عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

حوارات عامة

عبد الله المتقي يحاور القاصة والشاعرة التونسية نعيمة الحمامي

القصة القصيرة جدا كتابة ضد الفائض والتكرار

نعيمة الحمامي: شاعرة وقاصة تونسية، عضوة فاعلة في المركز الثقافي “ريدار “، ومن مؤسسي الملتقى الوطني للقصة القصيرة جدا بمنزل تميم، هذا إلى مساهمتها النقدية.

صدر لها ديوان شعر بعنوان” حي على الرقص”، وبمناسبة صدور مجموعتها القصصية القصيرة جدا التي اختارت لها “ رغيف ساخن “ اسما، كان لنا معها هذا الحوار:

س- من تكون نعيمة الحمامي شاعرة وقاصة في هذا العالم الذي يروم السرعة والتكثيف؟

ج - سؤال جميل… سياقه ينسجم تمامًا مع انشغالي بالق. ق. ج. نقدا وكتابة.

انا نعيمة الحمامي التوايتي شاعرة وقاصّة تونسية، اضطلعت المدرسة العمومية أوّلا وكذلك المكتبة العمومية بمسقط راسي منزل تميم، بدورٍ محوري في غرس عادة القراءة وحبّ المطالعة في أعماقها منذ سنّها الحليبي. مؤسّسات حاضنة لم تقتصر وظيفتهما على توفير الكتب والفضاءات المخصّصة للقراءة فحسب، بل خلقت مناخٍ ثقافيّ يوقظ الفضول المعرفي ويغذّي الرغبة في الاكتشاف. فالمدرسة، عبر المعلمين وأنشطة التعليم والتعلُّم كانت بوابة أولى نحو عالم الكتاب. في حين مثّلت المكتبة العمومية بمنزل تميم امتدادا طبيعيا لهذا الدور عبر الأنشطة الثقافية والمسابقات القرائية، وبما تتيحه من إمكانية الولوج المجاني إلى مصادر المعرفة. كمايبرز حرص العائلة، حتى وإن كان المستوى التعليمي للأبوين محدودًا جدّا، على تحفيز الأبناء على التعلّم والمطالعة، من خلال التشجيع المعنوي، وتوفير الوقت الهادئ للقراءة، وترسيخ قناعة بأن المعرفة سبيلٌ /للارتقاء الفردي والاجتماعي. وهكذا تضافرت جهود المدرسة والمكتبة والأسرة ليتشكّل مثلثً تربويً وثقافيً أسهم في بناء علاقة مبكّرة ومتينة مع الكتاب. علاقة سرعان ما تطوّرت في اتجاهٍ إيجابي مع مرور السنوات والدراسة الجامعية. فتحوّلت القراءة من عادةٍ مدرسية إلى شغفٍ معرفيّ، ثم إلى مشروعٍ إبداعيّ واعٍ، أثمر أديبة جمعت بين الشعر والسرد والدراسات النقدية. اديبة انفتحت في كتابتها على مختلف القضايا الإنسانية والاجتماعية والثقافية، مستغلة أيضا تكوينها الأكاديمي العميق في اختصاص شعبة التاريخ بالجامعة التونسية، متفاعلًة مع تحوّلات واقعها ومشاغل عصرها.

ومع بروز زمنٍ يتّسم بالسرعة، وتراجع الإقبال على النصوص الطويلة، واختزال الزمن القرائي، اتّجهت نعيمة الحمّامي التّوايتي إلى أشكال التعبير الوجيز، مسايرة لإيقاع العصر دون التفريط في العمق الدلالي والجمالي. وعيا بظرورة التوفيق بين متعة النصّ وضرورات اللحظة الحضارية.

تجسّرت العلاقة بالقصّة القصيرة جدّا فجعلت من نعيمة الحمّامي كائنا لغويّا يقيم في المسافة الضيّقة بين الصمت والكلمة في عالمٍ تتسارع فيه الوقائع وتختزل فيه المسافات والمعاني في إشارات خاطفة.

فالقصة القصيرة جدًا هي... كتابة ضدّ الفائض، ضدّ التكرار، ضدّ الاستهلاك... ومن هنا يتشكّل وعي القاصّ المعاصر: أن يصنع من القليل عالمًا، ومن اللقطة سردًا مكتملًا.

فيكتب ضدّ الترهّل، وأن يجعل كل جملة ضرورة سردية. على راي الأكاديمي والناقد التونسي احمد السماوي

س- من أين جئتَ أنتَ القصّة القصيرة جدًا، وأنت الشاعرة القاصّة في هذا العالم الذي يروم السرعة؟

ج- لم يكن دخولي إلى عالم القصة القصيرة جدًا حدثًا معزولًا أواختيارًا فجائيًا، ولم يكن وليد الممارسة وحدها، بل تأسّس على وعيٍ قرائيّ ونقديّ سبق الكتابة ورافقها. ضمن سياق ثقافي ومعرفي متكامل أسهم في تشكيل وعيي بهذا الجنس الأدبي.

فقد أتاحت لي ورشات الكتابة التي شاركت فيها، واللقاءات الأدبية والنقدية التي تابعتها، والملتقيات المتخصّصة، ولا سيما الملتقى الوطني للقصة القصيرة جدًا في تونس الذي يقام سنويا في الرواق الثقافي "ريدآر" بمدينتي منزل تميم وهو فضاءً حيً للحوار وتبادل التجارب والاحتكاك المباشر بالكتّاب والنقّاد المهتمّين بهذا الفن.

منصّات التواصل الإجتماعي، مصافحة ماكتب من مقالات وكتب عن الوجازة آخرها "كتاب الأدب الوجيز وإشكالية التجنيس" (أعمال الدورة الأولى الملتقى العلمي الدولي للأدب الوجيز 2023، سوسة) تنسيق الدكتورة الاديبة إلهام بوصفّارة...

هذا السّياق الثقافي أتاح لي فرصة الانفتاح على النصوص المرجعية في الدّراسات السردية الوجيزة والتي أرست ملامح هذا الجنس السردي وحدّدت مقوّماته الأساسية من تكثيفٍ لغويّ، وإيحاءٍ دلاليّ، وبناءٍ على الفجوات النصيّة، وقفلةٍ تُراهن على المفارقة والانزياحات. وفهم رهاناتها الجمالية.

وفي مقدّمة هذه النصوص المرجعية، النص المنسوب إلى إرنست همنغواي: "للبيع: حذاء طفل، لم يُلبس قط".

وهو نصّ قصير للغاية، من ستّ كلمات، لكنه يؤسس عالمًا حكائيًا كاملًا عبر الإيحاء والفراغ الدلالي، ويُعدّ نموذجًا تطبيقيًا على قدرة القصة القصيرة جدًا على بناء الحكاية بالصمت أكثر من الكلام.

نصّ من ست كلمات فقط كشف لي كيف يمكن لجملة واحدة أن تُقيم عالمًا سرديًا كاملًا بالإيحاء لا بالتصريح.

كما أسهمت مختارات عالمية جمعت نماذج في القصة القصيرة جدًا، من ثقافات متعددة وقدّمت مقدمات تنظيرية حول مقومات هذا الفن، في ترسيخ حضوره في ذهني بوصفه جنسًا أدبيًا عابرًا للغات والحدود. في المشهد الأنجلوسكسوني، مثلا رسّخت تجارب كتّاب مثل شيري فليك تقنيات الفلاش فيكشن، حيث تتحوّل الجملة المكثّفة إلى وحدة سردية مشحونة بالدلالة.

في السياق العربي، تابعت تجارب روّاد السرد المكثّف ممن راهنوا على القصة الوجيزة كأفق تعبيري جديد، يقوم على الاختزال والتكثيف، واعتبر النقاد نصوصهم إرهاصات لولادة القصة القصيرة جدًا عربيًا، حتى قبل استقرار المصطلح.مثل نصوص السوري زكرياء تامر...

وفي المغرب الأقصى يعدّ “أحمد بوزفور" و" عزّ الدين الماعزيّ” من أهمّ رواد القِصّة القصيرة جدًّا إلى جانب حسن برطال، نذكر فاطمة بوزيان، وعبد الله المتّقي ومصطفى لغتيريّ وآخرين…

انفتاح قراءتي على هذه التجارب المختلفة عزّز ادراكي بتنوّع أساليب الق. ق. ج. وتعدّد طرائق القبض على اللحظة الإنسانية الخاطفة. كما أسهم، في بناء خلفية نظرية رافقت الممارسة الإبداعية.

هذه المناخات المتنوعة جذبني تدريجيًا إلى عالم القصة القصيرة جدًا، لا بوصفها ممارسة كتابية فحسب، بل كأفقً للكتابة والنقد معًا، يواكب إيقاع العصر ويستجيب لتحوّلات الذائقة القرائية المعاصرة. التي أعادت النظر في مفاهيم الحكاية والزمن والشخصية والحدث.

تكاد أغلب المقاربات تجمع على أنّ هذا الشكل لا يُختزل في قِصر الحجم فحسب، بل في تحويل الاختزال إلى قيمة جمالية، حيث تُستبدل الوفرة الحكائية بالإشارة، ويُعوَّض السرد الخطي بالإيحاء، وتُبنى الدلالة في المسكوت عنه أكثر مما تُبنى في المنطوق.

كما أبرزت علاقة القصة القصيرة جدًا بثقافة العصر الرقمي؛ فوسائط التواصل الاجتماعي أسهمت في ترسيخ الحاجة إلى نصوص خاطفة ذات أثر فوري، دون أن يعني ذلك تفريطًا في العمق الجمالي. وبذلك غدت القصة القصيرة جدًا شكلًا سرديًا يستجيب لتحوّل أنماط القراءة، ويعيد تعريف مفهوم "الحكاية" بوصفها ومضة معنى لا سردًا ممتدًا

هكذا تداخل المرجعي بالنصي، والنظري بالتطبيقي، والذاتي بالجماعي، ليصوغ سياقًا كاملاً جعل دخولي إلى عالم القصة القصيرة جدًا دخولًا واعيًا، لا بوصفها ممارسة كتابية فحسب، بل مشروعًا سرديًا ونقديًا يسعى إلى التقاط المعنى في زمنٍ يتقاصر، والقول في مساحةٍ تتقلّص، والكتابة في عصرٍ يطلب الومضة لا النصّ الطويل.

س- ما هو تصورك للقصّة القصيرة جدّا وكيف ترين مستقبلها في السّنوات القادمة؟

ج- القصة القصيرة جدًا هي نصّ سرديّ بالغ التكثيف، يقوم على:

* الاختزال دون فقدان المعنى.

* الدهشة باعتبارها جوهر الأثر الجمالي.

* المفارقة كآلية توليد الدلالة.

* القفلة الصادمة التي تعيد قراءة النص كله.

* اقتصاد الشخصيات والزمان والمكان إلى الحد الادنى

* اقتصاد لغوي يُحوّل اللغة إلى فعل سرديّ مكثّف لا وصفيّ.

إنّها كتابة تُشبه "الشرارة":صغيرة في حجمها، كبيرة في طاقتها الدلالية.

هي أقرب إلى "قصيدة سردية خاطفة"، لكنها لا تتخلى عن جوهر الحكاية مهما صغرت.

أرى أن مستقبلها واعد جدًا لعدة أسباب:

أولًا: التحوّل الرقمي

زمن القراءة السريعة ومنصّات التواصل يجعل النصوص الوجيزة أكثر توافقًا مع إيقاع الحياة الحديثة. القصة القصيرة جدًا ستصبح جنسًا مركزيًا في النشر الرقمي.

ثانيًا: تحوّل الذائقة

القارئ المعاصر يميل إلى النصوص التي تمنحه أثرًا فوريًا وعميقًا في وقت قصير. وهذا بالضبط ما تحققه القصة القصيرة جدّا.

ثالثًا: اتساع التجريب بظهور فضاءات تعبيرية جديدة، وليدة التحوّلات التكنولوجية والوسائط الحديثة.

فتداخل القصة القصيرة جدًا مع الصورة ومع اللوحة التشكيلية وقد ترافقها خلفية موسيقية إو صوت قرائي إو لقطة سينمائية خاطفة وهذا يخلق نوعًا من السرد البصري الذي يناسب طبيعة القصة القصيرةجدّا القائمة على اللقطة الخاطفة.

كما أنّ ظهور النصوص التفاعلية تجعل من الق. ق. ج. أقرب إلى لعبة سردية" متعدّدة المسارات، غير مغلقة على قفلة واحدة تجعل القارئ يشارك في بناء مسار القراءة، ولا يكون متلقيا سلبيًا. وهكذا تنتقل القصة القصيرة جدًا: من القراءة الصامتة إلى تجربة حسّية كاملة. متعدّدة الوسائط لها القدرة على التعبير عن روح العصر.

كما يشكّل ترسّخ النقد والتنظير أحد العوامل الحاسمة في تثبيت القصة القصيرة جدًا بوصفها جنسًا سرديًا مستقلًا له خصوصياته الجمالية، وجهاز مفاهيمي يحدّد خصائصه مثل التكثيف، المفارقة، القفلة، ووظيفة العتبات. ولم يعد التعامل مع القصة القصيرة جدًا قائمًا على الانطباع القرائي فقط، بل على مقاربات منهجية تُفرز النصوص وفق معايير جمالية دقيقة، وتؤسّس وعيًا نقديًا يرسّخ شرعية هذا الجنس داخل الحقل الأكاديمي.

برز في العالم العربي صوت إبداعي مميّز في كتابة القصة القصيرة جدًا، خاصة في المغرب وتونس والعراق وسوريا ولبنان، حيث أعادت التجارب العربية تشكيل هذا الجنس وفق خصوصيات اللغة العربية وإيقاعها الشعري وحمولتها الثقافية والاجتماعية. وبذلك تحوّلت إلى مختبر سردي ينتج هويته الخاصة، ويعبّر عن حساسية عربية معاصرة تجمع بين الومضة السردية والعمق الدلالي. ولم تعد مجرّد استنساخ لنموذج عالمي،.

. تصوّري في ختام إجابتي عن هذا السؤال انّ القصة القصيرة جدًا ليست "نصًا قصيرًا" فحسب، بل رؤية للعالم عبر ومضة.

مستقبلها هو مستقبل الكتابة نفسها في عصر السرعة:

كلما تسارعت الحياة، ازدادت الحاجة إلى فنّ الومضة.

س- بم اوحى لك (رغيف ساخن)، وانت تختارينه ثريا تعلقينه على سقف الغلاف؟

ج- عندما يوضع "رغيف ساخن" في أعلى الغلاف، فإنه يتحوّل إلى عتبة أيقونية (بتعبير بيرس). والأيقونة علامة تقوم على المشابهة بين الدال والمدلول أي علامة تشبه موضوعها بصريًا وتستدعيه حسّيًا.

فصورة الرغيف لا تشير إلى الخبز فحسب، بل تستدعي حسيًّا رائحته وحرارته وملمسه.

ومن ثمّ تتولد شبكة إيحائية متعددة المستويات:

اليومي: بما أنّ الرغيف هو رمز الحياة اليومية والخبز الضروري

الدفء: رغيف ساخن يوحي بالبحث عن الحنان والأمان

الحاجة إليه، تحيل إلى الجوع المادي والروحي.

اقتسامه، يشير إلى التضامن والانتماء والجماعة.

ورائحته، تحيل إلى الذاكرة، البيت والطفولة والأم.

على مستوى العتبة:

إنه يَعد القارئ بنصوص دافئة في ظاهرها، لكنها مُخاتلة لأنها تُخفي بين طياتها جوعًا داخليًا. وهنا يتحقق التفاعل بين العتبة البصرية وأفق انتظار القارئ.

بهذا المعنى لا يعود الغلاف مجرد إطار للنصوص، بل يوجّه أفق التلقي نحو قصص تحتفي باليومي البسيط، لكنها تخفي خلفه توتر (الحاجة والحرمان...). وهنا يتحقق ما تسميه جوليا كريستيفا "تداخل النصوص والعلامات" حيث يتكامل البصري واللغوي في إنتاج الدلالة.

يتيح حرف الفاء في عتبة "رغيف ساخن" قراءة سيميائية بصرية، حيث يتحول القوس العلوي إلى سقف يحتضن الحرارة، وتغدو النقطة حبة قمح، فتتشكل أيقونة رغيف داخل بنية الحرف ذاته. هكذا تتجاوز العتبة وظيفتها الإخبارية لتؤسس مشهدًا حسّيًا يسبق النص ويقترح أفق تلقي قوامه الدفء والجوع والحياة

س- ما القواعد التي التزمت بها وانت تكتبين قصيصاتك الخاطفة؟

ج - تقوم كتابة القصيصات الخاطفة على جملة من القواعد الفنية والضوابط الجمالية التي تميّزها عن باقي الأجناس السردية، لعلّ أبرزها مبدأ التكثيف الدلالي، حيث لا يُقاس النص بقصره الشكلي بل بقدرته على ضغط الحكاية والمعنى في أقل عدد ممكن من الكلمات دون الإخلال بوظيفة السرد. ويقترن بذلك اعتماد وحدة الحدث، إذ تُبنى القصة على لحظة سردية واحدة أو واقعة مفردة تُقدَّم في شكل ومضة خاطفة، مع اقتصاد صارم في عدد الشخصيات التي غالبًا ما تُلمَّح ولا تُوصَف. وتنهض اللغة بدور إيحائي يتجاوز التقرير المباشر، فتراهن على الصورة والرمز والتلميح، بما يجعل النص مفتوحًا على تأويلات متعددة. كما تُعدّ المفارقة آلية مركزية في بناء القصة القصيرة جدًا، سواء أكانت مفارقة حدثية أم نفسية أم دلالية، إذ تؤدي وظيفة قلب التوقع وإحداث الانزياح. وتكتمل بنية النص عبر القفلة التي لا تُشكّل نهاية سردية تقليدية، بل لحظة صدمة أو إدهاش تعيد توجيه القراءة بأكملها. ويظل الحذف عنصرًا بنائيًا ملازمًا لهذا الجنس، حيث تُترك فراغات دلالية يضطلع القارئ بملئها، فيتحوّل إلى شريك في إنتاج المعنى. أما العنوان فيتجاوز وظيفة التسمية ليغدو عتبة نصيّة فاعلة تساهم في بناء التوقّع أو تضليله أو استكمال الدلالة. فهي فنًّ سرديً يقوم على البرق لا على الامتداد.

ولعل القاعدة الأساس تقول:

أن القصة القصيرة جدًا كتب بالممحاة أكثر مما تُكتب بالقلم، لأن جوهرها ليس الإضافة بل الحذف الذكي.

س-: الكتابة حين تواتيك، كيف تُلبين نداءها... هل من طقس معيّن؟

ج- إذا كان الشعر، كما تقول سونيا الفرجاني، كامنًا يتمدّد كالحب، فإن القصة القصيرة جدًا هي ومضة هذا الكامن حين يلتقط لحظة انكشاف. طقس كتابتها لا يقوم على التخطيط المسبق بقدر ما يقوم على استعداد داخلي لالتقاط الشرارة السردية قبل انطفائها. إنّها كتابة تقوم على التربّص بالمعنى وهو يمرّ خاطفًا.

طقوس كتابة القصة القصيرة جدًا هي طقوس التقاط لا طقوس بناء، طقوس حذف لا طقوس إضافة، طقوس إصغاء لا طقوس إملاء. إنّها كتابة تُشبه اصطياد لحظة بارقة: لحظة خاطفة، مكثفة، تضيء ثم تختفي، لكن أثرها يبقى في عين القارئ طويلًا.

س- قصيصاتك بديعة وجميلة، قرأتها باعجاب، وتمنيت لو انا صاحبها... هل من وصفة أدبية لهذا التميّز لديك؟*

ج- لا أؤمن بالوصفة الجاهزة، لأن التميّز لا يُطبخ على نار واحدة.

ما أفعله أقرب إلى الاصرار على قنص التفاصيل الهاربة: لحظة عابرة، حركة يد، ارتجافة معنى. ألتقطها ثم أعرّضها للتكثيف وللمحو حتى أجرّدها من الزوائد، وأختبر قدرتها على الوقوف وحدها، بلا سند.

القصة القصيرة جدًّا نصّ دقيق البنية: كل كلمة يجب أن تبرّر وجودها،

وكل صمت يجب أن يقول ما تعجز عنه العبارة.

أكتب الحكاية وأراقبها وهي تتقلّص حتى تبلغ حبلها السردي: يعني تصبح حدثا خاطفا، مفارقة خفيّة، قفلة لا تغلق المعنى بل تفتحه على تأويل. عندها فقط أترك النص يخرج إلى القارئ.

س- ماحكاية هذا الحضور للجدار والزنزاتة والسّجان في اكثر من قصيصة؟

ج- إن تواتر الجدار والزنزانة والسجّان لا يدلّ على فقر في المخيّلة، بل على إصرار جمالي وفكري على جعل السرد فضاءً لاختبار معنى الحرية داخل شروط القهر، وبناء شعرية للحصار تكشف، عن توقٍ دائم إلى الانفلات والتحرّر.

إنّ تواتر هذا الحضور في أكثر من قصيصة في مجوعتي "رغيف ساخن" يكتسبُ قيمة تتجاوز التكرار الوصفي، ليغدو بنية رمزية مهيمنة تؤسّس عالَمًا، فيه من الواقع ومن التخييل، تُصاغ داخله أسئلة الحرية والقهر والوجود. فعناصر مثل الجدار، زنزانة لا تعمل بوصفها مكوّنات مكانية محايدة، بل تتحوّل إلى علامات دلالية متراكبة، تشتغل داخل النصوص باعتبارها "بؤر توتّر" تكثّف الرؤية الفكرية والجمالية لمجموعة " رغيف ساخن".

من منظور غاستون باشلار، لا يُفهم المكان في الأدب بوصفه إطارًا خارجيًا للأحداث، بل باعتباره مخزن الذاكرة والخيال. غير أنّ الفضاء هنا ينقلب من فضاء "حميم" إلى نقيضه العدائي: الزنزانة بوصفها بيتًا مسلوب الحميمية، وجدارًا يقطع علاقة الذات بالعالم الخارجي. بذلك تتحوّل وظيفة المكان من احتضان إلى حصار، ومن حماية إلى نفي. وهذا الانقلاب يمنح الفضاء السجني وظيفة نفسية عميقة: إنه إسقاط لحالة الذات المعاصرة التي فقدت مأواها الرمزي.

في المقابل، السجن عند ميشال فوكو ليس مؤسسة عقابية فحسب، بل نموذج مصغّر لعالم حديث يقوم على المراقبة والسيطرة على الأجساد. إن حضور السجّان المتكرّر في النصوص لا يرمز إلى فرد بعينه، بل إلى آلية السلطة ذاتها، التي تراقب وتحاصر وتقمع... وبذلك تتجاوز القصيصات بعدها الفردي لتقترح رؤية نقدية لمجتمع مراقب، تتحوّل فيه السلطة إلى بنية غير مرئية لكنها فاعلة في كلّ تفصيل في الزنزانة ووراء الجدران المغلقة يُجبر الانسان على مواجهة مسؤوليته في عالم لا يقدّم خلاصًا جاهزًا. هل تستسلم الذات للقيد أم تعيد بناء حريتها في الداخل؟ يبقى سؤالا وجوديًا مطروحا

س- من أين اتيت بهذه السخرية السوداء التي تسللت إلى بعض من قصصك؟

ج- لا تتسلّل الكوميديا السوداء إلى قصيصاتي بوصفها اختيارًا أسلوبيًا عابرًا، بل تسلّلت عبر ثلاثة معابر دلالية وجمالية كبرى:

أولا: وعيٌ بعبثية العالم؛ حيث يتحوّل الضحك إلى شكلٍ من أشكال المقاومة الرمزية في وجه واقعٍ فقد منطقه. في هذا المستوى تتقاطع القصيصة مع ما نظّر له هنري برغسون في كتاب الضحك، حين اعتبر الكوميديا آلية اجتماعية لكشف الاختلال في السلوك الإنساني، ولفضح هشاشة المعنى ذاته.

ثانيا: بناءٌ سرديّ قائم على التكثيف والمفارقة؛ إذ يفرض اقتصاد القصة القصيرة جدًّا اختزال الحدث إلى أقصى درجاته، فتغدو الجملة الأخيرة قفلة صاعقة تتجاور فيها الضحكة مع الطعنة. هنا تقترب الكوميديا السوداء من مفهوم باختين عن "الكرنفالية المعكوسة": عالم مقلوب، لا يحتفل بانقلاب القيم بل يبتسم ساخرا من نظامٍ فقد شرعيته. ويسخر ايضا من وضع الإنسان ذاته في هذا العالم

ثالثا واقع اجتماعي مأزوم، يتجلّى في البيروقراطية والعزلة والتهميش وتصحّر العلاقات الإنسانية. فيتحوّل الضحك إلى تهكّم لاذع يعرّي الواقع الجمعي وينتقده، ويؤدّي في الآن نفسه وظيفة تحرير الطاقة النفسية المكبوتة، وفق ما بيّنه فرويد في نظريته عن النكتة واللاوعي.

هكذا تتشكّل الكوميديا السوداء في هذه القصيصات من تفاعل العبث الوجودي، والاقتصاد السردي المفارق، والوعي النقدي بالواقع الاجتماعي، لتغدو ضحكًا مرًّا يضيء الفاجعة بدل أن يبدّدها.

س- ما المنابع التي تستمدين منها كبسولاتك القصصية؟

ج- لا أستمدّ قصيصاتي من مصدر بعينه، بل من توتّر دائم بين الواقع واللغة، ومن فجوة في المعنى، من صمتٍ أطول من الجملة. كتبت من اليومي حين يتكثّف ومن القاع الهامشيّ حين ينكسر.

كتبتُ من الذاكرة حين تُعيد ترتيب نفسها كحكاية ناقصة. القصّة القصيرة جدّا ليست اختزالًا للحكي، بقدر ما هي تقطيرٌ له، حيث تتحوّل التجربة إلى ومضة دلالية مشحونة.

س- ماذا عن الغلاف الزمني لكتابة القصة القصيرة جدًا؟

ج- زمن كتابة القصة القصيرة جدًا زمنٌ مُخادع ومُراوغ؛ قد تولد في لحظة زمنية، لكنها تتخمّر طويلًا في الداخل.

الق.ق.ج. هي لحظة انبثاق بعد نضج خفي أحيانًا تُكتب في ومضة، وأحيانًا يستغرق حذفُها زمنًا أطول من كتابتها لانها تُكتب أيضا بالممحاة. فهذا الجنس لا يحتمل الترهّل، بل يراهن على ما يُقال وما يُحذف معًا، لأن اساسها التكثيف، والاقتصاد لغتها.

فهي فنًّ سرديً يقوم على اللحظة الخاطفة لا على الامتداد.

ولعل القاعدة الأساس تقول:

أن القصة القصيرة جدًا تُكتب بالممحاة أكثر مما تُكتب بالقلم، لأن جوهرها ليس الإضافة بل الحذف.

وعليه، تُكتب "القصة القصيرة جدًا في لحظة، لكنها تُصاغ في زمن طويل. زمنها -الحقيقي ليس زمن الكتابة، بل زمن الحذف والتكثيف."

س- ماهو رايك بحاضر الومضة القصصية في تونس؟

ج- حضور الوجازة عموما والومضة القصصية خصوصا في تونس يمكن ان يُفهم ضمن تحوّلين متداخلين:

تحوّل سياقي-ثقافي أعقب سنة 2011، وتحوّل مرتبط بانتشار الفضاء الرقمي.

فمرحلة ما بعد 2011 افرزت انفجارًا في التعبير وتحرّرًا من الأطر الرقابية والمؤسّسية، ما أتاح للأصوات الشابة والكتابة الهامشية أن تتقدّم إلى الواجهة.

في هذا المناخ، وجدت الادب الوجيز ومنه القصة القصيرة جدًا، بوصفها جنسًا مفتوحًا ومقتصدًا، ارضية ملائمة للانتشار، لأنها تستجيب لرهان السرعة، وتلتقط اليوميّ والهشّ والعابر في لحظة توتّر دلالي مكثّف.

ومن جهة ثانية، أعادت وسائط التواصل الاجتماعي تشكيل علاقة الكاتب بالنصّ والقارئ معًا. فقد أصبح النصّ القصير الوامض قابل للتداول السريع والمشاركة، تحوّلت الومضة إلى شكلٍ تعبيري يتقاطع مع منطق "التدفق" و"الاختزال" الذي تفرضه الصورة.

غير أنّ هذا الانتشار الكمي لا يوازيه بعدُ تأصيل نقدي كافٍ؛ إذ ما يزال هذا الجنس يعاني من هشاشة في التحديد النظري ومن تردّد في الاعتراف به داخل المؤسّسة الأدبية، وهو ما يطرح إشكال الشرعية الجمالية والمعرفية.

القصّة القصيرة جدّا في تونس تعيش اليوم طورًا انتقاليًا وازدهارًا في الممارسة مقابل تأخّر في التقعيد، واتساعًا في التداول مقابل محدودية في التأطير النقدي رغم بعض المحاولات.

وعليه، إنّ القصّة القصيرة جدّا في تونس، رغم انّ ارهاصاتها الأولي التي ظهرت منذ سبعنات القرن الماضي مع ساسي حمام وصالح الدمس وغيرهما إلّ أنّها تبقى وليدة لحظة ما بعد سنة 2011 وابنة الإنفجار التّواصلي الرّقمي، ازدهرت في مناخ الحريّات... لكنها لا تزال تنتظر إعترافا نقديا يوازي انتشارها.

***

حاورها: عبد الله المتقي