آراء

علي حمدان: فلسطين حل الدولتين ام دولة واحدة

"لقد اصبح الامر اكثر وضوحا"؛ اعلن انتوني بلينكن وزير خارجية الولايات المتحدة في زيارته الأخيرة الى الدوحة، متحدثا عن مسار عملي، ومحدد زمنيا، ولا رجعة فيه لإقامة دولة فلسطينية تعيش في سلام جنبا الى جنب مع دولة إسرائيل (طبعا بلينكن يدعو الى دولة فلسطينية منزوعة السلاح والسيادة). وهذا الامر يتوافق مع ما يدعو اليه  النظام العربي الرسمي منذ فتره بما يسمى حل الدولتين، كما دعت السعودية وقطر الى تسوية شاملة. في المملكة المتحدة اعلن ديفيد كاميرون وزير الخارجية دعمه التام لدولة فلسطينية، كما اصر في بروكسيل جوزيب بوريل على انها الطريقة الوحيدة لإحلال السلام في الشرق الأوسط.  يمكن النظر الى هذه التصريحات على انها محاولة محمومة للاحتواء الامبريالي، واذا لم يكن من الممكن تجاهل الفلسطينيين بالكامل كما هو الحال في اطار الاتفاقيات الابراهيمية، فمن الأفضل الدفع باتجاه إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح ومجزأة حتى يتسنى المضي قدما في التطبيع مع إسرائيل. الرئيس بايدن، شخصيا وسياسيا ملتزم بأجندة كوشنر للشرق الاوسط بعد ان اخرجها طوفان الاقصى من المسار في السابع من أكتوبر.

وكما ذكرت "الفورين افيرز" الامريكية ان حل  الدولتين سيسحب البساط أيضا  من ايران والقوى المتحالفة معها، من حزب الله والقوى الشيعية في العراق وانصار الله في اليمن. وسيكون المجال مفتوح لتحالف عربي سني -إسرائيلي ضد ايران. والدعوة الى دولة فلسطينية سيخفف من الغضب الشعبي الذي يكتسح الجماهير العربية ضد الأنظمة العربية التي لم تستطع ان تقدم أي مساندة للشعب الفلسطيني وتركت اهل غزة يعانون ابشع المجازر، هذا  بالإضافة الى التجويع والقهر.

ولكن كيف على القوى الوطنية والتقدمية الفلسطينية والعربية التعاطي مع عودة موضوع حل الدولتين. رد الفعل الأكثر شيوعا، هو رفضه باعتباره خيالا إمبرياليا خطيرا، وعلى انه إضفاء الشرعية على نظام الفصل العنصري، ومن ثم الدعوة الى نظام الدولة الواحدة كخيار استراتيجي. طبعا خيار الدولة الديمقراطية الواحدة تم طرحة بعد نكسة حزيران من قبل اليسار الفلسطيني، ومن ثم تم تبنيه  كاستراتيجية سياسية من قبل ياسر عرفات وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية. بعد اوسلو تبنى هذا الخيار تيارا من المثقفين الفلسطينيين من ضمنهم؛ أدورد سعيد، غاده الكرمي، لما أبو عوده واخرون. كتبت غادة الكرمي في عام 2002،  "رغم ان النضال من اجل دولة ديمقراطية يبدو يوتوبيا ، ولكن ليس اكثر يوتوبيا  من مشروع انشاء دولة يهودية على ارض الغير".

ان الشعب الفلسطيني في غزه والضفة وفلسطين التاريخية هو من له الحق في اختيار الحل الأمثل لصراعه مع الصهيونية، لذلك لا يحق للأخرين تحديد نوع الحل المقبول للفلسطينيين.  ان حل الدولتين يحد من حق العودة للفلسطينيين، وسيحصر الفلسطينيين في كانتونات متفرقة تمزقها المستوطنات اليهودية. اما سردية الدولة الواحدة سيفرض عليهم التخلي عن النضال من اجل انهاء الاستعمار الاستيطاني، وتكوين صداقات مع المحتلين والسماح لجميع المستوطنين بالبقاء. كم يبدو ذلك امرا صعبا بعد المجازر التي اقترفها الصهاينة.  ان قرارا مثل هذا يجب ان يأت من الفلسطينيين انفسهم، ومن هنا تكمن أهمية الطابع الديمقراطي للبنية السياسية الوطنية الفلسطينية، مما سيدعو الى تمكين المداولات الشعبية الحقيقية للمحافظة على الثوابت الوطنية الفلسطينية.

وكما ذكرت الباحثة الفلسطينية كرما نابلسي " انا واقعية للغاية فيما يتعلق بما يجب ان يكون عليه الحل، بعض الناس حريصون جدا على حل الدولتين. هناك من يجادل لصالح دولة واحدة ثنائية القومية. اود ان أقول انها ابسط من ذلك بكثير. صححوا الظلم الذي وقع، وبمجرد ان يتمكن الناس من العودة الى منازلهم، دعوهم يقررون بشكل ديمقراطي نوع الاطار الذي يريدونه".

ولكن بالنظر الى الوضع الإقليمي الحالي هل لا يزال خيار الدولة الواحدة هو الخيار الأكثر مبدئيا وواقعيا؟ ان مرض مجتمع المستوطنين الذي لا يمكن علاجه، والذي اصبح أوضح واكثر رعبا من أي وقت مضى، قد يكون عائقا امام دولة واحدة، بقدر ما تشكل الجغرافيا الاستيطانية الراسخة في الأراضي المحتلة. اذا كان من المستحيل  تصور اقتلاع المستوطنين من الضفة الغربية، فمن المؤكد انه من الأصعب توقع قبول إسرائيل بنهاية القومية العرقية العنصرية والتعايش السلمي مع الفلسطينيين.

في عام 1974  أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية ضمن برنامجها الوطني إقامة سلطة فلسطينية على أي ارض فلسطينية يتم تحريرها باي وسيلة كانت، ومن هنا تم انشأ سلطة فلسطينية بعد اتفاقيات أوسلو. ولكن من الواضح ان إسرائيل فرغت المحتوى الوطني لهذه السلطة وكبلتها باتفاقيات امنية. المفهوم الاستراتيجي لحركة المقاومة (حماس) لم يكن يختلف في جوهره عن مشروع منظمة التحرير، وهي تسعى نحو تحقيق انسحاب إسرائيلي من الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس. غير ان عبدالعزيز الرنتيسي وجد في انتصار حزب الله وفي قدرته على اجبار الإسرائيليين على الانسحاب من جنوب لبنان نموذجا يقتدى به في تحرير فلسطين.

لاشك ان غزو إسرائيل لقطاع غزه، والمذابح التي اقترفها الصهاينة تطرح مهاما صعبة على حركة المقاومة، ولكن في نفس الوقت ان طوفان الأقصى ضرب الاستراتيجية الإسرائيلية في مقتل. كما فضحت هذه الحرب تواطؤ معظم  الانظمة العربية في مخطط تصفية القضية الفلسطينية. كما بات واضحا نفاق دول الغرب وسياسة ازدواج المعايير التي تمارسها ضد شعوب الجنوب. ان التضامن الذي شهدته القضية الفلسطينية على مستوى العالم أعاد هذه القضية الى مركز اهتمام الرأي العام العالمي. كما ان صمود المقاومة في غزة منح المقاومة وبالذات حركة حماس شرعية ثورية لا يمكن تجاوزها في أي حل للقضية الفلسطينية. 

***

علي حمدان

في المثقف اليوم