آراء

عبد السلام فاروق: عشرة اكتشافات.. فى ملحمة العبور

المجد الذى حققته لنا حرب الكرامة أكتوبر 73 تتدانى أمامه الأمجاد.. لم تكن حرباً عادية كما لم يكن نصراً سهلاً؛ لاسيما وقد فقد الجيش المصرى فى نكسة 67 شطراً عظيماً من قوته وعتاده، وفقد معه الشعب الأمل فى عودة أراضيه التى سلبت منه .. وبدأت الآلة الإعلامية العالمية والعبرية تبث سمومها لتوهم الجميع أن الجيش الإسرائيلى لا يمكن قهره، وأن خط بارليف يستحيل تجاوزه .. فإذا بالحرب تأتى لتنقلب الآية وتنكشف الأكاذيب والمزاعم الغربية ويحقق الجيش المصرى نصراً ما زلنا نفخر به إلى اليوم وحق لنا أن نفعل..

تلك الملحمة جاءت لنا بمفاجآت نقف أمامها اليوم مبهوتين لنتعلم دروساً لم يكن ممكناً أن نتعلمها بغير حرب النصر تلك.. عشر مفاجآت كشفتها لنا تلك الملحمة، ومن الخير ألا ننساها.

1- أبطال الحرب:

البطولات التى سطرها الجنود والمقاتلون فى حرب العاشر من رمضان وما قبلها أكثر من أن تحصى.. فكأن الحرب جاءت لتبرز حقيقة الجيش المصرى وتميز صفوفه بعضهم عن بعض، ويجد أبطال الجيش فرصتهم لنيل الشهادة أو بذل الواجب.

ولعل من أبرز الأسماء التى لمع نجمها خلال الحرب الفريق سعد الدين الشاذلى رئيس أركان حرب القوات المسلحة آنذاك. وهو من الأبطال القلائل ذوى العبقرية العسكرية الفذة وهو أول من أنشأ سلاح المظلات قبل العدوان الثلاثى على مصر وشارك فى دحره.

لم يكن سعد الدين الشاذلى وحده البطل بل هناك آلاف الأبطال من الجنود والقادة الذين قضى بعضهم نحبه وآخرون عاشوا فى ذكرى بطولاتهم يروونها للأحفاد ولأجيال تأتى بعدهم.

2- المعدن المصرى النفيس:

قيل الكثير عن شعب مصر وجيشه قدحاً وذما وتشكيكاً فيما لديهم من عزيمة وإرادة للانتصار واستعادة الكرامة فى أعقاب النكسة. غير أن المعدن المصرى لم تتجل حقيقته إلا فى أصعب وأحلك الظروف.. إذ سرعان ما استعاد الجيش شتات نفسه وأذاق العدو ألواناً من العذاب وأقض مضجعه بحرب استنزاف طويلة أنهكت قواه على مدار ثلاثة أعوام ونصف. هكذا ينجلى المعدن المصرى الحقيقي فى مثل تلك اللحظات المصيرية..إن مصر لا تعدم العباقرة والأبطال والمخلصين فى طريق كفاحها المستمر فى معركة البقاء..

3- خسة الصهاينة:

كاد الجيش الصهيونى خلال الساعات الأولى من الحرب أن يفنى وقد ولى ظهره فراراً أمام جحافل قوات الجيش المصري الباسلة. لكنه سارع باللجوء إلى أمريكا لإنقاذه من براثن الجيش المصرى الهصور بعد أن تهاوى خط بارليف الذى اختبأوا خلفه ظناً منهم أنه يمنعهم فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف فى قلوبهم الرعب فولوا فراراً حتى حين..

وقد اكتشفنا بعد الحرب حجم ما ارتكبه الجيش الصهيونى من مذابح وانتهاكات بحق المصريين منذ النكسة وحتى انتهاء الحرب، وأن أخلاقيات الحروب أمر لا يكترثون له ولا يقع فى حساباتهم. واستمرت خسة الصهاينة ونذالتهم بادية فى كل خطوات الحرب وحتى فى المفاوضات التى أرادوا من خلالها المماطلة فى إخلاء المناطق التى احتلوها ونيل أكبر قدر ممكن من المكاسب على مائدة التفاوض. وعلينا ألا ننسي هذا الدرس الذى كشف لنا أن هؤلاء لا أمان لهم أبداً، وأن السلام فى أعرافهم له معانى شتى غير ما نعرف!

4- أمريكا العدو:

أمريكا كانت حاضرة فى الحرب طوال الوقت لحماية إسرائيل.. ولولا دعمها لها بالعتاد والسلاح والمال وشتى أنواع الدعم السياسي واللوجستى والدبلوماسي لاختفت إسرائيل من الخارطة..

لقد سارعت الولايات المتحدة الأمريكية بإعداد خطة سريعة فيما عرف بعملية "عشب النيكل" لإنقاذ العدو الصهيوني وإمداده بالسلاح وتعويض خسائره استمرت طوال فترة الحرب إلى ما بعد وقف إطلاق النار وحتى منتصف نوفمبر، ليصل حجم ما تم نقله من ذخائر وأسلحة إلى الجيش الصهيونى لنحو 13 ألف طن أسلحة عبر الجسر الجوى المستمر.. ناهيك عن الجسر البحرى الذى نقلت أمريكا من خلاله 65 ألف طن من المعدات والدبابات والمدافع، وهو ما ساعد الصهاينة لاستعادة توازنهم فى الحرب من خلال ثغرة الدفرسوار..ورغم كل الإمدادات العسكرية الأمريكية استمر نزيف الخسائر فى الجيش الإسرائيلى فسارعت أمريكا لعقد مباحثات الكيلو 101 لفض الاشتباك بحضور جنرال أمريكي ممثلاً للأمم المتحدة! فلولا أمريكا لكان لهذه الحرب شأن آخر..

5- أصابع اليد:

اكتشفنا فى هذه الحرب المجيدة أننا كعرب كأصابع اليد الواحدة لا يستغنى أحدنا عن الآخر. وأننا معا قوة لا يستهان بها، وأن ضعفنا ينشأ من تفرقنا بعضنا عن بعض..

جميع الدول العربية تآزرت. وأرسل الأشقاء العرب فى المغرب العربي والخليج العربي ما أمكنهم من مساعدات عسكرية ولوجستية ..شارك العراق والأردن والسعودية فى الجبهتين السورية والأردنية، كما شاركت الجزائر وليبيا والمغرب بأسراب من الطائرات الحربية لمؤازرة القوات المصرية. وكانت أياماً مجيدة من البطولة التى أبداها الأشقاء ومثالاً يحتذى فى التصدى والمواجهة صفا واحداً ضد العدو المشترك..

6- عبقرية التخطيط والأداء:

على مدار سنوات طويلة بدأت خفايا وكواليس الحرب المجيدة تبدو شيئاً فشيئاً لنكتشف الكثير مما حدث بها من بطولات وعمليات يجرى اليوم تدريسها فى الكليات العسكرية كنموذج لعبقرية التخطيط..

حتى قبل بدء الحرب الفاصلة فى السادس من أكتوبر حدثت عدة عمليات ضرورية مهدت الأرض للاجتياح الأخير، كان أهمها عمليات الاختبار والتدريب على اجتياز الساتر الترابى ووضع صواريخ الدفاع الجوى فى أماكن متقدمة بالضفة الغربية ..ولعل أهم ما اشتهر فى أحداث ما قبل الحرب خطة الخداع الاستراتيجى البارعة حتى حانت ساعة الصفر وانطلق سرب الطائرات الحربية المكون من أكثر من 200 طائرة لتنفيذ ضربة جوية مكثفة على ارتفاعات منخفضة لتفادى الرادارات وأوقعت الضربة الأولى خسائر مهولة فى صفوف العدو بالتزامن مع الاجتياح البرى الذى شهد ملحمة تاريخية بارعة. وبدأت المدفعية المصرية، بعد عبور الطائرات بخمس دقائق بقصف التحصينات والأهداف الإسرائيلية الواقعة شرق القناة بشكل مكثف تمهيداً لعبور المشاة، فيما تسللت عناصر سلاح المهندسين والصاعقة إلى الشاطئ الشرقي للقناة لإغلاق الأنابيب التي تنقل السائل المشتعل إلى سطح القناة، وفي الساعة الثانية والثلث تقريبا توقفت المدفعية ذات خط المرور العالي عن قصف النسق الأمامي لخط بارليف ونقلت نيرانها إلى العمق حيث مواقع النسق الثاني، وقامت المدفعية ذات خط المرور المسطح بالضرب المباشر على مواقع خط بارليف لتأمين عبور المشاة من نيرانها. بعدها عبر القناة 2000 ضابط و30 ألف جندي من خمس فرق مشاة، واحتفظوا بخمسة رؤوس كباري واستمر سلاح المهندسين في فتح الثغرات في الساتر الترابي لإتمام مرور الدبابات والمركبات البرية.. وتوالى تدفق القوات المصرية المقاتلة واستمروا فى التوغل مخترقين صفوف العدو الذى بادر بالفرار.. واستمرت الملحمة أياماً تنتقل من مرحلة إلى مرحلة فى خطط عسكرية مرسومة بدقة. وتم تنفيذها على أعلى مستوى من الالتزام والتفانى.. لقد شهدت تلك الحرب عدة معارك صغرى كمعركة بورسعيد ومعركة الفردان ومعركة الدفرسوار ومعركة المزرعة الصينية وأبدت القوات المصرية فيها فدائية عظيمة، ومرونة كبيرة فى الانتقال بين بدائل الخطط. حتى شهد لنا العدو قبل الصديق بالعبقرية العسكرية الفذة.

7- قوة سلاح الإعلام:

الشعوب العربية تعرضت فيما قبل ملحمة العبور لحرب نفسية عميقة الأثر من الإعلام الغربي والإذاعات الأجنبية أيقن على إثرها الناس أن إسرائيل جثمت على سيناء ولن تتركها، وأن جيشها لا يقهر وأن خط بارليف لا يمكن تجاوزه. وتزايد هذا الشعور خلال فترة حرب الاستنزاف لأن الحرب الفاصلة يتم تأجيلها باستمرار كأنها مماطلة الخائف من المواجهة..كل تلك الموجات الهلامية من الشائعات انهارت مع أول قنبلة سقطت على رأس العدو..

تلك الحرب الإعلامية هى لعبة أجادها الغرب ووعيناها جيداً منذ ذلك الحين إلى الآن. نعم لدينا بنية أساسية إعلامية قوية وكوكبة من الإعلاميين والصحفيين على أعلى مستوى، لكن ينبغى لنا تطوير الإعلام باستمرار لمواكبة التطور والتكنولوجيا العالمية فى هذا المجال.

8- سلاحنا السرى:

شهداء حرب أكتوبر المجيدة إذا عادوا للحياة فسيكشفون للعالم مدى قوة سلاحنا السرى الأعظم الذى طالما واجهنا به الدنيا فانتصرنا فى كل معركة بدأناها بصيحة النصر: الله أكبر.. إن إيماننا بالله ويقيننا فى نصره ومدده لهو أقوى من مفاعلات ديمونة فى أوج نشاطها..وهذا ما أكده الفريق الشاذلى فى مذكراته مستشهداً  بأحداث وقعت أثناء الحرب تؤكد تلك الحقيقة..

9- ثنائية الحرب والسلام:

لم تكن الحرب كلها معارك .. لقد حدثت عدة اتفاقيات ومباحثات لوقف إطلاق النار من أجل التفاوض وفض الاشتباك، جاءت بدعوى من الطرف الأمريكي الظهير الخلفى للعدو الصهيونى.. وقد جنحنا للسلم كما انتصرنا فى الحرب، وجلسنا جلسة الأقوياء مرفوعى الرأس نتفاوض لإقرار السلام بعد الحصول على كافة حقوقنا المسلوبة.. لقد استمرت مباحثات السلام عدة سنوات بعد الحرب واختتمت باتفاقية كامب ديفيد ثم استعدنا أرض طابا بالتحكيم الدولى لتعود أرض سيناء بأكملها لنا .. فالسلام هو الهدف فى نهاية المطاف.. لكنه سلام الأقوياء ..

10- الجيش..كلمة السر:

لم نكن لنخوض حرب الاستنزاف المضنية ولا حرب أكتوبر التى كلفتنا زمرة من خيرة أبطالنا لولا ما حدث فى 67 .. فالاستعداد المستمر والجاهزية الدائمة شعار الجيش اليوم بعد درس الأمس الذى أدركنا من خلاله أن عدونا لا يزال رابضاً فى حديقتنا الخلفية ينتظر لحظة انقضاض جديدة تحقق له مخططات لا تخفى على أحد.. لهذا لم ينفك جيش مصر يطور من قدراته واستعداداته على الدوام ولابد له أن يفعل.. مصر أمانة.. وجيشها خير من يحملها ..

***

د. عبد السلام فاروق

في المثقف اليوم