 قضايا

حاتم حميد محسن: هل يستطيع العلم الاستمرار بعد فناء الكون؟

حاتم حميد محسنالايمان ليس ايمانا اذا كان مرتكزا على الدليل، لذا من الخطأ القول اننا لدينا ايمان بالتقدم الانساني. على عكس الايمان بالله، التقدم هو حقيقي موضوعيا، حقيقة يمكن اثباتها، بمقدار ما هو تطور. الانسانية اصبحت اكثر ثراءً وصحة وحرية وأمانا. اليوم نحن نعرف اكثر مما عرف أسلافنا، ونحن نتعلم الكثير في كل الأوقات. هذه الميول التي يجب ان يعترف بها اي انسان تشكّل تقدما. السؤال هو الى أي مدى يمكن ان يستمر هذا التقدم؟

مؤخرا، اتفق جون هورغن الصحفي الامريكي العلمي مع الخبير الكبير ستيفن بنكر بانه في القرنين الأخيرين نحن انجزنا تقدما ماديا وفكريا وأخلاقيا، والذي يجب ان يعطينا أمل باننا نستطيع انجاز المزيد. يقول جون انه تلقى ردا سلبيا. المتشائمون يجادلون بأن تقدمنا سيكون عابرا وسريع الزوال، ذلك اننا سوف نستسلم بالنهاية لقبحنا وحماقتنا ونحطم أنفسنا.

قد يكون ذلك وقد لا يكون صحيحا. دعنا نقول جدلا اننا في غضون القرن او القرنين القادمين سنحل جميع مشاكلنا الكبرى، بما فيها الاستبداد واللاعدالة والفقر والأوبئة وتقلبات المناخ والحروب. دعنا نقول اننا نخلق عالما فيه نستطيع وعلى أكمل وجه انجاز أي شيء نختاره. العديد من الناس سيتابعون طريق البحث عن المتعة، يجدون اكثر الطرق اثارة لإمتاع أنفسهم. آخرون ربما يسعون الى تنوير روحاني او يسخّرون أنفسهم للتعبيرات الفنية.

لا يهم ما يختاره أحفادنا للعمل، البعض بالتأكيد سيبقى يحقق في الكون وفي الاشياء التي فيه بما في ذلك أنفسنا. كم سيستمر البحث عن المعرفة؟ ليس بعيدا، يقول جون انه أعلن قبل 25 سنة في كتابه (نهاية العلم) الصادر عام 1996، ان فيزياء الجسيمات وعلم الكون وعلم الأعصاب وحقول اخرى سوف تصطدم في الحدود الاساسية. وهو لايزال يعتقد بهذا، لكن ربما هو خاطئ. سنصف هنا آراء ثلاثة فيزيائيين وهم فريمان دايسون Freeman Dyson و روجر بينروز Roger Penrose و ديفد دويتش David Deutsch الذين يؤمنون بأن البحث عن المعرفة سيستمر طويلا جدا وربما الى الأبد، حتى في حالة الموت الحراري للكون.

اذا كنت تتأمل مستقبل كوننا البعيد الأمد، فانت يجب ان تواجه القانون الثاني للديناميكا الحرارية، وهو العلم الأكثر كآبة في الطبيعة. انه يزعم بأن الأنظمة المغلقة، التي لا تحصل على دفعات الطاقة من مصدر خارجي، تميل بمرور الزمن لتصبح اكثر اضطرابا. وهو تعبير عن الضجر. القانون الثاني يتضمن ان الكون سوف ينزلق نحو موت حراري، يكون فيه كل شيء وكل مكان هو بالضبط في نفس درجة حرارة الصفر المطلق(البالغة 273 درجة مئوية تحت الصفر)، وسوف لن يحدث أي شيء ابدا.

الاكتشاف الهام في أواخر التسعينات من القرن الماضي بأن الكون يتمدد بمعدل متسارع يعني اننا نقترب وبسرعة متزايدة من الموت الحراري، ايضا يُعرف بـ (البرد الكبير) او big chill. وهو أمر غير جيد. مع استمرار تضخم الكون، فان النجوم بما فيها شمسنا (بعد ان تصبح اولاً عملاقا احمر ثم تحرق الارض)، وحتى الثقوب السوداء سوف تطلق بالنهاية كل ما فيها من طاقة، والكون سيصبح معتما الى الأبد. علماء الكون حسبوا اننا سنصل هذه النهاية الكونية الميتة – التي فيها يتوقف الزمن ذاته، كما يشير الفيزيائي جورج موسر في غضون سنة غوغلية googol year (عدد 1 يليه مائة صفر)، وهو وقت طويل جدا. (بالمقابل، الشمس يُتوقع ان تصبح عملاقا أحمر وتحرق كوكبنا بالكامل خلال 5 بليون سنة. لكن هذه النبوءة الكئيبة تجعل كل ما حققناه من تقدم يبدو تافها و بلا قيمة، تسونامي كوني ينزلق نحو ليل أبدي بهيم. كل بحثنا عن المعرفة سيكون بلا طائل لأن كل شيء تعلمناه سيُنسى عندما يدخل الكون في حالة من الخمود الذي لا رجعة فيه.

فريمن دايسون والغيوم الغازية الواعية

العلماء، قلقون من إحتمال النسيان الكوني، هم تصوروا طرقا يستطيعون بها تجنب ذلك. الرائد في مثل هذا التأمل كان فريمن دايسون الذي مات السنة الماضية بعمر 96 عاما. دايسون تحفّز للتفكير حول المصير البعيد المدى للكون في أواخر السبعينات متأثراً بالفيزيائي ستيفن وينبيرغ وملاحظتة بانه "كلما بدا الكون مفهوما كلما بدا بلا معنى".

في عام 1979 وفي ورقة بعنوان (زمن بدون نهاية: الفيزياء والبايولوجي في كون مفتوح)، يزعم دايسون ان الكون له غرض وغاية طالما هو يخفي الذكاء. هو يتكهن، انه بعد دهور من الآن، أحفادنا قد يشغلون أنظمة نجمية اخرى، بعد فقدان دماءهم ولحومهم ويصبحوا على شكل غيوم غازية واعية. يعرض دايسون جدالا رياضيا بان هذه الكائنات يمكنها من خلال الحفظ البارع للطاقة ، الابقاء على المصادر المطلوبة للبقاء، والتفكير بعمق والاتصال بكون يتسع أبديا.

أحفادنا دائما سوف يكون لديهم الكثير مما يفكرون فيه. هو تأثر ببرهان غودل كورت عام 1931 القائل بان أي نظام من البديهيات الرياضية هو "غير تام"، مثيرا أسئلة لايمكن الاجابة عليها بهذه البديهيات.

نظرية غودل في عدم الإكتمال Godel’s incompleteness theorem تؤكد ان كل من الرياضيات والحقيقة الفيزيائية سوف يواجهاننا بمشاكل "لا تنتهي". دايسون يزعم انه "لا يهم كم بعيدا سنذهب في المستقبل، سوف تحدث هناك اشياء جديدة ، معلومات جديدة تأتي، عوالم جديدة نستكشف، عالم حياة مستمر التمدد، وعي وذاكرة".

بعد ذكر ورقة دايسون عام 2018، قام بإرسال بلاغ يشير فيه الى ان ورقته لم تعد صالحة لأنها افترضت كونا يتمدد خطيا وهو ما اعتقده الكونيون صحيحا عام 1979. اما الآن لدينا دليل قوي بان الكون يتسارع وهذا يجعل اختلافا كبيرا لمستقبل الحياة والذكاء". دايسون رفض "المزيد من التأمل" حول مصيرنا في كون يتسارع "الى ان يصبح الدليل المُلاحظ اكثر وضوحا".

روجر بينروز والدائرية الأبدية للكون

روجر بينروز الفائز بجائزة نوبل السنة الماضية، سار على خطى مشروع دايسون في تصور مستقبل الكون. في عام 2005، كان بينروز "محبطا لنفسه" بالتفكير في مضيعة الزمن الذي يمتد امام الكون طبقا لآخر الملاحظات الكونية التي تقترح تمددا متسارعا أبديا"، وفق ما جاء في مقال في (فيزياء العالم). بينروز تسائل "منْ سيكون هناك منزعجا بهذا الضجر النهائي الساحق؟" بينروز يتغلب على خوفه باختراع نموذج جديد للكون، كون دائري مطابق، يوضحه في كتابه عام 2010 (دورات الزمن). النظرية تؤكد ان كوننا الفارغ باستمرار سوف ينتج بالنهاية ، تمزقا في الزمكان شبيه بالبغ بانغ. بهذه الطريقة، يمكن للكون المتمدد ان يفرز الى الأبد اكوانا جديدة الواحد بعد الآخر. طبقا لبينروز وزميل آخر معه، ان كل كون جديد يمكن ان يمرر معلوماته التراكمية الى الكون اللاّحق على شكل إشعاع مايكروويفي كوني متبقي من الانفجار الكبير. ذلك يعني ان الإشعاع المايكروويفي الذي يشغل كوننا ربما يحتوي على رسائل من أكوان سابقة. وبنفس الطريقة، المعرفة التي نراكمها ستمر الى سكان أكوان المستقبل. وبهذا سوف لن نكون ضئيلين جدا بعد كل هذا.

في عمله المهني المبكر، أنجز بينروز اكتشافا رياضيا يقدّم الدعم لإدّعاء دايسون بان الكون لن يتوقف عن مفاجئتنا. بينروز بيّن ان طبقة من المضلعات تسمى الآن (مربعات او بلاطات بينروز) Penrose tiles يمكن ان تتحد لتشكل نماذج دورية لن تكرر نفسها ابدا. كما في نظرية غوديل في اللااكتمال، ومثل لعبة الحياة، او الانسان الخلوي الذي اخترعه الرياضي جون كونوي، بلاطات بينروز تقترح انه حتى الكون المرتكز على قواعد بسيطة يمكن ان يولّد تعقيدية لانهائية لا يمكن التننبؤ بها. الطبيعة سوف تقدّم لنا دائما ألغازا جديدة للحل، لو أبقينا عيوننا مفتوحة.

ديفد دويتش وبداية اللانهائية

يفتتح ديفد دويتش كتابه (بداية اللانهائية، 2011) بالسؤال: "هل يجب ان يصل التقدم الى نهاية اما بسبب كوارث او في نوع من الكمال – ام انه غير محدود؟". كتاب دويتش هو احد الحجج الطويلة في اللامحدودية. دويتش يعلن ان جميع تقدمنا – الاخلاقي والسياسي والتكنلوجي والاعلامي والفني والعلمي – يبرز من محاولاتنا لإيجاد "توضيحات جيدة". هناك دائما سيكون لا اكتمال. ولهذا يرفض دويتش ادّعاء الكاتب جون هورغن في (نهاية العلم) بان العلم قد لا يعطي اي افكار اخرى عميقة في الطبيعة كالتطور وميكانيكا الكوانتم والانفجار العظيم. ان اكتشاف تسارع الكون، حسب دويتش، يناقض اطروحة هورغن.

هو يقترح بان أحفادنا ربما يستعملون فكرة الطاقة المظلمة لإمداد هذا الكون المتسارع لكي يمكن ان يستمر "خلق المعرفة" الى الأبد. وماذا عن الموت الحراري؟ لا مشكلة. دويتش يكره كل المستقبل الانساني الذي يبشّر بالنهائية. هو لهذا يرفض امكانية ان تكون اليوتوبيا تامة الى درجة لم تعد لدينا مشاكل للحل. هو ذكر عام 2018 بان "العالم لن يكون تاما ابدا، حتى عندما يزول اي شيء شائك نراه اليوم. نحن يجب دائما ان نكون في بداية اللانهائية. ولن نكون مقتنعين ابدا".

دويتش مناصر عنيد لفرضية العوالم المتعددة التي تسعى لتوضيح لماذا ومتى نلاحظ الالكترون، نحن نرى فقط واحدا من بين عدة مسارات تمثلت بوظيفة موجة الالكترون. فرضية العوالم المتعددة ترى بان كل الامكانات المتجسدة بوظيفة الموجة تُدرك في اكوان اخرى. في مقابلة معه عام 2018، قارن دويتش الدليل لواقع بديل بالدليل عن الديناصور. أكوان اخرى هي "واقعية"، لنقبل بذلك.

مؤخرا سُئل دويتش ان كان يعتقد ان أحفادنا ربما قادرين للقفز الى اكوان اخرى ليستمر البحث عن المعرفة. في جوابه، بيّن دويتش ان تفاؤله، مثل ذلك لدى دايسون و بينروز، تضائل بالشكوك العنيفة. القفز الى العوالم ربما ممكن في ظل "سيناريوهات معينة غريبة وعالية التأمل". "لكن أجيال المستقبل ربما تعتقد انها فكاهة صغيرة"، هو أضاف، "بالنسبة لنا علينا ان نتأمل حول الأحداث في المائة بليون سنة القادمة بينما نظرياتنا في الكون الأساسي لاتزال تتغير في غضون عقود.

صحيح ان نبوءات دايسون و بينروز و دويتش تناقض ادّعاءات الكاتب هورغان بأن العلم متناهي. لكنهم جميعا يشتركون بقناعة اننا سوف لن نحل كلياً ألغاز الواقع، وان البحث عن المعرفة ، اكثر من أي مسعى آخر، يجعل وجودنا ذو معنى. كذلك، كلما تقدمنا في العمر، كلما كان الأمل اكبر بان لانهائية العلم تفوق الخوف من ان لا يكون كذلك. في النهاية لدينا ايمان بالتقدم.

 

حاتم حميد محسن

.........................

Can science survive the Death of the universe? Scientific American, June 16, 2021

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ حاتم حميد محسن
ودّاً ودّا

مقال رائع
تحية للكاتب
سيبقى العالم لغزاً
إذا تمكّن الأنسان من حل اللغز سيموت من الضجر
أو يصبح إلهـاً وكلا الحالين في ما بعد بعد المستقبل .
مثل هذه التأملات تجعل العقل والمخيّلة يعملان بطاقتهما القصوى

دمت في أحسن حال استاذنا العزيز

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

اشكرك اخي جمال على التعليق الرائع، لك كل التقدير والامتنان

حاتم حميد محسن
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5411 المصادف: 2021-06-29 02:06:52


Share on Myspace