 قضايا

ثنائية: العقل النفعي، والنفس الجمالية!

سليم مطرواكذوبة: فضل (العقل) على (العاطفة)!

مثال: (الفعل الجنسي) وتناسل الحياة!

جميع نشاطات البشرية، من الرقص والغناء والكتابة والبناء والدين والدولة، وحتى الجيوش والحروب وجميع العلوم والتقنيات، تهدف في جوهرها:

ـ اما الى (المنفعة والاكتشاف) عبر العلوم البحتة، اما الى (الجمال والمتعة) عبر الفنون، او الى الاثنين معا عبر العلوم الاجتماعية والآداب والدين!

ان علاقة الانسان مع ذاته ومع الوجود تمرّ عبر مجالين او طاقتين:

ـ العقل: وهو طاقة المنطق والحساب والتفسير والتخطيط، وغايتها بلوغ المنفعة والكشف والتحليل.

ـ النفس: وهي طاقة المشاعر والمخيال وملذات الحواس الخمسة، وغايتها بلوغ الراحة والمتعة والجمال.

وهاتان الطاقتان رغم اختلاف نشاطهن إلا انهن غير مستقلتين عن بعض، بل في حالة تواصل وتأثيرات لا تنقطع. فمن النادر أن يحصل نشاط مشاعري خالص، أو نشاط عقلي خالص، بل في تأثيرات مستمرة ولكن بدرجات مختلفة حسب الحالة.

لهذا يصح تقسيم نشاطات البشر ونتاجاتهم المعرفية، الى مجالين، وكل مجال ينقسم الى فرعين:

ـ النشاطات التي تعتمد على النفس والمشاعر، وغايتها الاساسية: ابداع (الجمال والمتعة) لمساعدة الانسان على تقبّل الحياة ومعاناتها. وهي تنقسم الى: (الفنون) و(الآداب)

ـ النشاطات التي تعتمد على العقل والتخطيط، وغايتها الاساسية: الحصول على المنفعة العملية وكشف مجاهيل الوجود، لمساعدة الانسان على تسهيل حياته فرديا وجماعيا. وهي تنقسم الى: (العلوم البحتة) و(العلوم الاجتماعية).

خصوصيات هذه المجالات الاربعة

ـ الآداب: هي جميع النتاجات التي تعتمد: (اللغة والكلمة المحكية والمكتوبة)، وغايتها الامتاع وبعض الاقناع عبر اثارة الخيال والاندهاش والتشويق، مثل الشعر والحكاية والاسطورة والحكمة والرواية وغالبية النصوص والحكايات الدينية، وحتى النكتة والطرفة الشعبية.

ـ الفنون: هي مثل (الآداب) ولكنها تتميز بالأعتماد اساسا على الصوت أو الصورة، وبدرجة اقل باقي الحواس الخمس. مثل الغناء والرسم والرقص والتمثيل وحركات طقوسية دينية مثل الدروشة والترتيل والصلواة ومراسيم الحج والثياب الدينية الخاصة. ان (الفنون) عموما اكثر تقربا واستفادة من (العلوم) لانها بحاجة الى نتاجتها وتقنياتها مثل استخدام الاصباغ والآلات الموسيقية والتصويرية وقياسات الحساب والهندسة.

ـ العلوم البحتة: هي جميع النتاجات التي تعتمد التخطيط والتحليل والتجربة لايجاد افضل السبل والتقنيات لتسهيل الحصول على المنفعة وبلوغ الاهداف، مثل اكتشاف النار والزراعة والتدجين والبناء والنقل، حتى الطب والهندسة والفلك والرياضيات والتصنيع وعلوم الفضاء.

ـ العلوم الاجتماعية: وهي مثل (العلوم البحتة) ولكنها اقل تطبيقية ومباشرة في منفعتها واكثر استفادة من خيال الآداب وجماليتها وعموميتها. مثل: التاريخ وفقه اللغة والفلسفة وعلوم النفس والمجتمع والسياسة والقانون والاقتصاد والكثير من جوانب الدين مثل الاخلاق والفقه.

تداخل هذه المجالات الاربعة

لكن هذا المجالات، قليلا ما تكون منفصلة عن بعضها البعض. وهذه بعض الامثلة:

ـ خذوا مثال دراستي الحالية: انا استخدمت (العلم) في التفكير والتحليل والاستنباط، ولكني ايضا استخدمت (الأدب) لصياغة اللغة وجعل الاسلوب ممتعا وجميلا. ثم استخدمت(الفن) لأبداع الرسوم التوضيحية الملونة.

ـ النصوص العلمية: مثل نصوص البحوث الاجتماعية والقوانين والعلوم البحتة مثل الطب والهندسة وغيرها. هي من ناحية بـ(قيمة ادبية) لأنها تستخدم اللغة وما تجلبة من متعة ووضوح، وبنفس الوقت فأنها تتضمن تحليلات وافكارا علمية غايتها عملية وتعليمية.

ـ البناء والهندسة: مهما كان بسيطا، كوخا او قصرا او معبدا او جسرا او عمارة، فانه يجمع بين مجالي: (العلم) و(الفن). من ناحية(علم الهندسة والبناء)، من اجل تخطيطه وتشييده بما يمنح لنا الفائدة المرجوة منه. ثم (الفن) من اجل إضفاء الشكل الجميل لأمتاع سكانه في الداخل ومشاهديه من الخارج: مثل الاصباغ والنقوش والتشكيل والتشجير.

ـ المسرح: هو(عمل ادبي) لو قرأنا نصّه مكتوبا لانه يعتمد اللغة المرأية. لكن عندما نشاهده يُمثّل على المسرح، يكون عملا فنيا لانه يصلنا كصورة وصوت: مشاهد مع ديكور وتمثيل والقاء.

ـ المنتجات الحرفية: مثل ادوات الفخار والسيراميك في البناء والادوات المنزلية، فانها تجمع بين(منفعة العلم) وجمالية(الشكل والفن).

ـ الطبخ: اكثر المجالات الذي يجمع بين (متع الفن) و(فوائد العلم): من ناحية غايته الاولى (عملية علمية)لأسكات الجوع والحفاظ على  البدن. ولكنه ايضا يجب ان يراعي (جمالية متع الحواس): شكل الطعام ورائحته وذوقه وملمسه.

المجالات المعرفية الخالصة

ـ الشعر: هو اكثر ما يمثل (الادب الخالص) لانه اساسا يعتمد على المفردات اللغوية وترتيبها من ناحية الوزن والمعنى، كي تخلق لنا موسيقى خاصة جدا، نسمعها في الخيال  قبل الواقع.

ـ الموسيقى: هي اكثر ما يمثل(الفن الخالص)، لانها تعتمد متعة الصوت وحده، دون أي تاثير (عقلي علمي) ولا (ادبي لغوي) كما في الغناء!

ـ (الرياضيات)، هي أكثر ما يمثل (العلم الخالص)، لانها الاكثر تجريدية وعقلية وحسابية وفائدة وعملية، بعيدا عن جماليات ومتع الفن والادب.

حتى (الطب) يحتاج الى(إقناع وشرح اللغة) و(جمالية اللون والذوق والشكل) كي يصبح مقبولا ومحتملا من المريض.

لماذا السينما: فن الفنون، والرواية: أدب الآداب، والتاريخ: جامع جميع المعارف؟!

ـ (السينما: فن الفنون)، لاننا نستطيع ان نضع في (الفلم) جميع انواع الفنون من تمثيل وتلوين وتصوير وغناء وموسيقى. كذلك هناك درجة اقل من (الأدب) من خلال لغة الحوار. بالاضافة الى الدور الحاسم لـ(العلم) في تكوين الفلم من خلال آلات التصوير والتلوين والمونتاج والعرض.. الخ..

ـ (الرواية : أدب الآداب)، لأنها مثل السينما، يمكننا ان نضع فيها جميع انواع الآداب: تحليل، وصف، شعر، حوار، حبكة، اخبار، فلسفة، دين، بل حتى النكتة والطرفة الشعبية لها مكانها في الرواية.

ـ (التاريخ: جامع جميع المعارف)، لأنه من ناحية هو مجال ادبي بأمتياز، إذ يعتمد اللغة ورواية اخبار الناس والافراد والأحداث والاشياء. لكنه بنفس الوقت هو جامع لعلوم الاجتماع لأننا يمكن ان نضع فيه مختلف التحليلات الفلسفية والاجتماعية والسياسية والنفسية. بل (التاريخ) هو اول واهم مدخل لجميع المعارف مهما كانت علمية ادبية فنية كونية دينية الخ.. إذ يصعب فهم أي منها، دون دراسة(تاريخها).

لماذا (الاعلام) اقرب الى (خداع الفنون والآداب) منه الى (العلم الموضوعي)؟

ـ ان (الاعلام)، بمختلف مجالاته (المقروءة والمسموعة والمرئية) يجمع بين الأدب (اللغة المكتوبة)، والفن (التصميم والالقاء والتصوير.. الخ)، بالاضافة الى (العلم) باستخدامه مختلف التقنيات والآلات. هو في حصيلته وبتأثيره على الناس: (عمل فني ابداعي وتخيلي) لان قوته تكمن اساسا في: القدرة على الاقناع من خلال الامتاع والتسلية والايهام والاثارة الخداع، اكثر بكثير من (اسلوب العلم): (العرض الموضوعي الحقيقي  لزيادة المعلومات والمعرفة). (السينما) مثلا، كجميع الفنون وألاداب ، تفتخر بأنها تعتمد: (الكذب الفني) والايهام والخداع كي تقدم لنا التسلية والجمال ثم الرسالة. لكن مشلكة (الاعلام) وخصوصا (الاعلام الاخباري السياسي)، انه يعتمد اساليب الفنون والآداب بـجاذبية (الكذب) والأيهام والخداع، لكنه في نفس الوقت يصرّ على إدعاء: الموضوعية والصدق والاخلاق وتقديم الحقيقة!

لماذا (فعل الجنس) ذروة (الفن) و(العلم)؟!

ـ ان سرّ جبروت وقدسية (الفعل الجنسي) لدى جميع البشر في كل مكان وزمان، لأنه:

اولا: هو اكثر النشاطات(الفنية الجمالية) شدة وتركيزا، لأنه الفعل البشري الوحيد الذي يمنحنا في اقصر وقت واشد درجة، جميع ملذات الحواس الخمس: (السمع والبصر واللمس والشم والذوق): (لذّة مشاهدة) شكل وجسد وحركات الآخر. (لذّة سماع) اصواته وكلماته وتأوهاته. (لذّة شم) الجسد. (لذة لمس) ومداخلة ومداعبة الجسد. (لذة تذوق) وتقبيل الجسد.  بالاضافة الى القدرة العجيبة لهذا الفعل على اشعال لهيب (الخيال) بكل عنفوانه وجنونه وغرائزه المكبوتة منذ الاسلاف الاوائل للبشر.

ثانيا: ما زاد من اهمية وقيمة (الفعل الجنسي) ان له اكبر واخطر (منفعة عملية علمية)، الا وهي (التناسل وديمومة الحياة) وبقاء الجنس البشري. كأنها رسالة مقصودة من الطبيعة: جعل (فعل التناسل) وخلق الانسان، اكثر الافعال جمالية وملذة وجنونا! "ربما" لولا هذه الملذات وما تجلبه من انجذاب وتعلق بالآخر، لتردد وتمنع الانسان، خصوصا الرجل، بالموافقة على عملية الاخصاب وتحمل مسؤولية الانجاب.

 

سليم مطر ـ جنيف

.....................

* ملاحظة: هذه الدراسة خالية من المصادر، لانها من نتاجنا البحت. طبعا هي حصيلة عُمر من المتابعة والدراسة والتجريب والتحليل.

مقولة: (السينما فن الفنون) يقال انها تعود الى الزعيم الروسي (لينين).

* هنالك صورة ورسم مهم جدا لتوضيح موضوعنا هذا، لكننا لم نتمكن من نشرها لاسباب تقنية. لمن يرغب معالينة نفس الموضوع في موقعنا:

https://lurl.fr/m93Bz

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5306 المصادف: 2021-03-16 00:50:13


Share on Myspace