شهادات ومذكرات

قاسم حسين صالح: المذيع.. بين الآن وايام زمان

قاسم حسين صالحفي سبعينيات القرن الماضي، اعلنت مؤسسة الأذاعة والتفزيون عن حاجتها الى مذيعين ومذيعات، فتقدم اكثر من الف من الجنسين ليواجهوا لجنة اختبار ضمت كلّا من:

محمد سعيد الصحاف، مدير عام الأذاعة والتلفزيون

سعد لبيب، مدير برامج اذاعة صوت العرب من مصر

سعاد الهرمزي، كبير مذيعي اذاعة بغداد

الدكتور مرسل الزيدي، اكاديمية الفنون الجميلة

كنّا ندخل عليهم واحدا بعد الآخر، بيننا من هو خائف، ومن يتظاهر بأنه ليس خائفا.. وجاء دوري فدخلت، وكان امامي كرسي ومنضدة عليها ورقة مقلوبة.. جلست فقال لي الصحاف:

- أمامك ورقة.. اقلبها وأقرأ رأسا

قلبتها وقرأت وغيرت كلمتين فيها، فقال لي الصحاف :

- صوتك جيد وعندك نباهة.. تفضل وانتظر اعلان النتائج.

كان حلمي ان اكون مذيعا مذ كنت طالبا في الأعدادية. يومها كنت اختلي في غرفتي وامسك جريدة مقابل مرآة واقرأ بصوت عال:

- دقت الساعة الثامنة مساء، اليكم نشرة الأخبار من اذاعة بغداد.. واروح اقرأ بعض اخبار الصفحة الأولى.

 

واعلنت النتائج.. وكان الفائزون عشرة فقط من بين الألف، بينهم حارث عبود، عبد الستار االبصري، قاسم المالكي، عبد الواحد محسن، سلام زيدان، محمود السعدي، صباح عارف.. .

لم ندخل الأذاعة رأسا، بل خضعنا لدورة تدريبية استمرت ثلاثة اشهر تلقينا فيها محاضرات وتدريبات متنوعة. ففي فن الألقاء تلقينا محاضرات تدريبية من الفنان بدري حسون فريد.. اذكر انه قال لنا: مشكلة المذيع هو (لعابه)، ولكي تسيطروا عليه.. ليضع كل واح منكم قلم الرصاص بفمه.. هكذا.. ويدفع بنهايتيه الى اقصى ما يمكن ويقرأ بصوت عال.

كانت تجربة ممتعة، ضحكنا فيها على بعضنا وعلى انفسنا من سيلان لعابنا حين بدأنا وكيف سيطرنا عليه، مع تمرين آخر تعلمنا فيه نطق مخارج الحروف، وكيف تداري خطئا وقعت فيه.

وفي قواعد اللغة.. تلقينا محاضرات على يد الأستاذ مالك المطلبي، فيما تلقينا محاضرات في صياغة الخبر الصحفي على يد الصحفي المصري (كرم شلبي). وعنه ما زلت اتذكر نصيحة قالها لي:

اذا ذهبت لمقالبة شخصية معروفة.. اديب، فنان.. فاجئه بما يدهشه.. ووضعت تلك التوصية (ترجيه باذني) واستخدمتها مع الفنان محمد القبنجي، وعفيفة اسكندر. فيوم ذهبت اليها ومعي المصور حسين التكريتي في شقتها بشارع ابي نؤاس وكانت الساعة السابعة عصرا.. قالت لي: لدينا ساعة فقط لأن عندي موعد ساعة ثمانية.. أجبتها: ولا يهمك ست عفيفة.. كلش كافي.

وجاءت الثامنة، والتاسعة، والعاشرة الى قريب منتصف الليل!.والسبب انني رحت لها معبئا، بما حصل لها في احياء حفلة عرس لأبن شيخ في الديوانية، وما حصل لهم من رؤيتهم فتاة شقراء جميله.. دلوعه.. تغني وترقص.. (صحيح شايفين كاوليه بس ما شايفين.. مثل هالخفة والرقص الحلو!)

وفجأتها بما حصل لها يوم زفوها لـ(اسكندر!) وعمرها 12 سنة.. وبكت!، وبقصيدة حب للشاعر الصعلوك حسين مردان التي حصلت عليها منه! وما حصل لها مع الباشا نوري سعيد لحظة دخل عليها الملهى وهي تغني.. وكيف انها كانت صاحبة صالون أدبي يحضره كبار الأدباء والشعراء!.

*

ودخلت استوديو اذاعة بغداد. كانت الساعة السادسة مساءا، وكانت قارئة نشرة الأخبار المذيعة (امل المدرس). ادهشتني لباقتها وسيطرتها، ولأنني ما زلت وقتها احمل قيما عشائرية فانني قلت لنفسي (موعيب عليك تخاف من الميكرفون .. دشوفها اشلون مسيطره وهي مره!). ودفعت لي بورقة بعد ان ختمت النشرة طلبت مني قراءتها وكانت عن فقدان طفل. وفي الفاصل، شاهدت ثقوبا في الأستديو فسألتها عنها فاجابت: هنا قتلو عبد الكريم قاسم!

كان قسم المذيعين يومها يضم روادا واساتذة كبارا من اعمدة اللغة والادب والثقافة (مصطفى جواد مثالا) زادونا علما في اصول اللغة، وحبا للثقافة والأدب.. والصحافة ايضا التي امتهنتها في اشهر مجلتين عراقيين (الأذاعة والتفلزيون) و(ألف باء).

في الحلقة القادمة.. استذكار لأشخاص لا ينسون.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5587 المصادف: 2021-12-22 02:24:37


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5927 المصادف: الاحد 27 - 11 - 2022م