 أقلام حرة

عَاشُورَاءَ مُقارَبَة تاريخيَّة بَيْنَ سُلْطَةِ الدَّعيِّ، وَسياسَةِ المُدَّعَى

عقيل العبودالوِلادَة المُتَجَدِّدَة، والْخُلودُ اَلَّذِي بِهِ يَنْبَعِثُ الأَلَمَ بَحْثًا عَنْ إِسْطُورَةِ هَذَا العِشْقِ اَلَّذِي يَنْبِضُ كُلَّ يَوْمٍ بَيْنَ فَضاءاتِ العُروقِ وَأَرْوِقَةِ الضَّمائِرِ، ينبوع الثَّوْرَة اَلَّتِي مِنْهَا تَتَجَدَّدُ حَقيقَةُ الْإِيمَانِ، والطَّهارَة اَلَّتِي بِهَا تَتَجَذَّرُ بُذورَ المحبة والوَفاءِ.

مَسْرَحٌ بِهِ تَتَزاحَمُ جَميعَ المُتَنَاقِضَاتِ، والْمَشْهَدُ هو التحدي هذا الذي نَعِيشُهَ اليَوْمَ نَحْنُ؛

فَعُمَرُ بْنُ سَعْدٍ مَا زَالَ ماثِلًا بَيْنَنَا يَبْحَثُ عَنْ مَنْصِبٍ في الرئاسة أَعْلَى دون اكتراث لمعنى الكرامة، والْحُرُّ بِعَكْسِهِ يُعْلِنُ بَراءَتَهُ وَانْسِحابَهُ مِنْ مُعَسْكَرِ السَّلاطينِ، لِيُناصِرَ كَلِمَةَ الحَقِّ، وَزَيْنَبَ ثائِرَةً تواجِهُ سِيَاطَ الطغاة بصحبة أخيها السجاد.

هي الثُّلَّةُ اَلَّتِي آثَارُهَا مُنْذُ ذَلِكَ الزَّمانِ حاضرة في النفوس كما أبي الفضل العباس رَغْمَ قِلَّةِ انِّفارِها إِلَى يَوْمِنَا هَذَا تَتَحَدَّى بَنادِقُ المَوْتِ حِرْصًا عَلَى ترجمة مَبادِئِ العدل.

بينما وَعَلَى العَكْسِ، حيث بلا خَجَلِ أوْحياءَ، اَلْقيَمُ الحَقَّةُ تَجاهُلَ طَريقِها المُتَطَفِّلُونَ، وَاَلْمُنْتَفَعونَ والفاسدون فِي زَمَنٍ صار يُنْدَبُ الحَقُّ فِيه أَهْلُهُ، وَيَدِبُّ الباطِلُ فِيه أروقة الدين، والسياسة، والثقافة مكتسحاً جميع مفاصل الحياة بِلَا إِسْتِئْذَانٍ .

فَالسِّيَاسَةُ هِيَ نَفْسُها اليَوْمَ تَشْكُو زَيْفَ المُدَّعِينَ وَمُؤَامراتهم الخَبيثَةِ وأبواقهم، والتّاريخُ أَوْراقُهُ تَتَراجَعُ بَحْثًا عَنْ ضَمَائِرَ حية جديدة.

أَمَّا محبة الرب فَقَدْ بَقِيَت فِي قلوب اَلْطَيِّبينَ الزاهدين فقط تبحث عن قرابين جديدة، لِترث الطَّهارَةَ الحقة، والإخوة الحقة، والمواقف الحقة، وذلك وَفْقًا لِإِرَادَةِ عَناوينِها مَعَ لُغَةِ السَّماءِ اتَّحَدَتْ، لِتَبْقَى خالِدَةً هَكَذَا على مر العصور.

الطُّفَّ إِذَنْ مَلْحَمَةٌ تَجَاوَزَتْ جَميعَ خُطوطِ الأزمنة والأمكنة لِتَسْتَفِزَ المَلائِكَةُ، وَلِهَذَا لُغَةُ الدَّمِ تَحَوَّلَتْ إِلَى ايْقَاعَاتٍ إِخْتَلَطَ الحِسُّ فِيهَا مَعَ فِطْرَةِ هَذَا الوُجودِ، لِتَتَناغَمَ بَعْدَ حِينٍ رغما فِي عُمْقِ الوِجْدانِ الإِنْسانيِّ.

لِذَلِكَ صَوْتُ الثَّوْرَةِ بَقِيَ مُعَبِّرًا عَنْ حَقيقَةِ الْإِنْتِمَاءِ، وَلَكِنْ لَيْسَ بِهَذِهِ الطَّريقَةِ اَلَّتِي نَفْهَمُهَا اليَوْمَ نَحْنُ.

فَالْإِنْتِمَاءُ الحَقيقيُّ هوَ إِدْراكُ قيمَةِ الإِنْسانِ، وَإِحْتَرَامُ مَشاعِرِهِ وَطَريقَةُ تَفْكيرِهِ عِنْدَمَا لَا تَتَجاوَزُ خُطوطَ المَحَبَّةِ.

ذلكم هو الإسلام الذي اراد له الله ان يكون كَمَا جاء مع عَبْدُ الزَّهْراءِ الكَعْبي فِي مَقْتَلِ الحُسَيْنِ عَ حينما قال معبرا: فالدين الاسلامي هو الدين الانساني، والدّينُ الإنساني هوَ الدّينُ الإِسْلاميُّ.

والتَّعاليمِ اَلَّتِي لِأَجْلِهَا نَهَضَ الحُسَيْنُ هِيَ ذَاتُ التَّعَالِيمِ اَلَّتِي جَاءَ بِهَا سَيِّدُ الكَائِنَاتِ مُحَمَّدُ ص.

وَهِيَ ذَاتُهَا المبادئ اَلَّتِي تَمَّ التَّخْطيطُ لِتَحْريفِها مُنْذُ عصر أبي سُفْيانَ، لِيَتِمَّ إجهاضها عَلَى يَدِ رَأْسِ الدَّوْلَةِ الأُمَويَّةِ، عِنْدَمَا أَنْشَأَ مُعاويَةَ مُعادَلَةً تَجاوُزَ فِيهَا جوهر اَلْمَنْطِقِ اَلصَّحيحِ لِلدِّين، وَلِيَتْبَعَهُ يَزيدُ الْإِبْنَ بَعْدَ اَنْ تَمَّ تَنْصيبُهُ بِحَسْبِ نِظامِ التَّوْرِيثِ قَائِدًا وَخَليفَةً لِلْإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ وَبِقوَّةِ السَّيْفِ والسُّلْطانِ .

لِذَلِكَ بِناءً عَلَى إِشْكاليَّةِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ اَلْإِنْحِرَافِ، الإِمامِ الحُسَيْنِ (ع) وَوَفْقًا لِما تَقْتَضِيه المَصْلَحَةُ الشَّرْعيَّةُ صَارَ عَلَيه اَنْ لَا يَقِفُ مُحَايِدًا، أُومُبَايْعَا لِحاكِمٍ يَشْهَدُ الجَميعَ فجوره وَفِسْقِهِ.

فَاَلْوِلايَةُ التَّكْوينيَّةُ والْعِصْمَةُ مُقدمتان لَا يُمْكِنُ إنكارهما اوْتَجَاهَلْهُمَا بِحَسَبِ مُقْتَضَيَاتِ الحكم والحاكمية، وَتَعاليمِ بَقاءِ الدّينِ تَنُصُّ عَلَى تَحْريمِ بَيْعَةِ أونصرة السُّلْطانِ اوَالْحَاكِمْ اذًا كَانَ متصفا بالظلم والجور والفسوق خاصة إذا كان المطالب بالبيعة مثل الإمام الحسين، لِذَلِكَ قَوْلَهُ عَلَيْهُ السَّلامُ (وَمِثْلي لَا يُبايِعُ مِثْلَهُ)، فالشريعة لم تستبح اتباع النهج الذي جاء به يزيد، وأتباعه، كما لم تستبح لغة الرضوخ الى سلطة الفاسدين والمارقين.

وَلِذَلِكَ ثَوْرَةُ الأَحْرارِ كانت قد ابتدأت، لتبقى إِلَى يَوْمِنَا هَذَا تَأْبَى الخذلان.

والمجتمع بعد سلطة القهر والتجويع ما زال بِأَمْسِ الحاجَةِ الَّى اتِّباعِ تِلْكَ التَّعَالِيمِ اَلَّتِي لِأَجْلِ بَقَائِهَا قَتَلَ الحُسَيْن ع وأهل بيته واصحابه.

 

عقيل العبود

ماجستير فلسفة وعلم الاديان/ جامعة سان دييغو

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5106 المصادف: 2020-08-28 09:53:38