شهادات ومذكرات

محمود محمد علي: نجم الدين أربكان.. ما له وما عليه (1)

محمود محمد علييري بعض الباحثين المؤيدين لفكر جماعة الإخوان المسلمين، أن تركيا شهدت منذ سقوط الخلافة الإسلامية على يد "كمال أتاتورك" في عام 1924م محاولات حثيثة من جانب السلطة الحاكمة لإبعاد الأتراك عن الإسلام وفصلهم عن جذورهم وهويتهم الإسلامية؛ بذريعة اللحاق بركب التقدم الأوربي .

وقد حاول الأتراك بشتى السبل الدفاع عن هويتهم أمام الهجمة الأتاتوركية العلمانية الشرسة ومقاومة الإجراءات التعسفية الهادفة لتغريب الأتراك وإبعادهم قسرًا عن تعاليم الشريعة الإسلامية، فرغم نجاح نظام أتاتورك في إقصاء الإسلام على المستوى الرسمي في الدوائر الحكومية إلا أنه فشل فشلاً ذريعًا في القضاء على العاطفة الإسلامية الجياشة لدى الشعب التركي، وقد تلقّفت بعض الأحزاب السياسية هذه العاطفة الإسلامية واستثمرتها على استحياء في بادئ الأمر ثمّ جهارًا نهارًا في حقبة الخمسينيات والستينيات، حتى إن حزب الشعب الجمهوري - حزب أتاتورك- نفسه اضطر للتخفيف من نبرة هجومه على الإسلام، وظهر ذلك جليًّا في انتخابات 1965م، بل وبدأ يتحلل من ارتباطه بالعلمانية المتشددة..

لكن الجديد الذي حدث في نهاية الستينيات هو ظهور شخصية سياسية تنادي صراحة بعودة الإسلام كدين قادر على قيادة الحياة في تركيا، وكانت هذه الشخصية هي "نجم الدين أربكان"، والذي تمر خلال هذه الأيام الذكرى الحادية عشر على رحيل السياسي التركى ورئيس وزراء أنقرة الأسبق نجم الدين أربكان، إذ توفى في 27 فبراير 2011، هو مهندس وسياسي تركي تولى رئاسة حزب الرفاه ورئاسة وزراء تركيا من الفترة بين 1996 و1997 عرف بتوجهاته الإسلامية، ويصفه البعض بأنه أستاذ وملهم سياسات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

ولد نجم الدين أربكان في 29 أكتوبر لعام 1926م في مدينة "سينوب" على ساحل البحر الأسود، وأنهى دراسته الثانوية سنة 1943م ثم تخرج في كلية الهندسة الميكانيكية بإسطنبول سنة 1948م، وكان الأول على دفعته فاشتغل معيدًا في نفس الكلية ثم أرسلته جامعته في بعثة علمية إلى جامعة "آخن" الألمانية وقد ابتكر عدة ابتكارات وهو يدرس في ألمانيا لتطوير محركات الدبابات.

ثم عاد أربكان إلى تركيا وعمِل أستاذًا بجامعة إسطنبول، كما كان عضوًا بارزًا في حزب العدالة برئاسة سليمان ديميريل، وكذلك لمع اسمه كواحد من رجال الصناعة في تركيا بعدما تولى عددًا من المناصب التجارية والاقتصادية خلال عقد الستينيات من القرن الماضي، ولم يُخْفِ الرجل حينها ميوله الإسلامية -كالعادة المتبعة في هذه الفترة- التي أثارت حوله جدلاً واسعًا من قبل العلمانيين الأتراك الذين بدأوا حينها حربًا إعلامية ضده، مما جعل ديميريل يرفض إدراج اسمه على قوائم الحزب الانتخابية في انتخابات 1969م تأكيدًا على الطابع العلماني لحزب العدالة، بعدما شعر بتنامي قوة المجموعة ذات التوجه الإسلامي داخل حزبه

فكان هذا الموقف من سليمان ديميريل هو بداية التحول في حياة أربكان؛ حيث رشح نفسه كنائب مستقل عن مدينة قونية، التي كانت على امتداد تاريخ تركيا الإسلامي، معقلاً إسلاميًّا، وبالفعل استطاع أربكان تحقيق نصر كبير بفوزه بأغلبية أصوات أبناء المدينة.

لم يكتف أربكان بهذا بل بمجرد دخوله البرلمان استطاع لم شمل النواب الإسلاميين في البرلمان ليقوموا تحت زعامته في عام 1970م بإنشاء حزب جديد باسم "النظام الوطني" يعبّر ولأول مرة منذ إسقاط الخلافة عن ارتباطه الصريح بالإسلام؛ حيث ورد صراحة في بيانه التأسيسي: "أما اليوم فإن أمتنا العظيمة التي هي امتداد لأولئك الفاتحين الذين قهروا الجيوش الصليبية قبل ألف سنة، والذين فتحوا إسطنبول قبل 500 سنة، أولئك الذين قرعوا أبواب فيينا قبل 400 سنة.. وخاضوا حرب الاستقلال قبل خمسين سنة.. هذه الأمة العريقة تحاول اليوم أن تنهض من كبوتها تجدد عهدها وقوتها مع حزبها الأصيل (النظام الوطني) الذي سيعيد لأمتنا مجدها التليد، الأمة التي تملك رصيدًا هائلاً من الأخلاق والفضائل يضاف إلى رصيدها التاريخي، وإلى رصيدها الذي يمثل الحاضر المتمثل في الشباب الواعي المؤمن بقضيته وقضية وطنه" .

وقد لاقى الحزب قبولاً كبيرًا من الشعب التركي، خاصة من التجار الصغار والحرفيين والرجال المتدينين في الأناضول، فتوسع الحزب في مدة قصيرة جدًّا وبدأ يشكل تهديدًا خطيرًا للأحزاب العلمانية.

بالطبع لم يحتمل رجال الحيش طويلاً كما يبعض الباحثين المؤيدين لفكر جماعة الإخوان المسلمين، مثل هذه المستجدات على الساحة التركية فجاءت ضربة الجيش التركي عن طريق القيام بثاني انقلاب عسكري بعد أتاتورك في 12 مارس 1970م، وتم إغلاق حزب النظام الوطني بقرار من المحكمة الدستورية بتهمة دعايته للشريعة الإسلامية بما يخالف الدستور العلماني للدولة التركية!

لم ييأس أربكان وعاد -بعد 17 شهرًا من إغلاق حزب النظام- ليؤسس حزبًا جديدًا باسم "السلامة الوطني" في 11 أكتوبر 1972م، ولكن بزعامة شخص آخر هو رفيقه في حزب النظام الوطني سليمان عارف أمره، إذ كان من الصعب تولية نجم الدين أربكان، خاصة وأن الحزب كان مُقدم على انتخابات عام 1973م، التي نجح الحزب في خوضها تحت زعامة سليمان عارف، ويحصل على 48 مقعدًا بالبرلمان التركي، ثم ليعلن عارف إخلاء موقعه لزعيم حزب السلامة الحقيقي نجم الدين أربكان.

وقد حانت الفرصة عندما احتدم الخلاف بين الحزبين الرئيسين في البرلمان (حزب العدالة والشعب الجمهوري) فاضّطُرا للائتلاف مع حزب السلامة الوطني بزعامة أربكان، الذي استثمر هذه الفرصة ببراعة واستطاع  الحصول على سبع وزارات مهمة -منها الداخلية والعدل والتجارة والصناعة- في الحكومة الائتلافية في عام 1974م، بل وتقلد أربكان منصب نائب رئيس الوزراء في حكومة أجاويد.

وخلال وجوده في حكومة أجاويد، حاول أربكان فرض بعض قناعاته على القرار السياسي التركي، وحاول ضرب بعض من أخطر مراكز النفوذ الداعمة للنهج العلماني، فقدم بعد تشكيل الحكومة بقليل مشروع قرار للبرلمان بتحريم الماسونية في تركيا وإغلاق محافلها، وأسهم في تطوير العلاقات مع العالم العربي ، وأظهر أكثر من موقف مؤيد صراحة للشعب الفلسطيني ومعاد لإسرائيل، ونجح في حجب الثقة عن وزير الخارجية آنذاك خير الدين أركمان بسبب ما اعتبر سياسته المؤيدة لإسرائيل.

ليس هذا فقط بل انطلق أربكان إلي تنفيذ مشروع الرؤية القومية في الصناعة واعتمد علي صناعات كثيفة العدد مثل صناعات الأسمنت وبنجر السكر ودعم الفلاحين والمزارعين بتوفير الأسمدة وكل مستلزمات الإنتاج الزراعي, وقام بإنشاء عدد كبير من مدارس الأئمة والخطباء والتي توازي المعاهد الدينية في مصر إلي جانب كليات الإلهيات والتي تشبه كلية أصول الدين بمصر لكي يجعل العنصر الإسلامي له دور بارز في المجتمع, وأدي عناده مع الجيش إلي وقوع صدام بينه وبين الجيش الذي قرر منعه من ممارسة النشاط السياسي لمدة خمس سنوات.. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..............................

المراجع

1- محمد عبد الرحمن: نجم الدين أربكان.. أستاذ أردوغان الذى فضح سياسته الصهيونية.. اليوم السابع .. الخميس، 27 فبراير 2020 10:00 م

2- نجم الدين أربكان: من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.

3- أشرف سيد: تقرير سياسي تجربة أربكان ومرسي بين النهضة والفشل‏!‏.. الأهرام.. لجمعة 10 من رمضان 1434 هــ 19 يوليو 2013 السنة 137 العدد 46246.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5644 المصادف: 2022-02-17 01:09:15


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5928 المصادف: الاثنين 28 - 11 - 2022م