قراءة في كتاب

محمود محمد علي: الذاكرة والمصير.. قراءة في فكر فتحي التريكي (2)

محمود محمد علي3- التعريف بالمؤلف:

في حياة الأمم والشعوب أفراد يتميزون عن غيرهم بحيوية الفعل، وبالقدرة علي التضحية، وقد عرفت العراق الشقيقة نماذج رائعة من هذا النوع من الرجال الذين شكلوا طلائع الإحساس العميق بضرورة التغيير، وتمتعوا بقدرة كبيرة علي الاستنارة، وكان المفكر والباحث والكاتب الدكتور فتحي التريكي، واحداً من كبار المفكرين التونسيين والذي تميز بإنتاجه العلمي الفكري الثري والمتنوع في مختلف أبعاد وجوانب العلم والثقافة.

وفتحي التريكي مفكر تونسي معروف في العالم العربي، حصل على دكتوراه في الفلسفة السياسية من جامعة السوربون بباريس وعلى دكتوراه الدولة في الفلسفة من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس. ويعمل استاذ كرسي اليونيسكو للفلسفة بجامعة تونس. ساهم صحبة جاك دريدا في اقتراح فلسفة التعايش والتعقلية واقترح أيضا فكرة تقاسم الكونية.

شغل منصب عميد كلية الآداب والعلوم الانسانية بصفاقس من 1990 إلى 1996 وعُين في كرسي اليونسكو للفلسفة بالوطن العربي في 1997. ثم عمل أستاذا زائرا بجامعة ديوك بالولايات المتحدة في 1999 وبجامعة باريس 8 في فترات متباعدة زمنيا سنتي 2000 و2007.

ولقد ترجمت أعماله إلى اللغات الأجنبية. درّس الفلسفة في جامعات كثيرة ببلده تونس وفي باريس كما شغل منصب كرسي اليونسكو في العالم العربي وساهم في الفعل الفلسفي بالندوات والمحاضرات تونسيا ومغاربيا وعربيا ودوليا فضلا عن مؤلفاته العديدة باللغة العربية والفرنسية منها على سبيل المثال: الفلاسفة والحرب (1985)، وأفلاطون والديالكتيك (1986)، وفلسفة التنوع (1987)، الفلسفة الشريدة (1987)، والعقل والحرية، وفلسفة الحداثة (1992)، (بالاشتراك مع د. رشيدة التريكي)، والحداثة وما بعد الحداثة (2003)، (بالاشتراك مع د. عبدالوهاب المسيري)، والهوية ورهاناتها (2010) وغيرها كثير.

تشغل الدكتور فتحي التريكي قضايا متعددة متضافرة مثل “فلسفة اليومي” التي تحتل مكانة خاصة في نشاطه الفلسفي وإلى جانب ذلك فهو يعالج عنقودا من القضايا الفكرية الساخنة الراهنة التي شغلت ولا تزال تشغل المفكرين المعاصرين في بلداننا وفي مختلف بلدان العالم وفي مقدمتها “أخلاقيات الفلسفة المعاصرة”، و”مجال التفلسف”، و”التعددية الثقافية” و”تضافر الثقافات”، و”المعقولية وثقافة التقدم”، و”الفلسفة والقول في الفن”، و”الهوية” و”دور المثقفين” في حركات التغيير السياسي والاجتماعي.

والجدير بالذكر هو أن عددا من الكتب والأطروحات الجامعية قد أنجزت حول أعمال "فتحي التريكي"، والتي كشفت لنا أن فتحي التريكي ينتمي إلى دائرة ما نطلق عليه اليوم الفلسفة العربية المعاصرة التي يتناول ممثليها بشجاعة مثيرة للإنتباه حاضر السؤال الفلسفي، والذي لم يعد محصورا في إنتاج الأنساق بقدر ما هو في التفكير، الفلسفة ذاتها التي يسميها بفلسفة التنوع والتي تتأسس على الإيمان بالعقل والحرية كطابع تتأسس عليه الفلسفة اللانسقية أو الفلسفة الشريدة النص الذي من خلاله يؤسس لشرعية السؤال الفلسفي والذي بدوره لم يعد حكرا على جغرافية معينة أو جنس بشري لا لشئ سوي لأن كل سؤال للفلسفة يجب أن ينبني على العقل الذي لا يقبل حصرا جغرافيا أو عرقيا، فالفلسفة الشريدة هي بيان لشرعنة التجربة الفلسفية من جهة، ومن جهة ثانية تحرير عملي من الأزمة السيكولوجية التي وضع الفكر العربي نفسه حبيسا لها (12).

وتبعا لذلك فإن البحث عن الفلسفة في رأي "فتحي التريكي" يتجلي في البحث عن فلسفة التنوع، والتي يعرفها في مدخل كتابه الفلسفة الشريدة كالتالي: لم نعد  نعتبر الفلسفة ذلك التفكير الكلي الموحد الذي يعطيك فكرة إن لم نقل حلا لكل سؤال يطرح عليها حسب هذه الوحدة الشاملة، لم تعد نسقا وحيدا، متماسكا بل أصبحت حرية وتنقلا شتاتا وتعددا تنتجها ميادين فتاتي مختلفة الأوجه متباينة المضارب والمآرب، إنها فلسفة مناهضة للنسقية والمذهب كما أنها تقوم على نقد العقل الموحد ورفضه ليحل محله منطق العقل المتنوع، وبناء على هذا تصبح الفلسفة المفتوحة تجمع الأفكار لتكوين  خطابات مختلفة من أجل التدخل في العلوم المختلفة، في الفن، والدين لتطور العلوم المختلفة، يغية توضيح المفاهيم وتحديد المناهج والدفاع عن حرية التفكير والإبداع، فالفلسفة المفتوحة بهذا المعني تعني اللانسقية واللامركزية واللاسيد في الخطاب الفلسفي، لأن الفلسفة قبل أن تصل إلى مرحلة الشرود والتنوع كثيرا ما كانت تتحدد مع تاريخها، أي تجعل من تاريخها وتاريخ أفكارها موضوعا للدراسة والبحث . ومن ثم أصبحت تعود غلى أصلها وتاريخها، وتلم بالأنساق الفلسفية السابقة وتفسرها وتصنفها إلى مذاهب وتيارات فلسفية عديدة وأصبحنا نحن بدورنا تايعين لهذا التصنيف والتقليد (13).

4- أقسام الدراسة:

يري "فتحي التريكي" أن الذاكرة ركيزة الحاضر، والتقاليد هي عامة تأصيل الذاكرة في الحاضر، وهي حضور الماضي واستمرار حيوي للوظائف الأساسية للمجتمع . فليس الحاضر كما يري المؤلف تقويض الذاكرة، وتلك التقاليد ولا يمكن أن يكون تكسير ما قد ركزته الذاكرة من تقاليد اجتماعية حيوية تضمن استمرارية نمط العيش في المجتمع ... وبهذا المعني، تبقي الذاكرة حيوية في الحاضر، وبهذا المعني تبقي التقاليد ضمانا لها . أما إذا أصبحت هذه الذاكرة وهذه التقاليد ثوابت مانعة لكل تحول فكري واجتماعي، إذا تحولت إلى نسق يفرض السكون والسكوت والثبات والانغلاق، فإن الحاضر يتحول إلى عملية صراع مع هذا النسق فيفرض بدوره التجاوز بأن يعود إلى الذاكرة لإظهار عوامل التغيير والحركة فيها كما يفرض النظر إلى المستقبل والمصير ركيزة للتحول وللعيش المشترك في كنف الكرامة (14).

ويستطرد "فتحي التريكي" فيقول:" هكذا سوف لن تكون كتابة السيرة الذاتية استكشاف الحقائق ورفع النقاب عن المجهول في حياة الكاتب ولن تقصد التشويق والإثارة ومعرفة الأحداث التي تهم الكاتب وإبداعاته فقط، فهي أيضا إحياء للحاضر من جديد باعتبار أن الحاضر يضمحل في اللحظة التي يعيشها الفرد ليدخل عالم الذاكرة ... يستهرب الحاضر دائما كالزئبق .. ويتركنا أمام مصيرنا.. عندئذ تكون سردية الذاكرة إبداعا في حد ذاته يأتي عادة في ثلاثة محاور أساسية . أما المحور الأول فهو يقوم على سرد العواطف والشعور . وكل ما يدخل في باب الوجدان وهي عملية صعبة تتطلب أحيانا تمزيق الغطاء الذي يحمي الفرد في حميميته ولكن ومع ذلك فإن شغف القارئ يزداد قوة عندما يجد في السيرة الذاتية عملية رفع النقاب عن الحميمي . إنها تشبه لذة استراق النظر، ولكن الوجدان هو انفتاح فوري ودون واسطة على الوجود.. أما المحور الثاني فيقوم علي العقل وتدبير الحياة وقد لا يهتم بهذه السردية الكبيرة من القراء لأنها قد تأتي في أسلوب غير تشويقي .. أما المحور الثالث فيهم أخلاقيات التعامل مع البشر والحيوان والطبيعة، وللقارئ اهتمام خاص بكيفية التعامل مع المبادئ وبناء المصير . فالحياة هي ايضا نضال متواصل من أجل قيم اختارها المرء لبناء مصيره ومصير وطنه ومحيطه .. نضالات لا تنتهي بأفراحها وأتراحها .. وستلعب الذاكرة هنا دور استئناف تلك النضالات من جديد .. لأن ذكرها من خلال تذكرها هو في حد ذاته نضال مستم (15).

لم يكتف بذلك بل يؤكد "فتحي التريكي" فيقول:" وشخصيا في هذا الوصف لمسيرتي الذاتية سأركز على المحور الثالث دون أن أترك المحورين الأولين لأنني أبتغي أن يكتشف القارئ بعض الجواني في مسيرتي والتي لم أتحدث عنها كثيرا أو بقيت غامضة .. إني أعتبر كل كتبي التي ألفتها أو التي حررتها أو التي شاركت فيها هي محطات نضالية من أجل عيش مشترك في كنف الكرامة . والاشتراك هنا يكون مع الأخ والصديق والزميل والمواطن والإنسان ولكن وأيضا مع الحيوان ومع الطبيعة من خلال قيم الجمال والكرامة .. واخترت نتيجة ذلك ألا يكون هذا السرد تعاقبا زمنيا بداية من الصغر وصولا إلى آنية الكتابة (16).

ثم يفتح "فتحي التريكي" سيرته بالحديث عن البيت العائلي الكبير الموجود على أطراف مدينة صفاقس، بيت ستلتقي فيه لاحقاً أسماء وازنة في الأدب والفكر والسياسة من أمثال محمود المسعدي ودرة بوزيد وحنا مينة وفرانسوا شاتلي وغيرهم... وكسائر مسارات الإنتلجانسيا العربية والمغاربية سيدخل الكتّاب وسيكون القرآن هو النص الأول في علاقته بالقراءة والكتابة (17)، وهو يروي لنا سيرة طفولته في هذا البيت العائلي، تصدمنا بشكل جارح صورة العم فرج، الرجل المخصي الذي يرتدي ألبسة غريبة لا هي تلك الخاصة بالرجال ولا تلك الخاصة بالنساء، لقد تم خصي هذا الرجل لأنه كان ينتمي إلى عائلة عبيد البايات، وكان طباخ زوجة وبنات الباي (18).

في هذا البيت، سيقضي "فتحي التريكي" طفولته ومراهقته، بين أسرة منسجمة محافظة لكنها ليست متعصبة، إذ يسمح الأب فيها لبناته الثلاث بالالتحاق بالمدرسة ولاحقاً الجامعة. ينهض وعي الفتى على أسئلة سياسية مركزها الحبيب بورقيبة بأفكاره الجريئة، وسيدخل المدرسة بأطوارها المنتظمة وسيتعلم باللغتين العربية والفرنسية، وسيكتشف مبكراً موهبته الأدبية، وسيكتب الشعر ويرسل قصائده إلى البرنامج الأدبي الإذاعي وسيعرف نجاحاً يجعل منه شاعر الثانوية، بل يُدعى إلى المشاركة في ملتقى خاص بالشعراء لإلقاء محاضرة عن أبي القاسم الشابي الذي يمثل طريقة الأول للكتابة والقراءة (19)، ولدى الالتحاق بالجامعة طالباً في قسم الفلسفة، ستعرف حياة فتحي التريكي انقلاباً جذرياً، وبالأساس بعد أن يقيم في شقة يؤجرها مع طلاب آخرين بشارع الحبيب بورقيبة، ولأنهم لم يكونوا يملكون خمسين ديناراً مقابل الكراء، فقد طلبوا من الفيلسوف ميشال فوكو الذي كان يدرّس في الجامعة أن يقرضهم المبلغ، وهو بالفعل ما حصل (20).

لقد فُتح باب الفلسفة لفتحي التريكي من خلال ميشيل فوكو، بحضوره وذكائه واجتهاداته، وسيكون هذا اللقاء محدداً لمصيره، ومساندة لقضية المرأة التونسية، فقد ألقى فوكو محاضرات عامة في نادي الروائية التونسية جليلة حفصية التي كانت تكتب بالفرنسية، وقد اندمج فوكو إلى حد كبير في الحياة الاجتماعية التونسية، كما يروي الكتاب، وكان على اتصال بنضالات الطلبة، بل إن بيته في سيدي بوسعيد سيصبح مقراً للقاءات المناضلين اليساريين (21).

إن انغماس فوكو في الحياة التونسية سياسياً وثقافياً جعله يعطي مثالاً مختلفاً عن الصورة النمطية للفيلسوف وذلك بانشغاله باليومي، وليقول لنا إن الفلسفة ليست منقطعة ولا مقطوعة عن الحياة اليومية، وهو ما جعل فتحي التريكي يمارس التفكير الفلسفي في تقاطع وجدل مع الفعل السياسي اليومي. ومنطلقاً من ذلك، تعرض هذه السيرة الذاتية محطات السجن والتوقيف والملاحقات والإقامة الجبرية التي تعرّض لها فتحي التريكي في مساره كطالب ومن ثم كأستاذ جامعي، والصعوبات السياسية التي اعترضت حياته المهنية لاحقاً (22).

ويعرض "فتحي التريكي" من خلال هذه السيرة الذاتية "الذاكرة والمصير: محطات في سيرتي الذاتية"، مرحلة الثورة وسقوط نظام بن علي وما بعدها وما رافق ذلك من خوف من صعود الإسلاميين واستحواذهم على السلطة والمؤسسات، وفي هذا ندرك كيف يُنْزِل الفيلسوف الفلسفة إلى الشارع لترافق المتظاهرين ولتصنع السؤال الفلسفي الذي يحاور ويفكك حلم التغيير الذي رفعته الآلاف التي أسقطت الديكتاتور، وكيف يسهم الفيلسوف في صناعة يوميات الثورة من خلال المشاركة في التظاهرات وأيضاً من خلال عضويته في "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي" (23).

بهذه السيرة الذاتية، ندرك بأن زمن الفيلسوف الذي يعيش في البرج العالي قد ولّى، وهذا زمن جديد قد حل حيث لا وجود للفلسفة والفيلسوف إلا في معترك الحياة اليومية، فالمفاهيم تنحت من مساهمة الفيلسوف في التغيير ومن حركية التاريخ الذي يصنعه اليومي في تفاصيله الغنية.

والسؤال الان هو: هل نجح المؤلف في تحقيق هذا الهدف الذي نذر كتابه له؟

في ظني أن المؤلف تمكن – إلي حد كبير – من تحقيق هذا الهدف، إذ يلحظ القارئ – المنصف- أن فتحي التريكي أكد علي حقيقة مهمة في هذا الكتاب وهو أن  أدب السير لا ينتعش حقيقة إلّا في المجتمعات التي تعطي للفرد حرّيته وقيمته الذاتيّة. لذلك نري الكاتب يعلن بأننا:" لن تجد هذا النوع من الكتابة منتشرا في المجتمعات العربية المغلقة والتي تحرّم وتكفّر وتغلق التفكير في الذات والتجارب الفرديّة بينما لنا طاقات عجيبة وذات أهمّية قصوى في كتابة تاريخ الأمّة. نحن شعب الجماعة ولسنا شعب الذات. وقد بدأت الرواية في تعرية الفرد والاهتمام بالحياة الفرديّة والحميميّة ولكنّ ذلك يدخل ضمن باب الخيال ويشير إلى آخر نتحدّث عنه بينما السيرة ملزمة لأنا المتكلّم وكلّ حدث بل كلّ لحظة تضمّنتها سرديّة السيرة خيالية كانت أم واقعيّة تلزم الكاتب وتصبغ صورته نهائيا. كلّنا قرأنا الأيام لطه حسين وبقيت في أذهاننا الصورة التي بناها لنا بإتقان عجيب. لكلّ ذلك ترددت كثيرا قبل كتابة سيرتي الذاتية....وعلى هذا الأساس وجّهت الحفر في الذّاكرة أساسا نحو نضالاتي المتعدّدة في مراحل مختلفة من مسيرتي وسأخصص الجزء الثاني للحديث عن سيرتي الفلسفية وأملي أن يستفيد القارئ منها. فالذاكرة ركيزة الحاضر، والتقاليد هي عامة تأصيل الذاكرة في الحاضر، وهي حضور الماضي واستمرار حيوي للوظائف الأساسية للمجتمع" (24).

كما أن حرص "فتحي التريكي" علي الموضوعية والحياد، لم يصل إلي درجة التجرد من الحرص علي منطلقات الأمة وثوابتها، بل راح يعلق بين الفينة والأخرى، ويحاور القارئ ويشركه في الحوار، ويبدي غضبه أحياناً ممن يمس عقيدته أو ثوابته،حتي أنه يقول بصراحة:" في كلّ أعمالي تقريبا حاولت التشهير بسلطان الكلمات التي تأتي في قالب مذهبيّة مغلقة وبكلّ هيمنة للمذاهب الكليانيّة في الميدان السياسي وفي الميدان الفلسفي على حد السواء. لكلّ ذلك دافعت عن الفلسفة المفتوحة التي تضم داخلها كل المواضيع الفلسفية الكلاسيكية من جهة ومواضيع الحياة اليوميّة المتنوّعة من جهة أخرى.. لهذا السبب على كلّ ممارسة فلسفية إذا أردنا إحياء الفكر الفلسفي من جديد في عالمنا العربي أن تتجنّب إضفاء المشروعية الدائمة على ما نعرفه من قبل وبالتالي على كل تارخيّة مفرطة للفلسفة ولتعليمها. فعليها أن تكف عن نبش جثتها وتشريح أعضائها وأن تكون قولا توضيحيا وتفكيريا في مواجهة فعلية لايديولوجيا الارتكاس، أي في مواجهة فقدان الذات والعدم. فالإشكال عندنا وجودي مصيري ينطلق من السخط المشترك الذي لاحظناه عند المثقفين العرب على الوضعية التي آل إليها فكر الحداثة والمعاصرة في المجتمعات العربية والفهم المغلوط والمنحرف لمعانيه الدّقيقة مما دعا البعض إلى تعمّد إقصاء كافة تميّزاته ونعته بالفشل والدعوة إلى التخلي عنه إما في سبيل تجاوزه نحو ما سمّي "بما بعد الحداثة" وإما تنكرًا ودعوة إلى إحياء السلف وتمترسًا بالأيديولوجيا التراثيّة الارتكاسية والرجعية (25).

ويستطرد "فتحي التريكي" فيقول: لقد هيّأت الفلسفة المفتوحة في العالم العربي أمكانيّة النضال ضد الأنغلاق الفكري والسياسي لذلك وجب في رأيي أن تتمحور الإشكالية الأساسية للفلسفة العربية المعاصرة حول الحرّية والمواطنة. ولا أشك لحظة أنّ القصد في الفلسفة العربية المعاصرة بإمكاناتها المحدودة تحاول تركيز فكرة المواطنة في الحياة الاجتماعية العربية وألخّصه في تصّور التعقّليّة في معاملاتنا المختلفة على كل المستويات. من هذا المنظور لابد على المثقف العربي أن يناضل ضد مظاهر العنف والإقصاء بواسطة تجذير العقل في حياتنا اليومية والانفتاح على الغير. نعني بالغير الإنسان الآخر الذي هو إنسان مثلي له نفس الحقوق ووجوده يساوي وجودي انطولوجيا و أخلاقيا وقانونيا، ولكنه يختلف عني في نمط وجوده وحياته وقناعاته. يعني ذلك أن "الإنسان الغير" ليس هو فقط غير أنا بل هو أنا آخر، أنا الغير، هو الأنا الذي يختلف عن ذاتيتي وهو موجود مثلي في عالمنا المشترك له حضوره كأنا آخر سواء كان في علاقة معي أو كان منفصلا كل الانفصال عني. وبإيجاز كبير يمكننا إحياء الفكر الفلسفي عندنا بتجديد مفاهيمنا ولإبداع نظريّات تناسبنا وتحيي معاصرتنا وحداثتنا حتّى نتعايش في كنف الكرامة" (26).

ويسرني في نهاية هذه القراءة أن أبارك للأستاذ الدكتور فتحي التريكي تأسيسه لموضوع جديد وهو السيرة الذاتية الفلسفية، حيث إن أغلب  ما يقصد إليه المفكرون والفلاسفة، أثناء كتابة سيرهم الذاتية، هو النمو الروحي والفكري لشخصياتهم، ثمّ التطور المعرفي الذي يطرأ على رؤاهم إزاء مشكلات الفهم المختلفة، وأيضاً قياساً إلى العوامل المحيطة بهم، وليس من قبيل الشخصانية المتمحورة حول الأنا، ما يدفعهم إلى الكتابة عن أنفسهم. وإمّا هو الربط بين سيرهم ومسيرتهم العلمية والثقافية ما يجنح إلى فعل ذلك.

وفي رأيي "فتحي التريكي"، فالفلسفة التي أصبحت ذات اتجاه تنوّعي وتطبيقي يمكنها فتح مجالات فكرنا نحو إحداثيات العصر حتّى نمتلك عصرنا ونفهم آلياته. وعندما يقترب التفكير الفلسفي المعاصر أكثر من مشاغلنا وهمومنا، وذلك بآليات الفلسفة وتقنياتها، مطيحاً بأرستقراطيتها وعزلتها، سيكون هذا التفكير مجبراً على إبراز الصبغة العملية التطبيقية للفلسفة، وسيعتبر أن مجالها الحقيقي قد تحدد الآن في النقد والعقل والتعقّل.. والرّهان الذي نشتغل عليه نحن في تونس اليوم، ضمن نشاط ثقافتنا وندافع عنه، هو إعطاء الفلسفة القدرة على الدفاع عن سيادة الفرد الحرّ ضدّ التحيُّز الجمعي، دون أن يسقط الفرد في غياهب الوحدة والتفكّك.

إنّ الدّفاع عن الحريّة وعن الحقّ في الاختلاف وعن الغيريّة في نظر "فتحي التريكي"، هو في النّهاية نضال من أجل أن تكون كرامة الإنسان مبدأ وأُسّاً لكلّ عيش معاً. وفي رأيي، يجب أن تكون تلك هي الغاية القصوى للفلسفة في العالم العربي إذا ما أراد اجتراح نقلة نوعيّة من استيراد الأفكار والعلوم والتكنولوجيا إلى الإبداع الحقيقي في هذه الميادين، دون التخلي طبعاً عن تقاليدنا وعن تراثنا المنير.

وحتى لا يطول بنا الحديث أقول في نهاية حديثي تحيَّة طيبة لأخي الدكتور ”  فتحي التريكي”، الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للفيلسوف الحق الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج، هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهيَّة الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وأخيراُ وعلي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الدكتور”  فتحي التريكي ”،  بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر مبدع في أعمال كثيرة ومتنوعة، ونموذج متفرد لفيلسوف نذر حياته بطوله وعرضه لخدمة الثقافة العربية، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمه من جهود.

تحيةً لـ”  فتحي التريكي ”، ،  الذي  لم تستهويه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

بارك الله لنا في ”  فتحي التريكي ”،  قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه "أشباه المفكرين" (كما قال أستاذي عاطف العراقي)، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليها ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........................

الهوامش

12- د. بن شرقي بم مزيان: التجربة الفلسفية وحدود الممارسة في فكر فتحي التريكي، منشور ضمن كتاب العيش سويا قراءات في فكر فتحي التريكي، أوراق فلسفية (15)، دار الثقافة العربية، القاهرة، 2006، ص 51.

13-د. خان جمال: فكرة الوحدة ومعقولية التنوع، منشور ضمن كتاب العيش سويا قراءات في فكر فتحي التريكي، أوراق فلسفية (15)، دار الثقافة العربية، القاهرةن 2006، ص 76.

14- فتحي التريكي:  المصدر نفسه، ص 18.

15- المصدر نفسه، ص 19.

16- المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

17- المصدر نفسه، ص 23 وما بعدها.

18- المصدر نفسه، ص 28.

19- المصدر نفسه، ص 32.

20- المصدر نفسه، ص 38.

21- المصدر نفسه، ص 41.

22- المصدر نفسه، ص 46.

23- المصدر نفسه، ص 53.

24- المصدر نفسه، ص 55.

25- المصدر نفسه، ص 63.

26- المصدر نفسه، ص 78.

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5617 المصادف: 2022-01-21 04:49:02


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5930 المصادف: الاربعاء 30 - 11 - 2022م