نصوص أدبية

محمد الدرقاوي: طحن الزعفران..

كنا ست كاتبات في قاعة، تابعات لشركة مختصة بطباعة ونشر وتوزيع الكتب، المسؤولة عنا أو الرئيسة مفتاحة ـ الامبراطورة ـ كما نسميها أمرأة في الأربعين من عمرها، طويلة القامة بسمنة متوسطة، قمحية اللون، جمال به تياهة في غرور، يشهد لها بماض من تيه ودلال، تحرك به الرؤوس بالتفات، وقدرة على الاقناع والتوسط بين الشركة والمتعاملين معها من الكبار كما يشهد لها حاضرباتقان تنويمات من عينين قلما يقاومهما كل ذي مال ونفوذ يزور الشركة..

كانت مفتاحة تستهويني بشكلها وأناقتها وطريقة لبسها حتى أني كثيرا ما كنت اقصد أسواق الخردة للبحث عن فساتين مثل ماتقتنيه نفتاحة من المولات الكبيرة. أو يأتيها هدية من المعجبين.

دون سابق انذار غابت مفتاحة، فلاهي ترد على هاتف، ولا أحد منا استطاع أن ينبش لها عن وجهة اختفاء، حتى بيتها انسدت أبوابه بلا رجع لصدى الجرس الذي يظل يلعلع بلا جواب.. الإدارة نفسها حين تم الاستفسارعن رئيستنا كان ردها مسكتا قاطعا :

ـ كل منكن تهتم بعملها ولا شأن لكن بمفتاحة..

كنا نتسقط أخبار مفتاحة كمن يبحث عن ابرة بين القش فلا واحدة منا بلغها سر اختفائها..

بعد شهرين صار كرسي مفتاحة الشاغر تحتله آنسة لا تتجاوز الثلاثين، بيضاء اللون اقصر قليلا من مفتاحة، عينان واسعتان بهما يتغزل كحل، وحمرة خدين تثير بانتباه.. مع أناقة فاقت الامبراطورة ؛أول كلماتها معنا قالت:

"سعيدة أن أكون مديرة عليكم، اسمي هند، خريجة المعهد العالي الكندي في التسيير والإدارة..

بصراحة جميعا أحسسنا بغيرة من شجاعة وقوة شخصية الوافدة الجديدة، سحر بسمتها مع دقة انتباه وطلاقة لسان، لكن أن تحرز انثى بفتنتها شهادة عليا من كندا في التسيير والإدارة ثم تعود لتشتغل مجرد رئيسة مكتب في دار للنشر فهذا منتهى العبث وتضييق الخناق على الحاصلات على شواهد من مدارس محلية...

رئيستنا الجديدة لم تكن من المداومات عن العمل فهي قلما تحضر وتملأ كرسيها الذي يظل فارغا، وكثيرا ما صار مدير الدار نفسه هو من يقوم بأعمالها، يتابع ما نشتغل عليه برقابة ثم يتسلم ما يتم تصميمه و رقنه وترتيبه،  وما صار يتسلمه قليل يكاد لا يحرك دواليب المطبعة، وقد تقاعس الجميع أن ينوب عن المديرة خصوصا بعد ان علمنا أن راتبها هو اكبر من راتب مدير الدارنفسه..

ذات مساء تم استدعاؤنا الى مكتب المدير لاخبارنا أن الدارقد تم بيعها.. جميعا فاجأنا الخبر !!.. كيف تم البيع في صمت وكتمان بلا اعلان سابق، وشركتنا أشهر من نارعلى علم، بل هي من أقدم دور النشر في موقع من المدينة أصيل بتاريخه العريق؟.. كان موقفنا متباينا بين من صرخت باحتجاج، وبين من تأثرت بصمت وانزعاج.. وزع علينا المدير أظرفة، كل ظرف به مبلغ من المال حسب قرب الكاتبة أو بعدها من المدير، ثم أعلن بلا حق ولا حياء او خوف من قانون، ألا واحدة منا مسجلة لدى صندوق الضمان الاجتماعي لهذا لا حق لنا في تعويض عن التسريح الجماعي او في تقاعد نسبي وبيننا من اشتغلت ازيد من عشر سنوات ..

كنت أصغر البنات وآخر من التحقت بالشركة، تفاجأت وأنا افتح الظرف بقصاصة ورقية مكتوب عليها: المبلغ الذي في الظرف لايجب ان يعرفه غيرك وكل فضح من قبلك سيعرضك للحرمان.. تطلعت الى المدير الذي وجدته يتملاني بنظرة تنبيه فانكتمت، وأظهرت لزميلاتي ان المبلغ مجرد دريهمات لا يسد ثمن عشاء..

عرفنا أن الدار ستتحول الى فندق سياحي كبير، معناه أن العلم صار يندحر أمام السياحة، وأن العقل قد رضخ طيعا يبايع الجسد مستسلما..

فجأة ظهرت الامبراطورة مفتاحة التي باعتنا بتعويض سمين تسلمته قبل ثلاثة اشهر من تصفية الشركة وعلي يديها تمت صفقة البيع في مقايضة هي صداقها بالملايين وقصر تسكنه في احدى دول الخليج..

لم تكن هند الا المديرة المسؤولة عن تسيير وإدارة شؤون العاملين في الفندق ولم يكن وجودها معنا في منصب مستعار الا اختبارا لنا لمن تصلح لمستقبل المشروع وحيث ان الفشل هو ما كان في ركابنا لان الفندق سيكون في حاجة لمن تتقن اللغات ولها جسد مشحون جنسيا يتفنن في إبراز مواطن جمالها، بمعنى تلونات صوتية وجسدية تهيئها لتسيير أوكار خاصة بمهارة واتقان وتكتم يقي الفندق حملات مباغتة من قبل السلطة ورقابتها.

خمس سنوات استغرقها بناء الفندق ذي الستة عشر طابقا الذي بمحتوياته من غرف وأثاث وتجهيزات وملحقات، وحدائق معلقة ومطاعم ومسابح ومراقص وأجنحة خاصة أبهر الزوار باندهاش لزخرفته وطريقة تصميمه وصارحديث الصحافة المحلية والدولية من كل التوجهات والانتماءات.

من الشهر الأول لبداية بناء الفندق تفاجأت برسالة من إحدى مدارس تعليم اللغات تعلن قبولي لفترة تكوينية مدتها ثلاثة اشهرلتعلم اللغة الإنجليزية..حركتني المفاجأة باستغراب وتساؤل ملحاح:

من ناب عني في تقديم الطلب؟ ربما داعبتني رغبة عابرة لاتعلم الإنجليزية، لكني لا أملك الإمكانات المادية التي تدفعني لذلك.. وتذكرت أن الاقتراح كان قد جاءني من هند في صدفة لقاء معها بإحدى الحمامات التقليدية بالمدينة العتيقة..

"أنت جميلة صباح وجسدك صنم فتنة، طاغ باندهاش، حبذا لو تتعلمين اللغات وتفكرين بالاشتغال في السياحة.. قالتها بنوع من الانبهار والانسياق وكأن بيني وبينها ألفة وصداقة..

نسيت الأمر، فما يملأ عقلي عن السياحة وأهلها يجعلني حطب جهنم لأني ابنة عائلة متدينة كان والدي يرحمه الله يمنعني حتى من التعلم في مدرسة مختلطة، ثم ظروفي المادية التي لا تسمح لي بتحقيق رغبتها رغم أني اعرف مردودية الأنجليزية على مستقبلي ولو في مهن غيرالسياحة. حتى المبلغ الذي تسلمته كتعويض عن ترك عملي السابق احتفظت به لعلاج أمراض والدتي وأدويتها..

فجأة يرن هاتفي ويأتيني صوت هند مهنئا وطالبة مني زيارتها حسب خريطة الموقع التي أرسلتها على الواتساب..

بيت هند عبارة عن "دويرة" صغيرة على بعد خطوات من موقع الفندق في المدينة العتيقة، تزخر بطابعها التقليدي الأصيل من زخارف وفسيفساء،  اثاثها من بهجة وخريب وسجاد رباطي سحر وذوق وفتنة عيون، إضافة الى غرفة للاكل من خشب العرعار المنقوش والمتقن الصنع، لوحات زيتية لاشهر الرسامين تزين الجدران في تناسق بديع،  وشمعدانات ذهبية وفضية فاقت الاتقان والجمال..

الحديث مع هند في بيتها هو غير الحديث معها حين كانت رئيسة مكتبنا في الشركة ؛ اطلاع واسع بالعالم وتاريخ الوطن وحركته الاقتصادية والاجتماعية، وركضه ليتبوأ ما هو اهل له وبه جدير في ربط ماضيه بحاضره واقتحامه للعالم الحديث من أبوابه الواسعة..كان ترحيبها بي بعيدا عن المجاملات وكأنها صديقة مقربة، حفاوة واهتمام.

حاولت أن تتعرف على كل ظروفي المادية والمنزلية دون ان تنسى السؤال عن المبلغ المادي الذي قدمه لي مدير الشركة:

ـ "كنت حريصة على ان أميزك عنهن لاني كنت معجبة بذكائك قدر اعجابي بجمالك ، قدك المياس وخفة روحك خصوصا بعد أن علمت أنك يتيمة وتتحملين أعباء أمك المريضة "..

توثقت علاقتي بهند، وقد خصصت لي راتبا شهريا مناسبا كضمان لاشتغالي في الفندق بمجرد افتتاحه ، وصرنا قلما نفترق حتى حين اشتد المرض على والدتي أصرت على ان يتم علاج أمي في عيادة خاصة في ملكية شركة أجنبية وعلى حسابها.

خلال سنة كنت أتقن الحديث بلغتين الإنجليزية والألمانية اتقاني للفرنسية التي هي كلغة الام، وتوطدت علاقاتي بهند أكثر، تعلمت أشياء ما كنت أعرفها تتعلق باختيارات ألبستي والوانها وماكياجي وكيف أتقن وضعه وبالعلاقات بين الناس وطريقة الحديث معهم حسب انتماءاتهم وجنسياتهم،  بل صرت وهند كل منا قد يتحدث بلسان الأخرى باطمئنان وراحة نفس.

كثيرا ما تهافت أكثر من شاب من ذوي الأصول والمهن او الوظائف الكبيرة على خطبتي لكن صوت هند كان خلفي منبها يأتيني بتذكير وتحذير:

ـ في صدرك يسكن وسواس ـ صباح ـ هو صوت أمك الذي تربى بدوره على سوق الغزل من التقاليد والعادات، وسواسك هوالخوف من العنوسة، الرعب من أن يصبح اسمك "بايرة" ! كيف تبور أنثى بجمالك وقدك وثقافتك وخبرتك التي صارت قوتك و سر وجودك ونفاذ كلمتك بين غيرك؟.. ماذا تعرفين عن الرجال ومكر الرجال، وحربائية الرجال للسيطرة على المرأة لتظل بين يديهم مطوية برغباتهم؟.. ألا ترين أن الوقوع في قبضة رجل أشبه بالوقوع بين أسنان منشار قد يرمي المرأة في كارثة لن تخرج منها الا مهدمة؟.. حبيبتي صباح عليك أن تعي اولوياتك كأنثى يلزم أن تعيش قوية برغبتها لا برغبة غيرها..

كنت أمام عقلها وأفكارها وخبرتها واثقة من أقوالها، ألبس عزيمة القرار على ان الزواج لابد أن يأتي يوما لكن بعد أن أكون قادرة على السيطرة والتحكم الذي يلغي كل تحكم غيره من قبل رجل يكون همه الغاء شخصيتي في حضوره..فأنا مع هند قد صرت أنثى تطمح وتريد، لكن حين أجالس أمي فيلزمني أن أسد أذني عن تقريعاتها، غضبها وكلمات التحذير التي تهددني بها، فانا صرت لديها غير صباح التي ولدتها وربتها..

استدعتني هند لحضور حفلة عشاء في بيتها على شرف أحد الوجوه المالية والتجارية من دولة أجنبية، وقد اقترح الضيف أن يكون العشاء في بيت هند لما يتميز به من أصالة وعراقة تاريخية.. أسرت الي هند أن أوظف مع الضيف كل أسلحتي الانثوية مما تعلمته، فهو قريب من انشاء ملهى ليلي على أحد الأنهار المغربية فعسى أن يكون لي منه نصيب كما سيكتب لها في اسمها نصيب..

كان العشاء متنوع الأطعمة اختارته هند بعناية من خبرتها الفائقة كما كان لحظات من متعة حديث عن الثقافة المغربية المتميزة والتي تجاوزت محليتها وما تشربته من الحضارة الاندلسية ونقله الرحالة المغاربة من آفاق عالمية ففاقت ماضيها وكونت طيرازها الخاص بها والذي صارت تحتل به المراكز الأولى عالميا..

لم تخل جلسة عشائنا من موسيقى حالمة من خزانة هند الموسيقية التي تتنوع ألوانها وأجناسها وأصواتها..

اصر الضيف ونحن نشرب الشاي بعد العشاء ان ترقص له هند على أنغام عيطة مغربية، فحاولت الاعتذار قائلة:

ـ تعلمت من كل فن طرف الا الرقص فقد خذلني واستعصى علي باستجابة..

لكن أمام الحاح الضيف دارت هند ثلاث دورات أظهرت فيهما أنها "معلمة" بارعة براعتها في اتقان كل شيء، ثم شدتني من يدي وادخلتني حلبتها لأشاركها الرقصة..

قد أكذب أو ادعي ان قلت ما ذا وقع؟ فما أن أثنيت ركبتي،  ورفعت وركي الأيمن الي أعلي وأردت تحريك الأيسر حتى أحسست بدوار، غامت المرئيات حولي وما عدت أعي نفسي أو أتبين المكان الذي أوجد به.

لم اصح الا والساعة قد تجاوزت منتصف النهار، وجدت نفسي عارية كما ولدتني أمي، أحس وجعا في حوضي ومخرجي وألما على حلمتي وأثر من دماء في إزار كان مرميا بجانبي..

استغرقني الذهول قبل أن أنفجر بالبكاء وأصيح منادية هند التي أقبلت وكأن ما وقع لايعدو حدثا طبيعيا لم أفقد فيه عذريتي وعفة جسدي بل تجاوز ماقد تصيره عاهرة بخبرة ماض في الدعارة وقلة الحياء:

ـ ماذا وقع؟ أنا من شجعت ضيفنا على أن يستمتع بك كما يريد، التفتي الى الخزانة التي بجانبك هل قرات قيمة الشيك الذي تركه لك؟.. ثروة لم تكوني لتحلمي بها، ماقيمة البكارة والشرف أمام رصيد مالي يفتح طريق حياتك؟..

تضاعف بكائي، وصار صدري منفاخا يدق الطبول، تذكرت أمي وتحذيراتها، كيف أواجهها؟ وهل أجرؤ على البوح بما وقع؟

ـ حرام عليك هند، وثقت بك الى أبعد الحدود فسحقتني كتراب القبور..

شدتني هند من يدي فتحاملت على الوقوف، كنت أجد صعوبة في تحريك قدمي، فكل جزء من أعضائي السفلية يتفزرألما.. ضمتني هند اليها، قبلاتها على خدي وجيدي ومسحها على شعري يخفف قليلا من العنف الذي مورس علي وأنا لا ادري. هل كنت ميتة بلا إحساس ولا شعور أو قدرة على الانتباه؟ كيف وقع ما وقع؟ وهل الفاعل فرد أو جماعة؟ وهل من فعل هذا بي يدخل ضمن زمرة الانسان؟ أم هي غريزة الحيوانية حين يغيب عنها العقل والتفكير؟

وبدأت أقنع نفسي أن ما وقع قد كنت السبب فيه واتحمل نتائجه فلايمكن رتق ما اخترق وقد حدث ما حدث..

في الحمام وتحت ماء حار نسبيا حاولت هند ان تفرك جسمي بتوأدة كأنها تزيل ماعلق به من أثر دم وكأني خرجت من حرب كنت فيها مهزومة بلا إرادة، كانت تقبلني بين كل لمسة ولمسة من أنامل ماهرة تعرف ماتريد، فتعيد الي لمساتها حنان أمي وأنا صغيرة..

قالت: وحق صداقتنا أني لم انتبه للحبات التي وضعها الضيف في كأسك الا حين قلقت لغيبوبتك ورغم هذا فقد أدى الثمن بما يرضيك..

أخيرا صبت علي قنينة عطر،  أشعلت النيران في جسدي وكاني قد تمرغت في كومة من سحيق الزجاج ، أو أن ذئابا نهشتني من قمة رأسي الى أخمص القدم ، ثم لفتني في فستان قطني خاص بالحمام وعانقتني وهي تساعدني للوصول الى غرفة نوم قريبة من تلك التي كنت فيها..

ـ انسي ـ صباح ـ انسي، كيف ترتدي أنثى قداسة الدهور وجسمها إعصار فتنة يفل الحديد..أنا نفسي كنت مع ضيفنا أغيب في جسدك..

قلت وقد فاجأني تصريحها:

معناه كنت له شريكة في مجزرته !!..

وهل كنت أحتمل صبرا وجسدك يغري بطحن الزعفران؟..

كانت كلماتها مشحونة بمعاني أثقل من ذاتي وأبعد من  معارفي وتاريخ حياتي كأنها مطارق تهدم كل موروث يسكنني وعليه تربيت..

بادرتني بعصير ليمون وحبة مهدئ ما أن بلعتها و تمددت على السرير حتى سرت في ذاتي سكينة، ثم غبت في غفوة قصيرة نهضت على إثرها تحركني انتعاشة وهند تلعق جسدي وتمسحني بالقبل:

ـ انهضي مائدة شهية تترقبك، فالجوع يغرغر في أمعائك.. نهضت و قد باغتتني الجدران من حولي تصدمني: 

هل أنا في يقظة أم في حلم؟، أم أن جروحي تحولت كوابيس مخيفة لما صرته وما استطاعت أن تخفيه عني وتمارسه على بإتقان وسطوة ناعمة تفوق الدقة والمهارة و الخيال من وثقت بها، هند التي اتخذتها صديقة حميمة والتي لم يكن مظهرها يدل على حقيقتها..

لم أكن وحدي من تملا الجدران صورها في عري سافر وأوضاع أخجل من ذكرها فأحرى أن تجرؤ عيوني على النظر اليها، صور لا أدري متى تم التقاطها، وتشكيل مشاهدها، وتكبير أحجامها، بل كانت هند معي بكل حريتها المطلقة وشجاعتها وفراغ نفسها من عقد أو مبادئ قد تقيدها تشاركني الأوضاع باسمها الحقيقي" أرنونا "وعلى رأسها بيئاة (باروكة يهودية )

***

محمد الدرقاوي ـ المغرب

في نصوص اليوم