 آراء

قاسم حسين صالح: 9 نيسان 2003 .. تحليل سيكوبولتك للسلطة والناس (1)

قاسم حسين صالح- بوصفي شاهد عيان، فأن مؤسسات الدولة تعرضت للنهب في 8/ نيسان / 2003 وليس التاسع منه. ففي صباح ذلك اليوم كنت أرى ، من شباك شقتي بشارع حيفا، أربع دبابات أمريكية تربض في الصالحية بجوار تمثال الملك فيصل الأول، وجرى نهب ممتلكات وزارة العدل التي لا يفصلها عن هذه الدبابات سوى رصيف الشارع.. على مرأى و" تشجيع" من الجنود الأمريكان. فيما بدأت الحرائق في بغداد في 12 نيسان 2003، إذ شهدت اشتعال النار في الطابق العلوي من بناية البنك المركزي العراقي، وفي الركن الأيسر الأرضي من مبنى وزارة العدل، وفي مبنى الإذاعة والتلفزيون ومبنى وزارة الإعلام. وكنت أرى من على سطح العمارة التي اسكنها في شارع حيفا، الحرائق حيثما أدرت وجهي في سماء بغداد.

- كان الفرح قد غمر وجوه معظم العراقيين بنهاية جمهورية الخوف في (9 نيسان /ابريل 2003) مستبشرين بجمهورية الديمقراطية والسلم الاجتماعي. ما كانوا يتوقعون انهم سيقتل بعضهم بعضا ويخسرون عشرات الآلاف في سنتين(2006-2008). وما جري كان حرب اقتتال طائفي سببه الرئيس هو السلطة عليها اللعنة..وكان عليهم ان يحتاطوا.فتاريخها في العراق هو تاريخ العنف والدم وقطع رؤوس الخصوم منذ أن تحولت السلطة العربية والإسلامية الى وراثية عام 61 هجرية. فمن يومها اعتمدت السيف لحلّ النزاعات واجبار من يخالفها على الطاعة والخضوع. وكانت (السلطة العربية والإسلامية) على مدى أكثر من ألف وثلاثمائة سنة لا تلجا الى التفاوض والحوار إلا بعد أن تقطف السيوف رؤوس افضل من في القوم. ولهذا فأن العراقيين معبئون سيكولوجيا في لاشعورهم الجمعي بالعنف لا بالحوار في حلّ صراعاتهم السياسية. ولك أن تستشهد بما حصل عام 1958 من تمثيل وحشي بالعائلة المالكة ورموز النظام. وعام 1963 بتمثيل أبشع بشخص أول رئيس جمهورية للعراق ورموز نظامه، وبآلاف الشيوعيين والوطنيين. وما حصل للبعثيين من حرقهم أحياء بعد هزيمة الجيش العراقي في حرب الكويت عام 1991. فضلا عن الابادات الجماعية للشيعة وحرب الأنفال ومجزرة حلبجة وإبادة الآلاف من الكورد .. الى المشهد اليومي الحاضر الذي لا تستوعب مفردات اللغة وصف بشاعته ولا عقلانيته..وذلك الموروث اللعين الذي يمتد الى داحس والغبراء، مرورا بواقعة دهاء أبن العاص وغباء الأشعري التي " أنجبت " فرق الموت والتكفير..الى نبش الأحداث المخجلة في تاريخنا المتخم بالعنف، وكأن عقولنا مبرمجة فقط على استحضار الأحقاد من ماضينا.

والمسألة السيكولوجية الثانية، أن السلطة في الدولة العراقية الحديثة (من عام 1921 الى عام 2003) كانت بيد السّنة العرب، وفجأة ومن دون تمهيد ديمقراطي أو سلاسة في انتقال السلطة، حدث تبادل انقلابي للأدوار.فالشيعة الذين كانوا لألف وثلاثمائة سنة في المعارضة، والذين حاربوا الانكليزي المحتل في ثورة العشرين، والذين رفضوا دعوة الملك فيصل الأول للاشتراك في الوزارة لأمور فقهية! أصبحوا (بعد 9/4/2003 ) في السلطة، واعتبروا قوات الغزو، التي حاربوها في البدء بضراوة في أم قصر والناصرية، اعتبروها قوات صديقة وتحالف ساستهم معها، فيما السّنة أزيحوا الى جبهة المعارضة سواء ضد السلطة او ضد المحتل الذي أعطاهم السلطة في بدء تشكيل الدولة العراقية الحديثة.

وتبادل الأدوار هذا يشبه في فعله النفسي تبادل الأدوار بين السيد والعبد، فأنّى لمن كان سيّدا أن يكون عبدا لمن كان عبدا بالأمس، لاسيما في سيكولوجية العراقي تحديدا؟!. وعلّة نفسية ثالثة، هي أن الشيعة في العراق (جماهيرها الشعبية تحديدا اعتقدوا أن مصدر ما أصابهم من ظلم وجور وعنف هو السلطة السنّية التي حكمت العراق أكثر من ألف وثلاثمائة سنة، فعمموا هذا الموقف الانفعالي على كل السنّة ولم يقصروه على رموز الحكم ممن استخدم السلطة وسيلة للظلم والقسوة في التعامل واذلال الآخرين بمن فيهم شخصيات وطنية سنيّة حاولوا الأطاحة بالطاغية. وحصل أن نشوة الانتصار ووسواس الخوف من ضياع ما يعدّونه الفرصة التاريخية الأخيرة لهم قد تمكنا من الجماهير الشيعية الشعبية، وعملا نفسيا على الاندفاع والانفعال والتطرف.ولقد عزز هذا وغذّاه زهو بعض قادتهم السياسيين والدينيين بحصولهم على ستة ملايين صوت في الانتخابات (حوالي نصف العراقيين) ناجمة في حقيقتها من موقف تعاطفي وردّ فعل انفعالي لما أصابهم من حيف، أكثر منه موقف من برامج سياسية..دفع معظمهم ثمنه بؤسا وعظوا اصابعهم البنفسجية ندما، بل ان كثيرا منهم خرجوا في الشوارع وساحات التحرير يهتفون (باسم الدين باكونه الحراميه)، و(الخير العدنه مكوم والأحزاب تفرهد بيه). 

بالمقابل، حصل للجماهير الشعبية من السنّة أن تمكن منها وسواس الخوف من أن الشيعة الذين استلموا السلطة سيفعلون بهم ما فعلت بهم السلطة السنية طوال حكمها للعراق. فضلا عن أن السّنة شعروا بالغبن السياسي والإحباط الذي يصل ذروته في ظروف الأزمات فيؤدي الى العدوان، وهذه حقيقة نفسية تحدث عند إعاقة جماعة عن تحقيق أهداف تراها مشروعة ولا تجد وسيلة أخرى لبلوغها غير العنف، وانها ظلت شغالة لعامها الرابع عشر لوجود من يغذيها على صعيد الحكومة وقيادات سياسية عملت على رمي الحطب وصب الزيت على نار كبرى كانت مشتعلة أصلا ليمتد لهبها الى مناطق أخرى من العراق، فكان ما كان مما حصل من خراب للوطن وفواجع للناس، اوجعها جريمة سبايكر ومآسي اهلنا في حرب تحرير نينوى.

- اننا اذ نوثق لهذه الأحداث ونحللها من منظور علم النفس والاجتماع السياسي، فان الهدف منها هو التقاط العبرة من قبل الحكّام تحديدا، ليأخذوا برأي من يقدم لهم النصيحة خالصة من علماء العراق ومفكريه.لكن المشكلة ان سيكولوجيا السلطة في العراق علّمت الحاكم ان يحيط نفسه بأشخاص يقولون له ما يحب ان يسمعه!

*

أ.د. قاسم حسين صالح

9 نيسان 2003

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5330 المصادف: 2021-04-09 05:38:53


Share on Myspace