 آراء

محمود محمد علي: سد النهضة الإثيوبي ومفارقة الكذاب

محمود محمد عليعزيزي القارئ هل تتذكر معي مفارقة الكذاب Liar paradox المنسوبة لزينون ابن جزيرة كريت وهو يضرب بيد حديد قانون عدم التناقض الأرسطي والذي يمثل أهم مبادئ المنطق لديه .. وهو كالتالي: لنفترض هناك رجل فيلسوف من جزيرة كريت قال أن كل ما يقوله فلاسفة جزيرة كريت هو كذب؛ فهل كلام الرجل صحيح أم كذب؟.. فإذا افترضنا أن ما يقوله هذا الرجل هو الحقيقة، سيكون وصفه لذاته بأنه كاذب حقيقة أيضاً!، ومن ثم فإن أي كلام ينطق به سيكون كذباً، وهو يعاكس افتراضنا، وإن افترضنا أن كلام هذا الرجل كذب، فإن ادعاءه بأنه رجل كاذب هو كذب أيضاً، ومن ثم فهو رجل صادق، وما يقوله صحيح !.. وهو ما يعاكس فرصنا أيضاً!..

وهذا الكلام يصدق بالضبط علي ما قاله آبي أحمد ونظامه الذي يتنصل من كل الاتفاقات الدولية فيما يتعلق بملف سد النهضة، والتي يصفها بالاتفاقات الاستعمارية حول مياه النيل واتفاقيات الحدود بين البلدين.

والأرض التي قام عليها سد النهضة تقع في منطقة بني شنقول، وهذه ألأرض تاريخيا ينتمون إلي قبائل سودانية، وهذه الأرض كانت مصرية في عهد الخديوي إسماعيل، ثم سودانية في عهد الاحتلال البريطاني، ثم تم الاتفاق بين بريطانيا والإمبراطور الإثيوبي "منلك"، تم الاتفاق علي أن يتم التنازل لإثيوبيا علي منطقة بني شنقول في مقابل عدم إقامة إثيوبيا أي منشآت علي النيل الأزرق .

في الأيام الماضية خرجت إثيوبيا لتعلن أن كل هذه الاتفاقات " اتفاقات استعمارية"، فردت " مريم الصادق المهدي وزيرة خارجية السودان فقالت لهم " والله لو ينفع أن تلغوا كل الاتفاقات بحجة أنها استعمارية علينا أن نلغيها برمتها، ثم أعطونا بني شنقول فهي لنا نحن السوادنيون، رجعوها لنا بالسد الذي عليها وهو سد النهضة، وأفعلوا ما شئتم بعد ذلك .

وهذا أخطر تصريح قامت به وزيرة خارجية السودان، والتي هددت الإثيوبيين بأنه في حالة رغبتكم في إلغاء الاتفاقات القديمة سواء 1902م، و 1929م بحكم كونها استعمارية، من فضلكم إلغوها بس أعطونا بني شنقول، لأن بني شنقول كانت جزء من اتفاق خول للإثوبيين الاستحواذ عليه في مقابل عدم إقامة أي مشروعات علي النيل الأزرق.

وأكد البيان الذي قالت الوزيرة السودانية أن التنصل من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية بإطلاق التصريحات الصحفية وتعبئة الرأي العام المحلي ضدها لأسباب سياسية محلية، إجراء يتسم بعدم المسؤولية ومن شأنه أن يسمم مناخ العلاقات الدولية ويجعله عرضة للإرادات المنفردة ويشيع فيها الفوضى ويقوض أسس حسن الجوار التي تأسست عليها العلاقات السودانية الاثيوبية لقرون.

وأختتم البيان: إن جر مسائل أخرى إلى النقاش غير موضوع التفاوض، وهو ملء وتشغيل سد النهضة، غير منتج ولا هدف له إلا الاستمرار فى عرقلة التفاوض سعياً لفرض سياسات الأمر الواقع التي لا تخدم قضايا حسن الجوار وأمن واستقرار الإقليم والقارة، ومن الافضل لمصالح إثيوبيا وخيارات حاضرها والازدهار المستقبلي المؤمل لكل دول وشعوب المنطقة ذات الصلة أن تعول إثيوبيا على العمل المشترك القائم على المصالح المشتركة، وألا تستغرق في محاولات الهروب من مشاكلها الداخلية بخلق عداوات تختلقها مع السودان أو غيره من دول القارة، وأن تعمل مع السودان وغيره للاتفاق على الأطر القانونية المؤسسة لهذه المصالح والمؤمنة لاستدامتها.

وقال المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية دينا مفتي، في مؤتمر صحفي، "مازالت التصريحات السودانية العدائية مستمرة ولم يكتف السودان بالاعتداء على أراض إثيوبية بل انتقل إلى الإدعاء بتبعية إقليم سد النهضة"، مشيرا إلى أن "تصريحات السودان بشأن تبعية إقليم بني شنقول أمر مؤسف ونرفضه تماما وسنصدر بيانا مفصلا حوله"، وذلك حسب إذاعة "فانا" الإثيوبية.

وشدد مفتي خلال المؤتمر قائلا: "مازلنا وسنظل نتمسك بقيادة الاتحاد الأفريقي ولن نقبل بتحركات السودان لربط مسألة الحدود بسد النهضة".

وقبل أيام، اعتبرت وزارة الخارجية السودانية، أن تنصل إثيوبيا من الاتفاقيات السابقة يعني المساس بسيادتها على إقليم بني شنقول المبني عليه سد النهضة، والذي انتقل إليها بموجب بعض من هذه الاتفاقيات.

وتصاعد التوتر بين إثيوبيا من جهة، ومصر والسودان من جهة أخرى، مع إعلان أديس أبابا موعد الملء الثاني للسد، في خطوة تعتبرها الخرطوم "خطرا محدقا على سلامة مواطنيها" وتخشى مصر من تأثيرها السلبي على حصتها من مياه النيل.

وأكدت وزيرة الخارجية السودانية مريم الصادق المهدي، أمس الاثنين، أن السودان يعطي عملية الملء الثاني لسد النهضة الذي تعتزم إثيوبيا تنفيذه أقصى درجات الاهتمام، باعتباره قضية "أمن قومي"، مشددة على ضرورة الوصول إلى اتفاق بين مصر والسودان وإثيوبيا قبل بدء الملء الثاني للسد.

خلاصة القول وبدون تفاصيل نقول وصلت المفاوضات إلي طريق مسدود بسبب أن إثيوبيا تريد تضييع الوقت، وقد أضاعته عبر سنوات، وكذلك التعنت علي اعتبار أن سد النهضة هو الحلم الإثيوبي، وإثيوبيا كما قال أستاذنا عبد الحليم قنديل هو أنها عبر سنوات مقبلات سوف يتحول إلي حالة يوغسلافيا في أوربا أيام تيتو، حيث كانت تضم أقواما عديدة جدا، والنهاية أن يوغسلافيا قد انقسمت لمجموعة من الدويلات، وأتصور أن إثيوبيا معرضة لهذا التفكيك، في محاولة للقفز إلي الإمام، وحصار هذا التفكيك من خلال خلق حلم واحد اسمه " سد النهضة"، هذا ما تحاوله السلطة الإثيوبية الآن.

والسؤال الآن: ماذا تفعل مصر في الأيام المقبلة؟

اعتقد أنه قضي الأمر حيث جفت الأقلام والصحف وانتهت المفاوضات، ومن ثم فإننا ذاهبون إلي صدام .. لماذا؟ .. لأن النيل بالنسبة للمصريين ليس موضوعا للأمن القومي فقط .. النيل يمثل قضية وجود بالنسبة لمصر .. إما أن توجد أو لا توجد لا سمح الله!.. لا قدر الله!.. والنيل هو وسيلة الأجداد إلي الأحفاد .. فالأجداد كانوا يقولون:" إذا نقص منسوب النيل .. فليهرع كل جنود الملك إلي المنابع ".

والصدام هنا ما أعنيه هو ببساطة شديدة جدا ما أراه في هذه اللحظة أنه لا خيار سوي كسر رأس نظام أبي أحمد وذلك لكونهم يمشون في عملية أشبه بمطاردة الأشباح ؛ بمعني أن أبي أحمد يريد أن يخوض الانتخابات في يوليو القادم، ويريد أن يلعب ببرنامج اسمه الملء الثاني لسد النهضة، ومن ثم يربط بين فكرة نجاحه في الانتخابات والملء الثاني، كما أنه يستخدم فكرة سد النهضة كعنوان لتوحيد المفكك وهي محاولة لإبطاء عملية التفكيك، لكن الصدام كما هو معروف عند كل الإثيوبيين هو أننا سنحشد الملايين للدفاع عن السد، وهذا كلام عبثي، ويثير سخرية .

علي أية حال أنا لست عسكريا ولكن هذه رؤياي ووجهة نظر تجاه الخيار العسكري لأزمة سد النهضة، وبالضرورة أن ما أريد أن أقوله هنا في هذا المقال في هذه اللحظة المهمة من تاريخ مصرنا الحبيبة، وهو أنه شرعية بقاء أي حاكم مصري مرتبطة بمنسوب النيل، وبالحفاظ علي قطرة ماء من النيل الوارد تاريخا إلي مصر عبر إثيوبيا، فالقضية ليست قضية تنطوي علي اختيارات كثيرة، حيث لا يوجد بين بين وبين! .. الاختيار الآن أننا في الأيام الماضية عشنا ذكري العاشر من رمضان، وهذه الذكري تذكرنا كيف اقتحم المصريون خط بارليف، والذي لم بعجزه اقتحام خط بارليف لن يعجزه ضرب سد النهضة وتحويله إلي بركة عفنة تأوي القطط والسباع.

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5359 المصادف: 2021-05-08 01:55:54


Share on Myspace