 كتب وإصدارات

قراءة في كتاب: الإعجاز الخطي في القرآن الكريم

علي جابر الفتلاويالقرآن الألفي أنموذجا (1)

الكتاب من تأليف الشيخ عبد الأمير النجّار، يتكون الكتاب من مقدمة وثلاثة فصول وفي نهاية الفصل الثالث الملاحق، بعدها لمحة عن حياة المؤلف، ثمّ المصادر وأخيرا الفهرس، يظهر من كلام المؤلف في المقدمة أن (القرآن الألفي) صدر في القرن الخامس عشر الهجري، إذ طُبع بمناسبة حلول هذا القرن.

عبارة (القرآن الألفي) لفتت انتباهي، إذ لم يسبق لي أن أسمع أو أقرأ عنها، وصلتني نسخة من الكتاب هدية من المؤلف مشكورا مع كتب أخرى، بحث المؤلف عن (القرآن الألفي) في الفصل الثالث من كتابه، يقول: إنّ أول ما طرق سمعي (للقرآن الألفي) عندما كنت أطالع كتاب محمد التيجاني التونسي، فقد ذكر التيجاني أنه زار (دار النشر للمنشورات الإسلامية) في الهند، فأهدى صاحب الدار للتيجاني مصحفا.  ينقل الشيخ النجّار عن التيجاني قوله: لم يسبق لي أن رأيت مثله وهو المسمى (المصحف الألفي). يصف التيجاني المصحف قائلا: من أول صفحة ومن السطر الأول إلى آخر صفحة وإلى السطر الأخير يبتدئ بالألف، فليس هناك سطر إلّا وبدايته ألف، فيه  مائة وثلاثة عشر بسملة على عدد سور القرآن الكريم ما خلا سورة براءة، وكل بسملة كُتبت بخط وشكل خاص. يقول الشيخ عبد الأمير النجّار: بقي كلام الدكتور التيجاني عالقا في ذهني، وفي أحد الأيام زرت مكتب السيد صادق الشيرازي في كربلاء، فوجدت (القرآن الألفي) ضمن الكتب، سألت مدير المكتب الشيخ طالب الصالحي: من أين حصلتم على هذا القرآن؟ قال: هدية من أحد الأصدقاء في الهند، وبحكم علاقته الطيبة مع مدير المكتب استعار (القرآن الألفي) ثلاثة ايام، فصوره من الغلاف إلى الغلاف، حسب قول الشيخ النجّار.

أعطى الشيخ عبد الأمير النجّار وصفا مفصلا للقرآن الألفي، قال: أنّ عدد صفحات القرآن الألفي (185) صفحة، مع (13) صفحة إضافية، في أول  المصحف  صفحة تحوي على آية  (53)  من سورة الزّمر، وصفحة  دعاء ختم القرآن، وصفحة شرح علامات الوقف باللغة العربية، وأخرى باللغة الأوردية، صفحتان تعريفيتان للمصحف باللغتين العربية والانكليزية، ثلاث صفحات فهرس سور القرآن، أربع صفحات صور مصاحف قديمة ومكاتيب الرسول (ص)، نوع خط المصحف الجلي وعدد الآيات (6236) حسب العدّ الكوفي، عدد السّور (114)، عدد الأجزاء (30) جزءا وكل جزء في (6) صفحات، وكتبت الكلمتين الأولتين من كل جزء بلون سمائي، عدد السجدات (14) سجدة، إذ لم يعدّوا الآية (77)  من  سورة  الحج  بسجدة، وعدد  آية البسملة (113)، كتبت آية البسملة في بداية كل سورة بخط يختلف عن السورة الاخرى ما خلا سورة التوبة، وهذا يعني أن (113) نوعا من الخط العربي كتبت البسملة في (القرآن الألفي)، وكتبت عبر القرون المختلفة من زمن الرسول (ص) وإلى يومنا هذا، كُتِب (القرآن الألفي) في مدة استغرقت (7) سنوات من قبل الخطاط الشيخ محمد يوسف القاسمي عظيم آبادي، تمتاز المصاحف المطبوعة في شبه القارة الهندية ومنها (القرآن الألفي) بعلامتين تخلو منها المصاحف المطبوعة في البلدان العربية هما المنزل والركوع، ما معنى الكلمتين يقول النجّار: المنزل: هو أحد أقسام القرآن السبعة، إذ يُقسم القرآن في بلاد بخارى، وما وراء النهر، والهند وباكستان، إلى سبعة منازل أي أقسام شبه متساوية، ليتمكن القارئ من قراءة القرآن وختمه في سبعة أيام فقط، يسمى كلّ قسم من هذه الأقسام منزلا. المنزل الأول سورة الفاتحة إلى آخر سورة النساء، والثاني المائدة إلى آخر سورة التوبة، والثالث يونس إلى آخر سورة النحل، والرابع سورة الإسراء إلى آخر سورة الفرقان، والخامس الشعراء إلى آخر سورة (يس)، والسادس الصافات إلى آخر سورة الحجرات، والسابع سورة (ق) إلى آخر سورة الناس.

الركوع: ويرمز له (ع)  يعتبر من علامات الوقف، والركوع عبارة عن عدة آيات مكتملة المعنى، يستحسن قراءتها بعد سورة الفاتحة، فيستحب الركوع بعد قراءتها  لمن كان في الصلاة إماما أو منفردا، فأهل السّنة يعتبرون التقسيم المعتمد على الركوعات يصلح للقراءة في صلاة الفرض، وصلاة التراويح في شهر رمضان المبارك، وفي غيرها من الصلوات. وأضاف الشيخ عبد الأمير النجّار: الشيعة الإمامية لا يجيزون ذلك، ويرون لابد من قراءة سورة كاملة بعد سورة الفاتحة، ولا يجوز قراءة السّور الطوال بعد الفاتحة في الصلاة الواجبة بحيث يفوت الوقت بقراءة السور الطوال، ونسب ذلك القول إلى العلّامة السيد  اليزدي (ت1337هج). قسّمت السّور إلى ركوعات كي تسهل القراءة على المصلّي، وهذا التقسيم موجود في القرآن الألفي أيضا، ومصطلح الركوع نشأ أواخر القرن الثالث الهجري وأوائل القرن الرابع الهجري تقريبا، في مدن بخارى وما وراء النهر، وهم أول من وضع المصطلح، ثم انتشر في مصاحف الهند والباكستان وما جاورهما من البلدان، ولم ينتشر في المصاحف المطبوعة في الدول العربية، وقد ظل هذا المصطلح غامضا لدى الكثير من المعنيين بالقرآن الكريم والمتخصصين في القراءات وعلومها، حتى في البلدان التي تنتشر فيها المصاحف الحاوية على الركوعات، وهناك ثلاثة أقوال في عدد الركوعات، استعرضها المؤلف في كتابه. يستنتج الشيخ عبد الأمير النجار ان (القرآن الألفي) ليس من إبداع أحد، بل هو عملية نسخ لمخطوطة قرآنية موجودة ومعروضة في (مكتبة متحف سالار جنك) بحيدر آباد في الهند، في المخطوطة السطران الأول والأخير يبتدئان بكلمة واحدة وأيّد كلامه بشهادة للباحثة (سيدة أصفياء كوثر)، إذ ذكرت في دراسة لها بعنوان:

(نوادر المخطوطات العربية في مكتبة متحف سالار جنغ)، على وجود نسخة مخطوطة للقرآن الألفي في (مكتبة متحف سالار جنغ) تحت رقم (173)، لكن الاختلاف بين النسختين، أن نسخة المتحف المخطوطة إضافة إلى أنّ كلّ سطر من سطورها يبتدئ بالألف، لكنّ سطريها الأول والأخير يبتدئان بكلمة واحدة، وهذه الكلمة الواحدة غير موجودة في القرآن الألفي، وهذا هو الاختلاف بين النسختين.  رأي الباحث الشيخ عبد الأمير النجّار: أنّ الخطّاط ربما تجاهل هذه الميزة حتى تبدو نسخة القرآن الألفي فريدة أيضا، أو أنّ الخطاط لم يستطع مجاراة المخطوطة المذكورة، فاكتفى أن يبتدئ كل سطر من سطور (القرآن الألفي)  بالألف فقط، أخيرا ختم الشيخ النجّار كتابه بعرض صور للقرآن الألفي، ثمّ أعقب ذلك عنوان (مصور القرآن الألفي)، إذ عرض صورا ملونة لصفحات من القرآن الألفي، بعدها تكلم عن كتابة المصاحف عموما، ثمّ ذكر ملاحق الكتاب، وفيها جداول تبين عدد الركوعات في كل سورة ومواضعها في (القرآن الألفي)، وفي نهاية الكتاب (لمحة عن حياة المؤلف)، ثمّ المصادر فالفهرست. طبع الكتاب في دار الفرات للثقافة والإعلام – الحلة/العراق، على نفقة: الحاج سعد مرزة حمزة السعدي، ثوابا لروح أخيه المرحوم الشهيد حامد مرزة حمزة السعدي.

القارئ للكتاب يلمس الجهد الكبير الذي بذله الشيخ عبد الأمير النجّار لإنجاز الكتاب جعله الله تعالى في ميزان حسناته، بالنسبة لي كقارئ أتحفظ على عنوان الكتاب ولا أتوافق مع المؤلف عليه، والسبب أنّ خطّ القرآن لا يُعَدّ من إعجاز القرآن، كما أن كلمات القرآن إملائيا ليست إعجازا، لأن القرآن لم ينزل على النبي (ص) مكتوبا، بل الخط والإملاء تمّ لاحقا من قبل المسلمين، أمّا الإعجاز فهو من فعل الله تعالى يكرم به الأنبياء والرّسل، والإعجاز هو ما يعجز عنه الآخرون باستثناء الرسول أو النبي صاحب المعجزة، في حين أنّ كلمات القرآن خطا وإملاء من عمل الإنسان، وهذا الأمر لا يعجز عنه الآخرون.

حسب تصوري أن المؤلف يعني بالإعجاز الخطي، الكلمات التي تبدأ بحرف الألف في كل سطر من صفحات (القرآن الألفي)، والدليل قوله في المقدمة: (هذه رسالة لطيفة، فيها تبيان لشيء من عظمة القرآن الكريم، وتبرز سرّا من جملة الأسرار) إذن لا إعجاز في الخط لأنّه من فعل إنسان، والكلمات الألفية وليس الخط هي من وجوه إعجاز القرآن، ويمكن حمل إعجاز الكلمات الألفية على الإعجاز اللغوي والبلاغي للقرآن الذي تحدى العرب أن يأتوا بمثله، وهم أهل البلاغة والبيان، إذن لا يمكن أن نقول (الإعجاز الخطي في القرآن الكريم) وهو عنوان الكتاب، لأن الخط من فعل الإنسان، لكنّ المعجزات من فعل الله تعالى يُكرم بها أنبياءه ورسله معجزات القرآن لا حدود لها، في ميادين لغوية وبلاغية وعلمية ومعارف أخرى، لا نقول أن القرآن كتاب علوم أو معارف، لكنّ هذه الإشارات هي من أساليب الهداية القرآنية، يقول الله تعالى: (إنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) سورة الإسراء:9.  أخيرا أدعو للمؤلف الشيخ عبد الأمير النجّار بالمزيد من الإبداع، ومن الله التوفيق.

 

علي جابر الفتلاوي

............................

(1): النجّار، عبد الأمير، الإعجاز الخطي في القرآن الكريم – القرآن الألفي إنموذجا الناشر،الحاج سعد مرزة حمزة السعدي، الإخراج الفني، منتظر عبد الأمير النجار، الطباعة: دار الفرات للثقافة والإعلام – الحلة/العراق، الطبعة الأولى، (1440 هج/ 2019م.)

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

بسم الله الرحمن الرحيم
كل الشكر والتقدير للأستاذ الفاضل علي جابر الفتلاوي على ما تفضل به من قراءة لهذا الكتاب واستعراض ما فيه.
وأود أن أشير إلى مسألة عنوان الكتاب "الإعجاز الخطي في القرآن الكريم" بأن التسمية كانت مجازاً؛ لأن هذا الأمر لا يدخل في باب الإعجاز، فقلت في ص 90: (وفي الحقيقة إن ما نحن بصدده، وما أسميناه بـ "الإعجاز الخطي"، لا يدخل في باب الإعجاز حقاً، بحيث يعجز الإنسان أن يأتي بشيء مثله أو يقصر دونه، كما لم يكن أمراً خارقاً للعادة؛ وإنما كانت التسمية مجازاً).
وقلت أيضاً: (إنها التفاتة جميلة من "مؤسسة ناشري القرآن الخاصة المحدودة ـ بومباي/ الهند"، التي حازت شرف كتابة القرآن الكريم بهذه الطريقة الفريدة، بحيث يقصر دونها الآخرون، وهو بحد ذاته يعتبر إنجازاً رائعاً في تاريخ الفن الإسلامي، وكتابة القرآن الكريم).
مرة أخرى شكراً جزيلاً للأستاذ الفاضل علي جابر الفتلاوي متمنياً له دوام الصحة والموفقية من الله تعالى.

الشيخ عبد الأمير النجار
This comment was minimized by the moderator on the site

ان القران هو كتاب الله عز وجل نزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقد خطه المسلمون خوفا عليه من النسيان والتحريف من ضعفاء النفوس وهو معجزة رسول الله فاذن لايوجد قران غيره وهذا الكتاب مايسمى بالقران الالفي اجتهاد انسان حب ان يصنف القران الكريم الى اجزاء فهذا ما اسميه انا من البلاغه فهو تحليل للقران الكريم بصيغه بلاغيه بحته حلل ان البسملة ١١٣ مرة والسجدة ١٤ مرة وهكذا فنلاحظ ان اعجاز الله هكذا وسره في القران الكريم ...ورأي ان الكاتب فد بالغ بعنوان الكتاب فبدلا من يقول القران الالفي يضع له عنوان غيره دراسة تحليله او تفسير موضوعي للقران.....اكتفي تفلسفا قد اطلت بالتعليق....موضوع ملفت وجميل ادامك الله دوما لخدمة الاسلام وجعل كتاباتك شهادة لك يوم لاينفع مال ولابنون الا من اتى الله بقلب سليم.... تحياتي اليك ايها الكاتب الرائع

ام اطوار
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4990 المصادف: 2020-05-04 02:13:47