آراء

فرات المحسن: مجالس المحافظات صراع الأخوة الأعداء

من البديهيات في عالم السياسة والاقتصاد أن تنشأ جراء نظام المحاصصة أو ما سمى تحببا بالشراكة الوطنية، مخرجات تتكئ متبنيات عملها وتشكيلاتها على نهج تقاسم المال والسلطة، أي حصول الشركاء وحسب حجومهم وقوة نفوذهم على مقدار مكافئ من ثروات البلد بالإضافة إلى قوة ساندة، وهذه الأخيرة تلعب الظروف والوضع السياسي الدور الفاعل في قدرة هذا الطرف أو غيره على امتلاكه لأداة ردع ومجابهة سياسية كانت أم عسكرية.

منذ ماقبل الإطاحة بسلطة حزب البعث في 9 نيسان 2003 وخلال مؤتمر المعارضة العراقية لحكومة البعث والذي عقد في لندن يومي 14 و 15 كانون الأول عام 2002 تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية وبحضور اغلب الأحزاب والقوى والشخصيات العراقية المعارضة آنذاك لحكومة صدام. وبحضور زلماي خليل زادة مبعوث الإدارة الأمريكية للتنسيق، وديفيد بيرس عن وزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيتين، وممثلون عن بعض السفارات الغربية، وغابت الدول العربية عن المؤتمر باستثناء سفارة الكويت. وامتنع عن الحضور الحزب الشيوعي وحزب الدعوة العراقيين، مع وجود شخصيات قريبة من هذين الحزبين داخل المؤتمر.

 حرصت نتائج المؤتمر على عرض خلاصة لرغبات الشارع العراقي عن طبيعة الحكم القادم الذي يرث العراق بعد سقوط سلطة البعث، وفي ذات الوقت وبيقين وإصرار وضعت اللبنات الأولى وأقر مبدأ ما سمي داخل أروقة المؤتمر وبشكل دبلوماسي ناعم وحضاري، مبدأ الشراكة الوطنية، وهو تقاسم المواقع في إدارة الدولة العراقية وفق الحجوم القومية والطائفية. ولم يخف البعض مطالبهم بالحصص وفق هذا المنظور، بل أعلن صراحة عن ضرورة اعتراف الجميع وبشكل تبادلي عن استحقاقاتهم وقوتهم العددية، وكانت أولى خطوات هذه الاستحقاقات إقرار المؤتمر في ختام أعماله بتشكيل لجنة سميت بلجنة المتابعة والتنسيق تكونت من 65 شخصية، ولإكمال مشهد تقاسم قوة الحضور أضيف إليها عشرة آخرون.

لم تبتعد الإدارة الأمريكية عن هذا الخيار بل فضلت ترسيخه كنتيجة ومخرج مناسب يتوافق وأهدافها المستقبلية في المنطقة قبل العراق، وأيضا يتواءم وما تنطوي عليه طبيعة التشكيلة السكانية للعراق قوميا وطائفيا. وسعت منذ عهد تداولها المعلومة ونقاشاتها الأولي مع المعارضة العراقية، على استقراء تلك التشكيلات وتقدير حجوم تلك الأثينيات والطوائف، وطبيعة حراكها ومدى تأثيرها المجتمعي.

 لذا وعلى وفق هذه القناعات عمل المندوب السامي الأمريكي السيد بول بريمر بعيد الاحتلال وحسب نصيحة البنتاغون، لوضع لبنة أولية ممكن لها أن تكون نموذجا مصغرا يلملم كل ذلك الشتات من التلاوين، فأنشأ ما سمي بمجلس الحكم العراقي للإدارة المؤقتة للبلاد، وفي نفس الوقت تكون مهمته التحضير لإعداد الدستور، لذا تألف المجلس من 25 عضوا، توزعوا بشكل أقر صيغة ما تمخض عن مؤتمر لندن، حيث حوت التشكيلة على12 عضوا من الشيعة العرب، 5 من السنة العرب، 5 من السنة الأكراد، تركماني واحد، وآشوري (مسيحي)واحد، بينهم ثلاث نساء فقط (واحدة تركمانية واثنتان شيعيتان) .

يمكننا القول بأن ذلك النموذج البريمري كان الخطوة العملية الأولى لتثبيت بنود الاتفاق العلني لتقاسم السلطة، أو ما سمى لاحقا خيار المحاصصة الذي دبج شفاها داخل أروقة مؤتمر لندن. ليرحل المصطلح لاحقا وبشكل منظم وعملي في بعضه وبتدافع وتزاحم في أغلبه، ليشمل هيكلة جميع مؤسسات الدولة من أسفلها حتى أعلاها.

 أسفرت ترتيبات التشكيلات الأولية هذه عن بدء صراع حاد وشد وجذب حول السيطرة والنفوذ بين مختلف القوى، لينشأ عن هذا التطاحن العلني منه والمخفي، دستورا للمكونات وليس دستورا للمواطنة. فقد عملت القوى جميعها على وضع أفكارها ومطالبها ومظلوميتها بالحق أو بغيره، في المقدمة وقبل أي ملمح آخر، وذلك لغرض ترسيخ وتطمين حقوقها، وضمان وجودها وتأثيرها على المدى القريب والبعيد. ولكن الناتج المفزع الذي ولد مع عمق هذا التقاسم غير المعني بمصالح الوطن والمواطن، وجراء منافسة الشركاء للاستحواذ على المغانم، هو ظهور سياسات ربما كانت مخفية أو يغطى عليها خلال فترة الخصومة مع سلطة صدام حسين. وتمثلت هذه السياسات اليومية والصراع على النفوذ والحصص، بعدم الثقة المتبادلة بين الإطراف السياسية، وانهيار الكثير من المشتركات السابقة، وتوجت بمستويات عليا من الطعون والتخوين والنفرة التي وصلت في البعض منها حدود الاقتتال.

شكل دستور المكونات القاعدة التنظيمية لهرم السلطة وبناها الإدارية. فعلى وفق ما اتفق عليه لشرعنة ما جاء في الدستور، نظم قانون انتخاب مجالس المحافظات وشرع برقم 36 بتاريخ 08 / 10 / 2008 وجاء ذلك بناءً على ما أقره مجلس النواب واستنادا للبند خامسا من المادة 138 من الدستور. مستثنيا من التشريع هذا، إقليم كردستان الذي ينأى بعيدا بتشريعاته عن السلطة الاتحادية.

كانت القواعد السياسية المعلنة لمجالس المحافظات بعد انتخابها تتشكل من جملة واسعة من الأهداف الطموحة لبناء قاعدة سياسية رصينة تبعد عن الدولة طبيعتها المركزية الشمولية، وتنال فيها المجالس صلاحيات واسعة بعيدا عن إشراف وسيطرة الوزارات، وتمنح المحافظات تخصيصات مالية مستقلة، ولها حرية إدارة الشؤون المحلية ووضع استراتيجيات وخطط لبناء قواعد عمل لتطوير البنى التحتية في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وإعطاء أولويات لتلبية احتياجات الناس، على أن يكون هذا الجهد التنموي ضمن استراتيجيات التنمية لعموم العراق.

في شهر نيسان من عام 2013 أجريت أول انتخابات لمجالس المحافظات وكان عدد الذين يحق لهم التصويت ما يقارب 14 مليون ناخبا وتنافس هؤلاء على مقاعد مجالس 12 محافظة وبجموع 378 مقعدا تتوزع بالأرقام حسب الكثافة السكانية للمحافظة.

ما نتج عن تلك الانتخابات كان عبارة عن مخارج مخيبة لأمال الناس التي كانت تطمح ليكون ظهور تلك المؤسسة المدخل الحقيقي والمناسب للتغيير في وقائع ومجريات حياتهم اليومية. ولكن الذي حدث أفصح عن كون هذا التشكيل الجديد، ليس فقط وجودا فائضا وحلقة زائدة بين ركام المؤسسات الهجينة وغير النافعة للشعب العراقي، وإنما تجلت في أعماله، القدرة على افتعال وصناعة الكوارث دون حياء. فقد ظهر ومنذ البداية سوء الإدارة والعطب في بنية تشكيلاتها المتخلفة، وطبيعة علاقتها بمواطنيها، وأساليب علاجها لمشاكلهم وتلبية احتياجاتهم، وبالذات في البنية التحتية المتهالكة لعموم المحافظات. وتمثلت الكوارث أيضا في طبيعة نظام المحاصصة حيث أخذ الجميع وبشكل سريع ومباشر ومن خلال معارك ضارية، العمل للاستحواذ على ميزانية المحافظة وتقاسمها كغنائم، عبر إيجاد طرق وأبواب لمنح امتيازات وتخصيصات ونفقات خاصة لأعضاء المجلس، ولتتحول هذه الممارسة لاحقا إلى عرف دائم تخصص وتستقطع له نسبة كبيرة من الميزانية الممنوحة للمحافظة. وكان الأدهى من كل ذلك عمليات المنافسة غير الشريفة بين أطراف المجلس حيث يتم العمل بمنهجية على إضعاف الأخر عبر عمليات طعون ومؤامرات ومكائد لإفشال أي مقترح يقدمه أي طرف منافس، ويتم إيقاف أي نموذج لنجاح وتفوق اقتصادي اجتماعي يسعى له ذلك الطرف، حيث يسعى المنافسون لتخريب أو إيقاف أي مشروع يتبناه أو جاء من بنات أفكار شريكهم الأخر، وبسبب هذه المنافسة غير الشريفة والأساليب البعيدة عن رجاحة العقل والمسؤولية الوطنية، شاع الإهمال في الرقابة وعدم محاسبة الجناة عن سوء أعمالهم. وحدث تلكؤ عام وتوقف للعديد من المشاريع وتم الاستحواذ على مبالغها الهائلة جراء تلك المؤامرات التنافسية الوضيعة.

وبعد أن ظهر أن هذا التشكيل المسمى مجلس المحافظة، بات يدر من الأموال ما لا يعد ويحصى، لذا شكلت القوى والفعاليات المشاركة في تلك المجالس، صناديق ومكاتب اقتصادية، الغرض منها إدارة العمليات الحسابية والصفقات التي تتم عبر الامتيازات والعلاقات والرشى التي أصبحت تمارس على المكشوف بشراكات وكومشنات وابتزاز مع المقاولين والشركات المنفذة للمشاريع.

وأصبحت تلك المؤسسة في نهاية المطاف عبارة عن متواليات من صدمات وفواجع ونكبات ومواجع وضعت ثقل خيباتها على كاهل المواطن. وأثرى فيها ومنها أعضاء المجالس على حساب آلام وأوجاع الناس، دون أن يجدوا من يحاسبهم على هذا الثراء والغنى الفاحش، الذي طرأ فجأة على وضعهم الاقتصادي. وليشكل أداء المجالس في الأخير ضررا فادحا على حياة المحافظات بشرا وبنيانا، حيث انعدمت الخدمات وتوقفت المشاريع وتدهورت قطاعات مهمة وملحة مثل التعليم والصحة والبلديات وابتلعت الميزانيات الضخمة وتبعثرت دون أن يظهر لقيمتها أثر مهم وفاعل في حياة الناس.

***

فرات المحسن

في المثقف اليوم