قضايا

الموروث والتراث

إن ما يحدث اليوم بين صفوف شعوبنا العربية؛ التي ابتليت بنفسها وبحكامها وبجيرانها ليس غريبا، فقد ورثنا ذلك العبء الثقيل عن أجدادنا اللئام الكرام، وزرعه فينا آباؤنا وأخوالنا وأعمامنا، وشربناه مع مياهنا، وتناولناه مع ثمار حقولنا، وشممناه مع رياحنا، وسكن مساماتنا من خلال تراب أرضنا، فنحن أمة التناقضات، أمةٌ أكلت ربها زمن التقحم والمجاعة، وباعت مفتاح كعبتها في زمن السكر والطرب والعربدة، وهذا ليس تجنيا، بل هو حقيقة تداولتها الصحف، وأورد حكاياتها التاريخ.

ومن التناقضات الغريبة في أمتنا أنها أمة حية فاعلة مؤثرة ومتأثرة، كانت على استعداد لتقبل الآخر مهما كانت عقيدته، مع أنها كانت على استعداد لمحاربته أو محاربة أي جزء آخر منها متى ما اقتضت الضرورة وألحت الحاجة، سواء الحاجة للكلأ والمرعى أو الماء أو المال، بدليل تعدد الأديان بين صفوف مكوناتها القبلية، إذ يذكر أن أديان قبائل العرب في الجاهلية كانت عديدة، فمنهم من عبد الأوثان وصورها بشتى الأشكال، وكانوا يصنعونها بأيديهم من المعدن أو الخشب أو حتى المأكول، ثم يقفون أمامها خاشعين، وعبد فريق منهم الكواكب مثل كوكب الشعرى اليمانية، وهؤلاء رد الله تعالى عليهم بقوله: {وأنه هو رب الشعرى}، وعبد فريق آخر منهم الجن والملائكة، قال تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون}. غير ذلك كانت الديانات السماوية معروفة لديهم وفيهم من اعتنقها حيث كانت الديانة المسيحية في طي وربيعة وغسان وفي قسم من قضاعة، وكانت الديانة اليهودية في حمير وكنانة وبني الحارث بن كعب وكندة، ومع هاتين الديانتين كانت المجوسية في بني تميم، وكانت الزندقة فاشية في قريش، وهؤلاء الزنادقة هم الذين قال شاعرهم للنبي (صلى الله عليه وآله):

يحدثنا الرسول بأن سنحيا       وكيف حياة أصداء وهام؟ (1).

من لطائف ما ذكر عن المواد التي كانت تصنع منها الأصنام، قصة بني حنيفة، وكان بنو حنيفة من القبائل التي تعبد الأوثان والأصنام، يذكر أن الوثن هو ما صنع من الحجارة، أما الصنم فهو ما صنع من الخشب أو الذهب أو الفضة، وقيل: إن الصنم ما كان له صورة، أما الوثن فهو مالا صورة له. المهم أن بني حنيفة كانوا قد اتخذوا إلهاً من حيس، والحيس هو التمر يخلط بالسمن ويعجن سوية، فعبدوه دهرا طويلا، ثم أصابتهم مجاعة شديدة، فأكلوا ربهم بلا استحياء، فقال رجل من بني تميم معرضا بهم: "أكلت ربها حنيفة من جوع قديم بها ومن إعواز" (2).

وقال آخر:

أكلت حنيفة ربها زمن التقحم والمجاعة     لم يحذروا من ربهم سوء العواقب والتباعة (3).

وهذا ليس غريبا، بل الغرابة كل الغرابة أنهم كانوا يعرفون أن هذه الآلهة لا تنفع ولا تضر، ولا قدرة لها على منع الثعالب من التبول عليها، إذ يروى أن رجلا من العرب اطلع يوماً على صنم لهم، كانوا يعبدونه، فرأى ثعلباً يبول عليه، فقال:

أربٌّ يبول الثعلبان برأسه    لقد ذل من بالت عليه الثعالب (4).

ومع ذلك كانوا يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى، وأعتقد أن بعض شعوبنا المعاصرة ورثت عنهم هذه الميزة فاستسهلت صنع الأرباب المزعومين وعبادتهم والتحرك طوع أمرهم، وهو ما جعل شعوبنا تزخر بالتناقضات الغريبة التي جعلت المقدس رخيصا بشكل لا يصدق، فأهلنا لم يكونوا يأكلون ربهم إذا جاعوا فحسب، بل كانوا يبيعون أقدس ما لديهم بكأس خمر، إذ باع أجدادنا المخدوعين من قبل اصحابهم مفاتيح بيت الله الحرام بزق خمر، والحمد لله أنهم لم يبيعوها لغريب، وهو ما قال عنه شاعرهم:

باعت خزاعة بيت الله إذ سكرت      بزق خمر فلا فازت ولا ربحت (5).

هذا البيت يحكي قصة مفادها أن قبيلة خزاعة كانت لها سدانة البيت قبل قريش في زمن الجاهلية، وكان أبو غبشان (سليم بن عمرو الخزاعي) يلي ذلك، فاتفق عليه أن اجتمع مع قصي بن كلاب في شرب بالطائف، فخدعه قصي عن مفاتيح الكعبة بأن أسكره، ثم اشترى المفاتيح منه بزق خمر وأشهد عليه، ودفع المفاتيح لابنه عبد الدار بن قصي، وطيره إلى مكة. فلما أشرف عبد الدار على دور مكة رفع عقيرته وقال: معاشر قريش، هذه مفاتيح بيت أبيكم إسماعيل، قد ردها الله عليكم من غير غدر ولا ظلم. فأفاق أبو غبشان من سكرته أنجم من الكسعي، فقال الناس: "أحمق من أبي غبشان"، و"أندم من أبي غبشان"، و"أخسر صفقة من صفقة أبي غبشان" (6).

إن ما مر علينا عبر تاريخنا الطويل ولغاية هذه الساعة لا غرابة فيه، فهو لا يختلف كثيرا عما مر على الأمم والشعوب الأخرى من حولنا، بل ربما كان أجدادنا أفضل من غيرهم، ولاسيما بعد أن منَّ اللهُ عليهم بالإسلام، وبفضله نجحوا في السيطرة على الجزء الأكبر من العالم المعروف يومذاك، ونقلوا علومها وخزائن كتبها إلى ديارهم مع ما كسبوه من جواري وإماء وغلمان حسان وذهب وخمور، بمعنى أن العالم كان متقارب الوجود والعيش بشكل أو بآخر، فلماذا تقدم العالم كله بما فيه تلك البلدان التي كانت خاضعة لنا، بينما نحن نزداد تخلفا وتأخرا وهمجية وتفرقا وتحزبا وطائفية وخبثا؟ أيصح ان يكون ذلك بسبب كثرة الأرباب عندنا، أم بسبب استهانتنا بالمقدس الحقيقي وتقديم المدنس عليه نصرة لحزبنا أو طائفتنا او مذهبنا أو قومنا!

***

الدكتور صالح الطائي

......................

الهوامش

(*) هنالك خلط بين المصطلحين، كان الراحل زكي نجيب محمود قد أزال التباسه، فأوضح عمومية (الموروث) الذي يمثل كل ما ورثته الأمة عن أسلافها، قبالة خصوصية (التراث) الذي يمثل الجزء الذي اصطفته الأمم من عمومية الموروث.

(1) عبد الجبار، عبد الله، قصة الأدب في الحجاز، عبد الله عبد الجبار ومحمد عبد المنعم خفاجي، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ص196.

(2) ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم، المعارف، دار الكتب العلمية، بيروت، 1407هـ ـ 1987م، ص 9١.

(3) الحميري، نشوان بن سعيد اليمني (ت: 573 هـ)، الحور العين، تحقيق: كمال مصطفى، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1948، ص38.

(4) الحميري، المصدر نفسه، ص14.

(5) ابن سعيد المغربي، كتاب نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب، تحقيق: الدكتور نصرت عبد الرحمن، مكتبة الأقصى، عمان – الأردن، ص14ـ15.

(6) الثعالبي، عبد الملك بن محمد بن إسماعيل، (ت: 429هـ)، ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت، 1424هـ - 2003م. ص116. وابن قتيبة، المعارف، ص 91.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5856 المصادف: 2022-09-17 04:13:30


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5934 المصادف: الاحد 04 - 12 - 2022م