاه الثاني هو الحضور الحميميّ في قلب اللحظة المُناسبة عن طريق آلة الاسترجاع المشحوذة دائماً بقوّة تتسم بالغموض. (ينظر: محمد صابر عبيد: أسنان الذاكرة البيضاء، منشورات دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، 2017م، ص:7).

فكتاب الأستاذ والباحث الأكاديمي الدكتور أحمد حمدي يُميط اللثام عن مُحاولات الخروج من عباءات ضيّقة إلى فضاءات رحبة ومساحات واسعة، ومن يُطالع كتابه يستحضر ذكريات رافقنا فيها الأمل والحلم، والزمن الجميل الذي يعرضه في كتابه القيم يؤلم ويُعلّم وينسج الأمنيات؛ ويُضيء مساحات معتمة من خلالها نفهم عوالم ميلاد ومسارات السينما الجزائرية.

في تصديره للكتاب يذكر الأستاذ أحمد حمدي أن هذا الكتاب كان عبارة عن ملف يتصل بواقع السينما الجزائرية، وتاريخها الحافل بالأمجاد، والأعمال الخالدة؛ ونظراً لأهمية المعلومات التي يحتويها، والطابع التوثيقي الذي يرصد راهن النشاط الثقافي الجزائري في السبعينيات من القرن المنصرم، وحاجة المكتبة الجزائرية إلى هذا النوع من الأبحاث والأعمال؛ فقد ارتأى إعادة نشره ككتاب بعد مراجعته وإثرائه وتنقيحه، وإضافة بعض المقالات عن السينما الجزائرية، وما يتعلق بصناعتها وتوزيعها وانتشارها، وقد نبّه المؤلف إلى أن مضامينه بنيت في جانب منها على التدوين والسرد التاريخي، وبعض الجوانب من محتوياته جاءت لعرض وتقديم بعض الأفلام التي تعد نماذج تطبيقية؛ لما تمّ سرده في كتابه في الجانب النظري.

في مقدمة الكتاب يذكر الباحث الأكاديمي أحمد حمدي أن السينما أصبحت رغم عمرها القصير من أهم وسائل الاتصال؛ في القرن العشرين، وتنبع أهميتها من كونها تُخاطب قطاعاً عريضاً من مختلف الفئات الاجتماعية، وقد وجدت السينما طريقها إلى الجمهور الجزائري المُتعطش للعلم والمعرفة، ولكن السلطات الاستعمارية الغاشمة سرعان ما أدركت خطورة السينما عليها، ومن ثمة راحت تُحاول بكل جهدها تزييف مهام ودور السينما؛ وهكذا برزت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبالذات بعد مجازر 8ماي1945م خطة لتزييف دور ومهام السينما؛ فأنشأت سطات الاحتلال الفرنسي مصلحة للفوتوغرافية عام: 1946م لتُلحقها بالسينما عام: 1947م، بيد أن انفجار ثورة نوفمبر الخالدة عام: 1954م، وانتقال المجتمع الجزائري من حالة الكمون إلى حالة التوثب، ومن حالة الدفاع السلبي إلى حالة الهجوم الكاسح ضد قوى الاستعمار؛ أوجد ظروفاً جديدة ستترك تأثيرها على الأجهزة الثقافية، ويذهب المؤلف إلى أن السينما الجزائرية ليس لها إلا أن تكون ضمن النوع الثوري من السينما المناضلة، وذلك لعدة أسباب وظروف؛ منها الاستعمار الفرنسي لمدة132 سنة، والتي اتسمت بالقمع والإرهاب، ومحاولة محو الشخصية الوطنية، وتزييف الثقافة الوطنية؛ بينما تميّز الجانب الجزائري بالمقاومة والثورات الدائمة والمستمرة، والتي لم تتوقف، ولم تكل، وقد أشار الباحث أحمد حمدي إلى أن السينما في الجزائر المستعمرة، كانت موجودة من خلال تصوير المناظر والمناطق الجزائرية المتنوعة؛ كمشاهد خلفية لعدد من الأفلام الشهيرة، وسبب ذلك الانتقاء من قبل عدد من المخرجين هو الطابع السحري، والحالة الذي تتميّز به الطبيعة الجزائرية، وقد كانت نشوة الاحتفال بمرور مائة سنة على احتلال الجزائر فرصة لعدد من المُخرجين لتقديم أطباق فاخرة لمشاهديهم دون مقابل، وكان هدفهم تعريفهم على شمس الجزائر الدافئة ورمالها الذهبية وصحاريها الممتدة الأطراف، وجبالها الشامخة، وأنا سها الذين كانوا يعيشون حياة البدو في الأكواخ، وفي كهوف الجبال، والخيام المهددة بالرياح العاتية، وهكذا شاهدت الجزائر أفلام (البلاد) لجان رينوار، و(صليب الجنوب) لأندريه هيغون، و(طريق الشمس) لموريس كلينر؛ وهي أفلام تتغنى ببطولة وعظمة جيش الاحتلال الفرنسي؛ الذي تمكن من احتلال البلاد وقهر المتمردين والمتوحشين الأهالي، ويحتل البلاد عبر عدد كبير من المجازر المتلاحقة، وقد كان لسحر الشرق وقعه المفضل وجاذبيته عند عدد كبير من المخرجين الإيطاليين والأمريكيين؛ بحيث تدفقت على الجزائر كاميرات السينما الأمريكية، ومن خلفها المخرجون والممثلون؛ بل وحتى الخيول، والديكورات القادمة من أميركا لتصوير بعض أفلام رعاة البقر الأمريكية الشهيرة، بعدما لفتت الطبيعة الجزائرية نظر المُخرجين الأمريكيين.

وقد تطرق المؤلف إلى موضوع تطور السينما وإنتاجها في الجزائر؛ ومن بين ما ذكره في القسم الخاص بالتطور أن المركز الوطني للسينما قد باشر عمله منذ إنشائه عام 1964 وذلك من خلال فيلم (السلم الوليد) لجاك شاربي الذي أحرز على الجائزة الاولى للسينما الفتية في مهرجان موسكو عام: 1965م، ويليه فيلم (فجر المعذبين) لأحمد راشدي الذي يتحدث عن تحرير إفريقيا من الاستعمار الذي هيمن لمدة طويلة على بلدان العالم الثالث، وقد أحرز هذا الفيلم أيضا على جائزة المؤتمر الدولي للسلم في مهرجان لايبزيغ الدولي عام 1965.

ثم يلي ذلك مجموعة من الافلام الجزائرية الناجحة، والتي نالت تقدير ورضا النقاد ورجالات السينما الدوليين مثل فيلم (معركة الجزائر) من اخراج جيلو بونتكورفو الذي نال جائزة فينيسيا و(الليل يخاف من الشمس) لمصطفى بديع ثم (ريح الأوراس) من انتاج ديوان الاحداث الجزائرية من اخراج محمد الاخضر حامينا الذي أحرز على جوائز: أول عمل سينمائي بمهرجان كان 1966 وجائزة أحسن سيناريو بمهرجان موسكو 1967، وفيلم (الطريق) من انتاج الديوان الوطني للتجارة والصناعة السينمائية، واخراج محمد سليم رياض (جائزة السينما الفتية في مهرجان طشقند الدولي 1968) و(حسان الطيرو) للاخضر حامينا و(الجحيم في سن العاشرة "خمسة أفلام :

- البحر للغوثي بن ددوش

- اللقاء لسيد علي مازيف

- السمان لبوقرموح

- شهود الأمس لعمار العسكري

- عندما كانت جانيت ليوسف حكيكة

و(الخارجون على القانون) لتوفيق فارس، و(قصص من ثورة التحرير) و(الأفيون والعصا) لأحمد راشدي، و(تحيا يا ديدو) لمحمد زينات، و(لكي تحيا الجزائر) لمحمد عزيزي، و(اللي فات مات) لمصطفى كاتب، و(الفحام) لمحمد بوعماري الذي نال اعجاب كثير من المهتمين بالفن السينمائي الجزائري، واعتبر اعلانا عن ميلاد اتجاه جديد صار يعرف بــ "سينما جديد" وقد أحرز هذا الفيلم على التانيت الفضي لمهرجان قرطاج 1972، و(ولأسر الطيبة) لجعفر دامرجي و(عرق أسود) لسيد علي مازيف و(دورية نيو الشرق) لعمار لعسكري، و(منطقة محرمة) لأحمد لاعلام و(عطلة المفتش الطاهر) لموسى حداد، و(الارث) وهو ثاني أعمال محمد بوعماري الطويلة (هروب حسان الطيرو) لمصطفى بديع و(وقائع سنين الجمر) للأخضر حامينا، وهو أضخم إنتاج سينمائي جزائري بحيث تجاوزت تكاليف إنجازه المليار دينار ونصف، بيد أن حصول الفيلم على جائزة سعفة مهرجان "كان" الدولي أهلته لأن يعيد تكاليفه تلك، وهناك أفلام مرزاق علواش الناجحة، مثل (عمر قاتلاتو) الذي نال جائزة مهرجان قرطاج، و(مغامرات بطل) و(حواجز) لأحمد لاعلام، و(نوة) لعبد العزيز طلبي، و(المصب) لمحمد شويخ و(الغاصبون) للأمين مرباح، و(الطرفة) للهاشمي الشريف، و(يوميات عامل شاب) لمحمد افتيسان، و(سنعود) لمحمد سليم رياض .. وهناك عدد من الأفلام القصيرة والمتوسطة والطويلة لم نأت على ذكرها، ولن ما يهمنا أن نلاحظه هو ميلاد الاتجاهات الجديدة في السينما الجزائرية، ابتداء من سنة: 1972.

في قسم مُستقل من الكتاب تحدث الباحث أحمد حمدي عن الاتجاهات الجديدة في السينما الجزائرية، لقد انكبت السينما الجزائرية-كما عرفنا-على دراسة الثورة، وقدمت أفلاما تسجيلية؛ نذكر من ضمنها:

* فجر المعذبين

* الجحيم في سن العاشرة

* معركة الجزائر

كما قدمت أفلاما ذات أبعاد ملحمية؛ مثل:

* ريح الأوراس

* الطريق

* الخارجون على القانون

غير أن التطلع نحو الماضي وحده أصبح مثار نقد؛ كما عرفنا، ومن ثمة برزت الاتجاهات الجديدة في السينما الجزائرية؛ مع العلم أن هذه الأخيرة لا يمكن حصرها حاليا لحداثة عهدها.

إلا أن ملامح السينما الجديدة ظهرت مع التغيرات الاجتماعية من منظور تقدمي واضح .

يقول المخرج محمد بوعماري:

(لا نستطيع أن نرسم واقع الشعب كما نراه بل يجب أن يكون عملنا أكثر عمقا، وأبعد أثرا، يجب على السينما الجزائرية أن تكون مدرسة سياسية واجتماعية وملتزمة بالأساس مع عدم اغفال العنصر الفني).

إن هذا التحديد يعني أن السينما الجزائرية تتميز بالتالي:

- عنصر الالتزام؛ الذي يضفي على المضمون الأبعاد الثورية.

- عنصر الأسلوب؛ وخاصة منه ما يتعلق بالشكل الفني حيث تبرز بساطة الاخراج، ومرونة الحركة أي (الابتعاد عن التعقيد والمبالغة، والنزوع نحو التقاط الصور من الواقع بعيدا عن الإستيديوهات، وشعبية الممثلين).

وقد حصر المؤلف الاتجاه الأول في سينما الثورة، حيث جعل فليم معركة الجزائر أنموذجاً، وذهب إلى أن التأثيرات الاجتماعية للفيلم تتمثل؛ فيما يلي:

1-  تركيز الانتباه على أهمية ما قامت به القوات الفرنسية من إنجازات عدوانية على السكان.

2-  شحذ الهمم، والمشاعر؛ لإثارة الاعجاب بقوات الاستعمار الفرنسي.

3-  العمل على التقليل من كراهية الجزائريين للاستعمار.

ومن هنا كان لبعض نقاد الفيلم؛ وجهة نظر مختلفة، ومهاجمة شديدة، وكي نرى بوضوح ؛ كيف يمكن تقدير التأثيرات الناجمة عن الفيلم تقديرا علميا صحيحا؛ علينا أن نتبع الخطوات التالية:

1-  فهم عملية التنميط؛ أي كيف يترجم الفيلم حقائق الموقف الاجتماعي الى صور في نسق معين .

2-  أن نبين موضوعيا كيف تعمل المضامين الاجتماعية للفيلم على تشويه الحقائق؛ والمقصود، بالمضامين الاجتماعية هي تلك المصور في الفيلم، وليست تلك المضامين التي يمكن أن نستخرجها منه؛ أو الموجودة أصلا في ذهن المتفرج.

أما الاتجاه الثاني فقد حصره في سينما الواقع، واتخذ فيلم الفحام نموذجا، ومن بين الاتجاهات الأخرى التي سلط عليها المؤلف الضوء السينما المناضلة، حيث تحدث عن فيلم : فرقة خاصة، وأشار لدى حديثه عن هذا الفيلم أن "غوستا غافراس" يعد من أكثر المخرجين العالميين شهرة بفضل أفلامه السياسية الهادفة؛ التي جعلت من الكاميرا معادلا موضوعيا للبندقية، كما جعلت منها منشورا سياسيا ضد الفاشية، وكل أعمال القمع والإرهاب. وغوستا غافراس يوناني الأصل أخرج عددا من الأفلام السياسية الناجحة؛ لقيت اهتماما متزايدا من كبار النقاد العالميين، ونال عنها عدة جوائز عالمية آخرها فيلم (فرقة خاصة) الذي نال في مهرجان "كان" في (22/10/1972) بالمناصفة مع المخرج الكندي "ميشال برولت" عن فيلمه (الأوامر) جائزة أحسن إخراج.

ولا ريب في أن هذا الكتاب يُمثل إضافة مهمة للدراسات السينمائية؛ التي أضحت تخصصاً أكاديمياً ينهض بمُعالجة شتى المناهج النظرية والتاريخية والنقدية للأفلام، وهو عمل توثيقي رصين بذل فيه المؤلف جهوداً كبيرة خدمة للسينما الجزائرية، وللمهتمين بعوالمها، ولعامة المثقفين والمتخصصين في الدراسات السينمائية.

***

الدكتور محمد سيف الإسلام بوفـلاقــــة

كلية الآداب واللغات، جامعة عنابة، الجزائر