 نصوص أدبية

ريبر هبون: هل هذا هو الموت حقاً!!

وقت اخترقت رصاصة القناص جبينه، بدت الحياة في نظره شمعة خافتة توشك على الانطفاء إلا قليلاً، طنين ما لبث ان ازداد حدة في أذنيه وتلاشت طاقته مع سقوطه المترجل، حتى لقي حتفه، ومع أنفاسه المتهالكة البطيئة عرف أن الموت يقول له أهلاً وسهلاً بك يا نزيل عالم الفناء، صعق بشيء لم يك في البال إنه مغمض العينين متوقف الأنفاس بارد الجسم، لكنه يسمع ما حوله، ولولات أخته، انقطاع أنفاس أمه المريضة بالسكر، بكاء والده الذي ظل يكرر: لم يكن هذا آوان موتك يا بني، أنا الذي وجب أن يموت قبلك، انهض يا وليد، لم أشبع من حملك وأنت طفل لكثرة أسفاري، كنت أسعى لرزقكم وأهرب من شبح العوز والحاجة للناس من الشام لبيروت من بيروت للأردن من الأردن لليبيا، لقد ولدت في 1991،لكنه بالنسبة لي البارحة، كيف . مضت الأيام ياولدي، وماذا فعل بي موتك.

 وليد الشاب ابن الثلاثين سنة، يسمع ولولات وكلمات وحسرات من حوله جيداً كأنه لم يمت، كأن الموت هنا غشاوة على عيون الأحياء، إلا أنه يسمع جيداً ما يدور ولا ير إنما يحس، فقط لا يستطيع فتح عينيه، لا يستطيع قول حقيقة ما يجري معه وهو في العالم الآخر، إن ذلك يعتبر شكلاً صارخاً من أشكال الألم النفسي أشبه بالكابوس الجاثم الذي يرافقه طنين أذن حاد، لكنه يعجز عن قول ما يجري لأنه في عرف الأحياء ميت، راح يقول في نفسه

!!هل هذا هو الموت حقاً -

أن تسمع ولا تر، أن تشعر ولا يحس بك أحد، وإلى متى سيستمر ذلك، إلى الأبد، لا أعتقد فأنا كغيري الذي يموت لا يعرف شيئاً، فما عرفناه عن الموت وقت كنا أحياء مثير للضحك بل كل تكهنات الأديان وتفسيرات المادية الجدلية هراء في هراء، من عاد من الموت حياً، لا أحد، ربما علي أن أنتظر نفوق جسدي بعد ذلك سيذوب اللحم مع الوقت ويتيبس ويتخشب

ظل من عشاق الفلسفة ورأى في حمل السلاح والدفاع عن أرضه من خطر الجماعات التكفيرية مبدأ أساساً في صون وجوده ووجود قومه وأهله فكان قراره بحمل السلاح قراراً فلسفياً إنسانياً، وليد لم يك يهتم كثيراً بالموت كان يردد ما قاله محمود درويش حين يكون لا أكون، لكنه الآن كائن بحكم الموت يسمع فقط ولا يرى إلا مارآه قبل أن يموت، هو الآن لا يأكل لا يشرب لا يتبول ولا يتغوط، هذه باتت من الماضي الآن، الماضي الذي أخذ معه حاضره ومستقبله، وتوقف عمره كما تتوقف عقارب ساعة الحائط المعطوبة، يسمع بألم بكاء أمه فيتذكر أغنية مارسيل خليفة، عبارة منها وهي الخجل من دموع الأمهات.

: تساءل وليد الميت

إلى متى سأظل أسمع وأحس هل هذا هو الموت حقاً، كم أنا نادم لأني لم أدرس شيئاً عما وراء الطبيعة، ظللت مشغولاً بالفلسفة الإنسانية ومعضلاتها

ترى ماعلاقة ما يحدث بتفسيرات الأديان، تذكر أيام تدينه الأولى قبل أن يتجاوز الثامنة عشر، وصيحات الخطيب في الجامع وهو يتحدث عن أهوال عذاب القبر. ابتسم بشجاعة في نفسه وقال لا أر ذلك أكيداً، فأنا لا تنطبق علي سمات المؤمن حسب تعبير الخطيب ونظرته.

:أراد أن يصيح ويقول:

يا جماعة ياناس أخرجوني من بين يدي أهلي، أخشى أن تموت أمي من البكاء ويختنق أبي من شدة الحرقة التي في قلبه، أين الذي يغسل الموتى هذا ليس أوان الغسل فالشهيد لا يغسل بل يكفّن بثيابه كما قرأ ذلك في قصيدة كان قد

درسها عندما كان في الصف التاسع الإعدادية

خلو الشهيد مكفّناً بثيابه .... خلّوه في السفح الخبير بما به

لا تغمضوا عينيه إن أشعة .... حمراء ما زالت على أهدابه

نعم لم يغمضوا عيني، ربما نسيوا أن يغمضوها،هكذا أحس وليد الشهيد بثرثرة لا تنفك عنه، روحه تتحدث كثيراً، أكمل : متى سيحملونني في التابوت ويرفعونني عالياً، كم أخشى من المراسيم كم أخشى من البكاء، كم ستؤلمني الأناشيد والأغاني. الثورية، وداع الأحياء هذا سيكون الأخير،

أحس وليد بدموع ككريات الحمم تخرج من روحه وليس من عينيه التي نسيوا إغماضها،

 أيعقل أنها آخر مرة لي أسمع فيها جموعاً تتهيب جنازة الشهيد،

يا إلهي يا إله اسبينوزا العاقل السمح الذي لا يكافئ ولا يعاقب

خفف مصاب أمي، اعط صبر أيوب لأبي، دعوهم يحسون بعظمتي أنا الذي مات لأجل البلد وعشق البلد وناس البلد وحدائق، واسطبلات البلد، وشوارع وأزقة

. ومقاصف وحتى مجارير البلد

 اللحظات تمضي ببطء شديد، إنها حفلة التعذيب يعيشها بتفاصيلها والأشد إيلاماً ألا أحد يعرف أنه يسمع ويحس بالحشرجات والأنفاس المواكبة للدموع، ولرائحة دخان أمه التي تشرب السيجارة تلو الأخرى دون توقف، رغم كونها مريضة لكن لا شيء غير التدخين يخفف من اضطرام نار الفاجعة التي تعصفها،  أخواته السبعة اللاتي يبكين ويلطمن ويستغثن، يرددن بأسى ثقيل

!! يا أخي يا أخي

بضع أصوات تتقدم صوبه هيا يارجال لنسارع بحمله وإدخاله التابوت، تهرع والدته وأخواته للحيلولة دون أن يحملوا جثته، لوضعها في التابوت،

لا تأخذوه أرجوكم، أبقوه قليلاً-

. أرجوكم تبدأ مراسيم دفن الشهداء الأربعة وأخيكم بعد ساعتين لابد من حمله نأسف بشدة-

يقومون بحمله وإدخاله للتابوت، ومن ثم يرفعونه فيدخل جمع من الشباب تحته ليحملوه جميعاً ويرددوا الشهيد لا يموت، الشهيد لا يموت،علت الأصوات وخلت الغرفة من الماكثين بغية البكاء والولولة،أحد الهرمين قال لوالد وليد ووالدته

عار عليكما البكاء عليه إنه شهيد، إنه ابننا جميعاً ونفخر به كما نفخر بكل شهداءنا هم رمز كرامتنا وإباءنا

وبدأ الجميع يهتف وهم يخرجون من المنزل فرادى وجماعات الشهيد لا يموت

 لا أحد يعرف ما هو الموت ولم يعد كائن منه ليخبر الأحياء عن ماهيته لكن سحنته مرعبة واسمه مفزع، التوابيت المرفوعة ملفوفة بالعلم يتم قراءة الخطابات فوقها والجموع الباكية والمشيعة تلتف حولها، وليد ورفاقه المستشهدين بالكاد يسمعون بعضهم، لقد بدأوا يقلّون في الحديث، ساد جو من الأنين المنفرد، داخل ذلك التابوت تابوت نبض استقال عن النبض، ودم تجلّط لم يعد يتحرك، بات كمستنقع راكد، الأرواح تهذي تتحدث برشاقة، لأن صمتها لو لبرهة اختناق لا مثيل له، تنتهي المراسيم ويتم التوجه نحو المقبرة، الحفر الشرهة باتنظارهم، فاتحة ذراعيها للامتزاج الرحيم بتلك الجثث التي تتهيب اجتياح جحافل التحلل والتخشب لها، المعاول بيد الشباب الذين انتهوا من الحفر، أنزلوا التوابيت، تساعد الشباب لإنزالها للحفر ببطء، الأنين في كل مكان، الهتاف المدوي من حناجر مجروحة كالقلوب، تبكي أعماراً شابة، عجّلت حتوفها، ينهال التراب على تلك الأكفان البيضاء، أحس وليد بثقل التراب المنهال عليه بكل قسوة،

 هنا نعود للأرض التي جبلنا منها، نعود لأمنا الكبرى-

حزن على بقية الرفاق الذين أنس برفقتهم حتى المقبرة، حيث سيدفن كل منهم في مكان ما، وجهة ما، حيث لا شواغر، لا أماكن كثيرة يمكن للمرء أن يدفن فيها،إلا إذا فتحوا قبراً قديماً ووضعوا فيه وافداً جديداً لبلاد الموت، مقبرة المدينة على الرغم من مساحتها الكبيرة، إلا أنه فعلياً لاتوجد أماكن يمكن للمرء أن يدفن فيها، خاصة منذ بدايات الحرب وكثرة الذين يموتون ويقتلون، أصبح القبر يضم رفات عديدين فوق بعضهم البعض وبهذا صح قول فيلسوف الشعراء أبو العلاء المعري حين قال

خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد

ربَّ لحدٍ قد صار لحداً مراراً ضاحك من تزاحم الأضداد

صاح هذي قبورنا تملأ الثرى .. فأين القبور من عهد عادِ

وليد دفن فوق رفات امرأة،لا تزال تئن عظامها الصفراء المهترئة منهكمة في كتابة قصتها المؤلمة، للعظام ألسنة تجيد الحديث للوافد الجديد، لتقدم له لمحة عن حياة صاحبة الرفات التي كانت هي الأخرى ثرثارة الروح قبل أن يذوب جسدها، وبمجرد أن يذوب اللحم والشحم، تكف تلك الروح ابنة ذلك الجسد ما قبل الموت عن النطق وبذلك تغادر فعلياً مرحلة استقبال عالم الموت منتقلة للمرحلة التالية الأخيرة التي يمكن تسميتها بالعدم والعدم أب لا يموت للموت، الوحيد الذي بوسعه وضع حد لمعاناة الميت حديثاً، تقوم العظام معاً كأنها كورس كامل لتقول لمحة عن الفقيدة المنضمة للعدم

ذبحوها باسم الشرف والذي قتلها عمها المجنون المستل لخنجره الحاد، حينما تزوجت حديثاً حبيبها الذي كان يواعدها سراً

 عند ذلك الجسر القريب من ساقية شبه راكدة مكتظة بأصوات الصراصير،تم نحرها وهي حامل في الشهر الثالث في المطبخ قرب المجلى عندما راحت لتطفئ الفرن.

تحت تلك الرفات عظام رجل عجوز حارب مع العثمانيين ضد الصفويين ومات ودفن على عجل في تلك المنطقة حيث قام أحد القرويين بدفنه مع آخرين في حفرة كانت بئراً راكداً حينذاك، الرجل كان متشدداً دينياً ظل لفترة ينتظر يوم القيامة الذي طال أمد مجيئه، وقد وصل لنتيجة مفادها أن أعضاء المجمع الملائكي نسيوا أمره، مستاء جداً كونه لا يزال ينتظر يوم القيامة لكن طال أمد مجيئه وهو المصلي الذي كان يقطع الليل بالنهار يصلي ويخطب في الناس حتى تجف حنجرته

:تكمل العظام شكوى روح صاحبتها قائلة

 ما انفك هذا الشيخ المستبد الفظ على نعتي روح الفقيدة بأقذر الوصوف وهو ينتظر أنكر ونكير ورقيب وعتيد ولم يحضر أي منهم

جثة مقابلة من قبر وليد لا تزال تتحدث قائلة

 متى يحين ذلك اليوم الذي تقف فيه البشرية بأممها منذ نشأة الكون لغاية الفناء كلها في حضرة الله ليتم فرز الصالح والطالح فالصالح يذهب للجنة والآخر للنار، الجنة أبدية والنار أبدية، لكننا لم نعش للأبد لنكافئ بأحدهما، ولم نقترف آثاماً للأبد كي نرمى لجحيم أبدي، ولم نعمل صالحين للأبد حتى نكافئ بالجنة الأبدية، ثم لماذا في الجنة مراتب وفي النار مراتب، مادام الذي في الجنة لن يذهب للجحيم والذي في الجحيم لن يذهب للجنة بعد ذلك، حين أرى ذلك النظام الكوني الذي أبدعه الله في الأرض والكواكب والبشر والكائنات، أتعجب من تلك الفوضى التي تعم جنته وجحيمه مابعد الحياة، وعن غياب تلك العدالة ما بعد الموت، المسألة برمتها ليست أكثر من سياسة لحلب الفقراء وتوظيفهم إما كعبيد أو محاربين في كتيبة الرب

يعجب وليد جداً بما قاله النزيل الجديد لعالم الموت

سلم فمك أيها الميت للتو، ليتك بقيت على سطح الأرض لكان كلامك ناقوساً يدق في عالم الأحياء الموتى

يسمع وليد زعيقاً شديداً يصدر عن عظام الشيوخ الصفراء في إشارة لغضب ونقمة واضحة من هذا الكلام الخطير

 يصغي وليد من جهة مقابلة صوت خشخشة وهسيس من جثة أخرى يعتقد أن دفنها لم يكن قد مضى عليه زمان كثير وليد كونه النزيل الأخير الموضوع على رفات امرأة موضوعة هي الأخرى على رفات شيخ طاعن بالسن، والشيخ الآخر موضوع على شاب معلم مدرسة توفي قبله منذ عشر سنوات، هو الآخر يأكل كحل عظامه ندماً لأنه لم يخرج للخارج من ذلك الوطن وراح ضحية ذلك البولمان السريع الذي جاء مسرعاً فوق السرفيس ليدهس سطحه كاملاً وليهرس أجساد كل المعلمين الذين تم سوقهم لمسيرة تهتف لحياة الرئيس في ذكرى عيد الجلاء،حدث ذلك في 2001 يوم الأربعاء المشؤوم، أذاع المؤذن أسماء الذين ماتوا في ذلك الحادث على طريق الصوامع،القبور في المقبرة ميت فوق ميت، بجانب ميت، أشبه بتلك الرفوف الكبيرة المكتظة بسجلات التقارير التي راح المخبرون يؤرشفونها في حقبة حكم الشيوعيين لألمانيا الشرقية، طوابق من الجثث فوق بعضها البعض، منها تلك الرفات التي صار لها زمن طويل تنتظر أن يبت المجمّع الملائكي بمصيرها دون جدوى، كأنهم مسجونون عرفياً بانتظار تلك المحكمة الموعودة، وآخرين تجمدوا وتلاشوا واصبحت عظامهم ألين من الرمل والغبار، نسيوا الكلام ونسيوا أنهم ولدوا أصلاً لطيلة المكوث في تلك المراقد الذين يثرثرون ويشكون بتواصل باتوا شيئاً فشيئاً يتحسسون أملاً في أنهم يقتربون من الفناء الحقيقي، هنا كل من تتحلل جثته وتصبح تراباً بالتدريج تحتفل بكل سعادة بمناسبة تخطيها للعذاب الروحي، ابتهجت الجثث التي قاربت على أن تغدو عظاماً أنها ستنتقل أخيراً لمرحلة الصمت الأبدية، وهذا يعني نهاية لمخلفات الحياة فالروح لم تعد تئن لقد انتقلت للعالم السفلي الآخر

كل جثة انسلت منها الروح وغادرتها، كانت تمثل تحرراً أكيداً وتصالحاً مع الفناء والعدم.

تقوم أرواح الموتى التي طال مكوثها بصلوات قاموا باستنباط أسماء لها،صلاة يا مرحباً بالعدمية، على وقع أنشودة حي على الفناء،طلع العدم علينا من ثنايا التحلل،وجب الفرح أن يخرج منا،كما تخرج الروح من عويلها الأول.،هكذا ابتهالات راح وليد يكررها معهم.علّه يغادر كلياً رواسب عالم الأحياء، نعم لقد مات، ولا موت في ظل روح تجتر الماضي.

فجأة عم صمت داكن، صمت دخاني أسود خرج من أدمغة الجثث الحديثة لتمتزج بكحل عظام جثث يعود دفنها لمئات السنين امتزجت ببعضها بعضاً مع تلك الأكفان المهترئة بشدة باتت تفرز مواد دهنية أخذت شكل ألوان مختلطة ببعضها كلوحة تشكيلية، اختلط نقي العظام بلعاب الديدان المتناسلة من جسد متقيح وتوحدت الآدمية السائرة في موكب عظيم وهي منساقة نحو مكبّ الفناء الأبدي. وساد في المقبرة كلها صمت عدمي رهيب بعد نواح دام لسنوات وسنوات.

***

قصة: ريبر هبون

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5678 المصادف: 2022-03-23 01:52:40


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5784 المصادف: الخميس 07 - 07 - 2022م