اخترنا لكم

تطبيق الحدود ومقاصد الشريعة

ازداد رفع شعار "تطبيق الشريعة الإسلامية" هذه الأيام وفي أكثر الدول فقراً وعدم استقرار مثل الصومال والسودان وباكستان وأفغانستان وجنوب الفلبين ونيجيريا وغيرها من البلاد الإفريقية

والآسيوية التي ما زالت تسعى نحو شكل من أشكال النظم السياسية. ويُرفع وكأنه الحل السحري لمشاكل البلاد السياسية دون ذكر للاقتصادية والاجتماعية. وهو جزء من شعار أوسع "الإسلام هو الحل"، وهو شعار رئيسي من شعارات الإسلام السياسي والجماعات الإسلامية.

 

ويعني الشعار أساساً تطبيق "الحدود" خاصة الحدود البدنية مثل القصاص، والصلب، وقطع اليد، والرجم، والتعذيب من أجل تخويف الناس وردعهم. وقد يطبق حد السرقة على الفقراء دون الأغنياء بمعنى السرقة، أي نشل المحفظة أو أخذ شيء من محل وليس بمعنى تهريب الأموال والمضاربة في البنوك والتلاعب في البورصات "إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد". قد يطبق على الضعفاء دون الأقوياء، وعلى العامة دون الخاصة. وهو مطالبة الناس بأداء واجباتهم قبل إعطائهم حقوقهم. فلا تقطع يد سارق عن جوع أو بطالة. ولا يُرجم أو يُجلد أحد لو كان الزواج صعباً في إيجاد السكن والمال والإعداد له. وهو ما سماه الأصوليون السبب والشرط والمانع. ولا يطبق الحد إلا إذا وجد السبب وهو الأهلية، وتوافر الشرط وهو الكفاية، وغاب المانع مثل الجوع والبطالة. أما تطبيق الشريعة هكذا على الإطلاق، فإن ذلك يكون تغطية لفشل توفير الحياة المادية للناس وتوفير الضروريات لهم وهي الغاية من الشريعة، وطلب نجاح وهمي لفرض الطاعة على الناس.

 

وكل ما يحدث في المجتمع الذي قد يطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية إنما هو مخالف للشريعة الإسلامية مثل الحرب الأهلية، وتقسيم الوطن، وقتل الأبرياء، الأطفال والنساء والمسنين، والصراع على السلطة، بالسلاح وجعل الهدف هو الحكم عنوة وليس شورى، وتكوين عصابات بحرية مسلحة لقطع الطرق البحرية على السفن التجارية الآمنة، وطلب فدية باسم الإسلام. فالقتل وإرهاب الآمنين، وقطع الطريق، والاستيلاء على ممتلكات الغير، ليست وسيلة لتطبيق الشريعة الإسلامية، بل إن ذلك ينفر الناس من الشريعة وتطبيقها، ويشوّه صورة الإسلام في الخارج، ولا يحقق مصالح الناس بل فئة صغيرة من قطاع الطرق طلباً للمال بعقلية الغنائم القديمة وكأنه لا وجود لقانون محلي أو دولي لحماية الآمنين. وقد تكون على السفن معونات للشعوب الفقيرة. وقد يضطر بعضها إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح هرباً من مدخل البحر الأحمر وبالتالي فقدان قناة السويس أهميتها لعدم أمنها والإضرار بمصالح مصر القومية. وهي سفن ليست لقيطة يطبق عليها الفقه القديم بل لها أصحابها أفراداً وشركات. ولا تحمل بضائع مهربة بل تجارة، بيعاً وشراء لقضاء حاجات الناس.

 

إن تطبيق الشريعة الإسلامية في شعب مقهور يتقاتل أهله بالسلاح صراعاً على السلطة ويسفكون دماء الأبرياء هو إيقاف الفتنة وحقن الدماء، والمصالحة الوطنية، والحوار بين المتقاتلين، والتفاهم من أجل تطبيق مبدأ الشورى، واختيار حاكم بالتراضي فيما بينهم وليس بالغلبة بقوة السلاح. وإن تطبيق الشريعة في شعب فقير تعني أولاً تنمية الموارد البشرية، ووضع خطط للتنمية، وزرع الأرض، وتربية المواشي، وزيادة الدخل القومي، وإيجاد فرص عمل للجميع، والمساواة بين الناس في الدخول. إن تطبيق الشريعة في مجتمع قبلي تعني تجاوز الحدود العشائرية والعودة إلى الأمة التي تتساوى فيها جميع القبائل والشعوب، وتجاوز العشائر والأقوام، وتوحيد الشعب تحت مبدأ المواطنة التي يتساوى فيها الجميع.

 

إن تطبيق الشريعة الإسلامية يعني تطبيق القانون المدني، الحرية والمساواة للجميع، والدفاع عن حقوق الإنسان، وتطبيق مقاصد الشريعة وهي الدفاع عن الحياة دون القتل، والعقل دون الجهل والأمية، والأخلاق التي سماها القدماء الدين، والعرض، أي الكرامة دون انتهاك حقوق الإنسان، والمال أي الثروة الوطنية ضد النهب والسلب.

 

وإن نجح شعار "تطبيق الشريعة الإسلامية" مرة في البلاد الإسلامية المستقرة مثل إندونيسيا، فإنه قد لا ينجح كل مرة؛ لأن الناس يشعرون بأن حالهم الاجتماعي ومستواهم الاقتصادي لم يتغير على رغم انتخابهم من رفعوا هذا الشعار. فهو شعار مثل باقي الشعارات "الإسلام هو الحل"، و"الإسلام هو البديل"، يعطي الناس أملًا وقتياً في حل أزماتهم، ولكن بعد فترة يكتشفون أنه لم يكن حلًا ولا بديلًا. وكذلك لا تنجح شعارات اليسار عن الوطنية والاشتراكية والتقدم والتنمية والمساواة والعدالة الاجتماعية؛ لأن الناس بعد أن ينتخبوا ممثليهم يجدون ألا شيء قد تحقق من هذه الشعارات، وأن الغاية من رفعها هي الوصول إلى السلطة، لا فرق بين إسلاميين ويساريين، بين أصوليين وعلمانيين، ما ينقصهم هو الجمع بين الاثنين على مستوى النظر مثل "اليسار الإسلامي"، تحقيق المطالب الاجتماعية من خلال الثقافة الشعبية الموروثة وفي الوقت نفسه تنفيذها على أرض الواقع وإعطاء الفلاحين حقوقهم "الأرض لمن يفلحها"، والعمال حقوقهم "أعطوا العامل أجره قبل أن يجف عرقه". وما ينقص هو الجمع بين المطلبين ثم حشد الناس وتجنيدهم لتنفيذ البرنامج الاجتماعي مع مصالحة وطنية عامة تجمع كل الاتجاهات في برنامج عمل وطني موحد، تعددية على مستوى النظر وعمل مشترك واحد على مستوى العمل.

 

والمطلوب أن يقوم بذلك رجال الأزهر المستنيرون، من مدرسة محمد عبده، لإتمام رسالة الإصلاح على المستويين النظري والعملي، منذ التعليم الأولي والابتدائي والثانوي حتى الجامعة والأحزاب والإعلام ومنظمات المجتمع المدني. أي تطبيق الشريعة الإسلامية بالمقاصد وليس بالحدود، بالحقوق وليس بالواجبات، في حياة الناس وتحقيق حاجاتهم الاجتماعية، عن اقتناع وليس عن تخويف. إن الإسلام ليس مجرد وسيلة للوصول إلى الحكم. ولكنه أداة لتحقيق مطالب الناس وتحسين أحوالهم. لا ينبغي أن تكون شعارات الإسلام وسيلة لكسب أصوات الجماهير وخداعهم مثل غيرها من الشعارات العلمانية الليبرالية أو الاشتراكية أو القومية، بل هي رؤية فعلية لتحقيق مقاصد الشريعة. فالحكم أداة وليس وسيلة. وإذا تقاعس أحد فهناك الحسبة، والنصيحة، والقضاء المستقل الذي لا يحكم بالكفر أو الردة بل الذي يحكم بالعدل ضد الظلم. فالعدل أساس الملك. وعليه قامت السماوات والأرض.

 الاتحاد الاماراتية 27-6-2009

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1091  السبت 27/06/2009)

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1026 المصادف: 2009-06-27 10:14:37


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5990 المصادف: الاحد 29 - 01 - 2023م