آراء

عبد السلام فاروق: كوارث الخلل البيئي!

لم يعد أحد يشكك فى أن ما يحدث من ظواهر كونية وكوارث طبيعية خارق للنواميس. كنا فيما سبق نثق فيما تخرج علينا به هيئات الأرصاد من توقعات حول الرياح والأمطار والزلازل والأعاصير..أما الآن فلا. حتى فى أمريكا نفسها، تقف المؤسسات هناك عاجزة أمام حرائق تباغت السكان، وأعاصير تخالف التنبؤات فى اتجاهاتها وحجم الدمار الناتج عنها..لتفيق الشعوب على مشاهد غير مسبوقة تشى بأن القادم مخيف.

بالأمس القريب فوجئ الشمال الإفريقي بكارثتين طبيعيتين نجم عنهما دمار هائل وسقط جراء زلزال المغرب وفيضان ليبيا ضحايا بالآلاف..المفزع فى الأمر أن ما حدث مجافى للمعتاد، فلا التوقيت ولا المكان ولا حجم الكارثة مسبوقين فى أية سجلات قديمة لهيئات الأرصاد أو أرشيف الإعلام، معنى هذا أن ما اعتدناه من ثبات مناخى طبقاً لنواميس كونية وسنن ربانية تغير للأبد، وبات من الممكن أن تحدث أية ظاهرة مناخية فى أى مكان أو وقت!

انتهى زمن الحتمية الجغرافية!

علماء المناخ والجيولوجيا فى القرن التاسع عشر تحدثوا عما أسموه "الحتمية الجفرافية" وهى تعنى أن الأوضاع المناخية والجيولوجية تفرض على الناس فى كل بقعة من بقاع العالم نمطاً محدداً من الحياة الاقتصادية والسلوكيات وأسلوب المعيشة..وأن التكيف البشرى يأتى تالياً لمثل هذه الحتمية؛ بمعنى أن المجتمعات تضبط حركتها الحياتية على بوصلة الثبات المناخى والقانون الأزلى الذى يحقق مثل هذا الثبات..أما وقد اختلت المنظومة كلها، وبات الثبات نفسه مهدداً بالاختلال فيما أسماه البعض "الانقلاب المناخى" حيث لا قاعدة تحكم زمن أو موقع حدوث الكارثة..هنا ينتهى الأمن ويبدأ القلق..

زلزال المغرب فاجأ الجميع بما فاق أى توقع..بدءاً من قوة الزلزال التى أكد بعض الخبراء أنها تعادل قوة 25 قنبلة نووية!! وأن التأثير المضاعف لهذا الزلزال جاء بسبب قربه من سطح الأرض. ولولا أن جبال الأطلس حالت دون تغلغل موجات الزلزال لتضاعف تأثيره عشرات المرات..هكذا لم يصل مراكش من قوة الموجات الزلزالية إلا أقلها! وبالرغم من هذا سقط آلاف الضحايا وتدمرت عشرات المبانى..إن   بعض المناطق فى المغرب اختفت نهائياً وتدمرت بنيتها التحتية تدميراً شاملاً ..وما تم حصره من ضحايا تجاوز الألفين ضحية ومثلهم من المصابين..لكن المفقودين أكثر؛ حيث تم عزل بعض المناطق جراء الدمار وتعذر الوصول إليها..والتحذيرات من موجات تسونامى على ساحل المغرب جعلت الجميع يضع يده على قلبه مخافة القادم..

ليبيا كانت على موعد مع كارثة أعنف وأقوى بعد ساعات من زلزال المغرب..صحيح أن الأرصاد حذرت من قدوم إعصار دانيال، وأن قوته هذه المرة تنذر بالأسوأ.. لكن الذى حدث فاق أى توقع..إن حجم الفيضانات الناجمة عن الإعصار كانت تعادل ثلثى حجم أمطار عام كامل فى ليبيا، وقوة اندفاع المياه قصفت فى طريقها ثلاثة سدود كاملة، لتنجرف فى طريق الفيضانات قرى بأكملها، ويصل الفيضان البر بالبحر ويغرق الآلاف من البشر ويبتلعهم اليم ثم يعيد لفظ بعضهم للشواطئ عقب هدوء العاصفة!

مدينة درنة الليبية نُكبت فى سكانها وبنيتها التحتية التى تدمر أغلبها جراء الإعصار، واكتشف المصريون أن من بين الضحايا عشرات من المصريين المقيمين فى ليبيا، ومنهم نحو سبعين من قرية واحدة من مدينة بنى سويف. رحم الله الضحايا والشهداء فى المغرب وليبيا، وحفظ الله أوطاننا من كل سوء..

علامات الاستفهام والتعجب!

الجميع يتساءل عن سر الخلل البيئي الحادث فى الكون، وهل هو بداية لأحداث قادمة؟ ما أسبابه؟ ولماذا لا يستطيع أحد توقعه أو تحجيم آثاره؟ وهل ستثمر المجهودات الدولية لمكافحة التغيرات البيئية عن أية نتائج حقيقية ملموسة؟ وهل تولد لدى المجتمع الدولى اليوم ضمير بيئي لإنقاذ العالم من مصير مجهول ومخيف جراء ما اقترفه الإنسان ضد الطبيعة؟

الضمير البيئى لم يتولد لدى المنظمات الدولية إلا عام 1972 عندما انعقد المؤتمر البيئي العالمى الأول فى استوكهولم كاستجابة لجهات الضغط والعلماء..والحق أن ما اقترفته الدول الصناعية عظيم وخطير..

الرعونة التى تعامل بها هؤلاء مع البيئة تسببت فى خلق عاهة مستديمة للنظام البيئى وتوازنه..عوادم مصانع ومخلفات نووية وصيد جائر للحيوانات وقطع جائر للغابات وتفتيت الجبال الراسيات بحثاً عن الذهب والألماس وتلويث لمياه البحار ومبيدات مسرطنة وملوثات كيماوية وحروب بيولوجية وجرثومية .. كلها أفرزت خللاً عظيماً فى حالة التوازن البيئى الكونى..

ولكى ندرك الفارق الجوهرى بين الحالتين، دعونا نعود القهقرى سنوات قليلة للوراء أيام حظر التجوال عالمياً أثناء جائحة كورونا..مجرد شهور قليلة حدث فيها ما لم يشهد العالم مثله منذ مئات السنين.. اختفت الشبورة من مدن العتمة والضباب، وتحولت أجواء الشتاء إلى أجواء رائقة سجلتها كاميرات المغامرين بكسر حظر التجوال ونشرتها على صفحات التواصل، وتواترت الأنباء أن ثقب الأوزون يتقلص حتى اختفى تماماً!! وتحدث السائرون فى الشوارع الخالية ممن خالفوا الحظر عن أجواء غير مسبوقة من الجمال البكر الصافى الخالى من الضوضاء والصخب والعوادم والأدخنة والأتربة . ولم نسمع خلال عام الجائحة عن أضرار ضخمة للكوارث البيئية كما كان سابقاً، أو كما يحدث الآن..فما الذى تغير بعد انقضاء الجائحة؟! لقد عادت المصانع لتعمل بضعف طاقتها التشغيلية، وانهمر الناس فى كل مكان فعادت معهم حرائق الغابات المدمرة والأدخنة الخانقة والعوادم والضباب والدمار..

تلك هى الصورة واضحة جلية تحدد الفروق بين حالتين على طرفى نقيض.. الإنسان وقد كف يده عن الطبيعة كما فى كورونا، ثم حالنا اليوم وقد جعلنا الطبيعة كأنها العدو الأول، وما كوارثها إلا ردة فعل طبيعية لما أحدثناه بها من ضرر!

المستقبل المجهول!

تفسير ما يحدث جعل العلماء يضربون فى كل باب ضرب التخبط وانعدام اليقين..

علماء ربطوا بين التغيرات الحادة التى تحدث فى المجال المغناطيسي لمركز الأرض وبين التغيرات المناخية، وأكدوا أن ثمة ما يشبه التطابق بين الرسوم البيانية لقوة طاقة الأرض وبين درجة التغير المناخى..وأن هناك علاقة كبيرة بين ما يحدث فى باطن الأرض وبين ما يجرى على سطحها..هذا أحد التفاسير..

تفسير آخر يتحدث عن علاقة الكواكب والأجرام المحيطة بالأرض وبين مناخها..والدليل أن القمر له تأثير يومى على الكوكب فى ظاهرة المد والجزر وغيرها من الظواهر..هذا الاتجاه لتفسير التغيرات المناخى ربط بين حركة المذنب هالى ومدى اقترابه من الأرض أثناء رحلته المدارية كل مائة عام، وكيف أن اقترابه من الأرض يتزامن دائماً مع ارتفاع معدلات الكوارث الطبيعية..

أما أغلب الخبراء فيحذرون من مغبة استمرار الإنسان فى هدم بيئته بيده، وأن الاحتباس الحرارى هو الأصل وراء كل الشرور، والاحتباس لم يتحقق إلا بسبب العوادم والأبخرة والغازات الصادرة من المصانع والمركبات والآلات أى أنها من صنع الإنسان وبسبب نشاطه المخل بالتوازن البيئي..

إن مستقبل البشرية بات رهناً باختياراتنا وسلوكياتنا..وإذا ظل البشر على ما هم فيه من إفساد للبيئة وانتهاك للطبيعة وخروج على المنهج فقل على الدنيا السلام.

***

د.عبد السلام فاروق

في المثقف اليوم