نصوص أدبية

علي فضيل العربي: الوصيّة

للمرة الألف، ولن أسأم، أقول لك: إن مكانك ليس على قارعة الطريق. ويدك لم يخلقها الله كي تكون في الموضع الأسفل. أنت رجل كرّم الله مقامك. فكيف تمد يدك متوسلا المارة من أجل قطعة نقود، يرميها لك المارة على عجل. كم من مرة هممت بركلك كما يركل الأطفال كرة مطاطية. كم تمنيت أن لا تراك عيني، وأنت محتب في تلك الزاوية النتنة، وروائح البول تزكم أنوف المارة. كنت شبيه كيس قمامة مهمل منذ أيام. تلتهم بنظراتك عيون الراجلين.

أحيانا كانت ترنو لي فكرة مفادها:

ـ إنّك تسيء للوطن والإنسانية جمعاء. لم يهدِ الشهداء أرواحهم من أجل أن تقبع أنت على قارعة الطريق تستجدي غيرك. أنت تجرد الإنسان من ذرات الكرامة والعزة.

آه منك، كلما مررت بذلك الشارع المزدحم، ألفيتك مغروسا في عين المكان كوتد خيمة نسيّه صاحبه لحظة الرحيل. فأشعر بوخزات في كامل جسدي. أكاد أصرخ في وجهك بكل قواي الصوتية:

- انهض يا خنزير، انهض.

ثم أستدير نحو المارة قائلا:

- هذا الإنسان محتال. لا تعطوه (دورو) * واحدا. إنّكم ترمون دنانيركم في بالوعة. أنتم تدقون وتد الفشل أكثر.

لكنني أتراجع عن ذلك. أتعرف لماذا أتراجع عن الصراخ في وجهك القذر، وأوجه المارة؟ لأنّ مشاعر الشفقة تغلبني. وكلما زاد إشفاقي، زاد حقدي عليك. وكلما ارتفع منسوب الحقد، ازداد إشفاقي. تلك معادلة عذبتني، وملأت دلوي حيرة. وجعلتني أرجوحة بينهما.

كان أجدر بك أن تحيا رجلا محترما ككل الرجال. أو على الأقل تحيا حياة امرأة مترجلة. يا لغرابة هذا الزمن. كيف أصبحت الرجولة عملة نادرة؟ كأن تكون فلاحا في مزارعنا القاحلة. أو معلما في مدارسنا المجانية التي تعلم أبناء الشعب الشعر الجاهلي. أو مهندسا في معاملنا المفلسة. ما أكثر الوظائف المفيدة، المنتجة وغير المنتجة. لو امتهنت الرقص في الكباريهات، أو لعبة كرة القدم، لكنت أشهر الناس وأغناهم. هذا زمن الحكمة في الأقدام لا في الرؤوس.

أنصحك قبل أن تفلت مني أعصابي، وتذوي إنسانيتي نحوك. غادر هذا المكان الموبوء. لم يخلقك الله عالة على الناس، وعمودا على حافة الطريق تنخره الأرضة.

-2-

كدت لا أصدق بصري عندما رأيتك آخر مرة تعبر الشارع الرئيسي. ارتجف قلبي، وأحسست بقدميّ قد ابتلعتهما هوّة هوجاء. عقلتني الدهشة. تبعتك، خفت أن تضيع مني، هرولتُ خلفك، لحقتُ بك دون أن أشعرك بوجودي، راقبتك، تفحصت جزئيات جسدك. أدركت أنّك أنت. لا،لا، ليس أنت. هو شبيهك. كان حذاؤك أسود ملمعا بعناية. بدلتك الرمادية من صنع إيطاليّ على ما يبدو. ربطة عنق أرجوانية، وقميص أبيض، وتسريحة شعرك، كلها تنبيء بأنك رجل مهم، ذو مركز وجاه ومال. آه، لولا أنّي أعرفك شكلا ومضمونا، لصدقت عينيّ. لقد كنت في هيئة عريس في ليلة زفافه.

ساءلت نفسي والعجب موج أطلسيّ يغمرني:

- كيف يحدث هذا؟ هل تاب الرجل؟ كيف تحولت كومة القمامة – فجأة – إلى ربوة مزهرة خضراء؟

وتعقبتُ خطواتك، ولم أتعب. بل زادني فضول الاكتشاف نشوة كنشوة الكمين بعد النصر. ها أنا أمارس هواية جديدة لا أتقن أبجدياتها. والسبب، أنت الذي دفعتني إليها مكرها لا بطلا. أنا لست ممن يراقب الناس، كأولئك المقعدين، الفاشلين، التائهين بين المقاهي والأرصفة وأزقة الروائح الكريهة التي تزكم الأنوف. أعرف أنّ من راقب الناس مات هما وكمدا. وأنا لا أريد أن أكون كذلك من أجل كلب، بل خنزير بريّ مثلك.

ثم امتطيتَ سيارة فاخرة، سائقها شابة جميلة عمرها في حدود الثلاثين. وانطلقت بك. فاضطررتُ إلى ركوب سيارة أجرة لألحق بك.

قلت في سري:

- لا تهم الخسارة من أجل حضرتك. المهم معرفة نهاية الخيط.

لم تبارحني هواجس الغيرة والحسد، وأنا أراك تمتطي سيارة بسائقة أنيقة المظهر. كيف يحدث ذلك. هل تنكّر هذا الزمن لذوي القلوب الطيّبة، والنوايا الورديّة؟ وتبسّم لهذه الكومة الملتصقة طول النهار برصيف مشبع بالبول والبصاق.

توقفت بك السيارة الفخمة عند مدخل ملهى فاخر لا يدخله أمثالي. رأيتك تدلفه مختالا، بينما بقيت أنا مشدوها، حائرا بين نارين. أأقطع الخيط بيني وبينك وأضع حدا لهذه المغامرة الطفوليّة المجنونة، وأدع الأمر لصاحب الأمر؟ أم أواصل حتى النهاية؟ هل يعقل أن أدخل الملهى، وأنا الذي ما دخلته قط. أيسمح لي الحارس بالدخول بهذا اللباس غير المكوي والحذاء المغبر. ثم ماذا لو رآني معارفي داخلا أو خارجا من الملهى؟ وبأيّ وجه أقابلهم في الغد؟

أأقول لهم:

- كنت أطارد متسولا محتالا.

- وما حاجتك به؟

- أردت معرفة حقيقته.

- وهل أنت رجل أمن حتى تطارد الناس ليلا؟

- مجرد فضول.

- أنت على حافة الجنون على ما يبدو.

دنوتُ من باب الملهى، ووابل من القلق يغمرني. أيسمح لي ذلك الحارس بالولوج؟ أم يردّني خائب الأمل؟ ولحظتها سأنصرف، وأخمد في فراشي البارد بجانب زوجتي التي لا تكف عن الشخير، كأنّها بقرة هرمة في جوّ قائظ؟ أم أتكئ على حائط موشوم ببول السكارى وقيئهم؟ أم التصق بجذع شجرة إلى بزوغ الفجر؟ حينها ستخرج يا صاحبي وأنت تتمايل من أثر الشرب والرقص وأشياء أخرى.

و قررت أن أواصل مغامرتي معك حتى آخر خيط من ظلام تلك الليلة. كنت أعلم بأنّني سأخسر الكثير بسبب هذه الحماقة والرعونة. لن أفلت من الأسئلة البوليسية لزوجتي وملاحظاتها:

ـ أين كنت؟ ولماذا تأخرت حتى الفجر؟ ومع من كنت؟ ليس من عادتك التأخر إلى هذا الوقت. لا، لا، هذا أمر لن أسكت عنه. وووو

أأخبرها بكل برودة أعصاب، بأنّني كنت أتبعك أيّها المتسوّل. سترد عليّ بدهشة

و سخريّة وغضب:

- تتبع متسولا. أهاه، هل تريد تعلّم حرفة التسوّل ليلا حتى لا يراك أصدقاؤك؟

- لا، لا، ليس هذا هدفي.

- أم فقدت عقلك يا رجل؟

- لا، لا، عقلي مازال في رأسي.

وتشتدّ بيننا المحاورة. ينضب الكلام الزلال، الحلو، وتحل محله الألفاظ الحنظلية. تملأ العمارة صراخا، حتى تينع الشرفات والنوافذ برؤوس قاطنيها.

قال لي الحارس:

- أرني البطاقة والدعوة من فضلك.

و أفرحتني كلمة من (فضلك).

- أما البطاقة، فهاهي، وأمّا الدعوة فلا أملكها.

- آسف.

- لم أكن أعرف بأنّ الدخول إلى ملهى يحتاج إلى دعوة.

- يبدو أنّك جديد على عالمنا.

و قررت أن أكذب كذبة بيضاء في ليلة حالكة.

- لا، لست جديدا، من عادتي الدخول إلى الملاهي دون دعوة.

أدار رأسه يمنة ويسرة وردّد:

- تلك ملاهي غير محترمة إذن. أما هذا فهو ملهى محترم.

ـ3ـ

باءت كل توسلاتي بالفشل. فالحارس الذي أصبح فظا، أمرني بالانصراف أوالابتعاد، وإلاّ استدعى الشرطة. فاخترت المحافظة على سلامة عزّتي وكرامتي. وإلاّ قضيت بقيّة الليلة في مخفر الشرطة بتهمة الاعتداء على مرفق عام.

ومن أجل أن لا أعود خائبا، فارغ الدلو، كمن وقع بين مخالب الأسد هربا من الذئب. رحت أنتظر خروجك من ملهاك على كومة الجمر. نعم، أيها المتسول (المحترم). صرت أنت السيّد، وأنا العبد.

و تثاقلت خطى الليل، كأنّ نجومه قد أرهقتها وعورة الدروب وطولها. أو كأنّها قد كبّلتها الأغلال. كان رأسي يترنّح بين اليقظة والكرى. بينما كنت أنت غارقا في لهوك.

كانت أحيانا تعتريني أفكار ومشاعر:

- ماذا سأربح من ورائك؟ وجع الدماغ لا غير. أخشى أن يبلغ اهتمامي بك درجة الحقد.

و لم الحقد على متسوّل مثلك؟ لا،لا، أنت – في دائرة اهتمامي – لم تعد متسوّلا. بل أنت محتال. خطرك لا يقل درجة عن المرتشين ومختلسي أموال الشعب والناهبين وواضعي أيديهم في جيوب المساكين. ثم، ماذا سيكون ردّك لو عرضت عليك وظيفة ما؟ وقلت لك:

- دعك من التسول يا هذا. اليد العليا خير من اليد السفلى. العمل شرف وصون للوجه.

تمثلتك أمامي، وأنت تردد:

- هذا أيضا عمل. ألا ترى - يا صاحبي – أنّني أشقى طول النهار.

ألا تقولون أيّها النبهاء:

ـ أن عليّ كسب الرزق بعرق الجبين.

وها أنا أتصبب عرقا كل يوم، وفي كل الفصول. كم ستدر عليّ وظيفتك؟ أنا لا أقوى على تحمّل شتائم المدراء وطلباتهم الغريبة. أنا حر. متسوّل وأفتخر. لست ابن أَمة أو قنّ. لي قلب مثلك وضمير. لا أدعي العمل وأنا بطّال مُقَنّع. لا أستغلّ رزق الشعب لأجل مصلحتي الخاصة. لا أتاجر بالشعارات الثوريّة. لا أدعي المثالية.

قل لي بربك:

ـ ماذا تفعلون بأموالنا القارونية؟ متى يرفع الوطن رأسه من وحل التبعية؟

و صرخت في وجهك:

ـ كفى، كفى....

ما خطر على بالي يوما – ولو في الحلم – أنّك متسّول وفيلسوف. من وهبك كل هذه النباهة يا هذا؟ ألم أقل لك بأنّ الرصيف لا يليق بك؟

وبينما أنا أتخبط في أحلامي التي طوّقت رقبتي، لمحتك - فجأة – تخرج من الملهى رفقة تلك الحسناء. قفزت واقفا كأنّ عقربا لدغتني على حين غفلة. اتجهت نحوك. اقتربت منك. كانت آثار السهر بادية عليك.

رمقتني صديقتك المشبعة بروائح الخمر والماكياج والعطور الفاخرة، وقالت:

- أف، من هؤلاء المتسولين. كأن النهار لم يكفهم.

رمت لي قطعة نقود ورددت ثانية:

- هيا، اركب، يا حبيبي، ودعك من جنس المتسولين.

و غادرتما المكان على عجل. وتسمرت أنا في مكاني أجتر حيرتي. كنت – وأنا عائد إلى البيت – كجنديّ فرّ من معركة حاسمة قبل بدايتها. كانت مرارة الهزيمة لا تُطاق. أجرّ قدميّ، وفي حلقي غصص، كأنّ شوك الحمير ألقى بأنيابه فيه.

أقسمت بأغلظ الأيمان، بأنّني سأركلك هذه المرة أمام الملأ. لن أرحمك، سأفضحك، إن وجدتك في ذلك المكان. سأخبرهم بحقيقتك:

- هذا المخلوق محتال، لا تعطوه. اركلوه. ابصقوا في وجهه وكفيه.

(تمت)

***

بقلم الناقد والروائي: علي فضيل العربي – الجزائر

......................

* دورو: أصل هذه العملة النقدية من الإسبانية، متداولة في عموم المغرب العربي الكبير. مقدارها خمسة (سنتيمات). duro