نصوص أدبية

آسيا رحاحلية: خبرٌ عاجل

مسندا كتفه إلى باب الصالون، وقف هشام ينظر إلي والدته، وفي رأسه سؤال واحد.. كيف ستتلقّى الخبر؟

 لم تنتبه له فقد كانت تجلس قبالة التلفزيون تتابع برنامجا على قناة وطنية، بينما أناملها تتحرّك ببطء وتغزل قبعة لابنها فريد. ما تزال تراه صغيرا رغم أنّه يستعد هذه السنة لامتحان البكالوريا. وكان والد هشام، الحاج إبراهيم، مستلقيا على الكنبة التي تحت النافذة، مديرا وجهه إلى الجدار. كان يرتدي قميصا أبيض بأكمام طويلة ويحمل في يده سبحة. منذ ترك العمل في المحل صار يرتدي القميص بعد العصر ويحمل السبحة ويجلس في مكان واحد في الصالون ولا يخرج. لم يعد يعطي الأوامر مثل السابق لكنه يعلّق على كل واردة وشاردة في البيت.

 ودون أن يستدير نحو زوجته تمتم قائلا " تجهدين نفسك في الغزل وأنت مريضة. ثم إن الشتاء ولّى. "

" ألن يعود الشتاء؟ " أجابته مبتسمة.                

ماذا لو أخبرهما إني لن أكون هنا حين يعود الشتاء؟ بل لن أكون هنا غدا تحديدا؟ هكذا فكر هشام لكنه لم يقل شيئا.

سيؤلمهما الأمر جدا. ما أقسى أن تكون سببا في عذاب شخص تحبه وتعرف بأنه يحبك فوق حبك له !

صحيح لا يمكن لوالدة هشام أن تعرف ما بداخل رأس ابنها لكن هو يعرف ما بداخل رأسها.

 إنّه يراه كأنه صفحة في كتاب مفتوح أمامه: شقة بالطابق الأول ، ثلاث غرف ومطبخ وحمام/ الطابق الثاني سوف يكون من نصيب فريد. قد تسمح له يوما بالعيش في بيت مستقل أما هشام لا. مستحيل ! هو البكر ولابد أن يكون تحت عينيها.دائما.

انه المرشح لاستلام عرش والده.

و في رأس أم هشام أيضا زوجة شابة جميلة ممتلئة تجيد أعمال البيت وكل أصناف الطبخ، ها هي في شهرها السادس من الحمل، تحتضن الولد الثاني، بينما الأول، عبد الله / يحمل اسم جده لوالدته / يركض في البيت ويطارد القطة. طبعا كان لابد أن ينجبا الكثير من الأبناء ويحققا حلمها: " أن أنهي أيامي وسط قبيلة من الأحفاد."

لا احد يدري بأنّ أكبر أحلام هشام ينتظره هناك، في الضفة الأخرى من البحر.

فقد قرر وخطط وانتهى الأمر.

منذ أيام قصد القائد المسئول عن الرحلة ودفع له المبلغ كاملا. مبلغ باهظ. كان هشام لثلاث سنوات يحتال على أبيه ويخفي المال في درج خزانة في غرفته. كان والده يمر بالمحل مرة في الأسبوع، في المساء، ويأخذ حصة المال معتقدا أنّها كاملة. لم يكن يحاسبه لكن لم يكن يترك له فلسا واحدا.عندما تخرج هشام ويئست من العثور على عمل اقترحت والدته على أبيه أن يركن للراحة ويترك له محل بيع التوابل الذي ورثه عن جده وجده عن أبيه. كان محلا كبيرا ومشهورا حتى لدى سكان المدن المجاورة. ووافق الحاج إبراهيم بشرط واحد : الدخل الوفير. ولكن كانت هناك مشكلة. من يستطيع أن يتصور شابا مثل هشام، يصفف شعره على الموضة، ويلبس الجينز الضيق ويدخّن المارلبورو. شاب ثلاثيني وسيم يجلس في محل ويبيع التوابل والفلافل المجففة !؟ إن المهن لها أصحابها ولا يمكن طبعا أن نتخيل مثلا جزارا يعمل صيدليا أو جراح مخ وأعصاب يشتغل بالفلاحة. إذا لابد من تغيير نشاط المحل. سوف يكون محلا لبيع العطور وأدوات التجميل والهدايا.

و في يومين اثنين تغيّر كل شيء في المحل. تبخّرت روائح الكمّون والزعتر والنعناع وعبق المكان بعطر منعش. كان هشام موهوبا في بيع الوهم للعشاق وجمّع من كفّ الحب مالا وفيرا خمّن أنّه سوف يحمله في عرض البحر، إلى حتفه أو إلى جنّته.

تماما كما يفعل الحب.

 بينما خمّنت والدته أنه سيكدّ بالعمل في المحل وستزوجه من فتاة تختارها له وسينجبان عددا كبيرا من الأطفال.

عندما انتبهت لحضوره، دعته إلى الجلوس بقربها.كان والده قد سحب الوسادة من تحت رأسه ووضعها ة فوق وجهه وغط في النوم. قبل هشام يدها فابتسمت بحنان وسألته عن يومه. كل شيء بخير قال. في تلك اللحظة كان الخبر العاجل يمر على شريط أسفل الشاشة ( انتشال خمس جثث لـ"حرّاقة" من السواحل في ظرف 10 أيام).

و لكي يشتّت انتباه والدته راح هشام يشاغبها بأن ينقض غزلها فتضربه على يده ضربا خفيفا وتكيل له الدعاء.لو انتبهت للخبر على الشاشة لشحب لونها وتنهدت وقالت، كما تقول دائما (حسبي الله ونعم الوكيل . يتركون الجنة ويرمون بأنفسهم في النار..قلبي على ولدي انفطر وقلب ولدي عليّ حجر).

 كان هشام يبدو هادئا بينما بداخله ثيران تتصارع .أمواج عاتية تعلو وتنزل. قلق أسود يصفّق نوافذ تفكيره.

 لمَ لا تخبرها بالأمر وترتاح؟ هل سترتاح؟ يا لك من جبان. يجب أن تعترف بذلك.

 شجاعتك التي ستأخذ يدك وتعبر بك البحر تقف عاجزة أمام نظرتها !

دموع أمي أخطر من البحر. ذلك ما قاله له سليم حين تحدث إليه عبر السكايب منذ أيام .هو من أشار عليه بالفكرة. قال له " لا تخبر أحدا وخاصة والدتك. افعل مثلي، فقط حين وصلت إلى هنا، وأصبحت في قلب إيطاليا اتصلت بها وطمأنتها".

أخبره أنّ أمه بكت كثيرا/ في الحقيقة لم يقل كثيرا، قال بحرا/، ثم تقبّلت الأمر واليوم علاقتهما عادية.

الأم تغفر دائما.

 أمي بكت بحراً ! وتساءل هشام كيف سيكون شكل أمه لو أنها تبكي بحرا؟ وجهها الطيب؟ عيناها الطافحتان بالحب؟ جبينها المزروع بالأمل؟ يا الله.. أيّ ألم سوف تقاسيه ؟ أيّ عذاب سوف يسبّبه لها رحيله؟

"الحرب لا تدور في أرض المعركة بل في قلوب الأمهات". قالت والدة جندي لوالدة آخر في أحد الأفلام.

ترى كيف ستتلقّى الخبر؟ ليس هذا هو السؤال المهم يا ذكي. الأهم هو هل ستصل مثلما وصل سليم وأحمد وعقبة وغيرهم؟ هل ستنجو ؟

أخفض هشام رأسه واحتضنه بين يديه، بقوة، كأنّما خشي أن تفتحه نظرة منها فينكشف السّر. سر الكذبة المتقنة بأنه سينهض باكرا في الغد ويقصد سوق الجملة لكي يبتاع السلعة للمحل، بينما في الحقيقة سيتجه مباشرة إلى شاطئ زموري حيث ستحمله الأمواج إلى الحياة الرغيدة والحرية والسعادة وفي الحقيقة لم يكن هشام بحاجة لحرية اكبر أو بحاجة للمال . لم يكن بائسا ومسكينا لدرجة التفكير في الحرقة والهرب إلى ما وراء البحر.كان شابا ميسور الحال ليس لديه مشاكل. ما الذي إذا حفر فكرة الحرقة في رأسه؟ إنّه جنون المغامرة. هذا كل ما في الأمر. إنه الملل والاعتقاد بأن العشب أشد خضرة على الجهة الأخرى من السهل. أيام نهايات الأسبوع، كان يحضر للمحل رجل في الستينيات تقريبا. غريب الأطوار. كان من أولائك البشر المولعين بقراءة الكتب. ربما كان فيلسوفا. كان دائما يقتني نفس نوع العطر النسائي. يأخذ القارورة ويخرج مسرعا لكن عندما يكون في مزاج جيد، كان يجلس مع هشام بعض الوقت ويتحدثان. مرة، قال وهو ينظر في سقف المحل:

- يا هشام يا ابني إن الرجل كائن مغامر. وإنّ ما يجعل للحياة معنى هو المغامرة فقط. لا غير.

و لاحظ أن هشام مط شفتيه مبديا استغرابا أو ربما عدم استيعاب فقال:

- إن الرجل منّا يجب أن يعثر على امرأة تنسيه جنون المغامرة. إذا لم تكن هناك حبيبة/ حلم، فإنّ الرجل منّا يظلّ يلهث خلف أمر ما ولا يتوقّف.

و لكن لم تكن لهشام حبيبة ولم يشعر يوما بعاطفة قوية تجاه أية فتاة أو امرأة. وكان كل تفكيره محصورا هناك خلف البحر حيث الحياة الرغيدة وحيث أصدقاؤه الذين سبقوه إليها.

بات هشام ليلته يحلم بالجنة الموعودة، وقام قبيل الفجر وخرج مسرعا دون أن ينظر خلفه .

 في المساء، كان مشهد الأمس نفسه يؤثث غرفة الصالون لولا أنّ في الجو إنذار بكارثة. الوالدة تغزل القبعة وتلقي من حين لآخر نظرة على شاشة التلفزيون، وتنتظر أن يدخل هشام قادما من السوق لكي تستطيع بعدها أن تدخل غرفتها لتنام. الحاج إبراهيم سحب الوسادة من تحت رقبته ووضعها على وجهه وغط في النوم بينما فريد كان يدير معركة مع تمرين في الرياضيات استعدادا للامتحان.كان كل يسبح في فلكه ولا أحد انتبه للخبر العاجل على الشريط الأحمر أسفل شاشة التلفزيون (العثور على جثة شاب ثلاثيني " حراق" وفقدان ستة آخرين بشاطئ زموري بولاية بومرداس).

***

آسيا رحاحلية - قاصة جزائرية

في نصوص اليوم