 دراسات وبحوث

مجدي إبراهيم: لطائفُ المِنَن

مجدي ابراهيملطائفُ المَنَن في فضائل الشيخ أبي العباس المرسي وشيخه أبي الحسن، هو كتاب الترجمة الشخصيّة لقطبي المدرسة الشاذليّة، الإمام أبي الحسن الشاذلي، وتلميذه الإمام أبي العباس المرسي. يَعْرض ابن عطاء الله السَّكندري حياتهما وآثارهما في الفكر والواقع؛ أعني آثارهما النظريّة مُطبَّقة على حياتهما الحيَّة الواقعيّة.

ويجودُ قلم ابن عطاء في هذا الكتاب؛ وصَّافاً مُبْدِعاً في الوصف والتصوير، حتى ليُخَيَّل إليك وأنت تقرأ "اللطائف" أنك تعيش بروحك وبشعورك هنالك في تلك الحقبة وفي ذلك الزمن، ومع هذين القطبين الكبيرين، تعيش حياتهما في لحظة القراءة وتتنسم أذواقهما بتبتّل يصفو مع الشّذرة التي يقدّمها ابن عطاء، وتحيا في بواطن الشعور ما كانا يحييانه ويفكران فيه، ويؤمنان به على البصيرة الفائقة والوعي الصوفي العالي المستنير.

وليس هذا بغريب على ابن عطاء الله الأديب الوَصَّاف: صافي الفكرة من خيانة التجسيد القبيح، صفيُّ العبارة من علائق الأوْشَاب والأخلاط، جميل الأحدوثة في أطايب الكلم الجميل، ذكي الفؤاد وهو يطيل، وَذَكِيُّه كذلك وهو يميل إلى التقصير، نقيُّ البيان من لوثة الحشو والحشر والتقعير: صَاحِبُ الحكَم، وَصَّاف الفكرة العلويّة.

لم يكن ابن عطاء في هذا الكتاب ـ  فيما يبدو ـ يضع نصب عينيه سوى الصورة التي استقرَّت في مخيَّلته عن شيخيه الجليلين، وكفى: يرسم عبارتهما رسماً مؤثراً يأخذ بمجامع القلوب؛ ليُحدِث في الشعور هَزَّة إيمانية جليلة؛ وليعيشه القارئ حياة من خلال ما يقرأ ويفهم ويتصوَّر، ثم يعمل بمقتضي الفهم والتصور. ويهدي ـ  بما يقول الأشياخ ـ  سُدَفِ الظلام الحائر لدى الحائرين: يُنيرها ويبدِّد ظُلمتها بنور التوفيق والعناية، ويمضي على الطريق بعون الله، وجزاؤه أن يكون مع الله، والله مع السائرين.

كان ابن عطاء الله السكندري ـ ولا تزال آثاره ـ بما كتب في هذا الكتاب وفي الحكم أيضاً، ريحانة المدرسة الشاذلية تَعَطَّرَتْ على سنان قلمه شذرات الإمام الهُمَام أبو الحسن الشَّاذلي، ولولا ما كتب ابن عطاء في هذا الكتاب، وفي التنوير، وفي الحكم، ما كُنّا لنَعْرف شيئاً بمثل هذا الجمال والتأثير ورُقيَّ الأداء عن الشيخ أبي الحسن الشاذلي، والأغرب من هذا: أن معرفتنا بالشيخ أبي العباس المرسي تكاد تنقطع لو أن الفرصة لم تكن لتتاح لابن عطاء لكتابة "اللطائف". ربما قد يكون هناك مصدر آخر غير "اللطائف"، يمدُّنا بمناقب الشاذلي الإمام وسيرته وإشاراته وبعض معارفه؛ من طريق ابن الصّبَّاغ في كتابه الجامع "درَّة الأسرار وتحفة الأبرار"؛ ولكن تلميذه أبو العباس المرسي تتلاشى معرفتنا به تماماً لو لم يكتب ابن عطاء الله هذا الكتاب وغيره من الكتب التي صَنَّفَها في آداب الطريقة، أقول هذا: على المستوى النظري، على مستوى الكتابة والتأليف وتدوين الآثار.

ولكن ما من شك في أن الطريق العملي للشَّاذُليَّة باق على صعيد السلوك والعمل؛ وهو الأهم في الدلالة على الطريق، أعني أن مستوى العمل والممارسة والانخراط في التسليك هو الفاعلية النشطة الباقية، وهو مدار الاهتمام من الشاذليّة على التعميم. عنصر الفضل في هذه المدرسة يكمن في "التوجُّه" ويحيط سلامة "التوجه" بالعمل الدائم ورعاية السلوك الديني على مقتضاه. لم يكن السلوك بمنأى عن "التوجَّه" ولا يجيء "التوجّه" بمعزل عن العمل في إطاره. ليس ثمة انفصال بينهما. أغلب آثار الشاذلية تدور حول النشاط الديني والسلوك العملي: فكرة  تخضع لمقتضى التطبيق، وتطبيق يتلازم مع الفكرة التي يمليها "التوجّه" كما تفرضها آفاقه العلوية. رحاب الشاذلية سماحة وعي واتّساع مدراك تسمح باللقاء المباشر وتحقق الشهود الكامل.

لم يرث علم الشيخ أبي الحسن الشاذلي بالمباشرة والخصوصية غير أبي العباس المرسي، وهو أجَلُّ من أخذ عنه الطريق، ولم يضع لا هو ولا أستاذه شيئاً من الكتب، وكل ما تركاه جملة أقوال في التصوف: تعاليم وإرشادات، وبعض الأدعية والأحزاب. وكان يقول، فيما يروي الشعراني عنه: "علوم هذه الطائفة علوم تحقيق، وعلوم التّحقيق لا تحتملها عقول عموم الخلق"؛ وكذلك شيخه أبو الحسن الشاذلي، رضوان الله عليه، لم يضع شيئاً من الكتب، ولما سُئل في ذلك كان يقول:"كتبي أصحابي"!

وعندي أنها لإشارة عالية تكشف عن ذَوْق الطريق حتماً بالمعاملة والممارسة والرياضة والتجربة؛ ليكون التصوف بمقتضاها حركة عمل وعلاقة علم، وليس هو مُجرَّد نظر فارغ من الممارسة أو مجرد قراءة سطحية سرعان ما تتبخر مع الأيام، هو على التحقيق فاعلية تجريبية: أعني خوض غمار الفعل الحيوي المباشر والدوام عليه وتمثله حياة خالصة تُعاش بعيداً عن عبث الأغيار.

إنه ليُربّي الرجل تربية علميّة على أسس الطريق ثم يرقيه في خضم المعاملة بالتي هى أحس؛ فيكون العلم قرين العمل، والعمل قرين الحال.

كتبي أصحابي؛ لأن التربية الرُّوحيَّة التي كانت ممثلةً في أبي الحسن الشاذلي لهى هى تربية الرجال. وصناعة الرجل في التصوف خَاصَّة أهم وأقوى من صناعة الفكرة النظريّة المعزولة عن الحياة والمُجَرَّدة عن فاعليتها وحضورها في دنيا الواقع العملي.

كتبي أصحابي؛ لأن الكلمة يقولها الشيخ لها من التأثير الإيجابي الفوري بحيث تنقلب من ساعتها إلى واقع مُحقق منظور، وتتحوّل لدى مُتَلَقِّيها إلى عمل يظهر في سلوكه بالمباشرة؛ بسبب أنها حياة روحيّة صادرة بالفعل عن التجريب.

كتبي أصحابي؛ لأن الصُّحْبَةَ للرجال أقوى للنفس وأفعل من صحبة الأفكار التي لا تدل على مِكْنَةٍ في ذاتها أو على قوة. الرجل الإنسان الذي يحيا الحياة الروحية ويعشها تجربة وممارسة وفاعلية ليس كالنصّ الصامت الميت الذي لا ينطق إلا إذا أنطقوه. صحبة الرجال صدق في الحال ما دامت صدقاً في الطريق؛ وهى من بعدُ لأنفع من مفعول الأفكار الهدَّامة، وبخاصّة إذا جاءت تلك الأفكار عاصفة في معترك الحياة الدينية والرّوحيّة.

كتبي أصحابي؛ وليس لي من صحبة إلا الرجال. والرجل الذي لا يمثل فكرة ولا ينهض برسالة ولا يعطي من ذاته ما يدل على فكرته، أو على رسالته؛ خيرٌ من صحبته القطعية؛ لأنه ليس برجل ولا هو بإنسان يستحق الحياة.

وللمدرسة الشاذلية في مصادرها العلمية (النظريّة) طريقان: الأول طريق ابن الصَّبَّاغ، وهو قد استقى كل معلوماته عن الشيخ أبي محمد ماضي خَادِم الشيخ أبي الحسن الشاذلي نفسه، وهذا الكتاب أقدم كتاب عن الشاذلية وشيخها أبي الحسن الشاذلي، طبع منذ أكثر من مائة عام تقريباً في تونس، ثم توالت طبعاته في القاهرة، وألحقت به ملاحق وزيادات.

ومنه إلى أحمد بن محمد بن عبَّاد المحلي الشافعي المتوفى سنة (1153هـ)، صاحب كتاب "المفاخر العليّة في المآثر الشاذلية"، ثم الفروع. والطريق الثاني: طريق أبو العباس المرسي؛ فابن عطاء الله السَّكندري، ثم الفروع .. هذان هما الطريقان اللذان يمدَّانا بالمعلومات النظرية عن الشاذلية، وما سواهما يأخذ عنهما إمَّا نقلاً أو محاكاةً أو تربيةً أو ترقيةً أو تجربة. وفي التجربة فقط يجود البيان!

حين ترجم "الشعراني" في طبقاته الكبرى للشيخ أبي الحسن الشاذلي قال: " وقد أَفْرَدَهُ سيدي الشيخ تاج الدين بن عطاء الله هو وتلميذه أبو العباس بالترجمة، وها أنا أذكر لك ملخَّص ما ذكره، ثم لخص الشعراني بعض ما وَرَدَ في لطائف المنن في طبقاته (الطبقات الكبرى، جـ2، ص 4 وما بعدها). ولكن هذا التلخيص إنْ كان يفي بمقصود الشعراني من حيث علمه وخبرته بأسرار الطريق كونه شاذليّاً يدين بالولاء للطريقة الشاذلية، فهو لا يفي من جهة أخرى بمقصود القارئ النهم الشغوف بمعرفة المزيد عن المعلومات الوافية لكتابات الشاذلية، وبخاصّة ابن عطاء الله، المعبّر الحقيقي عن هذه المدرسة، والناطق باسمها، والمدَّون لإشارات شيوخها الأوُّل.  

وكتاب لطائف المنن لابن عطاء من الوثائق الصوفية لهذه المدرسة، يُحتَفي به من الأوساط الأدبية والمعرفية خير احتفاء، ويُحقق تحقيقاً علمياً على يد الإمام الأكبر المرحوم الدكتور عبد الحليم محمود ـ طيَّبَ الله ثراه ـ ليكون مصدراً أساسياً لتعاليم السادة الشاذلية كما جاءت على يَرَاع كتابها العارف ابن عطاء الله السكندري، ثم ليجيء نبراساً ينير الطريق بشذى الولاية والعرفان للمريدين والطالبين على مَرّ الأزمان.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

صباح الخيرات أيها المبدع رؤيةً وفكراً د. مجدي ابراهيم
دائماً على قدر أهل العزم تأتي العزائم
قلمكم صائد الجواهر والياقوت والمرجان من بين الحنايا والأنفاس
اسم الكتاب( لطائف المنن) بالغ الثراء الروحي ودقيق العبارة في طرح التفرد للنفس والسلوك وخلسات الخواطر
تصور أن التصوف بهذا المخزون وتلك الكنوز لم يكتشف بعد في ثقافتنا العربية!!
تباً ثم تباً لمن يمر عليه مرور الغمام العابر دون أن بدرك أغواره العميقة ودقائق تفاصيله
وأزعم أنه لا يوجد نظير لهذا ( التراث المذهل والغني بشكل عجيب) في جوانبه ومفرداته وتأصيلاته بأية ثقافة من الثقافات
دامت كلماتكم الرائعة
تقديري ومحبتي

سامي عبد العال
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي العزيز الدكتور سامي عبد العال صاحب الفكر الراقي التميز والقلم الأصيل .. ملاحظتك هذه التي تدور حول أن التصوف لم يكتشف في ثقافتنا العربية بعدُ هي على جانب كبير من الأهمية وليس هذا بالأمر الغريب عليكم فقد ضربت - صديقي- بسهم وافر في التصوف وكتب أعمق البحوث وأدقها في هذا الميدان الذي لا يزال بكراً بامتياز.

أنا شخصياً كنت قد لاحظت أنك أشرت في (ما لم يقله التصوف .. بأي معنى يتحرّر الإنسان) هذه الإشارة الرائعة التي تدل من أول وهلة على وعي وتفرّد .. فأما الوعي فبمتلاء الروح والعقل بالمعارف العليا ووقوفكم على جوانب منيرة من زخم الحياة الروحية الخالصة .. وأما التفرد، فلتميزكم في الفكرة والأدوات، وآليات التعبير عن تلك الفكرة في مواطنها الأصيلة.

لو أن ثقافتنا العربية أخلصت لهذا النزوع الصوفي ولم يعق اخلاصها عوائق معرفية وغير معرفية لأصبح حالها اليوم غير الحال، ولكنها في مراحلها المختلفة خضعت لاقصاء هذا الميدان عنوة من دوائر اهتمامها فظهر فينا من عاداه ووالى غيره من توجّهات سلفية، أو دينية حرفيّة، أو عقلية أو تجريبية علميّة، قدحت أغلبها في معدنه النقي وخصائصه السامية رغم أن أكبر العقول الفلسفية كان لها بالتصوف سندٌ وصلة.

المهم أني بحق (لا مجاملة ولا نفاقاً) لم أر مثلك يقف على ما وقفت عليه في هذا الميدان بثقافة موسوعية شاملة وتخريج فكري بالغ الدلالة، وفلسفة تصدر من أعماق الذات العارفة ..

دام إخلاصك للقلم وللثقافة الراقية يا عزيزي .. ودمت راقياً في كل ما تكتبه وتثري المكتبة العربية بنظرات جديدة متميزة.

مجدي ابراهيم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5387 المصادف: 2021-06-05 03:26:45


Share on Myspace