نصوص أدبية

محمد درقاوي: مساكن الموتى

أركنت سيارتي في ساحة اسفل المقبرة ثم شرعت أتملى الأرض أمامي .

امتداد تصاعدي بممرات متعددة كان فضل تخطيطها للدواب التي تقطعها، كما لسكانها الذين أحدثوا عشوائيات خارج نطاق الحياة واليها قد لجأوا..

يتسلق الزوار الوافدون لتجديد صلة الرحم بموتاهم .تلك الممرات لاهثين بين مساكن الموتى أو واطئين قبورهم والحذر يقمطهم من أن ينبعث من بين المقابر متشرد عدواني أو لص يشهر سلاحا أو مجنون قد يرمي بحجر ..

كلمات تتقافز فوق رؤوس اللاهثين من مقابر صار بعضها إقامة دائمة لمن يتحكمون في الرموس المملوكة للاقوياء من المشردين ومن تقادموا فحولوها إقامات للاغتصاب ..

أشباح لها مسبباتها وأهدافها فضلت أن تضايق الموتى بما فاق الوجود البشري من نتانة وقاذورات وما خفي أعظم ..

بلغت قبر والدي بعد جهد وكأني قد تسلقت جبلا بلاعدة، بللت حلقي بقطرة ماء بعد أن جلست على حافة القبر ..شرعت ألتفت حولي خوفا من أن يداهمني مكروه مفاجئ ..

خشخشة بين الأعشاب أثارتني بتحذير، حيات صغيرة سوداء تزحف بين النباتات العشوائية، قفزت من مكاني والذعر يتلبسني، اذا ظهر الصغار فمعناه ان الكبار في تربص وتحين وشيك !!..

أحد المقابر يتحرك الطوب من بين أعشابها ..ابتعدت وانا أولي وجهي الى المنحدر افكر في العودة من حيث أتيت ..

أنثى شابة ترتدي لباس عدتها الأبيض لم تكن موجودة حين صعودي، كانت تتابع حركتي المفزوعة، بادرتني بالسلام ..

وجه صبوح رغم الشحوب الذي يغلفه وغمازة على الخد ظهرت وهي تسألني:

ـ مابك هل داهمك شيء؟

قلت بأنفاس متقطعة:

ـ حيات صغيرة سوداء كانت قريبة من قبر والدي فخشيت ظهور الكبار ..

نصف بسمة ارتسمت على محياها:

ـ لا تخش الحيات فمن يجوب الحياة ممن حولك أخطر مما يتحرك بين اعشاب المقابر ..

أدركت ما تقصد فبادرتها:

ومن ألزمك بحضور فأنت شابة قد تغري أي حيوان منهم بافتراس، وكان بإمكانك الترحم على الميت في بيتك ..

تنهدت وقد ظفرت من عيونها دموع كانها شلال قد تفجر:

ـ أترحم !! ..هه، لا تخش علي فمعي من يحميني..

قالتها بحشرحة وغصة حارقة من بين دموعها ..

التفت حولي، كان رجلان بلباس عسكري بعيدين عن القبر يتابعان وجودي برقابة ..قالت وقد لامسها بعض من هدوء:

هل تحفظ القرآن؟ فاجلس واقرا ماتيسر على والدك ..

أخرجت زربية صغيرة من محفظة معها وفرشتها على حافة القبر ..

جلست وشرعت أرتل سورة الملك وكلي انتباه الى ماحولي ..

بعد الفاتحة دست بطاقة شخصية تحت الزربية وأومأت الي بعينيها..

أخذت البطاقة، وضعتها في جيب سترتي دون أن أعرف محتواها ثم وقفت .. وانا أهم بالانصراف قالت:

ـ حاول ألا تغيب ..

بلغت سيارتي وأنا ملفوف في حيرة، مقمط في ذهول، نواقيس تقرع في راسي ..

كيف تجرأت على أن تتجاوز حدود عدتها وتسلمني بطاقتها الشخصية؟ ..

كيف تضع نقطة النهاية لزوج وهي لازالت في بياض عدتها؟ وجهها مافتئ يحمل أثر الغياب ولوعة الفراق؟

ماذا تريد مني بالضبط؟" حاول ألا تغيب "

مهما كان تقديسها للحياة وتسرعها العودة اليها فكيف تنسى جثة لازالت طرية تحت التراب وعدتها ما يشهد على ذلك؟..

غيمة غطت عيوني كأنها ضربتني بجناحي نسر، فقدت السيطرة على سيارتي وما عدت أعي شيئا ..

لا ادري الزمن الذي مر قبل أن افتح عيني لأجدها على حافة سريري في المستشفى ..

لمسة موت تمر بعيوني وهي جاحظة أمعن النظر في من تجالسني، لحظات المقبرة تتداعى على خيالي أستعرض فيها نفسي من لحظة الصعود للزيارة الى لحظة العودة لسيارتي ..

ما بك؟ هل فاجأك حضوري؟ كانت سيارتي خلفك حين انقلبت سيارتك والسائق من أنقدك قبل ان تشتعل في سيارتك النيران ..

كلامها أتاني كهبات رحمة مما اصابني، فقد رحل خيالي بعيدا ..

يعاودني الإحساس الأول والذي اصابني لحظة دست بطاقتها الشخصية تحت الزربية .. من تكون هذه الشابة؟

بادرتني :

غدا نهاية عدتي منها أغتسل و أودع مرحلة سوداء من حياتي لا اعدها من عمري..

صمتت قليلا ثم تابعت:

أخبرني الطبيب ان الاشعة والتحليلات تطمئن بسلامتك وانك على وشك الخروج، حتى الجروح التي على جسمك فهي طفيفة لاتدعو للقلق ..

سأظل انتظرك، هل تعدني؟

ودعتني مكتفية برفع يدها للتحية ..

عاودتني هواجسي والحيرة ضباب كثيف هو ما يلفني ..

أنثى بسرعة تنتقل من مساحة وجودها بين الموت والحياة ..

متعجلة تريد أن تبني حياة جديدة على أنقاض أخرى تودعها بلا اسف.، بل وصفتها بالسوداء ...

مر حوالي أسبوع على خروجي من المستشفى..

أكذب لو قلت أني من صورتها أمام عيوني قد تحررت أو نسيت الأحداث التي وقعت مذ رأيتها أول مرة ..

سؤال صار يفرك في عقلي: لماذا غابت هي ولم تسأل؟

سر ما في حياتها، وتذكرت حين قالت لي ونحن على القبر:

"اجلس واقرأ على والدك "

لماذا استثنت ميتها؟

صارت لي أرقا تأخذني بتفكير، في النهار تشدني بهاجس وفي الليل تراودني بعبق عطر هو ماكانت تنشره رغم عدتها ..

تذكرت بطاقتها، لأول مرة أقرأها

الدكتورة بدرية السهم

إخصائية في الطب الباطني

يالغبائي !! .. كيف تناسيت تلميذة شاركتني المقعد الدراسي في المدرسة الابتدائية؟

أخذت سيارة أجرة والي بيتها توجهت ..

كانت جنازة تخرج من البيت عنها قال الجيران:

طبيبة تم اغتصابها قلب عيادتها، أوهموها أن مغتصبها الضابط العسكري الذي تزوجته مرغمة بعد أن رفضته قبل اغتصابها قد مات، حضرت دفنه لكنه كان وراءها بالمرصاد ..

***

محمد الدرقاوي - المغرب

في نصوص اليوم