 قضايا

إعادة صياغة نقد الفن عند أفلاطون

محمد كريم ابراهيمفلسفة الفن هي دراسة لطبيعة الفن، بما في ذلك مفاهيم مرتبطة به مثل تفسير الفنون، كيفية تعبير وتمثيل الفنون، وأشكال الفن. وهو يختلف عن فلسفة الجمالية (هي دراسة للجمال بشكل كامل، طبيعياً كان أم متصنعا) بعامل البشري، أي أن فلسفة الجمالية لا يأخذ الانسان المكون للفن وكذلك الانسان المتحسس به بالأعتبار ويركز فقط على الفن المصنوع وجماليته بذاته فقط . ويختلف فلسفة الفن أيضاً عن النقد الفني والذي يهتم بتحليل وتقييم أعمال فنية معينة. الفن كما هي الفلسفة هو متعدد التخصصات. يأخذ ويعطي لكل مجال في الحياة قيمته المعينة المصور من خيال المعبر. مع مرور الزمان، لقد جسد الفن تجارب ومشاعر الانسان (كما في لوحات يوهانس فيرمير وبالاخص فتاة ذات قرط اللؤلؤي بالنسبة لي)، ويمكن أن يعبر الفن عن الإيمان والعقائد عن طريق أناشيد الدينية وقصائد مدحية للشخصيات الدينية، وكذلك مثل الفنون الأفكار والمعارف كما في قصائد وأبيات الشعرية لتعلم قواعد اللغة العربية كألفية بن مالك أو لحفظ معرفة معينة في مجالات العلوم المختلفة كأشعار المتنبي عن الفلك.

تغيرت الفلسفة نحو الفن على مر التاريخ. ففي عصر النهضة كان يعتقد أن الفن هو مجرد متعة أو شهوة للأحاسيس لا غير، فهي لم تنقل افكاراً ولم يجسد تجارب أناس ولا يمكن تعلم منه. ثم تغير اتجاه الفلسفة في قرن العشرين نحو الفن عند المعرفيين ((Cognitivismللأعتراف به كأداة بشرية قابل للخضوع على تجارب علمية لدراسته وفهمه تجريدياً عما يحمله من رسائل ومشاعر. وبعدها في قرن الثامن عشر غرق الفن مع بقية اختراعات البشرية في حركة الرومانسية (romanticism) فأشتهر الفن وأصبح تعبيراً لمشاعر الفنان وشخصيته والتجارب الذي عاش فيه والمعاناة الفردية الذي أدى به إلى التعبير، بعد ان كان مجرد آلة لنقل الأفكار والعبر للمجتمع في السابق.

لكني أرى قلة قليل من الشخصيات والفلاسفة القدامى تكلموا عن مضار الفنون بقدر ما تحدث فيه الفيلسوف أغريقي أفلاطون (428- 348 قبل ميلاد)، فأفكاره عن الفن كانت تعتبر واحد من أميز وأكثر تأثيراً على فلسفة الفن في تاريخ الفلسفة الغربية. ظن أفلاطون أن الفنون بأنواعها الشاملة هي سيئة للبشرية كمجتمع وللشخص كفرد من المجتمع ويمكن هذه الفنون أن يتلاعب في مشاعر الفرد ويغير افكاره ويغريه بالخروج من طريق الحق والصواب والمنفعة إلى طريق السيء والضار وهلوسة.

من أجل فهم كامل لنظرية أفلاطون عن الفن، من ضروري على المرء أن يفهم أحد أفكاره المبدئية الذي خطط فلسفته بشكل كامل اتجاه الفنون بأنواعه.

يبدأ كل هذه النيران الذي أشعلته أفلاطون ضد الفن من شرارة نظرية تعلمه من معلمه سقراط ( 470- 399 قبل ميلاد) وهذه النظرية هي الخط المقدس:  يتكون خط المقدس من خط مستقيم عمودي يقطعه ثلاث خطوط أفقية بشكل غير متساوي فيصبح اربع خانات فيه من أعلى إلى الأسفل. في أعلى الخانة يوجد عالم الحقيقة والمنطق او ما يسمى بالعالم الوجود او المثالي، فهي أعلى أماكن العلم والحقيقة التي يمكن ان يصل إليه الأنسان ويوجد في داخله كيانات أو كائنات مثالية غير قابلة لتغيير مثل الآلهة، أما في الخانة الثانية يوجد أرقام وأشكال الهندسية وهي عالم الرياضيات فهي عالم منسوخ من عالم المثالي ويكون العالم الأشياء الطبيعة الموجودة في كوننا، والخانة الثالثة سماهُ أفلاطون عالم الأشياء والمعتقدات ويوجد فيه كل أشياء الذي نراه ونتحسس به أو نأخذ فقط فكرة عنه ونتصور هذه أشكال في عقولنا كشكل الكلب فنحن نعرف شكل كلب اينما ذهبنا ونقدر أن نفصله من باقي الاشياء لأن صورة كلب المعتقد مطبوع في عقولنا وهذا العالم هي نسخة من العالم الرياضيات كما قلنا، ونأتي أخيراً إلى خانة الرابعة وسفلى وهي خانة الخيال والأوهام، يتكون عالمه من لوحات وأشعار ونحوت فنية، عالم الخيال والاوهام هي نسخة من العالم طبيعة، فهي عالم الظلال لا يوجد في الواقع الكون وانما ينمو في داخل عقل الانسان ويرتبط بمشاعره بدلا من عقلانيته ومنطقه، فيتهاوى الفرد ويمشي على هوى هذه كائنات الموجودة (أي اداة يستهدف المشاعر بدلاً من المنطق) في هذا العالم. اذا أستمر الشخص في رؤية هذه الوحوش مضادين للحقيقة (فهم في الأساس انعكاس للعالم الحقيقة لأنهم يصورنه فالرسام يرسم صور من الطبيعة والواقع، ومؤلف الروايات يستنبط القصص من الواقع او جزء من الواقع، وكذلك المنحت ينحت اشكال الانسان من حقيقة الترشيحية للفرد المصور وهكذا الفنون كلها هي تقليد للعالم الطبيعة عند أفلاطون)، إذاً فهو يؤدي إلى هلاك نفسه ولا يستطيع أن يفهم الواقع ويكون مع انسجام معه. لكن لا يوجد أمل من الهروب من هذا العالم أعتقد أفلاطون، كل البشر موجودين في عصره واناس الذين أتوا قبله ويولودون بعده سوف يقعون في هذا العالم لا محال. الطريقة الوحيدة للإرتقاء من هذا العالم السفلي هو فقط عن طريق التعلم والخبرة،التعلم عن طبيعة الاشياء الموجودة في الحياة وأكتساب الخبرة في تعامل مع الظروف، والتعلم عن أسس الاشياء ورؤية مكونات الكون على شكل انماط رياضياتية يتعرض عقل الفرد فيه للإشياء ما وراء الطبيعة (ميتافيزيقيا) والسمو للأعلى للوصول إلى عالم الحقيقة وعالم المثالية في الخانة أولى.

إن كنت قد قرأت وفهمت الفقرة السابقة والخط المقدس لأفلاطون، فأنت عزيزي القارئ تدرك الآن لماذا يحمل أفلاطون كل هذه الضغينة ضد الفنون بأنواعه المختلفة. كلما تعرض الفرد للفنون، للوحات الجميلة والمؤثرة، للموسيقى والغناء عذبة والرومانسية، لأشعار وقصائد، وقصص وروايات، وأفلام ومسرحيات، كلما بقي شخص في هذا العالم الوهمي الذي لا نفع فيه ويشرده ويلهيه عن العالم الحقيقي الخارجي فيغذي المرء نفسه من أنعكاسات وظلال عالم الطبيعة الأعلى من هذا العالم ويؤخر رحلته للتحول من أدنى مستويات الادراك والمعرفة إلى مستويات أخرى من الرقي والحكمة. ولربما كلمة (دنيا) عند العرب قد أتي جذوره من هذه الفلسفة، فلا شك أن الدنيا هي ادنى مستويات الحقيقة.

بعيداً عن كتابات أفلاطون العتيقة، يمكن تعريف الفن في الوقت المعاصر على أنه: أي شيء يتم تصويره وتجسيده من واقع الطبيعة من خلال العقل والجسم البشري لخلق مشاعر وأفكار أو تجارب (في الفنان نفسه وفي جماهير)، من خلال الحواس (سواءاً كانت بصرية كاللوحات أو سمعية كالموسيقى أو ذوقية كالطعام أو تحسسية كالرقص وغيره) والتي يصعب على الطبيعة الخامة غير الملومسة أن يشكل مثل هذه الفنون (أو على الأقل نادرة في الوقت والمكان المناسب).

والفن يعتبر أداة من صنع الأنسان تماماً مثل أي تكنولوجيات الأخرى. ينقل الفن خلاصة التجارب الحسنة أو السيئة التي يشعر بها الأنسان، ويحفز المشاعر مناسبة عند جمهوره تجاه موضوع الذي يتلمسه، ويقوم بتسيط أفكار الصعبة للذهن ويحاول تيسير التعليم. على سبيل مثال، يمكنك قراءة قصة مكتوبة بشكل جيد تتضمن درساً أخلاقياً أو تتعلم منه سلوك معيناً والذي يكون من المحتمل أن يكون صعباً بمحاولة أكتسابه من تجارب حياتك الشخصية أو من الطبيعة. أو على سبيل مثال يمكنك الشعر بمشاعر وعواطف روحانية من خلال النظر إلى لوحات الإلهية لليوناردو دافنشي، أو يمكنك تعلم أفكار التجريدية الصعبة مثل مواضيع الرياضياتية عن طريق رسوم متحركة أو محاكاة حاسوبية أو ألعاب رياضيات المسلية. كما يمكن للفن أن يجعل الناس يتهيأون عن طريق هذه القصص والعبر لأخذ أجراءات صحيحة عند مواجهة تجارب حياتية مماثلة، والشعور بمشاعر ملائمة بأتجاه مواقف شخصية مشابهة لموضوع الذي يجسده الفن. مدعماً بهذا التعريف وبالمعارف السابقة يمكننا البدء بنظر حول نقد أفلاطون للفن.

المناقشة

لكي يتمكن المرء من الخروج من مظاهر العالم وأختطاف نظرة على عالم المثالي والمعرفة، يجب عليه أن يذهب خطوة بخطوة من عالم الادنى إلى عالم الأعلى من الخط المقدس. بدا الفن لأفلاطون يكسر هذه العملية ويتجاوز عديد من نقاطها فقط للوصول إلى نهايات العوالم. هذا المشكلة كانت معضلة حقيقة لأفلاطون، كيف يمكن للمرء أن يصل إلى أعلى المراتب أويقتبس منه أو يظهره في تصرفاته وهو لم يتعلم أي من العلوم ولم يكتسب أي من المعارف السابقة ولم يفهم لغات الرياضيات ويستنتج أسسه؟ كيف يصل الشخص إلى عالم المثالي وهي عالم الآلهة وأشكال المثالية بمعلومات قليلة وجهد أقل؟ كيف يصبح المرء حكيماً ويفهم التجارب ويستخلص قيمه وهو آخذ طريق المختصر؟ لا يمكن، أفلاطون يجيب مع مثال. يجادل أفلاطون أن أي يشخص يمكن أن يحفظ الشعر ويلقيه بسلالسة أو يحفظ قانون من قوانين الرياضياتية ويطبقه بمرونة دون أي معرفة للكتاب هذه الشعر أو سبب كتابتهم من وراءه أو معنى الشعر أو القانون العميق. يمكن على المشاهد أن يرى لوحة يتعجب فيها بألوانه وأشكال المصورة فيه وتفاصيل الدقيقة التي يجسد طبيعة السيناريو بأكمله دون معرفة فكرة وراءها وعن مصوره. هؤلاء الناس إذاً لم يصلوا إلى نهايات العلوم ولم يفهموا حكمة الأمور وإنما هم يدعون بذلك ويظهرونه في مظاهرهم لغايات أخرى (كمثل أن يتظاهر الشخص بالحكمة والمعرفة لجلب أنتباه الناس أو لجلب المال) وليسوا دارسين للطبيعة لأستيعاب واقعه. يمكننا رؤية هذا في زمن عصرنا. الطلاب الموجودين في المدارس والجامعات أغلبهم يدرسون المواد ويحفظونه للنجاح بالأختبارات بدلاً من فهمه بعمق وتطبيق حكم هذه الكتابات بكفاءة على واقعهم وعلى تغيير من حال أنفسهم إلى الأفضل، فهم ما زالوا كما كانوا، لم يغير ولن يغير هذه العلوم من أفكارهم شيئاً لإنها أصبحت وسيلة للغايات مادية ونفسية بدلاً من أن تكون الغاية نفسه. لا شك أن هؤلاء الطلبة سوف يعانون بشكل الكبير في مستقبلهم العملي لقلة معلوماتهم وفهمهم للمادة.

كل هذا التعرض للفنون يمثل مشكلة كبيرة للفرد، لأنه يجعله يتحرك بدافع أنفعالات عاطفية للمواضيع وأشياء التي يجسده أو يتمثله الفن دون اللجوء إلى طرق التفكير المنطقية وتحليل وتأمل طبيعتهم. المشاهد الذي يرى لوحة المسيح المصلوب لدييغو فلايسكيز يتأثر برسم الفنان لمشاعر المسيح وآلام مسامير مثبتة في يديه وقدمه ولكن هذا المشاهد يعجز تفكير منطقياً بهذه اللوحة وعن حياة المسيح ومعيشته وسبب صلب الروم للمسيح وكذلك دوافع الفنان دييغو لرسم هذه اللوحة (فاللوحة تظهر المشاعر ويخفي كثير من الحقائق والمعارف). يمكن للمرء أن يستمع إلى نشيد وطني أو أغاني عن الوطن ويتأثر به نفسيته وينفعل فيه عواطفه أتجاه ذلك الوطن أو الشخص الذي يمجده هذه الفنون من دون أن يعلم الدافع السياسي من وراءه، وهكذا لبقية الفنون. أن كنت تقرأ هذا فأنت الذي أخترته لتفهم يا عزيزي مدى غفالة هؤلاء المحررين عن مستوحى المقالات التي تصلهم، وكسالتهم السخيفة عن قيام بواجبهم وقراءة ما يوجد في طي الأسطر. هؤلاء هم الذين أخذوا على عاتقهم من دون حياء حكم ونقد لكتاب أتعبوا في البحث على الحقيقة ليروا في آخر المآل جهدهم قد وسم بوسمه المادية لجيوب المحررين. إن كنت تقرأ هذا في أي صحيفة كانت فأعلم أن هذه الموقع ليس آمننا لك، يجدي عليك أن تحاول في طريق آخر.

عرف أفلاطون قوة الفن في التلاعب بمشاعر الجماهير الجاهلة عن الحقيقة الموضوع المصور مباشرتاً من واقع عصره. نذكر هنا مسرحية أريستوفنيس "الغيوم" الذي كان أحد الشخصيات الساخرة فيه سقراط معلم افلاطون حيث جسد كشخص متغطرس  يرفض تقاليد الاغريقية القديمة ويؤمن بآلهة غير آلهة الاغريق، فساهم هذا بشكل كبير في كسر سمعة سقراط عند جماهير الأغريق وحرض على اكتساب قبول الاغلبية بمحاكمته وأعدامه (والمدعي للسخرية هو أنه أتهم برفضه للأيمان بآلهة الأغريق بالضبط كما ألفه أرييستوفنيس في مسرحيته).

يتأمل أفلاطون: هل كان هذا عدلاً؟ هل عرف الجمهور حقيقة وصدق سقراط كما عرفه أفلاطون؟ هل فهموا فلسفة معلمه ليحكموا عليه بتهم باطلة هذه؟ كلا، فهم تأثروا بالفن المسرحية وأداءه بدلا من أن يفكروا بمنطق بشأن التهم الذي أسقطوه على معلمه. هنا يبدأ المرء بالتعاطف مع سلبية أفلاطون أتجاه الفن.

بالأضافة إلى ذلك كما قلنا سابقاً، لم يعمل الفنانون بأخلاص من أجل فنهم لتمثيل حقيقة الموقف المصور أو الفكرة المرسلة، بل أقاموا فنهم من أجل سلع المادية أو من أجل حصول على أعتراف وشهرة أجتماعية.

بالطبع لقد كان معروفاً على مر التاريخ أن الدافع من الفن تم بناؤه لتحقيق مكاسب الشخصية للفنانين أولاً (والمثال المعروف هو كتابات شكسبير)، ثم للأرستقراطيين أغنياء (لوحة عرس أرنولفي) والسياسيون النفوذيين(كأشعار أعشى القيس في مدح ملوك العجم) ثانياً. الفن كله أصبح يعبر عن أراء وسلطة أفكار هؤلاء الراعيين للفنانين، ولخلق شعور معين في نفوس الجماهير لأسباب شخصية.

في ذاك الزمن، نعم يمكننا القول هذا على الفنانين، أما في زماننا، فأنقلبت أتجاه الرياح لعدة فنانين فأصبحوا يتوافقون مع الرأي العام وأغلبية الجماهير بدلاً من أرستقراطيين الأغنياء لبيع سلعهم الفنية التي تكون متناغمة مع ايديلوجيا الأكثرية ومشاعر البدائية الموجودة مسبقاً في الأفراد المجتمع. ولم تأت الإلهام الفن لأغلبية فنانين كما يدعونه وإنما فنهم هي نتاج لتحليل دقيق وتفكير في موقف الناس فيما يحرك مشاعرهم وما الذي يخلق النشوة والتوافق في نفوسهم، ففنونهم هي أستمداد لأفكار وتجارب الغالبية العظمى.

هذه القوة الخلابة موجودة في الفن أقلق أفلاطون ومعلمه سقراط فعلموا خطره على الجماهير عامة وخاصة الجهلة ومنهم الأطفال.  من سهل جداً أن يمتص الأطفال ما ينقله الفنون من مشاعر الكراهية ضد مجموعة ما مثلاً عن طريق سماع أغاني يحتقر ذلك الفئة، وما ينقله الفن من أفكار مؤذية أو ضارة للنفس وللمجتمع للأطفال عن طريق القصص وروايات سيئة لا تعد ولا تحصى، وكذلك ما ينقله من تجارب يحض على محاكاة الأساليب والمواقف ومثالها أفلام الأكشن وبما يقوم أبطاله من تفجير وقتل وتدمير وكذلك افلام الكوميديا التي تلين بعض سلوكيات غير لائقة في المجتمع. لأن عقل الطفل لا يمتلك معلومات وتجارب حقيقية كافية ومعارف عن ما هو الضار وما هو النافع للنفس،وما هو المقبول وما هو غيرالمقبول في المجتمع، وهم غير قادرين على المقارنة والحكم على ما هو حقيقي وما هو مجازي. إذا أن هذه الأمثلة عن الفن كلها ينطبع في عقل الطفل ولا شك بأن الطفل يتأثر ويقوم بتقليد هذه التصرفات في آنِ وفي المستقبل. نرى أن هذا الفكرة قد شغل تفكير أفلاطون وقد قام بنفي الشعر الملحمي والشعراء منتسبين إليه من مدينته المذكورة في كتاب الجمهورية (الكتاب العاشر)، والسبب في ذلك يدعي أفلاطون هو أن القصص المذكورة في هذه الأشعار عن قتال الآلهة للبعض هي قصص تحريفية مثله مثل لوحة لا يعكس الموضوع الذي يتلمسه أو الشخص الذي يرسمه، هذه الأشعار يتلاعب بمشاعر المستمعين ويجذبهم إلى هذا التحريف بدلاً من الحقيقة.

يحذر سقراط أيضاً من خطريين آخرين: عندما يروج هؤلاء الشعراء في شعرهم الخوف من الموت وعندما يظهر رجال نبيلون من الطبقة عليا يتصرفون بطريقة غير لائقة. إذا تعود وترعرع هؤلاء الصغار على مثل هذه الأنواع من العبر فمن المحتمل أن يتصرفوا بذلك الأسلوب، من المحتمل أن يشعروا بالحزن والشفقة على أنفسهم في مواقف عندما تكون هناك حاجة ماسة للقوة والثبات (في مثل أوقات الحرب والدفاع عن المدنية).

بالعودة إلى النقطة الأساسية، ووضع قليلاً من الكلمات في فم أفلاطون (آملاَ أن لا أخلق مشكلة مع القراء الأكادميين): رأى أفلاطون أن من الصعب على الأنسان أن يكتسب الخبرات أو الحكمة عن طريق الكتب وقيل وقال من أناس آخرين، فلا يمكن للحكيم أن يصبح حكيماً إلا بالتجارب، ولا يمكن للمسافر (مجازياً) أن يصل إلى غايته إلا بأخذ طريق أساسي مباشر من دون أخذ دروب المختصرة. ولا يمكن للفرد أن يصل إلى عالم المعارف وعالم المثالي من الخط المقدس إلا بالمرور بعوالم الدنيا وتحمل مشقاتها وأختبار تجاربها.

كذلك بالنسبة للفن، فهو يوعد مشاهده وسامعه وقارئه والمتحسس به أن يوصله إلى الهدف الذي يريده من دون أخذ عناء ومشقة الوسائل ومشاكل الطريق الرئيسي، ويعطيه أحاسيس مثل الروحانية من دون عبادة أي شيء (كما سماه البابا غريغوري "الفن هو الأنجيل للأميين")، ويتلاعب بأفكاره ومعارفه عن الحقيقة والواقع الذي أكتسبه زائداً إليه ما يراه الفنان وأنصاره مناسباً، وناقصاً منه ما يعتبرونه مناقضاً للأهدافهم المتنوعة.

الفن لأفلاطون هو كالظل لا يعرف مشاهده أي شيء عن حقيقية الأشكال الثلاثية وطبيعته الذي يكون عالم الظلال، فهو نسخة رديئة من الواقع، يتجاهل في هذا العالم كثير من الحقائق والتفاصيل الهامة مثل عالم الفنون وينبت فيها فقط ما يريد الفنان زراعته من أفكار وأحاسيس وتجارب.،فهُم هؤلاء الفنانون وجماهيريهم ساكني هذا العالم قد حفظوا شيئاً وغابت عنهم أشياءٌ.

 

 الخاتمة

 بإختصار؛ في ذهن أفلاطون، الفن هو سيء بسبب:

1- الفن يربك الجمهور بين ما هو حقيقي وما هو مزيف. لا يمكنك أن تعرف بين الفضيلة الحقيقية والفضيلة المقلدة المزيفة.

2- لأننا مهما تعلمنا من الحقيقة ومهما أكتسبنا من معارف الدنيا، فنحن ما نزال بشر طبيعيون، ولأننا أناس ننجذب إلى المشاعر أكثر من المنطق، إذا يمكن أن تؤثر الفن حتى أفضل شخص بيننا ويمكنه أن يرشدنا إلى فعل أفعال المجنونة ما كنا لنفعله من دون تأثير وأحياء هذه المشاعر، ويجعلنا في كثير من الأحيان نفعل ما يمكن أن يؤذينا ويؤذي المجتمع الذي هو نحن ومن نحبهم جزء منهُ.

3- يمكن للفن أن يجعل مشاهده وسامعه وقارئه مطوي على ذاته، على طبيعته، ويمنعه عن الشعور بمشاعر حقيقية، وأختبار تجارب حقيقية، وتفكير بأفكار حقيقية. يمكن للشخص أن يصبح مهووساً بالفن لدرجة أنه لا ينظر إليه كناقل الرسالة وكأداة بشرية ينقل التجارب والاحاسيس، وأنما يقوم بدراسة الفن من أجل الفن أو من الأجل حصول للمتعة من الفن دون النفع منه. تماماً مثل تناول الأفيون: لا يعطي صاحبه سوى المتعة المزيفة عن طريق التلاعب بكميائية الدماغ من دون خروج منفعة من المتعاطي.

4- يعتقد أفلاطون إذا كان الفن يقلد الواقع والواقع هو تقليد لعالم المثالي المعرفي الحقيقي. عندها سيكون متعرض للفن بعيدًا عن عالم المعرفة الحقيقية الذي يجب أن يحاول روحه تحقيقه.

5- يمكن أستخدام الفن للتلاعب بالناس لفعل أي شيء يريده الفنان أو راعي الفنان من دون أي مبررات أو النظر إلى حقيقة الموقف والموضوع الذي يتحدث عنه الفن. مثل تحفيز مشاعر سيئة عند الجماهير من قبل حزب السياسي ضد خصوم السياسية آخرى من أجل الحصول على منصب معين وبالرغم من أن هذين الحزبين كلاهما كفوئيين للمنصب.

من الجديرللقارئ أن ينتبه أن أفلاطون لم يكره الفن بحد ذاته وإنما كره قوة التي يحمله الفن لتلاعب بعامة الناس. وكيف يقوم بكراهيته وأفضل كتابه (الجمهورية) مبني على شكل محاورات مسرحية فنية يقوم فيه الشخصية الرئيسية (معلمه سقراط) على مخاطبة وأختبار معرفة المقابل في مواضيع مختلفة من أجل نقل أفكار فلسفية الرئيسية على نحو سلس مع أختيار مناقشات ومعاني وعبارات ملفتة للأنتباه للقارئ العادي بدلا من مجرد وضع النقاط الأساسية وخلاصة المواضيع الفلسفية بطريقة واضحة.

الفن لأفلاطون إذاً هو سيف ذو الحدين يمكن أستخدامه للخير وللشر ولكنه لا يحمل الشر ولا الخير بداخله. أن كان الخيريمكن ان يتعرف ويدرك من خلال العقل الواعي والتفكير المنطقي والفلسفي وأن كان للشر يمكن أن ينبذ ويكره من خلال نفس التحاليل المنطقية. فأذاً العلوم المنطقية وأستخدام الذهون المعرفية يصبح بديلاً يفضل على الفنون من أجل أقناع الأفراد بفائدة أو بمضار موضوع معين.

إلى جانب ذلك، يمكن أستعمال الفن لأغراض شريرة في كثير من الأحيان أكثر من أستخدامه لفائدة الناس. ويمكن أن يأتي من قبل الطغاة والأرستقراطيين الذين يحاولون وضع فكرة أو إدخال مجادلة في عقول الجماهير الجاهلة عن هذه المواقف المتجسدة حيث يمكن أن يقع الشخص غير المتعلم في فخه. وحتى لو كان للفن خير، فيجب للمرء أن يأخذ حيطة حذر، فبعض أحيان أعظم شر يأتي على شكل ملاك.

 

 أسمي : محمد كريم إبراهيم

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4854 المصادف: 2019-12-20 01:43:30