 قضايا

محمد عمارة تقي الدين: الدين والعنف.. علاقة جدلية

محمد عمارة تقي الدينهناك سؤال يطل برأسه من وحي هذا العنوان: هل الدين هو واحد من الأسباب التي تقف وراء العنف، وتحديداً السياسي منه؟

الإجابة قولًا واحدًا: (لا) ولكن التوظيف السياسي السلبي للدين واستغلاله هو ما يخلق أيديولوجيات العنف تلك، والتي تدّعي كذباً الحديث باسم الدين، كالأيديولوجية الصهيونية التي وظفت الكثير من عقائد الديانة اليهودية في خدمة مشروعها الاستعماري الاستيطاني، وهو ما تناولناه تفصيلًا في مقال سابق.

تؤكد النظرة العميقة لأحداث العنف التاريخي على امتداد التاريخ البشري أن الـسبب الكامن وراءها والدوافع المحركة لها هي بعيدة كل البعد عن الدين.

ففي دراسة بحثية قام بها كل من تشارلز فيليبس (Charles Phillips) وآلان أكسلرود (Alan Axelrod) مؤلفا موسوعة الحروب (Encyclopedia of Wars)، حاولا عبرها الوقوف على الدوافع الحقيقة وراء الحروب الكبرى التي وقعت على مدار التاريخ الإنساني والتي قاربت ألفاً وثمانمائة حربًا، وعليه توصلا إلى نتيجة مفادها أن حوالي مئة وعشرين حربًا فقط كان لها علاقة بالدين بين مباشرة وغير مباشرة، أي أقل من 7%  منها، وأن 2% فقط من مجموع قتلى هذه الحروب ماتوا في حروب ذات صبغة دينية.

ومن ثم أكدا أن توجيه الاتهام دائمًا للأديان فيما يحدث من عنف في هذا العالم هو أمر مجافٍ للواقع وللتقصِّي العلمي الجاد، فقط كل ما يحدث هو التلاعب بالعقائد عبر توظيفها سياسيًا وأيديولوجيًا في كثير من الصراعات والحروب.

فبفعل الأطماع السياسية في أغلب الأحيان تحول الدين من (الوردة) إلى (السكين)، من كونه دعوة للسلام إلى إعلان حرب، وأضحت الصراعات الكبرى في هذا العالم تتسربل بالدين في حين أنها بالأساس صراعات سياسية جرى إقحام العقائد الدينية فيها.

لقد حاولت كارين أرمسترونج الباحثة المتخصصة في تاريخ الأديان في كتابها"حقول الدم"، تفكيك تلك المعضلة، ومن ثم توصّلت إلى قناعة مؤداها، أن الدول الكبرى وعلى مر التاريخ اتخذت من الدين ذريعة لتبرير عنفها وإضفاء صبغة دينية عليه من أجل شرعنته باعتبارها حاملة لرسالة علوية ومهمة مقدسة، ومن ثم تستنكر كارين بشدة المقولة المتواترة بكثرة لدى الغرب والتي تقول: "إن الدين هو سبب جميع الحروب الكبرى على مر التاريخ".

فالحقيقة التي راكمتها الخبرة التاريخية، هي أن أكثر الحروب دموية لم تكن دينية، لعل المثال الأكثر حضورًا هو الحربان العالميتان: الأولى والثانية.

وإذا كانت الحملات الصليبية قد انطلقت باسم الدين؛ فإنها كانت ذات دوافع سياسية واقتصادية في جوهرها، غير أنها أضفت على نفسها مظهراً دينياً خادعاً لحشد مزيد من الأتباع، هكذا الحال في معظم الحروب التي رفعت راية الدين.

ومن ثم ترى أرمسترونج أن تفشي الإرهاب والعنف في العصر الحديث في كثير من بقاع العالم، هو بالأساس نتيجة للسياسات الغربية الظالمة تجاه الآخر وعدم عدالتها، ولعل الصراع العربي الإسرائيلي هو أصدق مثال على ذلك.

وبالمجمل تؤكد أرمسترونج أن المجتمع الدولي وجد كبش فداء ليُحمِّله كل خطاياه، وهو الدين، مثلما الطقس اليهودي القديم، إذ كان الكاهن اليهودي يضع يده على رأس كبش فتنتقل إليه كل آثام الأمة اليهودية وتتحرر من خطاياها.

وحول الأسباب الحقيقية وراء الحروب والعنف على امتداد التاريخ تؤكد كارين أن الاستبداد السياسي هو العامل المركزي المحرك لهذا العنف، متماهية بشكل كبير مع ما طرحه العلامة والمفكر العربي الكبير عبد الرحمن الكواكبي، فقد وضع هذه الإشكالية كأم المشاكل، فالاستبداد السياسي هو أصل كل داء لديه، يقول الكواكبي في جملة لا تخلو من عبقرية:"الاستبداد السياسي هو أصل الداء، ودواؤه دفعه بالشورى الدستورية".

ولكن ما الذي تقترفه يد الاستبداد من موبقات من شأنها أن تصبح سببًا مركزياً في اندلاع الحروب وتصاعُد العنف إلى حدوده القصوى؟

الحقيقة أن الاستبداد هو مناخ جيد لنمو الأفكار المتطرفة، فإحساس بعض القوى والتكتلات داخل المجتمع بالمظلومية والاضطهاد، نتيجة عدم استيعابها داخل النظام السياسي هو أمر من شأنه أن يقودها لاتخاذ ذلك كذريعة لتبني العنف منهجًا، كما أن الإستراتيجية الثابتة لدى المستبدين هي إعلانهم الحروب الخارجية وتوريط شعوبهم فيها تهربًا من إخفاقات الداخل، من هنا ينبثق العنف من رحم الأنظمة الاستبدادية.

ولكي تكتسب تلك الحروب مزيدًا من المشروعية تجد هؤلاء الحكام المستبدين وقد أضفوا عليها مسحة دينية باعتبارها حروبًا مُقدّسة جاءت استجابة لأوامر إلهية علوية، فهم ظل الإله في أرضه ومنفذوا مشيئته.

فتلك هي بعض من مفاسد الاستبداد ونتائجه الكارثية على مقاصد الأديان، إذ تحولت الأديان بفعله من دعوة للمحبة والسلام وقوة دفع إيجابية لصالح البشرية لأيديولوجية قتل وحرب ودمار.

يقول الدكتور علي شريعتي:"إذا استُغِلّ الدين من قِبل السلطات الحاكمة لحفظ مصالحها فستحصل أسوأ فاجعة يُسحق فيها الإنسان في الأنظمة المعادية للإنسانية، ويصبح الدين شهيدًا في سجلات التاريخ"، مؤكدًا من خلال تأملاته في التجربة الإسلامية أنه بفعل السياسة البراجماتية تم إهدار المقاصد الحقيقية للأديان وفي القلب منها التسامح.

من هنا أهمية إعادة ترسيم الحدود الفاصلة بين الدين والسياسة لوأد محاولات التلاعب بمقاصد الأديان- سواء من قِبل الأنظمة المستبدة أو جماعات العنف والتشدد الديني- ومن ثم تأكيد الجانب الإنساني التراحمي بها، والذي هو في الحقيقة جوهر الدين وأطروحته المركزية، يقول فيلسوف التسامح جون لوك بهذا الشأن: "الذين يضطهدون الآخرين باسم المسيح إنما هم في حقيقة الأمر يتنكرون لتعاليم المسيح" بكل حمولتها الإنسانية الرائعة، مؤكدًا أن"التسامح هو المعيار الأعلى للكنيسة الحق".

فبدون ذلك المسعى لن يتحقق السلام على الأرض، وهو ما يدفع باتجاهه هانز كونج  Hans Kung  إذ يؤكد أنه"لا سلام بين الأمم بغير سلام بين الأديان" ، وهو السلام الذي لن يتأتى إلا عبر استدعاء قيم التسامح الكامنة في عمق النسق الديني، تلك القيم التي همّشتها الأصوليات المتطرفة ومن ثم أنتجت أنماطًا دينية مدمرة إذ اتخذت من العنف منهجًا فبررت دموية الوسائل بحجة سمو الغايات، وعلى الأتباع الانصياع التام لقانون الجماعة المتطرفة دون أدنى اعتراض فقد ارتضوا لحظة انضمامهم لتلك الجماعة بأن يخلعوا إرادتهم الحرة على عتباتها.

لقد ألقت تلك الأطروحات العنيفة بالإنسان في هوة العدمية، وجعلته كائنًا مسلوب الإرادة كريشة في مهب الريح، في حين أن الأديان في إصدارها الأول جاءت لتضع الإنسان أمام مسؤولياته وخياراته التي وهبها له خالقه.

من هنا، وكما يذهب البعض، فقد باتت الحاجة مُلِحّة إلى دراسة وتمعن الأسباب الحقيقية وراء استشراء هذه الأنماط الدينية في نسختها العنيفة والتي أقصت الإنسان عن دوره التاريخي كما حدده له خالقه، والإقرار بأن الكثير منها يكمن في الفهم والتوظيف الخاطئ للدين سواء عن قصد في بعض الأحيان أو دون قصد في أغلبها.

لا مفر إذن من إحياء النزعة الأخلاقية التراحمية الكامنة في عمق النص الديني والتي جرى تهميشها، يرى الطبيب والفيلسوف الألماني ألبرت إشفايتزر، وكما أورده عدنان إبراهيم، أن المستقبل سيكون للأديان الأخلاقية التي من شأنها أن تُظهر اهتماماً أكبر بحقوق الإنسان واحترام كرامته وتأكيد حريته، في حين أن كل دين - أوكل نمط ديني لتكون الجملة أكثر انضباطًا - يقف ضد هذه القيم الأخلاقية الإنسانية سيكون مصيره الخفوت ومن ثم التلاشي والفناء، إذ لن يكون بمقدوره مسايرة وتلبية تطلعات البشرية وما يفرضه الواقع من مستجدات لانهائية.

وبالعودة للدين واختطافه باتجاه العنف، فمن المهم أن ندرك أن أيديولوجيات العنف الديني (كالصهيونية وداعش وأخواتها) ما كان لها أن تحقق هذا الانتشار الهائل إلا عبر قراءة الدين قراءة خاطئة ومنحرفة، إذ عبر إتّباع إستراتيجية (الإحلال والإزاحة) أزاحت تلك القراءة القيم والرؤى الإنسانية التراحمية النائمة في عمق النسق الديني وفي بؤرته المركزية، وأحلت مكانها أطروحات العنف والتشدد ونفي الآخر بإطلاقه ليتمحور الدين حولها ويدور في فلكها، فقد جرى استيعابه داخلها وأصبح لا يُفهم إلا من خلال أيديولوجيتها العنيفة والمغلقة، وإنه ليس من مخرج من هذا المأزق، وكما يؤكد عبد الجبار الرفاعي، إلا بإعادة إحياء هذه القيم الإنسانية في الدين وردّها مرة أخرى ردًا جميلًا لمكانتها المركزية.

والحقيقة أن التوظيف الخاطئ للأديان ليس هو ما يجب أن نوجِّه إليه اللوم وحده فيما آل إليه مصير البشرية، بل إن المُدان الأكبر هو الحضارة الغربية بما أفضت إليه من قيم مادية أفقدت الإنسان أبعاده الروحية، وعلى ما يقول ماكس فيبر:"الحضارة الغربية حاصرت الإنسان في قفص حديدي وسرقت روحه"، فالغرب، وكما يذهب فيودور ديستوفيسكي، دمرته أشياء ثلاث: سيادة القيم المادية النفعية، وضمور الحــس الخلقي، والتمركز حـول الذات في مقابل احتقار الآخر، وهو ما يدفع باتجاهه (ين فو) إذ يذهب إلى أن التقدم الغربي بلغ قمته في أربعة أمور: الأنانية، قتل الغير، فقدان الاستقامة، قلة الإحساس بالخجل.

ويمكن هنا أن نتحدث عن أطروحتين مركزيتين أديتا إلى هذا الانحراف في الحضارة الغربية وهما: أطروحة فلسفة القوة كما نظَّر لها الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشة وقد عمدت النازية في نسختها الهتلرية إلى إنزالها على الواقع، وأطروحة البقاء للأقوى كما عمّقها الداروينيون كمقولتين تأسيسيتين للحضارة الغربية إذ جعلتا من العنف مكونًا بنيويًا في إصدارها الحديث ونسختها الراهنة، بل أصبح العنف هو المحرك الوحيد لعجلة التاريخ.

إذ أن الحضارة الغربية وعلى الرغم من كل منجزاتها التي لا ينكرها عاقل إلا أنها، وبحسب ما يذهب إليه عبد الوهاب المسيري، قد اغتالت روح الإنسان بتمركزها حول المادة والقيم النفعية وتجاهلها لأبعاده الروحية، كما ارتكبت من البشاعات الشيء الكثير، إذ على حد قوله، فرَّغت قارة من سكانها (أمريكا الشمالية)، واستخدمت قارة كعبيد (إفريقيا)، وقارة كمصادر للمواد الخام (آسيا) وأشعلت حروبًا عالمية أفنت الملايين، ومن ثم تأسس نظام عالمي نفعي يستمد ميثاقه التأسيسي من شريعة الغاب ولا يعبأ بالمثاليات التي اتفق عليها بنو البشر أو القيم الأخلاقية التراحمية.

فالطرح الفكري الذي تأسست الحضارة الغربية على دعائمه هو طرح مضاد للأديان بصفة عامة، ويرى في تلك الأديان أحد العوائق المركزية التي حالت دون تقدم البشرية.

فها هي الأسطورة اليونانية القديمة (برومثيوس) والتي أسهمت كثيرًا في تشكل العقل الغربي بصيغته الحالية، تقول الأسطورة أن الألهة قد منعوا المعرفة عن البشر حتى لا يمتلكوا القدرة على تحدي هؤلاء الآلهة في المستقبل، غير أن برومثيوس سرق العلم والمعرفة من هؤء الآلهة ووهبها للإنسان الذي بني بهما حضارة عظيمة، فعاقبت الآلهة برموثيوس بالمكوس في العذاب الأبدي، وعاقبت الإنسان بنشر الشرور في العالم.

ومن ثم يرى العقل الغربي أن الدين هو ضد العلم، وأنه لا خلاص من الواقع ولا تقدم إلا بالتحرر من سلطة الدين، فهو مضاد للمعرفة دائماً وأبداً.

فها هي البشرية بفعل هذه الأطروحات وغيرها وقد طارت بجناحين: أحدهما عملاق وهو التقدم المادي، والآخر قزَّمته صراعات طويلة وأطروحات إقصائية، وهو التقدم الروحي، فاختل الطيران وكادت أن تسقط.

فهي إذن بحاجة لخطة عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقايا الروح التي قوضتها مرحلة ما بعد الحداثة فسقط الإنسان في غياهب العدمية وفقدان المعنى، إذ أن كل تقدم مادي يتطلب تقدُّمًا روحيًا يفوقه أو على الأقل يساويه لتستقيم المسيرة الإنسانية.

وفي التحليل الأخير، فالادعاء بأن الدين هو السبب المركزي وراء العنف والصراعات والحروب في هذا العالم، هو ادعاء يفتقد لأي أساس علمي بحثي.

فالحقيقة المجردة أن للحروب والعنف أسباب عدة يأتي على رأسها: الاستبداد الديني/ السياسي، تصاعد النعرات القومية، التوظيف الخاطئ للدين لصالح أطماع اقتصادية أو سياسية أو لأجل إنفاذ أطروحة أيديولوجية ما، أضف إلى ذلك العنف البنيوي المتمركز في صلب الحضارة الغربية وفي عمق نسقها الفكري.

ومن ثم فإن ادعاء المفكر الفرنسي رينيه جيرار بأن العنف وُلِد من رحم المُقدَّس هو ادعاء قد جانبه الكثير من الصواب، فمحاولة تقديم الدين قربانًا على مذبح السببيّة وتوريطه في علاقة مباشرة مع الحروب والعنف باعتباره أحد أسبابه المركزية هي محاولة حتمًا لابد أن يكتنفها الفشل، فالظواهر الإنسانية (العنف واحدة منها) هي ظواهر معقدة وتتداخل فيها عوامل عدة، فقط تختلف تلك العوامل في درجة تأثيرها في تلك الظاهرة بين رئيسية وثانوية، ولنا في هذا الطرح مقال قادم بإذن الله.

 

دكتور محمد عمارة تقي الدين

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5661 المصادف: 2022-03-06 03:50:05


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5776 المصادف: الاربعاء 29 - 06 - 2022م