عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

شيماء هماوندي: صيدلية الفلسفة بين فارماكون أفلاطون ومطرقة نيتشه

إن التداوي بالفلسفة ممارسة قديمة، رغم أنها عادت للظهور والإنتشار من جديد في عصرنا، وإن إستخدام (الفلسفة كدواء) قديم قِدَم الفلسفة ذاتها، حيث إستخدم الحكماء والفلاسفة القدماء الفلسفة بوصفها دواءً لعلاج الروح، وأمراض العقل، وإن خير ما يمكن أن يقال في حق الفلسفة هو انها: (صيدلية) لعلاج مشكلات الإنسان اليومية، حيث تتضمن الفلسفة انواعاً متعددة من المناهج والأفكار الفلسفية التي تصلح أن تكون دواءً لمشكلات الإنسان الحياتية، والتي يمكن أن نطلق عليها مجازاً إسم( الأدوية الفكرية) لعلاج الأزمات التي يواجهها الإنسان المعاصر، والدواء الفلسفي يستطيع ان يشفي الروح من أسقامها، ويُخلص الإنسان من الألم والمعاناة الفكرية والنفسية، ويحرره من المشاعر السلبية، ويكون عوناً له في التخلص من الهموم الحياتية، وتتضمن الفلسفة العديد من المناهج الفلسفية الفعّالة التي يمكن إذا تم تطبيقها بشكل عملي أن تصبح (وصفات فلسفية) يمكن إستخدامها كدواء فلسفي لشفاء الروح والعقل، ويجب أن نشير الى أن صيدلية الفلسفة لا تقدم وصفة فلسفية واحدة لعلاج جميع مشكلات الإنسان، فلكل مشكلة علاج خاص بها، ولا يصلح لغيرها، والفيلسوف يختار لكل مشكلة مايناسبها من الصيدلية الفلسفية لعلاج المشكلات الفكرية.

ويعد مفهوم (صيدلية الفلسفة) إستعارة متكررة في التراث الفلسفي الغربي، تفيد بان الفلسفة تقدم دواءً لعلاج امراض الروح والفكر، ويتجلى هذا المفهوم بوضوح في قراءتين محوريتين هما: جاك دريدا Derrida،(صيدلية أفلاطون) La Pharmacie de Platon ، وإستعارة (المطرقة) عند نيتشه Nietzsche ،حيث يُحلل "دريدا" مفهوم الفارماكون (Pharmakon) عند أفلاطون Plato، بينما يقوم "نيتشه" بتكسير الأوهام الفكرية بمطرقة الفلسفة.

 والفارماكون  Pharmakon كلمة إغريقية تحمل دلالة  ومعنى مزدوج (الدواء، والسم)، وعند أفلاطون الكتابة هي فارماكون Pharmakon، لأنها دواء للذاكرة وسم للنسيان في آنٍ واحدٍ، إذ تُضعف مَلَكة التذكر الحي، وتولّد وهم المعرفة دون فِهمٍ حقيقي، فهي دواء للنسيان، وفي نفس الوقت هي سمٌ للذاكرة الحية، فالعلاج الأفلاطوني يقوم على الحوار الحي Dialectic بوصفه (دواء أصيل)، فهو "سمٌ وترياق" في الوقت نفسه، حسب طريقة الإستخدام، فالفلسفة تكون دواءً فقط إذا تم إستخدامها بالطريقة الصحيحة، وإن فارماكون  Pharmakon أفلاطون يعطي معنى ودلالة مزدوجة فهو (دواء) وعلاج، ولكنه يمكن أن يكون سم في الوقت ذاته، وبما أن أصل كلمة صيدلة Pharmacy الإنجليزية مشتقة من الإغريقية Pharmakeia، بمعنى ( دواء، سم، تعويذه)، وهي باللاتينية Pharmacia  بمعنى (تحضير الأدوية)، و(علم الأدوية)، وبالفرنسية Pharmacie ، فإن هذا يفسر سبب إختيار "دريدا" عنوان "صيدلية أفلاطون" ليعبر عن فلسفة أفلاطون في الشفاء الفلسفي، لأن الفارماكون Pharmakon يحمل الثنائية نفسها في المعنى (العلاج، والضرر).

وفي المقابل نجد نيتشه Nietzsche ينقل مفهوم صيدلية الفلسفة الى مستوى علاجي آخر، إذ يرى نيتشه أن القيم الأخلاقية والميتافيزيقة الموروثة هي سموم اضعفت الإنسان، وإن العلاج النيتشوي يهدف الى تكسير هذه الموروثات ليفسح المجال لخلق قيم جديدة.

إن فلسفة نيتشه معروفة بأنها "فلسفة المطرقة"The Hammers Philosophy، ولُقِبَ نيتشه (بالمطرقة) لأنه كسر أوهام الإعتقاد، وإستخدم الفلسفة بوصفها (مطرقة) لتكسير الأوهام والمعتقدات الفكرية الخاطئة، فالمطرقة هنا ليست مجرد اداة بناء، بل هي اداة إختبار وتكسير، وبذلك يكون نيتشه "فيلسوف المطرقة" الذي يتعامل مع الفلسفة بوصفها "أداة العلاج النيتشوي" الذي لايقدم دواءً جاهزاً، بل يكسر القيم والإعتقادات والأوهام السائدة، ويقدم دواءً مزدوج الفاعلية، دوره التخلص من الأوهام، وبناء الإنسان القوي فكرياُ، ليفسح المجال لقيم جديدة وإنسان متفوق، فالفارماكون الأفلاطوني يبحث عن الدواء الأصيل لمشكلات الإنسان، والمطرقة النيتشويه تبحث عن المستقبل الأفضل للإنسان.

***

شيماء غازي هماوندي